|
محتويات البحث
ـ خطة أمنية أم مشروع تسوية؟ ـ موقع الأمن في الفكر السياسي الإسرائيلي ـ نشوء وتطور فكرة الفصل بين الشعبين ـ الخطة تراجع جزئي في خدمة أمن إسرائيل الاستراتيجي ١٦ ـ أهداف خطة شارون أمنية- توسعية ـ شارون سوق الخطة وبوش كرسها خيارا ملزما للفلسطينيين ٢١ ـ الخيارات والاحتمالات بشأن تنفيذ الخطة ـ ترتيب الوضع الفلسطيني قبل وبعد تنفيذ خطة الانفصال خلاصة ـ المراجع والهوامش ٣٥
خطة أمنية أم مشروع تسوية سياسية؟ بعد صراع طويل مع الذات وبعد ثلاث سنوات من وجوده في رئاسة الوزراء، فاجأ شارون رفاقه قادة حزب "ليكود" وحلفاءه في الائتلاف الحكومي بموقف جديد من مسألة استيطان الضفة الغربية وقطاع غزة، نقيض مواقفه السابقة المعلنة منذ العام ١٩٦٧ المعروفة جيدا لقوى اليمين وظلت موضع اعتزاز جمهور المتطرفين والمستوطنين. وتحدث لأول مرة في "مؤتمر هرتسيليا"(١) الذي انعقد في شهر كانون الأول ٢٠٠٣ عن خطة للانفصال من جانب واحد عن الفلسطينيين وفك الارتباط معهم وسحب الجيش وإخلاء مستوطنات قطاع غزة. وأكد انه ماض في إقامة "جدار الفصل" وسيسرع عملية البناء في بقية اجزائه. واعتبر بعض المشاركين في المؤتمر والمراقبون خطاب شارون بداية توجه جديد في حياته السياسية. لكن أقطاب في حزب ليكود والائتلاف الحكومي لم يأخذوا كلامه في حينه على محمل الجد وتعاملوا معه باعتباره كلاما للاستهلاك الخارجي ونوعا من حديث العلاقات العامة. وبعد وقت قصير على "مؤتمر هرتسليا" أوضح شارون في مؤتمر حزب "ليكود" أنه ينوي تنفيذ "خطة الفصل" على الرغم من المعارضة الشديدة التي واجهتها في صفوف الحزب والائتلاف الحاكم. وكلف شارون طاقما مقلصا برئاسة رئيس مجلس الأمن القومي اللواء احتياط غيورا آيلاند بلورة الخطة بصيغتها النهائية. وفي منتصف نيسان ٢٠٠٤ حمل رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون "خطة الانفصال من جانب واحد" إلى واشنطن ولم يبحث مضمونها مع السلطة الفلسطينية أو مع أي طرف ثالث. وبفعل غروره القديم الذي تجدد ابان ترؤسه الحكومة وتزعمه حزب الليكود، لم يأبه شارون بتحفظات قواعد وكوادر وقادة في حزبه "ليكود" ولم ينتظر أخذ موافقتهم، وعرض الخطة على الرئيس بوش وأركان إدارته، ولم يول اهتماماً لرأي شركائه في الائتلاف الحكومي الذين عارضوا الخطة وهددوا بالانسحاب من الائتلاف. إلى ذلك، حظيت الخطة بدعم أميركي كامل، لكنها جوبهت في حينه بمعارضة من قبل أمين عام الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد واسع من الدول العربية واعتبروها عملية التفاف على "خارطة الطريق"(٢). وقوبلت خطة شارون من قبل قوى النظام الفلسطيني بشقيه سلطة ومعارضة بغضب شديد. خاصة وان الرئيس الأميركي قدم لشارون مقابل الخطة ضمانات أميركية خطية خطيرة على عملية السلام بين الشعبين، وعلى مصالح الفلسطينيين الاستراتيجية وحقوقهم الوطنية التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها. وبعد اقل من عام صادقت الحكومة الإسرائيلية يوم ٢٠ شباط ٢٠٠٥، بأغلبية ١٧ وزيرا على سحب قوات الجيش الإسرائيلي وإنهاء الاستيطان في قطاع غزة وإخلاء أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية وعارض القرار خمسة وزراء فقط. واعتبر القرار انتصارا لشارون على خصومه. وبموجب "قانون الإخلاء والتعويض" الذي اقره الكنيست(٣)، لم يتأخر شارون ووزير دفاعه شاؤول موفاز في توقيع الأوامر الخاصة بالانسحاب العسكري وإجلاء قرابة ثمانية آلاف مستوطن. وأكدت أوامر رئيس الوزراء شارون على بدء العملية اعتبارا من ٢٠ تموز المقبل. إلى ذلك، أثار موقف شارون وأركانه أسئلة كثيرة منها: هل خطة شارون مشروع حل سياسي أم خطة أمنية؟ هل طرح شارون خطته بعد فشله في تحقيق ما تعهد به، أي القضاء على الإرهاب الفلسطيني دون الانفصال وقرر الفرار من مستوطنات غزة في ذروة الحرب؟ هل نجحت "الانتفاضة المسلحة" و"العمليات الانتحارية" ونسبة تكاثر الفلسطينيين العالية والكثافة السكانية في قطاع غزة التي لا مثيل لها في إجبار شارون على تغيير قناعته الايديولوجية، وأجبرته على التنازل عن أراض سماها في أحد الأيام "مهد اليهود وكنوزهم التاريخية"؟ أم أن خطته مناورة سياسية كبرى هدفها تجاوز مصاعب سياسية وشخصية؟ وهل سينفذ شارون الانفصال والانسحاب حسب التوقيت الذي طرحه أي قبل نهاية العام القادم ٢٠٠٥، أم يتراجع أمام المعارضين لها ويجمد تنفيذها؟ وإذا كان لا تراجع عن الخطة كما قال ايهود اولمرت القائم بأعمال رئيس الحكومة احد قادة ليكود فهل سينجح شارون في تنفيذها، أم أن قوى اليمين سوف تطيح بشارون كما أطاحت بنتنياهو من رئاسة الوزراء بعد اتفاق واي ريفر(٤) أو تدفعه حسب تهديدها إلى القبر كما فعلت مع رابين؟ ثم هل شارون بصدد الانسحاب كليا من القطاع أم أن خطته عبارة عن إعادة انتشار للقوات وتبقي قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال ؟ كيف سيتم التنفيذ، هل ينفذها شارون من جانب واحد كما صممها أم إن التطورات والمتغيرات في الجانب الفلسطيني ورغبة الرئيس بوش والعالم في إحياء عملية السلام ستفرض عليه إشراك السلطة الفلسطينية في التنفيذ؟ وهل سيتم التنفيذ عبر عملية استلام وتسليم مباشرة مع الفلسطينيين أو بواسطة طرف ثالث؟ هل ينسف شارون مستوطنات غزة ويدمر البنية التحتية قبل الانسحاب كما فعل في مستوطنة ياميت في صحراء سيناء المصرية؟ وايهما أفضل للفلسطينيين الإصرار على استلامها جاهزة مفروشة..أم ترك شارون يدمرها؟ وما هو مستقبل قطاع غزة بعد تنفيذ الخطة؟ وهل أجهزة الأمن الفلسطينية قادرة على فرض الأمن وتطبيق القانون والنظام في المناطق التي سيخليها الجيش الإسرائيلي، وفرض احترام التزامات السلطة مع جيرانها إسرائيل وجمهورية مصر العربية؟ أسئلة كثيرة منوعة أثارتها "خطة الانفصال" وقرار الانسحاب من غزة من جانب واحد، ويبدو أن الحصول على إجابات شافية لجميع الأسئلة المتعلقة بنوايا شارون ومصير مشروعه وآليات تنفيذه لن يتحقق بسرعة. وبصرف النظر عن حقيقة نوايا شارون وأهدافه فالخطة حركت مياه التسوية السياسية الراكدة منذ هزيمة زعيم حزب العمل باراك في انتخابات ٢٠٠١. وأحدث موقف شارون الجديد هزة سياسة قوية لا تزال تفاعلاتها جارية داخل المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني وفي ميدان السياسة الدولية. وبعد طرح الخطة اضطرب وضع شارون واضطربت أوضاع النظام السياسي الإسرائيلي برمته واهتزت قواعد حكومته اليمينية. ومست أطروحة الانسحاب والانفصال مكانته السياسة والمعنوية داخل حزبه وفي صفوف حلفائه قوى اليمين والمستوطنين، واتهموه بالتراجع عن مبادئ الليكود وخيانة العقيدة الصهيونية. بالمقابل اعتقد شارون أن مكانته التاريخية المرموقة وخدمته دولة إسرائيل سنوات طويلة في حقل العمل العسكري، وموافقة أجهزة الأمن على خطوط الخطة الأساسية، وصداقته مع الرئيس بوش وحصوله على دعمه، عوامل مهمة تكفي لإنجاح الخطة وتمريرها داخل ليكود وفي الكنيست. وظن أن جرأته في المواجهة مع الفلسطينيين سياسيا وعسكريا واغتيال قادتهم وكوادرهم وتدمير بيوتهم وقلع أشجارهم وحبس رئيسهم عرفات قرابة ثلاث سنوات..الخ من أعماله العنصرية تكفي للحصول على دعم الشارع ومساندة قواعد وكوادر حزب الليكود والشروع في تنفيذ الخطة وفق التوقيت الملائم. إلى ذلك، خلفت خطة شارون عاصفة قوية من ردود الفعل في ميادين العمل السياسي الفلسطينية والإقليمية والدولية لم تهدأ حتى الآن. وانقسم الفلسطينيون حولها، بعضهم اعتبرها ذر رماد في العيون، وقررت السلطة انتظار تفاعلاتها والتعامل مع الايجابي من نتائجها ورفض سلبياتها، خاصة وان صاحبها لم يبحثها مع الطرف الفلسطيني عندما صاغها، وهو صممها على أساس تنفيذها من جانب واحد. إلى ذلك، يبدو أن الزوابع والرياح التي حركتها الخطة لن تهدأ في وقت قريب وستترك بصماتها على العلاقة بين أطراف النظام السياسي في إسرائيل وعلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومجمل الوضع في المنطقة. وفي سياق البحث عن إجابات صحيحة للأسئلة المطروحة، والتعرف على دوافع شارون المباشرة الخاصة وأهدافه الاستراتيجية العامة، لا بد من استعراض تطور موقف شارون من مسألة استيطان غزة من النقيض الى النقيض، من رفض المس بالاستيطان بشكل مطلق إلى إزالته كاملا وبحماس شديد. وقبل البحث في جواب الأسئلة ومصير الخطة ومستقبل قطاع غزة بعد الانسحاب، لا مناص من التوقف أمام موقع الأمن في الفكر السياسي الإسرائيلي باعتباره الخلفية والإطار الاستراتيجي الذي يحيط بخطة شارون والأساس الذي بنى عليه جدار العزل والفصل. موقع الأمن في الفكر السياسي الإسرائيلي دون مبالغة، أشغلت قضية أمن إسرائيل دوائر الأمم المتحدة والدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن وكل دول العالم المعنية باستقرار أوضاع منطقة الشرق الأوسط أكثر من نصف قرن. وقبل قيام إسرائيل العام ١٩٤٨ أشغلت الحركة الصهيونية العالم، سنوات طويلة، بأمن يهود أوروبا الذين اضطهدتهم النازية وإقامة دولة يهودية لهم في فلسطين. وتلاقت في حينه تطلعات الحركة الصهيونية نحو إقامة دولة يهودية في فلسطين مع مصالح دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في استعمار المنطقة العربية واستغلال ثوراتها. وحاولت بعض الدول الأوروبية التكفير عن أعمال النازية ضد اليهود في المانيا وبولندا. وتجاهل الطرفان، الحركة الصهيونية والدول الاستعمارية، مصالح وتطلعات الشعوب العربية خاصة مسألة أمن واستقرار شعب فلسطين في دولة خاصة به على أرضه التي ورثها عن الآباء والأجداد. وأجبر العالم شعب فلسطين على دفع ثمن أمن يهود أوروبا وتطلعات الصهيونية العالمية، وكأن الفلسطينيين هم الذين اضطهدوا اليهود وأوقدوا لهم المحارق!! وبعد قيام دولة إسرائيل العام ١٩٤٨ واعتراف العالم بها أبقت إسرائيل والصهيونية قضية اضطهاد اليهود في أوروبا حية، وسنت قانون الجنسية وحق العودة لليهود(٥)، ونجحت بمساعدة خارجية أوروبية وأميركية في تجميع نسبة كبيرة من يهود العالم وضمنهم يهود الدول العربية في فلسطين. وحصلت إسرائيل على مساعدات مالية وعسكرية وتكنولوجية أوروبية وأميركية ضخمة، قدم بعضها تكفيرا عن الذنوب التي ارتكبت بحق اليهود في أوروبا، وأخرى لتحقيق أهدافهما الاستراتيحية المشتركة. ويسجل للقيادة الإسرائيلية أنها أجادت صياغة روايتها التاريخية لجذور النزاع ومسببات الصراع، وأقنعت جمهورها وأقساماً واسعة من الرأي العام الأميركي والأوروبي بروايتها فترة زمنية طويلة. وزرعت الحقد والكراهية في عقول مواطنيها ضد العرب والفلسطينيين. وظلت تنظر لمن بقى من الفلسطينيين في أرضهم كثعبان يرقد في الفراش الإسرائيلي وتعاملت معهم فترة طويلة كأعداء، وفرضت عليهم أحكاماً عرفية قاسية. ووضعت القيادة الإسرائيلية مسألة الأمن الجماعي والفردي في قمة أولويات عملها الداخلي وعلاقاتها الخارجية. وجعلت منه مسألة مصيرية وأحاطته بهالة مقدسة وحولته إلى عقدة حقيقية نفسية سياسية جماعية تحكمت ولا تزال في تحديد اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي. والحوار مع مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلي يبين أن هذه العقدة التاريخية يعيشها الإسرائيليون، اشكناز وسفارديم، مؤيدون ومعارضون للسلام. نشأت مع المجازر والمحارق التي ارتكبها النازيون في الثلاثينيات والأربعينيات بحق اليهود الأوروبيين، أضيف لها كوابيس أربعة عقود من الخوف من العرب وخطابهم حول تدمير دولة إسرائيل وذبح اليهود ورميهم في البحر(٦).. بالمقابل ظل احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية وقهر شعبها وتشريده العام ١٩٤٨ و١٩٦٧ ورفضها الإقرار بحقوقهم الوطنية، عقدة تاريخية عاشها الفلسطينيون جيلا بعد جيل. ومن البداية بلورت القيادات الإسرائيلية استراتيجية متكاملة لمفهوم الأمن وسبل تحقيقه وحددت قواعدها الأساسية وأهمها: ـ اعتبار الأراضي التي حصلت عليها إسرائيل عبر قرار الأمم المتحدة رقم ١٨١ (٧) وبالقوة العام ١٩٤٨ـ ١٩٤٩ لا توفر الأمن الاستراتيجي لدولة إسرائيل، ولا تلبي الحقوق التاريخية لليهود في فلسطين. ورفضت إسرائيل ولا تزال تحديد حدودها مع جيرانها الفلسطينيين وتعتبره مساسا بأمنها وعقيدتها. ـ رفض الالتزام بتنفيذ كل قرار للأمم المتحدة تعتقد انه يمس بأمن إسرائيل، وعدم توقيع اي اتفاقات ومعاهدات دولية أو إقليمية يمكن أن تعرضة للخطر. ـ الاعتماد في صيانة أمن إسرائيل على القوى الذاتية أولا وأخيرا واعتبار القوى الصديقة والعوامل الخارجية الأخرى عوامل فرعية مساعدة، وبناء المؤسسات الأمنية والقدرات العسكرية الكفيلة بذلك. وعندما وافقت القيادة الإسرائيلية في مرحلة ما في المفاوضات على مشاركة الاستخبارات المركزية الأميركية " C I A" مشاركة مباشرة في الاجتماعات الأمنية الفلسطينية الإسرائيلية الرسمية، اعتبر منظرو الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي إعطاء الاميركان دورا مباشرا في المسائل الأمنية خطأ تكتيكياً خطيراً ولم تتأخر حكومة باراك في التراجع عنه. خاصة وان مواقف ال " C I A " لم تكن في صالح إسرائيل، وكثيرا ما أحرجتها. ـ تكريس وتعزيز وجود إسرائيل وأمنها بنقل الممكن من يهود العالم إليها