سميح شبيب

ما أن أخذت الأخبار تتوالى حول مبادرة جنيف، حتى أخذت مناحي معارضتها تتصاعد، بل وتأخذ أشكالاً حادة وخطرة في آن. لعل أبرز تلك الأشكال الحادة محاولة نعت تلك المبادرة بأنها مبادرة تقوم على أساس "التفريط بحق العودة"، وبأن جوهر تلك المبادرة هو تجاوز قضية اللاجئين، ولعله ليس غريباًَ على الإطلاق، في منطق ونهج الرفض الفلسطيني، الحكم على نص دون الاطلاع عليه، أو في حالات أخرى هو تجزيء نص إلى جمل، بعد بتر تلك الجمل الى أجزاء!! أخذت مناحي الرفض والتحريض ضد مبادرة جنيف مناحي خطرة، كان بعضها يلوح برد اللاجئين على دعاة مبادرة جنيف، والرد هنا ليس رداً سياسياً، بل هو رد ردعي يصل إلى محاولة إلغاء من ألغى حق العودة وفرط بملف اللاجئين.

لعله من نافلة القول أن هذا النهج الرفضوي المسبق والتعموي في آن ليس نهجاً جديداً، لكن تجديده وعلى هذا النحو، وفي هذا الأوان، بات يشكل عملاً تخريبياً حقيقياً في سياق العمل السياسي والفكر السياسي الفلسطيني عموماً.

فبدلاً من فتح باب الجدل الحر والنقاش النشط حول الوظيفة السياسية لمبادرة بحجم مبادرة جنيف، وبدلاً من نقاش النقاط الواردة في النص الخاص باللاجئين، وفي ديباجته المتضمنة إشارة واضحة لقراري:
194، 181، إضافة إلى النقاط الخمس التوضيحية، على اعتبارها شكلاً من أشكال التفكير بصوت مرتفع، في سياق مبادرة هي غير رسمية أساساً، ولا تشكل سقفاً لأحد..
بدلاً من ذلك يلتفت البعض بشدة وحدة إلى مفهوم التفريط بملف اللاجئين، بعد إلصاقه زوراً وبهتاناً بمبادرة جنيف، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى عملية تخريب مقصودة أو غير مقصودة، تقوم بحرف الأمور عن مسارها الحقيقي، فبدلاً من تحريك الجو السياسي الفلسطيني- الإسرائيلي، بعد أن نجح شارون وتياره في تسكين ذلك الجو طويلاً، ومن ثم استثماره هذا الاستثمار البشع، بدلاً من ذلك نلتفت إلى بعضنا البعض وكأننا نتمترس في معسكرين متعاكسين:
معسكر التفريط والخيانة، ومعسكر حماية الحقوق الوطنية وفي مقدمتها حق العودة. وكأن هذا الحق بات مطروحاً للتنفيذ أو التفريط، وخلال فترة قصيرة للغاية. ما جرى حقيقة ينم عن حالة تخلف سياسي، المفاجئ فيها أننا كفلسطينيين تجاوزنا لغة التخوين، ولغة إهدار الدم وفقاً للاصطفاف السياسي، ولعل بعض مظاهر ما صدر وما برز خلال مرحلة ما بعد طرح مبادرة جنيف تجديد بائس لمظاهر تجاوزناها فعلاً وحقاً. وأياً تكن مظاهر البؤس والتخلف السياسي التي ترافقت وطرح مبادرة جنيف، فلعله من البداهة القول إن حق العودة كان حقاً موحداً في الكيانية الوطنية الفلسطينية، رغم أن القيادة السياسية الفلسطينية خلال مراحل متعاقبة (1948- 1964) مرحلة الهبة العربية العليا بزعامة الحاج أمين الحسيني، ومرحلة منظمة التحرير الفلسطينية (1964-1968) بزعامة أحمد الشقيري، ومرحلة م.ت.ف ما بعد 1968 وحتى الآن بزعامة ياسر عرفات، لم تكن قادرة على تحقيق حق العودة، ومع ذلك كان هذا الحق حقاً موحداً لا مفرقاً على الصعيد الفلسطيني.

ما قام به معارضو مبادرة جنيف، ووصفها بالتفريطية بحق العودة، إسهام منهم بحسن نية أو سوء نية في تحويل هذا الحق من حق موحّد إلى حق ممزق، وإبراز ملف اللاجئين كملف خلافي، على أساس أن ما ورد في المبادرة هو سقف سياسي رسمي سريع التنفيذ، الأمر الذي يقتضي بدوره اصطفافاً معاكساً. حق العودة هو حق شخصي وتاريخي وقانوني، وهو وفقاً لذلك غير قابل للإسقاط أو الإلغاء، وإن أي ترويج لإسقاطه هو تزوير للإرادة الشخصية وللبعدين التاريخي والقانوني. ولعل قراءة دقيقة وهادئة لما ورد في المبادرة تؤكد الأبعاد الثلاثة في هذا الحق. إن القول إن تلك المبادرة تسقط هذا الحق، وبالتالي الخوف من ذلك، إنما يعبر عن ضعف الإرادة الشخصية للمتخوفين، وكذلك ضعف العمق والانتماء لما هو تاريخي وقانوني.

أما فيما يتعلق بالسياسي فهو أمر متحرك، بل هو شديد الحركة، سواء أكان قادراً على تحقيق هذا الحق، أم لم يكن قادراً، فهذا الحق هو في نهاية الأمر شخصي وتاريخي وقانوني، ولعل الحوار السياسي حوله من شأنه تعزيز تلك الأبعاد، وليس إسقاطها، تماماً كما تفعل دعاوى الرفض العدمي أو المسبق لما هو سياسي، وهو ما شهدناه في طروحات البؤس الرفضوي لمبادرة جنيف السياسية!!

http://www.geneva-initiative.net/articls/articls9.html