وتهجير الفلسطينيين وتدمير قراهم ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم. ومن البداية شكلت حكومة إسرائيل دائرة خاصة بأملاك الغائبين وضعت يدها على أملاك الفلسطينيين الثابتة والمنقولة، وهي من أكثر الأماكن سرية في إسرائيل حتى الآن، يحظر على اصحاب الحق والباحثين في التاريخ وحقوق الإنسان دخولها(٨). ـ رفض الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني وانكار حقوقه في بلده وارضه فلسطين. وظلت حتى العام ١٩٩١ ترفض التفاوض المباشر وغير المباشر مع أية جهة فلسطينية كممثلة له. وفقط في اتفاق اوسلو في العام ١٩٩٣ اعترفت بالشعب الفلسطيني وبممثله منظمة التحرير(٩). ـ رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ارضهم وممتلكاتهم واعتبار عودتهم خطرا استراتيجيا على أمن إسرائيل وهويتها ووجودها. والعمل على حل مشكلتهم بالتفاوض مع الدول العربية ومؤسسات الأمم المتحدة في اطار توطينهم واستيعابهم في أي مكان في العالم باستثناء إسرائيل. وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة العام ١٩٦٧ اضافت إسرائيل النازحين الذين اضطروا الى مغادرة بيوتهم بسبب الحرب، الى قائمة المواطنين الممنوعين من العودة. وبعد اوسلو ماطلت في تنفيذ البند المتعلق بعودتهم(١٠). ـ الاصرار على الدخول في مفاوضات مباشرة مع الدول العربية كل على انفراد لحل الخلافات الثنائية، ورفض التفاوض مع وفد موحد يمثلها أو يمثل مجموعة منها، والعمل على التوصل الى اتفاقات ثنائية ومعاهدات صلح مع كل طرف على انفراد وبما يحقق أمن إسرائيل الكامل. ـ اخضاع علاقات إسرائيل الدولية والاقليمية لصالح تعزيز أمنها وتحقيق اهدافها الاستراتيجية وبناء التحالفات وعقد الاتفاقات على هذا الاساس، واستثمار دور الجاليات اليهودية والمنظمات الصهيونية في العالم في خدمة امن إسرائيل وتطوير اقتصادها. الى ذلك، ظلت استراتيجية إسرائيل ومفاهيمها الامنية، منذ قيامها العام ١٩٤٨ وحتى الآن، موضع اجماع داخلي بين القوى الحزبية بمختلف تلاوينها السياسية والايديولوجية. وخلال نصف قرن طورت إسرائيل استراتيجيتها باتجاهات هجومية واكثر عدوانية ولم تلغ اياً من بنودها الاصلية، باستثناء اقرارها العام ١٩٩١ بوجود شعب فلسطين واعترافها لاحقا بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا له، وقبولها التفاوض المباشر معها وتوقيع اتفاق اوسلو ١٩٩٣ وما تلاه من اتفاقات لاحقة. وكان للانتفاضة الفلسطينية الاولى العام ١٩٨٧ دور مركزي في وقوع هذا التغير الجوهري في الموقف الإسرائيلي. ومنذ قامت إسرائيل وظفت الحكومات المتعاقبة امكانات مالية كبيرة في الحقل الأمني، وكيفت بناء الاقتصاد والتعليم والثقافة ومؤسسات المجتمع المدني لخدمة استراتيجيتها الأمنية. واستخدمت القيادة الإسرائيلية خلال نصف قرن الاساليب المبدئية وغير المبدئية، والوسائل المباحة والمحرمة دوليا واخلاقيا لتحقيق اهدافها واستراتيجيتها الأمنية(١١). واستثمرت جيدا رفض العرب والفلسطينيين قرار الامم المتحدة رقم ١٨١ واستغلت خطابهم السياسي العاطفي بعد ثورة جمال عبد الناصر في مصر العام ١٩٥٢، ونجحت إسرائيل في اقناع العالم ان العرب "يريدون قذف اليهود في البحر". الى ذلك اكدت وقائع الحياة ان الاتفاقات العربية الإسرائيلية احدثت ثغرات في جدار الأمن الإسرائيلي وغيرت جزئيا مزاج الشارع الإسرائيلي تجاه الامن والعلاقة مع العرب والفلسطينيين، لكن هذا التغيير لم يأخذ مداه ولم يرق لمستوى تحرير مفهوم الأمن من تأثيرات الايديولوجيا الغيبية، ولم يبلغ مستوى التأثير في القرار السياسي الأمني الرسمي. ولم تقتنع القيادة الإسرائيلية ان صنع السلام مع العرب يفرض تجريد الأمن القومي من الايديولوجيا والتوسع والهيمنة. ورغم تخلي الحكومات العربية، منذ سنين طويلة، عن الخيار العسكري لحل النزاع، وتراجعهم عن أفكارهم الداعية الى تدمير دولة اسرائيل، وتخلي الفلسطينيين عن تحرير كل فلسطين من النهر الى البحر وعن الكفاح المسلح كخيار لحل الصراع، ودخولهم مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وعقدهم عددا من اتفاقات تشمل الصلح وتبادل العلاقات الدبلوماسية وتطبيع العلاقات الاقتصادية والتجارية..الخ، الا انهم فشلوا في اقناع الزعامة الإسرائيلية بالتخلي عن مفاهيمها الأمنية القديمة، ولم يستطيعوا نزع ذريعة الأمن وتعطيل استخدامها كمبرر للهروب من دفع استحقاقات السلام مع سورية ولبنان والفلسطينيين. إلى ذلك، حولت القيادة الإسرائيلية مسألة أمن إسرائيل الى ذريعة للعدوان والتوسع وتحقيق الاحلام التاريخية. وشنت خلال اربعة عقود اربع حروب كبيرة: "١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣، ١٩٨٢، وسلسلة طويلة من الاعتداءات المتتالية ضد الدول العربية المحيطة بها وضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. وبعد حرب حزيران ١٩٦٧ زادت اطماعها التوسعية وقررت ضم مدينة القدس وهضبة الجولان السورية ووضعت خططا لفرض ضم اجزاء من الضفة الغربية كأمر واقع، واعتمدت الاستيطان وسيلة عملية لتحقيق ذلك وتعزيز أمن إسرائيل. وتنظر القيادة الإسرائيلية للمستعمرات المنتشرة في مواقع استراتيجية في غزة والضفة والجولان على أنها قلاع عسكرية متقدمة. ظهر دورها الأمني العسكري في تقطيع اوصال الضفة(١٢) وقطاع غزة خلال سنوات الانتفاضة، وعند وقوع عمليات عسكرية ضد الاسرائيليين. لاحقا احتلت مسألة أمن إسرائيل حيزا كبيرا في مفاوضات مدريد ١٩٩١ واتفاق اوسلو ١٩٩٣، وما تلاه من مفاوضات واتفاقات فرعية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. ولاحقاً ساهمت هذه المسألة بقوة في تعطيل تقدم المفاوضات في أكثر من محطة. والتدقيق في الشق الأمني من اتفاق اوسلو وما تلاه من اتفاقات يؤكد نجاح الجانب الإسرائيلي في ابتزاز الجانب الفلسطيني وفرض شروط امنية قاسية مست بسيادته على الارض وبالصلاحيات التي منحت له في المرحلة الانتقالية. ورغم تفوق إسرائيل عسكريا على العرب مجتمعين وامتلاكها أسلحة نووية(١٣)، والتزام الولايات المتحدة الأميركية بحماية وجودها في كل الازمنة وتوقيعها اتفاقات سلام مع اكثر من طرف عربي، واعلان العرب في اكثر من قمة اعتماد خيار السلام لحل النزاع، وادراك الإسرائيليين أن الدولة الفلسطينية عندما تقوم سوف تكون ضعيفة عسكريا ومرتبطة اقتصاديا لسنوات طويلة بإسرائيل..الخ فالقوى الإسرائيلية، يسارها ويمينها حاكمة ومعارضة، موحدة حول مفهوم الأمن بابعاده الاستراتيجية وتتصرف من منطلق ان وجود دولة إسرائيل مستهدف الى الأبد، وجميع القوى الحزبية الاسرائيلية تعبر سرا وجهارا عن خمسة مخاوف أمنية رئيسية: الأول، خطر وقوع هجوم مباغت تشنه الجيوش العربية يوما ما ضد إسرائيل، تكون أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وقوات السلطة الفلسطينية رأس حربته، وتستعين هذه الجيوش بالعرب في إسرائيل لتحقيق اهدافها والقضاء على دولة إسرائيل. والثاني، تحول الدولة الفلسطينية بعد قيامها، في يوم ما، في الضفة والقطاع الى دولة معادية لإسرائيل تسعى لتحقيق طموحات الفلسطينيين في ارض فلسطين التاريخية وإعادة لاجئي ١٩٤٨ في يوم ما الى بيوتهم واراضيهم في إسرائيل، واعادة نازحي العام ١٩٦٧ الى الضفة والقطاع. والثالث، ان تعقد الدولة الفلسطينية يوما ما تحالفات واتفاقات مع قوى اقليمية معادية لها تمس امن إسرائيل. والرابع، ان يواصل "المتطرفون" الفلسطينيون تنفيذ عمليات إرهابية عبر اراضي الدولة الفلسطينية وبعد أحداث ١١ ايلول في واشنطن ونيويورك اضيف لهم المتطرفون "الارهابيون" الاسلاميون. والخطر الخامس يتعلق بالعامل الديمغرافي والنسبة العالية لتكاثر الفلسطينيين في إسرائيل وعلى ارض فلسطين التاريخية . وتؤكد مسيرة عملية السلام والاتفاقات التي تم التوصل اليها ان هذه المخاوف تحكمت بالموقف الإسرائيلي في عهد حزب العمل كما في زمن الليكود. والمؤكد انها ستتحكم في مفاوضات الحل النهائي اللاحقة مع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. وستسعى إسرائيل الى فرض قيود عسكرية وترتيبات أمنية على الكيان الفلسطيني، كتدبير وقائي، يتم صياغتها في إتفاقات مشهود عليها دوليا تنتقص من السيادة الفلسطينية. وعلى المفاوض الفلسطيني ان يتوقع، في مفاوضات الحل النهائي، اسقاط المفاوض الإسرائيلي كل ما له علاقة بالسيادة والأمن الفلسطينيين واخضاعهما لصالح أمن الاسرائيليين، حتى اذا اعلن عن قيام دولة فلسطينية مستقلة واعترفت إسرائيل فيها، وسوف يصر المفاوض الإسرائيلي على: ١) ضمان تجريد الضفة الغربية وقطاع غزة من السلاح الثقيل، وضمان عدم قيام الدولة الفلسطينية بتصنيعه وعدم استيراده وعدم التزود بالدبابات وبالمدافع المضادة لها، وبالطائرات والأسلحة المضادة لها. وأن لا تمتلك الدولة الفلسطينية قوى جوية او بحرية قوية مسلحة باسلحة ثقيلة حديثة. وسوف يصر المفاوض الإسرائيلي أيضا على بقاء المجال الجوي الفلسطيني في الضفة والقطاع تحت السيطرة الإسرائيلية المطلقة. وبقاء المياه الإقليمية الفلسطينية تحت رقابة إسرائيل الأمنية الدائمة. ٢) ضمان سيطرة الاجهزة الأمنية الفلسطينية على الأمن داخل حدود "الدولة الفلسطينية"، ومنع تحول أراضيها الى قواعد إنطلاق لعمليات عسكرية صغيرة او كبيرة ضد إسرائيل وضد الإسرائيليين وضمنهم المستوطنين. ومنع التحريض ضد إسرائيل او القيام بأعمال عنف ضد وجودها المدني والعسكري في الضفة وقطاع غزة. وضمان التنسيق الأمني الثنائي المشترك وتطويره حسب الحاجة ووفق تطور الوضع ميدانيا. وابقاء أجهزة الأمن الفلسطينية خاضعة للتجربة والاختبار فترة طويلة. والشق الأمني من اتفاق "واي ريفر" (١٤)الذي وقع في عهد نتنياهو نموذج مصغر لما ستسعى إسرائيل فرضه على "الدولة الفلسطينية". ٣) أن تتعهد "الدولة الفلسطينية" بعدم الدخول في أحلاف واتفاقات ومعاهدات امنية وعسكرية مع أية دولة عربية او طرف آخر بصرف النظر عن طبيعة علاقته بإسرائيل. ٤) إجراء تعديلات جوهرية على حدود العام ١٩٦٧. وحدود دولة إسرائيل الأمنية في نظر العمل والليكود هي نهر الاردن، وتمتد الى حيث تتواجد المستوطنات وخزانات المياه الجوفية التي ترغب إسرائيل في ضمها. وبرامج احزاب اليسار الإسرائيلي تؤكد بصيغة وأخرى موقف المؤسسة الأمنية الداعي الى اجراء تعديلات واسعة على حدود الضفة الغربية. واكثر اوساطها اعتدالا يعتقد ان استقطاع نسبة ٤ـ ٨% من أراضي الضفة الغربية أمر ضروري للأغراض الأمنية الحيوية ولابقاء بعض التجمعات الاستيطانية تحت السيادة الإسرائيلية. صحيح أن بعض الإسرائيليين تحدث في مفاوضات كامب ديفيد العام ٢٠٠٠ وفي محادثات طابا العام ٢٠٠١ في عهد حزب العمل عن مبادلة الأراضي المنوي ضمها لإسرائيل بمساحات مماثلة من اراضي النقب المجاورة لقطاع غزة، إلا أن أصحاب هذه الأطروحات لم يوضحوا أفكارهم وأبقوها في إطار جس النبض وإستطلاع ردود الفعل الفلسطينية(١٥). ٥) سوف يصر المفاوض الإسرائيلي على نشر قوات إسرائيلية، وبالحد الادنى قوات طرف ثالث على طول الحدود الفلسطينية مع الاردن ومصر، وبقاء المعابر الدولية الى الضفة والقطاع تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية او سيطرة الطرف الثالث، بما في ذلك الإشراف على الموانئ والمطارات والممر بين الضفة وقطاع غزة لضمان امن إسرائيل والإسرائيليين. والتحكم بنوعية الحركة والتنقل ومنع تدفق اللاجئين والنازحين والمبعدين الى أراضي الدولة الفلسطينية، وحرمان هذه الدولة من اي تماس مباشر مع الدول العربية المجاورة دون رقابة إسرائيلية. ٦) الاحتفاظ بعدد من القواعد العسكرية القوية على طول الحدود مع الدولة الفلسطينية وسواحل قطاع غزة وحدوده مع مصر. واقامة محطات الإنذار المبكر في مرتفعات الضفة الغربية، وحيث تراها ضروريا لأغراض الأمن الأستراتيجي والأعمال الإستخبارية. وضمان حرية وسلامة حركة الجيش الإسرائيلي الى هذه القواعد، وتعاون الفلسطينيين في حمايتها من الهجمات المحلية. ٧) ضمان عدم بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحصينات عسكرية قوية من نوع زرع الألغام وحفر الخنادق على الحدود وإقامة السواتر والدشم القتالية..الخ. ورغم اهتزاز شباك مفهوم الأمن الإسرائيلي خلال خمسين عاما من الصراع اكثر من مرة، ومجريات الصراع اكدت في أكثر من محطة ان التفوق العسكري وإحتلال أراضي الغير بالقوة لم ولا يوفران الأمن الاستراتيجي لإسرائيل، الا ان مخاوفها الأمنية المقرونة بالمطامع التوسعية وبالشعور بالتفوق العسكري والاقتصادي، تنسيها كل الدروس المستخلصة من التجربة بما في ذلك تلك التي إستخلصها خبراؤها الأمنيون من الانتفاضة الاولى ومن حرب اكتوبر ١٩٧٣. ويخطئ من يعتقد ان مواقف قوى اليمين واليسار الأمنية مطروحة للإستهلاك المحلي، أو من باب رفع سقف الموقف الإسرائيلي في المفاوضات. ومراجعة مسيرة تنفيذ الاتفاقات الموقعة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي منذ اتفاق اوسلو العام ١٩٩٣ وحتى آخر اتفاق تبين ان رأي الاجهزة الأمنية كان دائما حاسما: عندما نجحت السلطة الفلسطينية في تنفيذ التزاماتها الأمنية في المناطق التي سلمت العام ١٩٩٤،١٩٩٥،١٩٩٦، تشجعت إسرائيل العمالية والليكودية على تسليم مزيد من الاراضي والصلاحيات المتنوعة للسلطة. واستخدمت حكومات إسرائيل الأمن والعمليات العسكرية ضدها وضد مواطنيها ذريعة غطت بها مماطلتها وتلاعبها بالجداول الزمنية لتنفيذ الاتفاقات. وللسبب ذاته أخرّت تنفيذ قضايا جوهرية من اتفاقات المرحلة الانتقالية منها استكمال الانسحابات، وتنظيم عودة النازحين وقضايا اخرى كثيرة. نشوء وتطور فكرة الفصل بين الشعبين بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة العام ١٩٦٧ اختلف أطراف النظام السياسي الإسرائيلي حول مستقبل أراضي "يهودا والسامرة"، وسكانها، لكنهم أجمعوا على أمرين رئيسيين: الاول، توحيد مدينة القدس وجعلها عاصمة إسرائيل الابدية وفي هذا السياق تم ضم القدس الشرقية لإسرائيل العام ١٩٦٧ بقرار من الكنيست. والثاني لا عودة إلى حدود ١٩٦٧ واعتبار الضفة والقطاع اراضي متنازعاً عليها. وبعد حرب تشرين الاول ١٩٧٣ دخلت مصر في مفاوضات مع إسرائيل وتوصل الطرفان برعاية أميركية الى اتفاقات كامب ديفيد العام ١٩٧٩ التي انهت النزاع المصري الإسرائيلي، وطبّع الطرفان علاقاتهما واستعادت مصر صحراء سيناء. وتضمنت تلك الاتفاقات فصلا كاملا حول قيام "حكم ذاتي للفلسطينيين" في الضفة والقطاع(١٦)، وكانت صيغة الحكم الذاتي اول اشارة رسمية لقبول إسرائيل صيغة ما للفصل. وظل الموقف الإسرائيلي على حاله حتى انعقاد مؤتمر مدريد للسلام العام ١٩٩١ ودخول الطرفين في مفاوضات اوسلو السرية. وعند توقيع اتفاق أسلو العام ١٩٩٣، لم يتصور رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين بأنه سيجد نفسه مضطرا للبحث في تسريع الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي أعقاب العملية "الانتحارية" التي نفذها الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية "حماس" عند مفرق "بيت ليد" داخل إسرائيل مطلع العام ١٩٩٥ وأسفرت عن مصرع أكثر من عشرين جنديا إسرائيليا، وجه رابين عبر التلفزيون خطابا مهما إلى الجمهور الإسرائيلي تحدث فيه، أول مرة، عن الفصل بين الشعبين وقال: "لن نخضع للإرهاب ونعمل بجد من أجل الانفصال عن الشعب الآخر وسنصل هذه الغاية إن عاجلا أو آجلا". وفي شباط ١٩٩٥ أصدر رابين قرارا شكل بموجبه لجنة لدراسة مسألة الفصل بين الشعبين وعين وزير الأمن الداخلي في عهده "موشيه شاحال" رئيسا للجنة، وضمت مندوبا عن هيئة الأركان العامة للجيش. وكلف وزير المالية "أبراهام شوحاط" إجراء دراسة شاملة لانعكاسات "خطة الفصل" ماليا واقتصاديا على إسرائيل. وطلب رابين إلى هيئة الأركان العامة للجيش دراسة النتائج المحتملة للانفصال على الأوضاع الأمنية الاسرائيلية التكتيكية والاستراتيجية. في حينه بلورت "لجنة الفصل" خطة اولية باقامة منطقة عازلة تمتد على طول الخط الاخضر. وبينت دراسات اللجنة أن العملية معقدة وكلفتها المالية باهظة وإنجازها يتطلب وقتا طويلا. وستحتاج إسرائيل في المرحلة الأولى إلى بناء سياج أمني وأسوار الكترونية وحواجز خرسانية ومواقع مراقبة ثابتة في مناطق طولها لا يقل عن ٣٠٠ كلم، تمتد من "جلبوع" شمال الضفة إلى مرتفعات الخليل جنوبها. وبشان نتائجها المحتملة على الأوضاع الأمنية التكتيكية والاستراتيجية أكدت الدراسات أن خطة الفصل قادرة على تقليص عمليات التسلل المتنوعة إلى داخل إسرائيل لكنها لا تنهيها كليا. وانها ترفع في نسبة الأمن لكنها لا تحققه كاملا ولا تقضي على العمليات الانتحارية ولا تمنع قصف المستوطنات والمدن والقرى الإسرائيلية القريبة من القطاع بمدافع الهاون وما يشبهها، خصوصا إذا نفذت الخطة من جانب واحد. وأكدت تجربة العزل والفصل المفروضة على قطاع غزة منذ مدة طويلة صحة هذا الاستخلاص. وكثيرا ما تم قصف بلدة "سيدروت" المجاورة للقطاع ومواقع مدنية وعسكرية داخل إسرائيل بصواريخ القسام ومدافع الهاون(١٧). وفي احيان أخرى نجح مقاتلون فلسطينيون في اجتياز الحواجز والاسلاك الشائكة وعبروا إسرائيل ونفذوا عمليات قتالية في العمق الإسرائيلي. واضطر الجيش الإسرائيلي في مرات عدة لاقتحام مناطق فلسطينية مأهولة بالسكان في الضفة الغربية ومناطق القطاع رفح وغزة وخان يونس ودير البلح وبيت حانون ردا على عمليات عسكرية نفذها فلسطينيون اخترقوا سياجا يشبه بعض مقاطع "السياج" الذي يعمل المقاولون الإسرائيليون في بنائه في عمق الضفة الغربية. وبعد اغتيال رابين في ٥/١١/١٩٩٥ على يد متطرف يهودي وتولي شمعون بيريس دفة الحكم وزعامة حزب العمل تراجع الحديث في إسرائيل عن الفصل بين الشعبين، ولم تجر متابعة جدية للدراسات المالية والأمنية التي وضعها الجيش ووزارة المالية. وظل شمعون بيريس يفضل "الفصل بين الطرفين باتفاق" مع القيادة الفلسطينية، ونظر إليه من زاوية حلمه بشرق أوسط جديد. وبعد وقوع عمليات فلسطينية عديدة داخل المدن الإسرائيلية سقط فيها اعداد كبيرة بين قتلى وجرحى من المدنيين، مارس شمعون بيريس سياسة "الطوق الأمني الشامل" على "المناطق"، ومنع العمال والتجار الفلسطينيين من العبور إلى إسرائيل. واعتبر بعض المراقبين والمحللين السياسيين خطوة بيريس بداية تنفيذ غير معلن "لخطة الفصل" التي تبناها رابين وصاغتها لجنة "شاحال".وبعد سقوط بيريس وفوز زعيم حزب ليكود السابق "نتنياهو" بالانتخابات العام ١٩٩٦، واصلت إسرائيل سياسة فرض "الإغلاق والطوق الأمني الشامل" على "المناطق" ووسعته وعمقته. ولم تقم حكومة نتنياهو بخطوات ملموسة لإحياء "خطة الفصل" التي تبلورت في عهد رابين، لسبب "بسيط" هو معارضة حزب ليكود فكرة الفصل من أساسها، وإيمان نتنياهو واركانه الراسخ بأن "يهودا والسامرة" جزء من "أرض الميعاد التي منحها الرب لبني إسرائيل" لا يجوز التخلي عنها "للأغيار" الفلسطينيين. وبعد هزيمة نتنياهو وفوز زعيم حزب العمل الجديد إيهود باراك في انتخابات ١٩٩٩، تجدد الحديث عن "الفصل"، وبدأت حكومة باراك بإجراءات عملية لتطبيق "الفصل من جانب واحد" دون إعلان رسمي. وظهر في عهد باراك اصطلاح جيواقتصادي جديد "الحدود المتنفسة" للدلالة على الفصل المتدرج والسماح بنشاط اقتصادي ومدني واسع بين الشعبين، وتم تسريع عملية البناء للمناطق الصناعية الحدودية وأنجزت واحدة رئيسية في قطاع غزة. وقام الجيش الإسرائيلي بهدوء ومن جانب واحد، بإجراء تعديلات طفيفة لصالحه على الحدود مع قطاع غزة. وتم تطوير بنيان السياج الأمني الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل وتم تزويده باجهزة الكترونية متطورة. ونقل الجيش الإسرائيلي بضع حواجز لمواقع جديدة شرق "الخط الأخضر" حدود الضفة الغربية العام ١٩٦٧، تمهيدا لرسم حدود جديدة وضم مساحات من الأراضي، وظهر الطمع الإسرائيلي في ضم أراض في مناطق الخليل واللطرون وغرب رام الله وقلقيلية وجنين والاغوار. إلى ذلك، لم يعمل باراك على وضع حد لنشاط المستوطنين في السيطرة على مزيد من الاراضي وتوسيع المستوطنات. وبنى الجيش الإسرائيلي تحصينات امنية دفاعية قوية حول معظم المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وشق طرقاً التفافية طولية وعرضية كثيرة لفصل الطرق التي يستخدمها المستوطنون عن التي يستخدمها الفلسطينيون. وتجدر الاشارة الى ان بعض المفاوضين وأشخاصاً بارزين في السلطة الفلسطينية لم يعترضوا على هذه الطرق الالتفافية، وصدقوا أقوال بعض قادة حزب العمل انها مفيدة للفلسطينيين في حياتهم اليومية وسوف تعود لهم مع المستوطنات التي ستسلم للسلطة في اتفاق الحل النهائي. ومع كل درس جديد استخلصه الجيش الإسرائيلي في المصادمات التي وقعت مع الفلسطينيين كان يصادر مزيدا من الأراضي ويجري تعديلات على الحدود في مناطق الضفة الغربية وعلى طرق المستوطنات. وفي مفاوضات قمة كامب ديفيد وطابا، التي تمت في عهد باراك في تموز ٢٠٠٠، تبلورت أسس وقواعد جديدة للفصل بين الشعبين، أهمها؛ الفصل بين الشعبين باتفاق القيادتين، وتم اعتماد حدود ٥ حزيران العام ١٩٦٧، من حيث المبدأ أساسا لرسم الحدود بين إسرائيل والدولة فلسطينية الموعودة. وتم التفاهم على انه في حال إجراء تعديلات في الحدود، لأسباب تتعلق بالاستيطان أو غيره، يتم ذلك في إطار تبادل الأراضي بالقيمة والمثل، وان تكون خالية ما أمكن من السكان. وتوهم البعض ان التزام إسرائيل بهذه القاعدة يعني عمليا زيادة في مساحة أرض الدولة الفلسطينية عن مساحة الضفة والقطاع في العام ١٩٦٧، باعتبار قيمة ٣% من أراضي الضفة الغربية التي جرى الحديث عن مبادلتها (أراضي في مناطق القدس واللطرون، قلقيلية وسلفيت وبيت لحم،) تفوق بكثير قيمة الأرضي الإسرائيلية "حالوتسا" شرق قطاع غزة المعروضة بدلا عنها. وفي محادثات طابا التي تمت مطلع العام ٢٠٠١ على ابواب الانتخابات الإسرائيلية وافق الجانب الإسرائيلي، برئاسة وزير الخارجية شلومو بن عامي ومعه جلعاد شير مدير مكتب باراك "من حيث المبدأ" على إخلاء جميع مستوطنات قطاع غزة وعددها ٢١، وجميع المستوطنات في منطقة الأغوار، والواقعة بين رام الله ونابلس، باستثناء تجمع مستوطنات أريئيل بين قلقيلية وسلفيت. كما وافق أيضا على إخلاء المستوطنات الواقعة في مثلث نابلس جنين طولكرم، والبؤرة الاستيطانية الموجودة قلب مدينة الخليل وكريات أربع المجاورة لها. وتمسك الجانب الإسرائيلي في تلك المفاوضات، بضم تجمع مستوطنات غوش عتصيون القائمة بين بيت لحم وحلحول والخليل، وضم أراضي "إصبع اللطرون" التي بنى فيها مدينة "مودعين" وطالب بضم جميع المستوطنات الواقعة داخل حدود بلدية القدس الشرقية. وأصر على ضم مستوطنة "مدينة" "معاليه أدوميم" التي تفصل جنوب الضفة الغربية عن وسطها وتشرف على البحر الميت. وايضا ضم مستوطنة جبعات زئيف التي تفصل القدس عن رام الله وتفصل المدينتين عن منطقة اللطرون وعدد كبير من القرى الفلسطينية الواقعة غرب المدينتين. وبشأن القدس اقترح الجانب الإسرائيلي في تلك المفاوضات ان تبقى المدينة بشقيها الشرقي والغربي مدينة مفتوحة، وأن لا تقام أسوار وحواجز بين القسمين. ووافق المفاوضون الإسرائيليون على أن تكون "القدس الشرقية" عاصمة للدولة الفلسطينية، وان تخضع جميع الأحياء العربية داخل وخارج أسوار البلدة القديمة إلى السيادة الفلسطينية، وأصروا على ترتيبات تحفظ لإسرائيل سيادة على الأحياء الاستيطانية المبعثرة داخل أحياء القدس العربية داخل السور وخارجه. وان يمنح حق الإشراف بصيغة ما على ما تحت الحرم بما لا يمس السيادة الفلسطينية على الحرم وساحاته ويضمن عدم القيام بحفريات تحته. وتمسك الوفد الإسرائيلي بسيادة إسرائيلية على الحوض المقدس وضمنه المقبرة اليهودية الواقعة خارج أسوار المدينة القديمة. لاحقا بلور الرئيس كلينتون خطة جديدة للحل والفصل بين الشعبين عرفت بـ "أفكار كلينتون"(١٨) عرضها على الجانبين في واشنطن يوم ٢٣/١٢/٢٠٠٠، اعتمدت من حيث المبدأ حدود ٥ حزيران ١٩٦٧، ومبدأ دولتين للشعبين "إسرائيل وفلسطين" قاعدة أساسية للفصل بين الشعبين. وأقرت مبدئيا قيام "فلسطين" فوق ٩٦% ـ٩٧% من مساحة الضفة والقطاع، على ان يتم الاتفاق على تبادل اراضي النسبة الباقية. في حينه، سجلت القيادة الفلسطينية ملاحظات رئيسية على المبادرة وارسلت ردها للرئيس كلينتون رفضت عمليا مبادرته لكن بطريقة دبلوماسية مهذبة وشكرته على جهوده لحل النزاع وتمنت التوفيق بعد انتهاء ولايته ورحيله من البيت الابيض. ولم يكن موقف الجانب الإسرائيلي الحقيقي من مبادرة كلينتون افضل، ورفضتها بقوة كل القوى المتطرفة في المؤسسة العسكرية والاحزاب اليمينية. وأدلى رئيس الأركان الإسرائيلي في حينها "شاؤول موفاز" برأيه في أفكار كلينتون، وانتقدها يوم ١٠/١/ ٢٠٠١ أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست. واعتبرها "تلحق الضرر بالقدرة على توفير الأمن والدفاع عن الجبهة الداخلية الإستراتيجية لإسرائيل". وطالب موفاز بإجراء تغييرات في أفكار كلينتون تضمن(١٩): ١) تغيير نطاق المنطقة "الارض" التي ستنقل للفلسطينيين وإيجاد مناطق عازلة يمنع فيها تحرك جنود فلسطينيين مسلحين. ٢) تأمين سيطرة كاملة لإسرائيل على المعابر الخارجية بهدف المراقبة ومنع إدخال وسائل قتالية إلى داخل الدولة الفلسطينية. ٣) وقال موفاز: "من الملائم أن يظل "الغور" بكامل مساحته تحت السيادة الإسرائيلية". ٤) أبدى تحفظا على عدم تضمين مقترحات كلينتون مسألة محاربة الإرهاب الفلسطيني. ٥) اقترح التدرج في الجدول الزمني في اي اتفاق وأن يصار إلى إطالة فترة التنفيذ. ٦) ان يمنح الأميركان دورا قياديا في القوة المتعددة الجنسية التي وردت في افكار كلينتون، وأن يؤخذ بالحسبان الدروس المستخلصة منذ بدء "الانتفاضة" مثل عدم إحباط السلطة الفلسطينية الهجمات الإرهابية وغياب التعاون الأمني بين الطرفين. إلى ذلك، اسقط الجانب الإسرائيلي في المفاوضات ضم مساحات من أرض الضفة وقطاع غزة لاعتبارات تتعلق بأمن إسرائيلي كما كان يطالب سابقا ووافق "من حيث المبدأ" على معالجة هذا الجانب الحساس من وجهة النظر الإسرائيلية من خلال: (أ) تطوير التنسيق الأمني المشترك بين الطرفين. (ب) تواجود قوات طرف ثالث "دولية"، بعد التوصل إلى اتفاق وليس قبله، على الحدود بين الدولتين وعلى حدود الدولة الفلسطينية مع الأردن. (ج) طلب الجانب الإسرائيلي استئجار ثلاث قواعد عسكرية في مرتفعات الضفة الغربية في الجنوب والوسط والشمال لفترة زمنية طويلة مع حرية الحركة اليها، علما ان الواقع الجغرافي للضفة الغربية يؤكد ان قاعدة واحدة تكفي وتزيد. لا شك في أن أطروحة حزب العمل في مفاوضات كامب ديفيد وطابا حول الانفصال وحل النزاع "الجيوسياسي" المتعلق بالأرض والأمن والحدود والمستوطنات والدولة الفلسطينية، أرسى أرضية صالحة أوليا لتطبيق فكرة "الفصل بين الشعبين باتفاق"، وعلى أساس دولتين للشعبين لهما حدودهما الدولية المعروفة. دون التقليل طبعا من خلافات الطرفين التي بقيت بشأن موضوع "الفصل" وخرائطه، وخصوصا الخلافات المتعلقة بالقدس وبالتجمعات الاستيطانية الثلاثة (أرئيل وغوش عتصيون والقدس ومحيطها) التي أصر الجانب الإسرائيلي على توحيدها وضمها لإسرائيل. وظل موقف حزب الليكود واليمين على نقيض ذلك. وفي سياق حملته الانتخابية للفوز برئاسة الوزراء في شباط ٢٠٠١، شن شارون زعيم حزب ليكود حملة قوية ضد توجهات حزب العمل نحو "الفصل بين الشعبين باتفاق" وحل النزاع مع الفلسطينيين على أساس تقسيم مدينة القدس، وإخلاء جميع مستوطنات غزة، والتخلي عن معظم مستوطنات الضفة الغربية، وتجميع الباقي في ثلاثة تجمعات رئيسية هي أرئيل وغوش عتصيون ومحيط القدس. واتهم شارون زعيم زعيم حزب العمل ايهود باراك بأربع تهم كبيرة ترقى كل واحدة منها إلى مستوى خيانة إسرائيل ومبادئ الصهيونية: التخاذل في مواجهة الإرهاب الفلسطيني، الفرار من المواقع في ذروة الحرب، تعريض امن إسرائيل لأخطار استراتيجية، والتفريط بحقوق اليهود في أرض الميعاد التي منحها الله لبني إسرائيل..". وعلى أبواب الانتخابات سؤال شارون عن التنازلات المؤلمة التي يمكن أن يقدمها من اجل السلام وأجاب: "عندما أتحدث عن تنازلات فإنني أقصد بذلك عدم احتلال مدن نابلس ورام الله وأريحا وسواهما من جديد، وهذا في نظري تنازل مؤلم جدا، لأن كل هذه الأماكن هي مهد ميلاد الشعب اليهودي. وأنا لا أعرف شعبا في العالم تنازل عن كنوزه التاريخية القومية إلا إذا هزم في الحرب، ونحن لم نهزم بل انتصرنا"(٢٠). بعد سقوط بارك في انتخابات الرئاسة وانتقال السلطة لليمين بزعامة ليكود، جمدت حكومة شارون ما تم إنجازه على طريق "الفصل باتفاق" بين الشعبين. وفتح شارون الباب على مصراعيه للاستيطان في الضفة الغربية لخلق وقائع وحقائق جديدة تنسف مفهوم حزب العمل حول الفصل. وتعهد بالقضاء على الإرهاب دون اللجوء للفصل وإخلاء مستوطنات، وشرع في بناء جدار الفصل العنصري داخل أراضي الضفة الغربية وفي محيط مدينة القدس. ورفض فكرة الانسحاب حتى من مستوطنة "نتساريم" المعزولة وسط قطاع غزة، وقال ردا على سؤال: "أنا لا أفرق "نتساريم" عن مدينة كفار سابا المجاورة لمدينة تل أبيب، ولا افرق غوش قطيف على شاطئ بحر غزة عن مدن وقرى النقب. واسترسل شارون وقتها في شرح قيمة مستوطنة "نتساريم" الأمنية لجهة محاربة الإرهاب والإشراف الدائم على ميناء غزة ومنع تهريب السلاح عبر البحر. وكرر رفضه إخلاء هذه المستوطنة عندما زار تجمع مستوطنات غوش قطيف بعد عملية فدائية استهدفت باص مستوطنة كفار دروم، ومرة ثالثة عندما طرح شريكه السابق في الحكومة تومي لبيد مسالة اخلاء نتساريم وتقليص خسائر الجيش وتخفيف الاعباء عن كاهله. وظل شارون يعتبر الانسحاب من هذه المستوطنة أو أية مستوطنة أخرى قبل القضاء على الانتفاضة تعبيراً عن ضعف وتراجع أمام الإرهاب وخضوع للإرهابيين. وبعد وقوع عدة عمليات فلسطينية "انتحارية" داخل المدن الإسرائيلية، طرح حاييم رامون عضو الكنيست عضو قيادة حزب العمل في أيار ٢٠٠١ ضرورة اقامة حركة سياسة من اجل الفصل من جانب واحد. لاحقا شكل شارون حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل وحركة شاس. وفي اعقاب تفاهم شارون مع وزير الدفاع زعيم حزب العمل في حينه بن اليعازر في حزيران ٢٠٠١ تبنت حكومة الوحدة الوطنية "فكرة "المناطق العازلة. وفي تموز ٢٠٠١ صادق المجلس الوزاري المصغر على الخطة التي اقترحها عوزي ديان رئيس مجلس الامن القومي وتقضي بان يتولى الجيش الإسرائيلي مسؤولية حماية الجانب الشرقي من منطقة العزل وان تكون الشرطة وحرس الحدود مسؤولة عن الجانب الغربي وتقرر اقامة عوائق في مقاطع منتقاة واعلن شارون عن تشكيل لجنة توجيهية لبناء جدار الفصل برئاسة عوزي ديان. وطرحت وزارة الدفاع العطاء للشركات الإسرائيلية للشروع في بناء جدار الفصل واطلقوا عليه صفة "السياج الأمني". وغلف شارون الفكرة بالغموض بأمل تجنب رد فعل قوى اليمين المتطرف. ولم يحدد المواقع النهائية لهذه المناطق ولا طولها أو عمقها، ولم يتطرق إلى مصير بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة العام ١٩٦٧، وسبل عزل وفصل المستوطنات عن محيطها الفلسطيني. وكرر شارون مواقفه وأكدها بقوة في المعركة الانتخابية التي خاضها مطلع العام ٢٠٠٣ في مواجهة زعيم حزب العمل الجديد عمرام متسناع. ورفض بشدة فكرة الفصل التي جعلها متسناع محور توجهاته الأمنية والسياسية ابان حملته الانتخابية. وتحدث شارون علنا عن بناء مدينة إسرائيلية جديدة كبيرة في منطقة "حالوتسا"، في اشارة إلى رفضه قصة تبادل الاراضي التي طرحها حزب العمل في طابا وكامب ديفيد. وفي لقاءات مع قادة حزب ليكود ومحللين استراتيجيين، طرح شارون فكرة فصل المناطق المعرّفة في الاتفاقات السابقة تحت اسم "مناطق C" عن مناطق" B +A"، وضم الأولى إلى حدود دولة إسرائيل، وترك الباقي للتفاوض حولها مع سلطة عرفات على حد تعبيره. إلى ذلك عرضت الأحزاب اليمينية العنصرية أمثال حزب "المفدال" والمستوطنين و"إسرائيل بيتنا" وحزب رحبعام زئيفي "تسومت" الذي اغتالته الجبهة الشعبية(٢١)، في بازار انتخابات الكنيست السادسة عشرة مفاهيمها للفصل بين الشعبين، ولم يتردد بعضها في طرح فكرة الفصل بين الشعبين بتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى اراضي وصحاري الدول العربية الواسعة. ورغم خسارته في الانتخابات يسجل لعميرام متسناع انه نجح في سياق حملته الانتخابية حول زعامة حزب العمل وفي المعركة الانتخابية ضد شارون، في دفع حزب العمل لبلورة خطة متكاملة للفصل بين الشعبين والانسحاب من قطاع غزة. وجعل متسناع مسألة الفصل قضية مركزية في معركته الانتخابية. واحتلت حيزا مهما الدعاية الانتخابية للكنيست السادسة عشرة واعتبرها معظم الإسرائيليين علاجا شافيا لمعضلة أمنهم الشخصي والجماعي، بعد أن لمسوا أن سياسة الاغتيال والقمع والتجويع وتدمير الممتلكات وإعادة احتلال مدن الضفة الغربية لم توقف "الإرهاب الفلسطيني" ولم تمنع "الانتحاريين" من التسلل إلى إسرائيل وتفجير أنفسهم في قلب المدن الإسرائيلية الواقعة على الخط الأخضر والبعيدة عنه. ورغم الحملة القوية التي شنها اليمين وخاصة المستوطنون ضد متسناع مضى قدما في رفع راية الفصل بين الشعبين عاليا، ولم يأبه لتهديدات المستوطنين والمتطرفين الآخرين وواجه اليمين بمختلف أطيافه السياسية والعقائدية ولم يلق في حينه مساندة جدية من معظم رفاقه في قيادة حزب العمل.. وأكد متسناع علنا أنه في حال فوزه برئاسة الوزراء سوف يأمر الجيش الإسرائيلي بالانسحاب فورا من قطاع غزة وإخلاء المستوطنات وفصل قطاع غزة عن إسرائيل على أساس حدود العام١٩٦٧ بصرف النظر عن الموقف الفلسطيني. وقال "أنه سيدخل في مفاوضات مع القيادة الفلسطينية بأمل تحقيق الفصل باتفاق ولم يشترط وقف "العنف" قبل دخول هذه المفاوضات". ورغم اعتباره عرفات عدوا إلا انه لم يستبعد التفاوض معه باعتبار المفاوضات تتم بين الأعداء. وقال: "في حال عدم التوصل إلى اتفاق في غضون عام واحد، سيتم رسم حدود أمنية مؤقتة بين إسرائيل والضفة الغربية، لا يبقى شرقها أية مستوطنة وتكون جميع الكتل الاستيطانية الكبيرة غربها". ورأى التيار الواقعي في الساحة الفلسطينية أن موقف متسناع اتسم بالجرأة السياسية والوضوح ووضع الإصبع على الجرح ورأى في اطروحته أساسا واقعيا لانفصال الطرفين بالتراضي. وسجلوا له أنه طرح موقفا جريئا لم يطرحه زعيم إسرائيلي قبله، خصوصا حديثه عن الانسحاب الفوري من قطاع غزة من جانب واحد. وبيّن تأييد قوى اليسار وقواعد وكوادر حزب العمل ونسبة ليست بسيطة من المستقلين بأطروحة متسناع حول الانفصال أن نسبة مهمة في المجتمع الإسرائيلي لم تفقد البوصلة تجاه صنع السلام مع الفلسطينيين. في حينه، لم تحدد إدارة الرئيس بوش وباقي أعضاء اللجنة الرباعية "روسيا والاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة مواقفهم من خطة متسناع خشية اتهامهم بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية لصالح معسكر اليسار، لكن كثيرا من المحللين المحايدين اعتبروا "خارطة" متسناع لحل الصراع "الجيوسياسي" المتعلق بالأرض والقدس والحدود والمستوطنات والمياه وقيام الدولة الفلسطينية، أفضل من "خارطة الطريق" الأميركية، وأقل تعقيدا وتختصر زمن الحل وبكلفة أقل. الى ذلك، لم يستمر شارون على موقفه الرفضوي، وبعد عام من الحاق الهزيمة بزعيم حزب العمل متسناع، وبعد ثلاث سنوات من مقارعة "الانتفاضة" الفلسطينية الثانية، وفرض الاقامة الجبرية على زعيم الشعب الفلسطيني المنتخب ياسر عرفات في مقره في مدينة رام الله، بدّل شارون موقفه السياسي وتراجع عن قناعاته الايديولوجية وتحدث عن إقامة "مناطق عازلة" لمكافحة "الإرهاب الفلسطيني". ابدى استعداده للتخلي عن قطاع غزة ومستوطناته التي اعتبرها حيوية لاستراتيجية الأمن الإسرائيلي ومواجهة الإرهاب الفلسطيني. ولم يوضح موقفه بشأن مصير المستوطنات التي سوف يخليها ومصير منشآتها الزراعية والصناعية ومصير بنيتها التحتية ورغم أن شارون غلف فكرة المناطق العازلة بالغموض ولم يحدد مواقع هذه المناطق وطولها أو عرضها ولم يتطرق إلى مصير بقية الأراضي الفلسطينية، وسبل عزل وفصل المستوطنات عن محيطها، إلا أن غلاة اليمين الإسرائيلي المتطرف، علمانيين ومتدينين" في الليكود، وحزب المفدال الديني المتطرف، وحزب إسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان، وحزب رحبعام زئيفي داعية الترانسفير للفلسطينيين، وتجمعات المستوطنين..الخ عارضوا الفكرة وشنوا هجوما علنيا ضدها. واتهموا شارون بالاستسلام أمام الإرهاب الفلسطيني، وتبني أفكار حزب العمل الداعية إلى التخلي عن (يهودا والسامرة)، "أرض الميعاد التي منحها الرب لبني إسرائيل"، وتغليف استسلامه بشعار" فصل أمني وليس جيوسياسي". فهل بدل شارون قناعته وما هي الدوافع والاسباب الحقيقة لذلك ؟ خطة شارون تراجع جزئي في خدمة أمن إسرائيل الاستراتيجي قبل وفاة ياسر عرفات اواخر العام ٢٠٠٤ ظل أقطاب الحكومة الإسرائيلية ومعهم أركان الادارة الأميركية يحملون عرفات مسؤولية اخراج الطرف الفلسطيني من موقع الشريك في صنع الأمن والاستقرار في المنطقة و"اجبار" رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون على طرح خطة فك الارتباط والانفصال من جانب واحد ودون التشاور مع السلطة الفلسطينية، واجباره ايضا على بناء الجدار وتنفيذ خطة الانفصال دون تنسيق مع الجانب الفلسطيني. وبعد رحيل عرفات وانتخاب محمود عباس "ابو مازن" رئيسا للسلطة يوم ٩ كانون الثاني ٢٠٠٥ ، لم يفكر شارون في نقاش خطته بصورة رسمية مع السلطة الفلسطينية ويبدو انه يتمسك بها كما ويصر على تنفيذها من جانب واحد كما هي ويرفض ادخال تعديلات عليها. وكان شارون خلال زيارته لواشنطن منتصف نيسان ٢٠٠٤ قدم للرئيس جورج بوش "خطة الانفصال" التي لم يناقشها مع الفلسطينيين وقرر تنفيذها من جانب واحد دون تنسيق مع أحد منهم أو مع طرف ثالث. وحظيت الخطة بدعم أميركي كامل، لكنها جوبهت، في حينه، بمعارضة من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول العربية المعنية بالنزاع، واعتبرت محاولة هروب من الالتزام بخارطة الطريق. وقوبلت من قبل قوى النظام الفلسطيني بشقيه سلطة ومعارضة بغضب شديد. خاصة ان الرئيس الأميركي بوش قدم لشارون مقابل الخطة ضمانات أميركية خطية خطيرة على عملية السلام بين الشعبين، وعلى مصالح الفلسطينيين الاستراتيجية وحقوقهم الوطنية التي اقرتها هيئة الامم المتحدة ومؤسساتها. وتضمنت "ضمانات بوش" اقرارا أميركيا بتغيير حدود العام ١٩٦٧ واعترافا بالكتل الاستيطانية الكبيرة، ومعارضة حق العودة للاجئين الفلسطينيين. والتدقيق في خطة شارون وتوقيتها يبين انه طرحها في سياق: اولا، مواجهة تحرك المجتمع الدولي وتعطيل محاولات فرض خطة لحل النزاع من نوع خارطة الطريق، وثانيا اعتراض طريق المبادرة العربية التي صدرت عن قمة بيروت وارباك اي تحرك على اساسها. وثالثا، معالجة مشكلة حقيقية تتعلق بالخطر الديمغرافي الذي يتهدد إسرائيل كما يتردد في العقيدة الصهيونية والفكر السياسي الإسرائيلي. ورابعا، معالجة مسألة جوهرية تتعلق بأمن إسرائيل وتؤثر في اقتصادها علاقاتها الدولية بجانب تأثيراتها الأمنية السلبية على الشارع والجيش والمستوطنين. وحديث شارون على مدى ثلاث سنوات من عهد عرفات "إن إسرائيل توصلت الى استنتاج بأن لا يوجد شريك فلسطيني يمكن معه التقدم في مسيرة سلمية ثنائية"، يندرج في خانة تضليل الرأي العام الإسرائيلي والعالمي والقوى الدولية والاقليمية المتطلعة الى صنع السلام في المنطقة والتهرب من استحقاقات التنسيق مع السلطة الفلسطينية. ورغم ان شارون طرح خطته وفي ذهنه أهداف عدة منها التعرض لعملية السلام وشل حركتها واعتراض طريق "خارطة الطريق" الدولية الا انه وضع في مقدمة خطة الانسحاب والانفصال احادي الجانب نصا يقول: "إسرائيل ملتزمة بالمسيرة السلمية وتتطلع الى تسوية متفق عليها على اساس مبدأ دولتين للشعبين: دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، ودولة فلسطين كجزء من تحقيق رؤية الرئيس بوش". واكد شارون في ديباجة الخطة التزامه خارطة الطريق التي طرحتها اللجنة الرباعية الدولية لتنفيذ "رؤية" الرئيس جورج بوش لحل النزاع على قاعدة دولتين للشعبين. واشترط شارون وقف العنف و"الارهاب" الفلسطيني قبل الحديث عن العودة الى المفاوضات والتقدم نحو تنفيذ الخارطة، وشدد على اهمية القضاء على منظمات الارهاب واجراء اصلاحات في السلطة الفلسطينية. وبصرف النظر عن النوايا والظروف التي احاطت بقرار شارون الانفصال من جانب واحد، فالقراءة الموضوعية للخطة واهدافها تبين انها تتضمن تراجعا استراتيجيا جديدا في المشروع الصهيوني التاريخي بعد التراجع الذي تم على الجبهات المصرية والاردنية واللبنانية. والانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات هناك يكرس سابقة خشي زعماء حزب العمل، رابين وبيريس وباراك، الاقدام عليها عندما وصلوا رئاسة الوزراء. وهذه السابقة قابلة في ظروف دولية وإسرائيلية ان تتكرر في الضفة الغربية وتسهل على حزب العمل يوما ما تنفيذ مع عجز قادته عن تنفيذه قبل طرح شارون خطته. الى ذلك، تؤشر خطة شارون الى تغير في موقفه الايديولوجي من فكرة ارض إسرائيل التاريخية، وتراجعه عن موقف سابق معلن بشأن الاستيطان والمستوطنين. حيث ظل من بداية الاستيطان يتمسك ببقاء جميع المستوطنات الصغيرة والكبيرة القريبة والبعيدة عن الخط الاخضر وضمنها مستوطنات قطاع غزة. ورفض مبدأ اخلاء اية مستوطنة حتى اذا كانت معزولة في عمق قطاع غزة او الضفة. وظل منذ احتلال الضفة والقطاع العام ١٩٦٧ يرفض الانسحاب من "المناطق" ومن قطاع غزة، وعارض مبدأ الفصل "الجيوسياسي" بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي. والكل يتذكر الحملة القوية التي شنها شارون في المعركة الانتخابية في شباط ٢٠٠١ ضد أطروحة قيادة حزب حول "الفصل بين الشعبين باتفاق" التي طرحت في مفاوضات كامب ديفيد وفي محادثات طابا زمن ايهود باراك. في حينه، اتهم شارون منافسه في الانتخابات "باراك" بالتخاذل في مواجهة الإرهاب الفلسطيني والاستسلام أمام شروط ياسر عرفات ومطالبه الابتزازية. واعتبر "خطة حزب العمل" و"أفكار كلينتون لتسوية النزاع" التي طرحها قبل رحيله من البيت الابيض باسابيع قليلة، خضوعا للإرهاب الفلسطيني. وراى فيها تفريطا غير مبرر بحقوق في الارض منحها الله لبني إسرائيل تعرض امن إسرائيل لأخطار استراتيجية. وتعهد شارون علنا بالقضاء على "الإرهاب الفلسطيني" خلال فترة وجيزة دون اللجوء للفصل. وبعد فوزه بتلك الانتخابات لم يتطرق في برنامجه الحكومي إلى مسألة "الفصل بين الشعبين" ولا إلى إقامة "المناطق الأمنية العازلة"، تماما كما فعل نتنياهو إبان فترة حكمه القصيرة. ورفض شارون خطة "فصل" تفصيلية قدمها قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي بعد ستة أشهر من وجوده في رئاسة الوزراء وشكك في نجاعتها. وخشي أن يتهمه اليمين برسم حدود نهائية للدولة العبرية والتفريط بـ"أرض إسرائيل التي منحها الرب لبني إسرائيل". وظلت إسرائيل حتى الآن هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تزال من دون حدود رسمية ثابتة ومعروفة مع جيرانها الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. وفي سياق الحديث عن تسوية النزاع مع الفلسطينيين طرح شارون فكرة حل مرحلي طويل الأمد لا تقل مدته عن ١٠ سنوات، ولم يعارض إقامة "كيان" سياسي فلسطيني على ٤٢% من الأرض الفلسطينية التي احتلت العام ١٩٦٧، ولم يعترض تسميته دولة مستقلة إذا شاء أصحابه. لاحقا بعد عام من توليه الحكم طرأ تطور في موقفه وأعلن شارون في خطاب إلى الإسرائيليين يوم ٢١ شباط ٢٠٠٢ أن المجلس الوزاري المصغر قرر إقامة "مناطق عازلة" بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية. وفي مؤتمر هرتسيليا، الذي تحول منذ بضع سنوات الى منبر تطرح من خلاله النخب السياسية الإسرائيلية برامجها وافكارها، طرح شارون في ١٨ كانون الثاني ٢٠٠٣ ما عرف بـ"خطة شارون للانفصال من جانب واحد" و"سحب" الجيش من قطاع غزة واخلاء القطاع كليا من المستوطنات ومعها اربع مستوطنات صغيرة معزولة في شمال الضفة الغربية (غانيم وكديم وحوميش وسانور) وكذلك المنشآت العسكرية في تلك المنطقة. في حينه واجه شارون معارضة قوية من المستوطنين وقوى اليمين ومن داخل حزبه، وجرده اتباعه من لقب نبي الاستيطان الذي ناله تقديرا لجهوده في حقل الاستيطان ومساندة المستوطنين في كل زمان ومجال، وضمنها تطاولهم على القانون وتغطية جرائمهم ضد الفلسطينيين. وأكدت وقائع الحياة أن شارون أخطأ التقدير وفشل في تسويق خطته داخل حزبه وانصاره. وصدم عندما وقع تمرد داخل حزبه شمل اعضاء في قيادة الحزب وكتلته في الكنيست. وحاول شارون اللجوء الى قواعد الحزب ووافق على استفتاء جمهور الحزب حول الخطة، وارتبكت خطواته عندما خسر الاستفتاء ولم يصدق النتيجة وراح يبحث عن مخرج يحافظ على وحدة حكومته ووحدة الائتلاف الذي تستند إليه ويحفظ له كرامته عند صديقه بوش. وبعد صراع حاد داخل حزب ليكود وفي اطار الائتلاف الحزبي اليميني صادقت الحكومة الإسرائيلية يوم ٦ حزيران ٢٠٠٤ على خطة معدلة اقرب الى اعلان نوايا باغلبية ١٤ وزيرا وعارضها ٧ آخرون. وادخل تعديلات نوعية في الخطة مست جوهرها وآلية تنفيذها، وجزأها في اربع مراحل: تبدأ الأولى باخلاء ثلاث مستوطنات معزولة في قطاع غزة نتساريم موراغ ورفياح يام. وفي الثانية يتم اخلاء مستوطنات كاديم وغانيم سانور وحوميش في شمال الضفة الغربية، وفي الثالثة تخلى مستوطنات غوش قطيف وكفار دروم في قطاع غزة، وفي الرابعة الاخيرة يتم اخلاء ايلي سيناي ودوغيت. وخضع شارون لضغط معارضي الخطة بزعامة غريمه الوزير نتنياهو ووافق على تأجيل المرحلة الأولى حتى تموز القادم ٢٠٠٥، واخضاع كل مرحلة من المراحل الاربع لمصادقة الحكومة. وأبقى شارون مسألة استمرار سيطرة إسرائيل على محور فيلادلفي الفاصل بين الحدود المصرية والفلسطينية غامضا، ولم يوضح موقفه بشأن تدمير المباني والمنشآت المدنية في المستوطنات أو تسليمها للفلسطينيين ضمن صفقة تضمنها الادارة الأميركية، وبعد اشتراك حزب العمل في الحكومة راح رئيسه شمعون بيريس يبحث عن طرف ثالث يشتريها لحساب الفلسطينيين. والفلسطينيون انصار السلام مقتنعون ان شارون نجح بمساندة أميركية في جعل خطته المشروع الوحيد المطروح في الساحة، وتهرب من تنفيذ التزاماته الواردة في خارطة الطريق وخاصة اخلاء البؤر الاستيطانية "غير القانونية". ويعتقد البعض أن تنفيذ الخطة سوف يتيح لشارون تقطيع الوقت واستكمال بناء جدار الفصل في عمق الضفة الغربية. أهداف خطة شارون أمنية توسعية في معرض الدفاع عن خطته القائمة على الانفصال من جانب واحد والانسحاب من قطاع غزة، قال شارون: "صحيح انه لن تبقى مستوطنات في قطاع غزة، لكن من الواضح انه ستبقى في يهودا والسامرة وسوف تشكل جزءا من دولة إسرائيل". وفي اجتماع مجلس الوزراء الذي اقر الجدول الزمني لتنفيذ الخطة يوم ٢٠ شباط ٢٠٠٥ قال شارون "هذا أصعب قرار اتخذه في ٤٠ عاماً من حياتي السياسية العسكرية، لكني مقتنع انه يخدم الدولة من الناحية الاستراتيجية"(٢٢). وتشير استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي الى توفر دعم معنوي من الشارع لخطة شارون وانها تحظى بدعم أغلبية شعبية إسرائيلية. وبعد انضمام حزب العمل للحكومة توفرت لها اغلبية في الكنيست صوتت لجانبها. وبينت مناقشات الكنيست وقرار مجلس الوزراء ان الخطة سوف تنفذ قبل نهاية العام ٢٠٠٥ وتتوقع إسرائيل دعما دوليا واسعا لها. وان شارون ينوي ضم قرابة ٧-١٠% من اجمالي مساحة الضفة الغربية لإسرائيل وهذه المساحة تضم تجمع مستوطنات "غوش عتسيون" بين القدس والخليل، ومستوطنة "معاليه ادوميم" شرق القدس وتطل على البحر الميت، ومعظم مستوطنات جبل الخليل، ومستوطنة "ارئيل" وما يحيط بها من مستوطنات بين نابلس ورام الله. وجاء في النص(٢٣) ايضا "الخطة ستؤدي الى واقع امني أفضل لإسرائيل على الاقل في المدى القصير". وحرص شارون على اقرار خط سير الجدار الجديد في الجلسة ذاتها التي اقرت الجدول الزمني لتنفيذ خطة الفصل، ونال قرار الجدار أغلبية كبيرة وصوت لجانبه عشرون وزيرا ضمنهم وزراء حزب العمل، الذين ظلوا يعارضون خط سيره وهم خارج الحكومة. وتؤكد خطة شارون في مقدمتها "ان إسرائيل ملتزمة بالعملية السلمية وتتطلع نحو تسوية متفق عليها على قاعدة مبدأ دولتين للشعبين: دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي ودولة فلسطينية للشعب الفلسطيني". واكد صاحبها ان تنفيذ الخطة ليس مشروطا بتعاون فلسطيني، وبرر صياغتها وعزمه تنفيذها من جانب واحد بالادعاء بانه ليس ثمة شريك فلسطيني يمكن العمل معه. وتبقي الخطة لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس وحق الرد وحق استخدام القوة ضد الاخطار التي قد تنشأ في المناطق التي سيتم اخلاؤها. وفيما يخص معبر "ايريز" على حدود إسرائيل مع القطاع تؤكد الخطة على ان هذا المعبر سينقل الى داخل الاراضي الإسرائيلية في سياق جدول زمني محدد. اما المعابر الدولية بين مصر وقطاع غزة وبين الضفة الغربية والاردن فالخطة تؤكد بقاء الترتيبات القائمة حاليا كما هي. وفي حديثه مع الادارة الاميركية ودول الاتحاد الاوروبي وعد شارون ان تعمل حكومته على تقليص الحواجز ونقاط التفتيش في الضفة الغربية، مع تواصل العمليات الأمنية الضرورية دون قيود. وأكدت الخطة الا يكون في الضفة الغربية وقطاع غزة وجود امني لاية دولة في اية مرحلة من دون تنسيق مع إسرائيل والحصول مسبقا على موافقتها. واشارت الخطة الى امكانية ان تسمح إسرائيل لاربع دول هي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ومصر والاردن بمساعدة السلطة الفلسطينية في تدريب قواتها الأمنية. وفي ما يخص الاخلاء والانسحاب من قطاع غزة أكدت الخطة على أن "إسرائيل ستخلي قطاع غزة بما في ذلك كل المستوطنات الإسرائيلية القائمة اليوم، وتعيد انتشار الجيش خارج اراضي القطاع باستثناء استمرار انتشار عسكري في منطقة خط الحدود بين قطاع غزة ومصر "محور فيلادلفي" حيث ستواصل إسرائيل الابقاء على تواجد عسكري في هذه المنطقة ولهذا التواجد اعتبارات تتعلق بمسائل امنية حيوية. وانه "يتوجب ان يكون قطاع غزة منزوعاً من السلاح الذي لا يتوافق وجوده مع الاتفاقات القائمة بين الطرفين". واشارت الخطة الى أن "الخروج من قطاع غزة ومن منطقة شمال السامرة(٤ مستوطنات ومنشآت عسكرية في محيطها) يقلص الاحتكاك مع الفلسطينيين". وفي سياق الحديث عن منطقة "محور فيلادلفي" نصت الخطة "في المرحلة الاولى. وفي اماكن معينة يحتمل ان يكون لازما توسيع مادي للارض التي تنفذ فيها النشاطات العسكرية". ولاحقا "ستكون إسرائيل مستعدة لفحص امكانية اقامة ميناء بحري ومطار في قطاع غزة بالخضوع الى الترتيبات التي تتقرر مع إسرائيل". وبشأن الاملاك الثابتة في المستوطنات المنوي اخلاؤها تشير الخطة الى امكانية اقامة هيئة دولية بموافقة إسرائيل تتسلم المنشآت وتقدر قيمتها مع احتفاظ إسرائيل بحق المطالبة لاحقا بقيمتها المالية. وتؤكد على ان البنى التحتية المتعلقة بالمياه والمجاري والكهرباء والاتصالات ستبقى. وكذلك الترتيبات الاقتصادية السارية حاليا بين إسرائيل والفلسطينيين ستبقى أيضا وتشمل حركة العمال والبضائع والنظام المالي. وسوف تستمر إسرائيل في الإشراف على تزويد الفلسطينيين في القطاع بالكهرباء والماء والغاز والوقود وفق الترتيبات القائمة حاليا. وبشأن بقاء المنطقة الصناعية في منطقة "ايريز" تشترط الخطة اعترافاً صريحاً من الاسرة الدولية بان استمرار وجود هذه المنطقة لا يعتبر استمرار احتلال لها. وبعد انطلاق "الانتفاضة" وتصاعد العمليات العسكرية في هذه المنطقة لم يصمد هذا الموقف طويلا، وقررت حكومة شارون اخلاء هذه المنطقة الصناعية ونقلها الى مناطق متفرقة داخل إسرائيل. خاصة بعد تعطل العمل فيها وبصورة كاملة مني المشاركون فيها بخسائر كبيرة. وايا تكن دوافع واهداف شارون الحقيقية من طرح خطته واصراره على تنفيذها، فالواضح ان لديه ما يبررها ويتوخى خدمة أمن إسرائيل الاستراتيجي اولا وليس منح حرية للفلسطينيين واعادة حقوق سلبتها إسرائيل قبل اكثر من نصف قرن بتواطؤ دولي، ويأمل شارون ومصممو الخطة: ـ تأسيس مقومات أفضل للمحافظة على أمن إسرائيل وسحب البساط من تحت اقدام "المزاعم" الدولية الموجهة ضدها بشأن مسؤوليتها كقوة احتلال عن الفلسطينيين في قطاع غزة. ويتصور شارون انه بعد تنفيذ الخطة "لن يكون هناك أساس للزعم بان قطاع غزة هو منطقة محتلة". وانه بموجب الخطة والانسحاب وبالاستناد للدعم الأميركي يمكنه انتزاع موقف دولي ينزع عن إسرائيل صفة قوة الاحتلال. وعبر هذه الخطة تحاول حكومة شارون ايضا التخلص من السيطرة على كثافة سكانية لا مثيل لها في العالم والتهرب من المسؤولية الادبية والقانونية عن حياة أكثر من مليون وربع مليون فلسطيني يعيشون في ٣٦٥ كلم مربع في حال فقر مدقع. ويعتبر حزب العمل خطة شارون جزءا من استراتيجية تبناها قبل فترة طويلة، ومن اجل تنفيذها وافق على المشاركة في الحكومة، وانقذ بيريس صديقه شارون عندما تدهور وضعه داخل حزبه وداخل الائتلاف الحكومي والكنيست. ـ عرقلة مسيرة السلام وقطع طريق المبادرة العربية والهروب من الالتزام بتنفيذ خطة خارطة الطريق التي طرحتها اللجنة الرباعية الدولية. وجاء في الخطة: "وعندما يكون في الطرف الفلسطيني ادلة على الاستعداد والقدرة والتحقيق العملي لمكافحة الارهاب وتنفيذ الاصلاحات بموجب خارطة الطريق سيكون ممكنا العودة الى مسار المفاوضات والحوار". ـ يأمل شارون ان تساهم الخطة في تقليص خسائر إسرائيل البشرية والاقتصادية والسياسية والأمنية، خاصة بعد فشله في قمع الانتفاضة ووقف العمليات كما وعد شعب إسرائيل. ويأمل أيضا ان تساعده الخطة في تبرير موقفه المتعلق بمستقبل الضفة والتخلص من اعباء كلفة احتلال قطاع غزة المرتفعة، خاصة ان موقع قطاع غزة باهت وضبابي في نظرية ارض الميعاد التي وهبها الله لبني إسرائيل. ـ تحسين صورة إسرائيل عالميا وابداء شيء من المرونة الزائفة تساعد إسرائيل على الحركة في ميدان الساحة الدولية، ومواجهة قرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار والاستيطان(٢٤). وخلق ظروف افضل لتكريس الاستيطان وضم مساحات واسعة من الضفة وتغطية عملية بناء الجدار القائمة على قدم وساق، وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية وضم بعض التجمعات الى إسرائيل. وكشفت الصحف الإسرائيلية مؤخرا عن مخططات مخيفة جديدة للبناء في المستوطنات خاصة في منطقة القدس. شارون سوّق الخطة وبوش كرسها خيارا ملزما للفلسطينيين بعد طرح شارون خطته عقدت لقاءات كثيرة في واشنطن وتل ابيب بين ممثلين عن الطرفين الأميركي والإسرائيلي. سعى شارون من ورائها الى انتزاع تأييد وغطاء أميركي لخطته واقناع الادارة الأميركية ان الخطوة احادية الجانب لا تتناقض مع رؤية الرئيس بوش وخارطة الطريق الدولية. وفي كل الاتصالات تمسك شارون بشرط "وقف الارهاب" قبل التحرك على طريق تنفيذ خارطة الطريق، وجدد شرط القضاء على المنظمات الارهابية واجراء اصلاحات واسعة في السلطة الفلسطينية قبل استئناف اللقاءات. بعد طرح شارون افكاره تعاملت ادارة الرئيس بوش معها في البداية ببرود وكان تفاعلها ادنى بكثير مما تصوره اركان شارون. واعتقد المعنيون في الخارجية الأميركية ان الخطة ليست أكثر من مشروع طرحته القيادة الإسرائيلية للاستهلالك المحلي. وشدد اركان الخارجية والبيت الابيض على ضرورة الالتزام بخارطة الطريق واخلاء النقاط الاستيطانية العشوائية، وأبرزوا تأكيد شارون في خطاب علني تمسكه بالخارطة واشادوا به. لاحقا نشّطت الادارة الأميركية تنسيقها مع حكومة شارون بخصوص معالجة موضوع الجدار خاصة بعد طرحه على محكمة العدل الدولية في لاهاي. ونجح شارون في دفع ادارة بوش الى الزج بثقلها في معارضة بحث الأمر امام المحكمة، وعندما فشلوا في ذلك عقدت اجتماعات مكثفة بين الطرفين لتلافي الاضرار التي قد يلحقها قرار المحكمة الدولية بإسرائيل. لاحقا، ادركت الادارة الأميركية ان شارون جاد في خطته ويصر على المضي قدما في تنفيذها، وحسمت موقفها ودخلت في مباحثات معه ومع اركانه حولها. في مطلع العام ٢٠٠٤ بدأت بالتعاطي مع خطة "فك الارتباط من جانب واحد" بصورة جدية. وارسلت ستيف هدلي واليوت ابرامز من البيت الابيض ووليم بيرنز من الخارجية الى إسرائيل بهدف بلورة مفهوم مشترك حول الخطة والتفاهم حول جدول التنفيذ. واعتبر المراقبون هذا التطور في الموقف الأميركي انتصارا شخصيا لشارون حيث جر الموقف الأميركي الى رؤيته الخاصة بدلا من جرها له الى خارطة الطريق. وسجل كثيرون نجاحه ايضا في اقناع صديقه بوش وأركانه بان السلطة الفلسطينية في عهد عرفات تفتقر الى المواصفات المطلوبة لشريك يشارك في تنفيذ الخطة. ورحب أهل البيت الابيض بالخطة واثنى بوش على شجاعة صديقه شارون وحمّل عرفات مسؤولية تعثر خارطة الطريق. ومنح بوش شارون وعدا تاريخيا دونه في "رسالة ضمانات" تضمنت موقفا أميركيا جديدا بشأن النزاع لا سابق له في عهد الإدارات الأميركية المتعاقبة(٢٥)، شبهه بعض المحللين العرب بوعد "بلفور" المشؤوم. ولم يتوقع أكثرهم تشاؤما أن يرقى موقف بوش لهذا المستوى من الاستخفاف بمواقف العرب شعوبا وحكومات، والاستخفاف بقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، واعلان دعم سياسة القتل والتدمير التي يتبعها شارون ضد الفلسطينيين والمدمرة لفكر السلام بين الشعبين. وفي مطلع آذار ٢٠٠٤ عقد طاقم إسرائيلي برئاسة فايس غلاس اجتماعا في واشنطن مع مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي كونداليسا رايس ووزير الخارجية كولن باول بحثوا خطة فك الارتباط، وناقشوا الثمن الذي ستحصل عليه إسرائيل مقابل الانفصال والانسحاب من غزة. واتفق على ان يقوم شارون بزيارة واشنطن وان تعيد إسرائيل النظر في مسار الجدار وتقربه باتجاه الخط الاخضر وتحدد قبل الزيارة المناطق التي ستنسحب منها في كل مرحلة، وتضع الجدول الزمني بصورة نهائية، وان تلتزم إسرائيل بعدم نقل المستوطنين الذين سيتم اخلاؤهم من القطاع الى الضفة الغربية. في تلك الفترة أعلن الرئيس بوش تأييده ودعمه خطة شارون وشدد على ان تكون مقدمة لتنفيذ خارطة الطريق وان لا تظهر كخضوع للارهاب. في ١٢ آذار ٢٠٠٤ زار بيرنز وهدلي وابرامز إسرائيل مرة اخرى، وفي لقاءاتهم مع المسؤولين الإسرائيليين اكدوا على ان تكون خطة شارون جزءاً من خارطة الطريق وخطوة على طريق تطبيق رؤية الرئيس بوش بشأن قيام دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل. وسعى الوفد الأميركي الى الحصول على الجدول الزمني للانسحاب المزمع تنفيذه، واستجلاء ما اذا كان الانسحاب سوف يقود الى الهدوء كما حدث في جنوب لبنان عندما نفذ ايهود باراك الانسحاب العام ٢٠٠٠. واتفق الجانبان على ارجاء بحث الثمن الذي ستحصل عليه إسرائيل الى اجتماع الزعيمين بوش وشارون. في حينه تحرك شمعون بيريس زعيم حزب العمل لنجدة شارون في اميركا وعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين شملت وزير الخارجية باول والمستشارة كونداليسا، شجع خلالها بيريس اركان ادارة بوش على تبني خطة شارون دون تحفظ، ودعمها باعتبارها سابقة مهمة في معالجة الاستيطان. وحاول بيريس تسويق افكاره حول تطوير النقب والحصول على خمسة مليارات دولار لهذا الغرض. وتواصلت المفاوضات بين إسرائيل والادارة الأميركية بشأن خطة شارون ومستقبل الضفة والقطاع، واستثنى الطرفان بحث الخطة مع الجانب الفلسطيني، وكأن الحديث يدور حول اراض في القمر لا علاقة للفلسطينيين بها من قريب او بعيد ولا يعنيهم أمرها، وتبنى الجانب الأميركي موقف شارون من الرئيس الراحل عرفات. وتكثفت اللقاءات بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي، وعرض في ٢٤ مسؤولون أميركيون في واشنطن مسودة وثيقة ضمانات أميركية تقدمها ادارة بوش لإسرائيل مقابل تنفيذ الخطة. وفي نهاية آذار ٢٠٠٤ زار مبعوثو الادارة الأميركية هدلي وابرامز وبيرنز إسرائيل من جديد، واجتمع شارون في الاول من نيسان ٢٠٠٤ معهم بغرض التوصل الى اتفاق نهائي على رسالة الضمانات قبل سفره الى واشنطن. وطلب شارون اعتراف الادارة الأميركية رسميا بمسار الجدار. وان تكون رسالة الضمانات الأميركية واضحة لا تقبل التأويل وان تتضمن، عند الحديث عن الحل الدائم، دعما أميركيا لضم الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس وجوارها الى إسرائيل، ورفضاً أميركياً لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى داخل إسرائيل، وعدم مطالبة إسرائيل بالعودة الى حدود ٤ حزيران ١٩٦٧، وتأييد حق إسرائيل في مكافحة الارهاب في "المناطق" التي ستنسحب منها. في ١٤ نيسان ٢٠٠٤ التقى شارون بالرئيس بوش وسلمه رسالة رسمية تضمنت ما عرف لاحقا بـ"وثيقة فك الارتباط". وبرر شارون توجهه نحو فك الارتباط من جانب واحد ودون تنسيق مع الجانب الفلسطيني بان ليس ثمة شريك فلسطيني يمكن التحرك معه في عملية سلمية منتجة. وبيّن في الرسالة ان الجيش الإسرائيلي سوف ينسحب من قطاع غزة باستثناء خط الحدود بين القطاع ومصر "محور فيلادلفي"، وستخلي إسرائيل قطاع غزة من كل المستوطنات القائمة، وتخلي ايضا اربع مستوطنات في منطقة شمالي السامرة، ومعها وجميع المنشآت العسكرية الثابتة في هذه المنطقة. صحيح ان رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون لم يضمن رسالته للرئيس الأميركي بوش فاتورة حساب الاخلاء والتعويض وبناء معسكرات بديلة للجيش، الا انه واركانه افهموا شفويا بوش واركانه ان الكلفة المالية كبيرة لا تقل عن ٣ مليار دولار، وان توفير المبلغ بسرعة يساعد في تخفيف الصعوبات الجمة التي يواجهها شارون في تنفيذ خطته داخل الحزب ومع اليمين والمستوطنين. واستجاب الرئيس بوش في رسالة وجهها الى رئيس الحكومة الإسرائيلية على شكل بيان رئاسي لمعظم المطالب الإسرائيلية، تضمنت الرسالة الموافقة على خطة فك الارتباط من جانب واحد(٢٦). وهذه الموافقة تتضمن عمليا تجميد خارطة الطريق التي ايدها الرئيس بوش في وقت سابق. وأيدت رسالة بوش موقف شارون من رئيس السلطة الفلسطينية، وأكدت ان "على القيادة الفلسطينية ان تقف بحزم ضد الارهاب بما في ذلك القيام بعمليات متواصلة من اجل تفكيك بنيته التحتية وقدراته". وشددت الرسالة على انه "يجب على الفلسطينيين التوقف عن القيام بأعمال عسكرية وجميع اشكال العنف ضد الإسرائيليين في اي مكان". وقالت " لن يتمتع الإسرائيليون والفلسطينيون بالأمن ما لم يجتمعوا هم وكافة دول المنطقة ويوحدوا جهودهم لمحاربة الارهاب ويفككوا المنظمات الارهابية". وتعهد الرئيس بوش انه في اية تسوية سلمية يجب "ان يكون لإسرائيل حدود آمنة ومعترف بها وان تكون ناجمة عن مفاوضات بين الاطراف استنادا لقراري مجلس الأمن ٢٤٢ و٣٣٨، وفي ضوء الحقائق الجديدة على الارض وخاصة وجود المراكز السكانية الإسرائيلية الرئيسية القائمة بالفعل (لاحظ التعبير الجديد المراكز السكانية الإسرائيلية وليس المستوطنات)، فانه من غير الواضح ان نتوقع ان تسفر مفاوضات الحل الدائم العودة الكاملة والشاملة الى خطود الهدنة لعام ١٩٤٩". وبرر بوش موقفه بان المفاوضات السابقة بين الطرفين توصلت الى النتيجة ذاتها. وفي رسالته الى شارون حسم بوش مصير قضية اللاجئين في مفاوضات الحل النهائي. ورفض حق اللاجئين في العودة الى ديارهم داخل إسرائيل، وتبنى بوش لاول مرة الموقف الإسرائيلي بالكامل دون لبس، مخالفا قرارات الشرعية الدولية ومواقف جميع الادارات السابقة التي ظلت ترفض المس رسميا بقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالنزاع وتتحدث عن حقوق اللاجئين وقال بوش : "من الواضح انه في اطار حل متفق عليه وعادل وواقعي لمسألة اللاجئين وكجزء من حل دائم فان الحل سيتحقق من خلال انشاء دولة فلسطينية وتوطين اللاجئين فيها وليس في إسرائيل". والواضح ان ضمانات الرئيس بوش لشارون ليست غلطة رئيس أميركي كثير الأخطاء يمكن تصحيحها، بل انها تحول استراتيجي خطير في السياسة الأميركية في عهد بوش وديك تشيني ورامسفيلد إزاء الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي. الى ذلك، لم يعارض الرئيس بوش في رسالته الى شارون انشاء جدار الفصل ومساره في الضفة الغربية، وقبل تعهدا من حكومة شارون ان يكون الجدار مؤقتا وليس دائما، امنيا وليس سياسيا، وان لا يلحق الضرر بقضايا الحل النهائي بما في ذلك الحدود. وتضمنت رسالة بوش مطالبة أميركية بان تكون لإسرائيل حدود آمنة ومعترف بها " وذات مقدرة للدفاع عنها"، وهذه اول مرة تستخدم فيها ادارة أميركية هذا المصطلح ايضاً. وبعد عودته من واشنطن واجه شارون ثورة داخل حزبه وفي صفوف قوى اليمين والمستوطنين الذين لم يكتفوا بضمانات بوش وخلقوا متاعب حقيقية لشارون. وبأمل التغلب على المتاعب قرر شارون الذهاب الى استفتاء حزبه يوم ٢/٥/٢٠٠٤، وكانت النتيجة خسارة مدوية. وليس صحيحا أن شارون ذهب لاستفتاء الليكود وهو ينشد الفشل للتنصل من خطته بعدما حصل على الضمانات الأميركية. واذا كان التحليل المبني على نظرية المؤامرة دائما يضر ولا ينفع، فالتعمق في قراءة مصلحة شارون يبين أنه كان يرغب في الحصول في الاستفتاء على نتيجة تعزز موقعه في العلاقة مع الرئيس الأميركي وداخل الائتلاف الحكومي. لكنه تلقى صفعة من تلاميذه الذين رباهم على التطرف العنصري حين رفض٦٠% من جمهور الحزب خطته، وايضا من المستوطنين الذين شجعهم على استيطان قطاع غزة واحتلال تلال الضفة الغربية. وفي اجتماع عقد مطلع أيار ٢٠٠٤ ضم ممثلين عن اللجنة الرباعية الدولية (وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول ووزير خارجية روسيا ووزيرة خارجية ايرلندا الرئيسة المؤقتة للاتحاد الاوروبي وخفير سولانا عن العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي وامين عام الامم المتحد كوفي انان) اكد المجتمعون بناء على دفع أميركي دعمهم لخطة شارون وطالبوا تنفيذها. ويمكن القول ان شارون نجح في تحويل خطة الفصل والاخلاء وفك الارتباط والانسحاب من قطاع غزة واخلاء المستوطنات من خطة إسرائيلية ليكودية خاصة الى خطة دولية، دون أخذ رأي الجانب الفلسطيني المعني بها قبل سواه من القوى الدولية التي تبنتها دون ادنى مراعاة للموقف العربي.
وإذا كان الراعي الأميركي لم يبحث أمر مشروع شارون مع الجانب الفلسطيني، ولم تفلح القيادة الفلسطينية في فرض نفسها طرفا في صياغته وتنفيذه ولا أفق لتعديله، فالمصلحة الوطنية العليا تفرض ترك شارون ينفذ ما يشاء دون تعطيل ولكن ايضا من دون مساعدة فلسطينية وعدم تقديم اي التزام فلسطيني، وتحديد الموقف من كل خطواته وفقا للمصلحة الوطنية العليا. ومن حق القيادة الفلسطينية مواصلة التمسك "برؤية" الرئيس بوش وبخارطة الطريق وجداولها الزمنية المحددة فيها. وان ترفض أي تغيير في قواعد العملية الأصلية ورفض إلغاء أو تعديل الاتفاقات السابقة. والإصرار على التزام ادارة بوش قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحل النهائي وبخاصة الحدود واللاجئين والاستيطان. وتأكيد التزامها بقيام دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل في العام ٢٠٠٥.
الخيارات واحتمالات تنفيذ خطة الاخلاء والانفصال يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون باستمرار عزمه تنفيذ خطته، ودفع مؤخرا عملية التنفيذ خطوة الى الامام، ونجح في اتخاذ قرار يتعلق بإخلاء وتعويض المستوطنين بعد مصادقة الكنيست على الخطة. اتبعه يوم ٢٠ شباط ٢٠٠٥ بقرار من الحكومة يتعلق بالجدول الزمني لتنفيذ الخطة وصوت لجانب القرار سبعة عشر وزيرا وعارضه خمسة وزراء فقط واعتبر القرار انتصارا لشارون في مواجهة خصومه المعارضين للخطة. وحسب القرار يفترض ان تبدا عملية الإخلاء في ٢٠ تموز القادم ٢٠٠٥، وتستمر سبعة اسابيع في قطاع غزة. اما اخلاء المستوطنات الاربع في شمال الضفة فسيستغرق اسبوعا واحدا، وحدد الجدول اسبوعين اضافيين لاخلاء البنية التحتية المدنية والعسكرية. وسيتم تنفيذ العملية كلها في اربع مراحل، وسيكون شارون بحاجة الى قرار جديد قبل تنفيذ كل مرحلة من مراحلها، وطبعا لا احد يضمن مرور جميع المراحل بهدوء وسلام. وبرغم المواقف المعلنة والتحضيرات السياسية والعملية، لا احد يستطيع الجزم بعدم وقوع تطورات خلال الشهور الاربعة التي تفصلنا عن تاريخ التنفيذ تموز ٢٠٠٥ تعرقل جدول الانسحاب وتزيد في احتمالات الفشل. ويجاهد شارون ويركض في كل اتجاه بأمل النجاح في اقرار الموازنة الجديدة في آذار ٢٠٠٥ وتجاوز هذا الاستحقاق الخطير والفشل في تمرير الموازنة يعني الذهاب الى انتخابات مبكرة وتأجيل تنفيذ الخطة. وأيضاً لا احد يستطيع الغاء احتمال انهيار الحكومة في احدى المراحل الاربع والذهاب الى انتخابات مبكرة وتعطل تنفيذ اجزاء من الخطة ان لم يكن كلها. خاصة وان قرار مجلس الوزراء حمل في طياته ما يساعد على ذلك، عندما اكد الحاجة لقرار جديد لتنفيذ كل مرحلة بذاتها. وتسمع اليوم اصوات في اوساط اليمين تتهم شارون بالتخاذل والردة والخيانة شبيهة بالاصوات التي سبقت اغتيال رابين. وبديهي القول ان المراحل الاربع لن تمر بهدوء وبسلاسة وسوف يخوض اليمين داخل الحكومة وفي الشارع معارك قوية قبل وخلال التنفيذ. وشارون يعرف ان تمرير الخطة في الكنيست والحكومة بالاستناد الى حزب العمل لا يؤشر على قوته ولا يعني ان مناورته نجحت وحقق انتصارا ساحقا على خصومه، بمقدار ما يعني ان معركة حقيقية بدأت داخل معسكر اليمين. وقول الوزير ايتام من "المفدال: "لا يمكن لاية ماكنة غسيل تبييض كلمات واحد من اسود القرارات التي اتخذت في تاريخ إسرائيل..وسندعو جميع القوى الى مقاومة خطة شارون"..الخ تشير الى بداية تشكل جبهة يمينية ضد شارون اضافة للجبهة "اليسارية" المضادة له ولحكومته. وشارون يعرف ان الجولة الاولى من الصراع انتهت في غير صالحه وخرج منها مثخنا بالجراح: تلقى لطمة سياسية ومعنوية قوية في استفتاء حزب ليكود حول الخطة. تمرد عليه صف واسع من قيادة الحزب وممثليه في الكنيست ولم يستطع اتخاذ اجراءات ضد اي منهم. اجبر على التراجع عن خطته الاصلية وادخل عليها تعديلات عديدة جوهرية، وتشكلت ارضية ملائمة لتوحيد قوى اليمين ضد الخطة. وتحولت حكومته الى رهينة بيد خصومه في اليمين واليسار، ولا احد يضمن استمرار حزب العمل في الانسجام معه بعد تنفيذ الخطة. ويلهث شارون وراء شاس بأمل ضمان استقرار حكومته وتنفيذ خطته ويدرك شارون ان تراجع الوزراء نتنياهو وشالوم ولفنات الأركان في حزب ليكود عن التصويت ضد الخطة لا يعني عودة المياه الى مجاريها بين المعسكرين بل الوصول الى تسوية مؤقتة لن تدوم. وقد يحتاج لاحقا إلى معجزة لضمان بقاء حكومته وبقائه في رئاسة الوزراء حتى نهاية ولايته في العام ٢٠٠٧، ولا احد يعرف مصير الخطة اذا اضطر شارون الى الذهاب لانتخابات مبكرة. واذا كان استنجاد شارون بحزب العمل أطال في عمر حكومته بعض الوقت، فان هذا الاستقواء يسرع في انفجار المعركة داخل ليكود. وبغض النظر عن عنجهية شارون ومكابرته ومحاولة الايحاء بانه لا يزال يمسك بزمام الامور، فحالته الراهنة تشير إلى انه يسابق الزمن ويبحث عن مخرج لكن مأزقه يتعمق اكثر كيفما تحرك. وهو مرتبك اسير اقلية ليكودية رباها على التطرف، واسير احزاب يمينية بث فيها روح معارضة السلام مع العرب والفلسطينيين وشجعها على التمرد وتحدي القوانين عندما يتعلق الامر بالاستيطان. وحديث بعض المحللين عن تكرار السيناريو الذي نفذه شارون واطاح بنتنياهو وحكومته بعد توقيع اتفاق "واي ريفر"(٢٧) العام ١٩٩٨ لا يندرج في اطار التمنيات بل قد يتكرر في الشهور القادمة. وفي جميع الحالات لا مصلحة للفلسطينيين او اي طرف عربي في مساعدة شارون على الخروج من المأزق والتجاوب مع توجهاته. وخشية البعض من سقوط شارون "المعتدل" وانتصار القوى الاكثر تطرفا في ليكود وفي المجتمع الإسرائيلي ومن ضياع فرصة الانسحاب من غزة..الخ تعبر عن سذاجة سياسية في احسن الاحوال. فشارون يبقى من ألد اعداء السلام حتى إذا دمر مستوطنات قطاع غزة كما دمر ياميت وسحب الجيش الإسرائيلي من هناك. ويخطئ من يعتقد ان موافقة شارون على تجديد دور مصر في عملية التسوية وابداء الاستعداد للتعاون مع محمود عباس يعبر عن تغير جوهري في سياسته المعادية للسلام أو تغيير في موقفه السلبي من السلام ومن خارطة الطريق ومن الحقوق الفلسطينية المشروعة، أو انها تفسح في المجال للتقدم بمبادرات منتجة والقيام بتحركات تخرج عملية السلام على المسار الفلسطيني من مأزقها وتعيد لها حيوتها. وبديهي القول ان فشل شارون في تنفيذ خطته لسبب او آخر يبقي الوضع في قطاع غزة وشمال الضفة على ما هو عليه، وسوف يصاحبه ارتفاع في درجة التوتر السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي وتوتر اشد مع الفلسطينيين يترافق مع خرق "الهدنة" ويتجدد اطلاق النار في كل الاتجاهات وتنتعش اعمال التطرف. وتكون النتيجة الملموسة تجميد الجهود الهادفة الى تحريك عملية السلام بانتظار الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها في العام القادم على ابعد تقدير. وتقدم هذا الاحتمال على الاحتمالات الاخرى يعفي الفلسطينيين من اشكالات داخلية محتملة، ويؤجل غرقهم في مهمات امنية استثنائية هم ليسوا جاهزين لها. وفي كل الحالات اذا حال ميل المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف دون تنفيذ خطة شارون فالمسؤول الرئيس عن هذه النتيجة هو شارون نفسه الذي قاد المجتمع الإسرائيلي نحو أقصى درجات التطرف. والتدقيق في الخيارات المتوفرة والاحتمالات الظاهرة للعيان في حال الوصول الى محطة التنفيذ يبين ان خطة شارون تواجه اكثر من احتمال واحد وهناك اكثر من خيار لتنفيذها: الاول، ان يتم التنفيذ بالتعاون والتنسيق مع طرف ثالث. والثاني، تنفيذها من جانب واحد والاكتفاء بابلاغ "الصديق" بوش بالجدول الزمني. والثالث، تنفيذها بالتعاون والتنسيق مع السلطة الفلسطينية واجهزتها الأمنية والمدنية. آفاق الخيارات الثلاثة ونتائجها المحتملة لا جدال في ان تنفيذ الخطة سوف يعمق الاشكالات السياسية والحزبية في اطار النظام السياسي في إسرائيل بصرف النظر عن شكل التنفيذ ومدته الزمنية، وسيلاحظ المراقبون تعمق الفرز داخل معسكر اليمين بعد تنفيذ المرحلة الاولى من الخطة. بعض هذه الاشكالات بدأ يطل برأسه في الحلبة الحزبية، بدأت بفشل شارون في تمرير خطته في حزب ليكود، تلاها تصدع الائتلاف الحاكم وتمرد عدد من اعضاء ليكود في الكنيست، ولن تكون مشكلة تمرير الموازنة في الكنيست في آذار القادم آخر مشاكل شارون. فهذه الاشكالات تمثل مقدمات لتطورات محتملة أكبر يقدر لها ان تطفو على سطح المسرح السياسي عند الشروع في تنفيذ الخطة في تموز القادم. ولا أحد يستطيع تجاهل إمكانية حدوث مفاجآت أمنية توثر في تنفيذ الخطة في إحدى مراحلها. وبشان الخيارات الثلاثة اعتقد ان الأخذ بالخيار الاول، أي مشاركة طرف ثالث في التنفيذ (مثلا قوات أمم متحدة او قوات مصرية او متعددة الجنسية من الحلف الاطلسي بقيادة أميركية او قوات أميركية صرفة..الخ) يساعد في تمرير خطة الانفصال في الجانب الفلسطيني بهدوء ويوفر نسبة اعلى من الأمن لجميع الاطراف. ويؤمن للخطة قوة تحميها تساهم في تحويلها في مرحلة لاحقة الى خطوة حقيقية على طريق حل النزاع وصنع السلام. وجميع الاطراف وضمنها إسرائيل تدرك أن أجهزة الأمن الفلسطينية غير قادرة، بعد الضربات التي تلقتها، على ملء الفراغ الأمني الذي يخلفه انسحاب الجيش واخلاء المستوطنات، ولن يكون سهلا عليها فرض سيطرتها الكاملة في كل زاوية يخليها الاحتلال. خاصة اذا حصل خلاف فلسطيني داخلي حول الموضوع، وهذا الامر متوقع خاصة ان "حماس" اعلنت انها تريد ان تشارك في ادارة القطاع بعد الانسحاب، قوات الامن الفلسطينية بحاجة في جميع الحالات الى مساعدة طرف ثالث لملء الفراغ وتوفير فرصة لاعادة التنظيم والتدريب. واذا منحت القيادة الفلسطينية حق الاختيار فالمصلحة الفلسطينية تعطي افضلية أن يكون الطرف الثالث قوة دولية تتشكل بقرار من مجلس الأمن الدولي، ولا تعترض على أن تكون قوات أميركية صرفة أو متعددة الجنسية ومن اي جنسيات ترضى عنها إسرائيل. وبرغم المبرر الواقعي لدور طرف ثالث، الا ان هذا الخيار غير مطروح حتى الآن بشكل جدي على أجندة أحد باستثناء الطرف الفلسطيني الضعيف ودول الاتحاد الاوروبي بنسبة أقل. ومراجعة مواقف إسرائيل من المسألة يؤكد ان حظ هذا الخيار شبه معدوم في ظل موقف شارون الرافض بالمطلق لفكرة منح طرف ثالث دورا ميدانيا مباشرا في تنفيذ الخطة. وتمسك شارون بقوة بالمبدأ الأمني القديم الذي يقوم على اعتماد القوة الذاتية في توفير الأمن يعطل دور الطرف الثالث في عهد شارون. واذا كانت إسرائيل في عهد حزب العمل وميرتس قبلت في اتفاقات كامب ديفيد مع مصر بدور قوات طرف ثالث بقيادة أميركية على جبهة سيناء، فالنموذج المفضل عند شارون هو نموذج الترتيبات الثنائية المشتركة الذي نفذ على الجبهة الاردنية والتي استثنت دور الطرف الثالث وقامت على اساس ترتيبات ميدانية مشتركة اتفق عليها الطرفان بمفاوضات مباشرة(٢٨). واستبق شارون اي تفكير دولي في الطرف الثالث وضمّن خطته فقرة تقول "إسرائيل تصر على ان لا يكون وجود امني اجنبي في قطاع غزة و/او في يهودا والسامرة دون موافقتها". وتوافق على "انه بالتنسيق معها ستمنح مشورة مساعدة وارشاد لقوات امن فلسطينية (لاحظ مشورة مساعدة وارشاد وليس اكثر) لغرض مكافحة الارهاب والحفاظ على النظام من قبل محافل أميركية، بريطانية، مصرية، أردنية، او خبراء آخرين وكما يتفق عليه ثنائيا". وإذا كان شارون يعارض بقوة أي دور ميداني لطرف ثالث، ويعارض الاستعانة بقوات أميركية أو دولية أو متعددة الجنسية للفصل بين الشعبين و"الدولتين"، فليس عاقلا من يصدق أنه سوف يترك الحدود المصرية الفلسطينية دون رقابة إسرائيلية مشددة او انه سيسلم الحدود والمعابر الرسمية للفلسطينيين، وهو الذي يؤمن بأن الرقابة الأمنية الإسرائيلية وحدها القادرة على منع الفلسطينيين من تهريب الأسلحة والمتفجرات. وبديهي قول أن بقاء معبر رفح تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي ينسف جوهر فكرة الانسحاب من القطاع، ويبقي القطاع بصيغة واخرى تحت الاحتلال. وشارون ليس في عجلة من أمره ولا يتعرض لأي ضغط جدي داخلي أو إقليمي أو دولي للانسحاب من قطاع غزة وتسليم المعابر والحدود مع مصر للفلسطينيين. وبشأن الخيار الثاني "التنفيذ من جانب واحد": يمكن القول ان رحيل عرفات احدث تبدلا في موقع الخيار الثاني ضمن الخيارات الثلاثة. في عهد عرفات كان في الصدارة وعليه بنى شارون خطته وحملت اسم "فصل وانسحاب احادي الجانب"، لكنه بعد تولي محمود عباس زمام السلطة عبر انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة تراجع هذا الخيار جزئيا لصالح الخيار الثالث المفضل أميركيا والقائم على التنفيذ بالتنسيق مع الجانب الفلسطيني. وفقد شارون ذريعة استخدمها ثلاث سنوات، ولم يعد بمقدوره تبرير التنفيذ احادي الجانب. ومما لا شك فيه ان بامكان شارون ايجاد ذريعة بديلة لذريعة عرفات التي فقدها وحتى خلق ذرائع كثيرة اذا اراد. خاصة ان مصلحته لا تزال تكمن في الانسحاب احادي الجانب الذي يعفيه من اجراء تعديلات في الخطة تفرضها قواعد الشراكة. ويعفيه من كشف اوراقه فيما يتعلق بالجواب على سؤال ماذا بعد الانسحاب من غزة. صحيح ان لدى شارون جواب خلاصته دعونا ننفذ الخطة ونرتاح فترة ١٠ سنوات كمرحلة انتقالية، لكنه يعرف ان هذا الجواب مرفوض فلسطينيا ولا يحظى برضى احد بما في ذلك الرئيس بوش ودول الاتحاد الاوروبي. الى ذلك، هناك عقبات اخرى تصب في صالح العودة لاعتماد هذا الخيار، منها عدم الاتفاق مع الجانب الفلسطيني على تفاصيل التنفيذ، خاصة وان شارون التزم امام الكنيست بترتيبات خاصة يصعب التراجع عنها. وعملية تل أبيب التي نفذتها سرايا القدس التابعة للجهاد الاسلامي يوم ٢٥/٢/٢٠٠٥ قدمت ذريعة لشارون ليزيد في تمسكه بتنفيذ خطته من جانب واحد، وتراجعه عن تسليم المسؤولية الأمنية عن المدن الفلسطينية الخمس: أريحا وطولكرم وقلقيلية وبيت لحم ورام الله للسلطة، تؤكد نواياه السيئة خاصة ان السلطة أدانت العملية بلسان رئيسها وتحركت لاعتقال ومحاكمة المسؤولين عنها. وفي جميع الحالات، يعفي التنفيذ احادي الجانب الطرف الفلسطيني من اي التزامات امنية اتجاه الجانب الإسرائيلي، ويثير في حال تطبيقة أسئلة حول مصير المستوطنات والبنية التحتية: هل سيقرر شارون تدميرها ام يتركها سليمة ويسلمها للسلطة مباشرة او عبر طرف ثالث ؟ وسؤال آخر حول تشغيل مطار غزة والميناء وحول السيطرة على المعابر البرية. لقد نص مشروع شارون "الخطة" على أن "إسرائيل ستشرف على الغلاف الخارجي في البر وتحرسه، وستسيطر بشكل منفرد في المجال الجوي لغزة وتواصل اجراء النشاط العسكري في المجال البحري لقطاع غزة". وبديهي القول ان تمسك إسرائيل بهذا الشرط يبقي القطاع عمليا تحت الاحتلال. والخطة نصت في اكثر من مكان على ان "إسرائيل تحتفظ لنفسها بالحق الاساس للدفاع عن النفس بما في ذلك اتخاذ خطوات وقائية وكذا رد الفعل في ظل استخدام القوة تجاه تهديدات تنشأ من القطاع". وتكرر هذا النص عند الحديث عن منطقة شمال الضفة التي سيتم اخلاؤها من المستوطنات الاربع: غانيم، كاديم، حوميش، وسانور. وممارسة هذا الحق رغم ارادة الفلسطينيين يعيد الامور الى ما كانت عليه قبل الهدنة وقبل قمة شرم الشيخ. الانسحاب الإسرائيلي احادي الجانب لن يمر بهدوء وسلام وسوف يبدو وكانه انتصار لانصار العمل العسكري والعمليات الانتحارية، وقد يتسبب في وقوع فوضى في الجانب الفلسطيني في السيطرة على مخلفات الجيش والمستوطنين من منشئات ومعدات صناعية وزراعية. وفي حال استمرار شارون في تنفيذ توجهاته وواصل الاستهتار بالطرف الفلسطيني ولم يساهم في تعزيز مكانة السلطة في صفوف الناس، يصبح من المرجح ان يرافق الانسحاب اعمال عسكرية من الطرفين تكون حتما قوية من الجانب الإسرائيلي لردع اي تطاول فلسطيني واشغال (العدو) وتقليص الخسائر. يقابلها اعمال عسكرية فلسطينية ينفذها البعض لاعتبارات معنوية ومحاولة تكريس الدور الذاتي وانتزاع حصة في الترتيبات. وبديهي القول ان الاعمال العسكرية من الجانب الفلسطيني سوف تكون محدودة بالقياس لعمليات المقاومة اللبنانية ابان انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب العام ٢٠٠٠ وذلك بسبب محدودية الامكانات المتوفرة لدى حماس وباقي قوى المعارضة المسلحة. وفي معرض تفسير الاصرار على الاستمرار في احتلال مدن الضفة الغربية ومخيماتها، يقول شارون وأركانه الأمنيون للأوروبيين وممثلي الأمم المتحدة والصليب الحمر الدولي ولجان حقوق الإنسان..ألخ كلاما يتضمن اعترافا ضمنيا بفشل خطط العزل والفصل أحادية الجانب، ويقرون مواربة بأنها لا توفر الأمن للإسرائيليين. وشروع كتاب ومحللين إسرائيليين في الحديث عن فشل نظرية الأمن الشارونية يعجل في كشف الحقيقة للجمهور الإسرائيلي ويوسع دائرة المقتنعين بأن الفصل بين الشعبين من جانب واحد يعقد الحل السياسي ولا يوفر الأمن لاحد. ولن يتأخر أغلبية الإسرائيليين في إدراك مخاطر أطروحة شارون ومفاهيمه حول الأمن على صنع السلام بين الشعبين وعلى علاقات إسرائيل بالقوى الإقليمية والدولية التي تؤمن بالسلام وتنادي بالفصل بين الشعبين باتفاق سلام شامل ودائم. وفي كل الاحوال يبقى الانسحاب من جانب واحد وهم خادع لا يحقق "الأمن والسلام" في بقية عهد شارون، وهو يشبه وهماً قديماً دام ٢٠ عاما بناه أركان المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية على السياج الأمني الذي اقاموه على الحدود مع لبنان، وايضا على المنطقة الأمنية العازلة التي عينوا الجنرال أنطوان لحد زعيما لها وطواه النسيان(٢٩). وتجربة العزل والفصل المفروضة على قطاع غزة منذ سنوات تؤكد ان خطة الفصل قادرة على تقليص العمليات داخل إسرائيل لكنها لا تنهيها كليا. ترفع في نسبة الأمن للإسرائيليين لكنها لا تحققه كاملا ولا تقضي على العمليات الانتحارية ولا توقف القصف بمدافع الهاون والقذائف الصاروخية.واضطر الجيش الإسرائيلي أكثر من مرة إلى اقتحام مناطق فلسطينية مأهولة بالسكان في رفح وغزة وخان يونس ودير البلح ردا على عمليات نفذها فلسطينيون اخترقوا في بعضها الجدار والمعوقات الإسرائيلية الاخرى، وفي بعضها الآخر استخدموا قذائف صواريخ ومدافع هاون من عيار ٨١ ملم و٨٢ ملم مداها قصير. الاحتمال الثالث: التنفيذ بالتعاون والتنسيق مع السلطة يمكن القول ان حظوظ هذا الخيار باتت في الآونة الأخيرة أعلى من سواه وزادت لاسباب عدة منها: زوال الذريعة بعد وفاة عرفات وتولي محمود عباس زمام السلطة ونجاحه في اقناع قيادة حركة حماس وباقي القوى بوقف اطلاق النار تمهيدا لعمل هدنة طويلة. ويعبر عباس بوضوح عن رغبته في التنسيق مع الجانب الإسرائيلي بشأن خطة الانسحاب واخلاء المستوطنات وكل خطوة تمس الارض والشعب الفلسطينيين. وزادت تطورات الوضع الفلسطيني خصوصا تبوؤ عباس قيادة السلطة، رغبة الادارة الأميركية والمجموعة الاوروبية ان يتم تنفيذ خطة شارون بالتنسيق بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وتجنب كل ما يسبب احراجا لمحمود عباس. وانضمام حزب العمل للحكومة رفع من نسبة الاخذ بهذا الخيار، خاصة وان هذا الحزب دخل الائتلاف لضمان تنفيذ خطة الانفصال، وتتمسك قيادته بتنشيط الاتصالات مع الرئيس محمود عباس وتفضل تنفيذ الخطة بالتنسيق معه. وإن وجود شمعون بيريس وآخرين من العمل في الحكومة يزيد في قدرة الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الاوروبي ومصر والاردن على التاثير في موقف شارون وربما يساعد في تحويل الخطوة من انسحاب احادي الجانب الى انسحاب بالتعاون والتنسيق مع الجانب الفلسطيني. وجاءت قمة شرم الشيخ يوم ٨ شباط ٢٠٠٥ التي جمعت عباس وشارون بحضور الرئيس المصري مبارك وملك الاردن عبد الله الثاني وزادت في احتمال اعتماد هذا الخيار. ولا شك في ان تعيين الادارة الأميركية الجنرال وليم وورد كمنسق للعلاقة الأمنية مع الفلسطينيين يساعد في لعب الجانب الأميركي دورا أكبر من دور المسهل او المراقب لتنفيذ مهام التعاون والتنسيق. واظن ان حكومة شارون تملك القوى والوسائط لتنفيذ الخطة اذا حزمت أمرها، فالمؤسسة الأمنية العسكرية معروفة بانضباطها للقرار السياسي وجاهزة لتنفيذ قرار الاخلاء. والقرار يحظى بموافقة اغلبية برلمانية وشعبية، والتمرد من قبل المستوطنين وانصارهم في اليمين وداخل ليكود أضعف من ان يعطل تنفيذ القرار اذا حسم شارون موقفه. ومصلحة الجيش الإسرائيلي تتقاطع مع موقف محمود عباس بشان التنسيق الأمني ولدى قيادته رغبة حقيقية غير معلنة بهذا الخيار وتحاشي تكرار نموذج الانسحاب من جنوب لبنان في عهد باراك(٣٠). وترى قيادة الجيش في اعتماد التنفيذ بالتنسيق مع السلطة خياراً يقلص كلفة الانسحاب المادية والمعنوية، ويعفي الجيش من مسالة حساسة، والظهور امام العالم والعرب في صورة من تراجع امام المقاومة، ويجنبه الانسحاب في ظل القصف واطلاق النار والاضطرار الى الدخول في اشتباكات مع المسلحين الفلسطينيين تكلفه خسائر اضافية. ويعتقد بعض اركان المؤسسة العسكرية ان التنسيق يساعد في تحويل الخطوة من "انسحاب" دون ثمن تقبضه إسرائيل الى "انسحاب" مقابل ضمان الهدوء قبل وخلال وبعد الانسحاب. صحيح ان عملية تل ابيب الاخيرة التي نفذتها خلايا الجهاد الاسلامي تشوش على هذا الخيار "تنفيذ الخطة بالتنسيق مع السلطة" الا ان موقف أبو مازن واجراءات اجهزة الأمن الفلسطينية تبقي حظوظ الخيار عالية شريطة أن لا يتبعها عمليات أخرى. وطبعا لا أحد يضمن ذلك. وبديهي القول انه في حال اعتماد هذا الخيار تصبح الجهات المعنية في السلطة مطالبة ببذل اقصى الجهود لصياغة البروتوكولات اللازمة مع الطرف الاخر بهدف تنظيم التعاون بين الطرفين طيلة فترة الإخلاء والانسحاب وفي المرحلة اللاحقة عليه. واذا كانت القيادة الإسرائيلية لا تثق بدور قوى الأمن الفلسطينية في حماية الحدود بين الدولتين، وتخشى تولي اجهزة الأمن الفلسطينية مهام أمن المعابر، وترفض تكييف مفاهيمها ومتطلباتها الأمنية للقوانين والاعراف الدولية وتتصرف بأريحية مع قرارات الامم المتحدة، وواصلت تطبق ما تريد ورفض ما تريد ولا تجد من يردعها..الخ يصبح دور الطرف الثالث ضرورة لا غنى عنها لانجاح التعاون والتنسيق الثنائي. ويصعب تصور خطة شارون خطوة جدية على طريق تهدئة الصراع واستقرار الأمن في المنطقة من دون هذا الطرف . ترتيب الوضع الفلسطيني قبل وبعد تنفيذ خطة الانفصال بناء على تجربتهم المرة يؤمن الفلسطينيون بأن غريزة التوسع والاستيطان قوية جدا عند شارون نبي الاستيطان وتظل أقوى من غريزة حب التعايش والسلام مع العرب شبه المفقودة عنده وعند حزبه وجمهوره المتطرف. ويشكل كثيرون انه سوف يكرس سابقة تلحق ضررا باستراتيجية إسرائيل التفاوضية بشأن مستقبل الضفة الغربية ومع سورية حول الجولان ومزارع شعبا في جنوب لبنان. ووقائع المسيرة السلمية والعلاقة الفلسطينية الإسرائيلية في عهده تؤكد انه يستمتع في قهر الفلسطينيين، وذبح في السنوات الاربع الماضية عملية السلام من الوريد الى الوريد ونسف انجازات العملية ودفن اتفاقات السلام التي تم التوصل اليها في عهد من سبقوه، وعمل كل ما يمكن من اجل نسف مقومات قيام دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل، وحقن الشعبين بالحقد والعداء ويعمل على اقامة جدران واسوار من الكراهية والعداء بينهما.
وباصراره على تنفيذ خطته وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون السلطة الفلسطينية ورئيسها أمام امتحان أمني سياسي صعب، الفشل فيه ممنوع وله مضاعفات خطيرة على الوضع الوطني برمته، ويعني فشل الرهان على دور محمود عباس الانقاذي، وفشل حزبه السياسي حركة فتح والحكومة واجهزتها الأمنية في تحمل مهمة لا مفر منها. وهذا الفشل يعمق أزمة عملية السلام وازمة حركة فتح وقوى السلام المتفاقمة، ويعجل في تدهور وضع السلطة لصالح صعود التطرف وانتشار حالة من الفوضى وانعدام النظام. والفشل في السيطرة على الوضع قبل وخلال تنفيذ الخطة وبعده يكرس نوعا من ازدواجية السلطة ويفتح الباب أمام بروز سلطات محلية وحزبية تتحالف بعض الاحيان وتتصارع في معظمها، وفي العادة يرافق هذه الحالة تراجع في دور السلطة الشرعية المركزية لحساب المعارضة وحساب المتضررين من تطبيق القانون. وفي جميع الحالات يتطلب نجاح القيادة الفلسطينية في امتحان بسط السيطرة في المناطق التي سيخليها الاحتلال الشروع فورا: ١ـ حشد التأييد الاقليمي والدولي للموقف الفلسطيني المركزي القائم على اعتبار خطة الانسحاب والإخلاء الإسرائيلية ليست اكثر من عملية اعادة انتشار لقوات لجيش، ووقف استغلال المستوطنين ارضي فلسطينية مدة طويلة زادت عن ٣٠ سنة. وتنفيذ عملية الإخلاء والانسحاب لا تعفي دولة إسرائيل من مسؤوليتها المادية والمعنوية كقوة احتلال ألحقت اضرارا فادحة بالفلسطينيين وممتلكاتهم وارضهم واقتصادهم. وهي ملزمة قانونيا بتعويضهم عن الخسائر التي الحقها المستوطنون والجيش بهم وبأرضهم وممتلكاتهم، وبتوفير فرص عمل للعمال الفلسطينيين. وبقاء المعابر البرية والحدود مع مصر والمياه الاقليمية والاجواء الفلسطينية في منطقة قطاع غزة تحت سيطرة القوات الإسرائيلية يعني عمليا بقاء الاحتلال بكل ما يترتب على وجوده من مسؤوليات. وبما ان الاتفاقات الاساسية بين السلطة وحكومة إسرائيل تقر بوحدة الضفة والقطاع كمنطقة سيادية واحدة، فصفة الاحتلال تبقى تلازم إسرائيل طالما ان الجيش والمستوطنين يحتلون اجزاء من الضفة الغربية. ٢ـ تهدئة الجبهة الداخلية وترتيب البيت الوطني وتأمين أعلى قدر من التعاون مع القوى الوطنية والاسلامية، ومحاولة التفاهم معها على تأكيد وحدانية السلطة في تنفيذ الخطة في حال التوصل الى اتفاق مع الجانب الإسرائيلي.واعتبار كل شيء يتركه او يخليه الاحتلال على انه ممتلكات وطنية، والسلطة الرسمية واجهزتها المدنية والأمنية وحدها المسؤولة عن استلام الارض وما عليها من منشآت مدنية وعسكرية واقتصادية في حال الانسحاب، مع حفظ حقوق الملاكين الاصليين كاملة. والعمل على تحقيق إجماع وطني يرفض اي تصرفات ميدانية تضر بالمصالح العليا. وفي حال تعذر التفاهم تعمل السلطة على تطبيق النظام وتنفيذ قرارات القيادة الشرعية المنتخبة بالقوة، وتتخذ السلطة الإجراءات الهادفة إلى المحافظة على الممتلكات العامة ومنع النهب والسلب وفرض النظام في المناطق التي يخليها الاحتلال، وعدم التساهل مع كل من يتعمد خرق النظام والتطاول على الممتلكات وعزله شعبيا. ٣ ـ تحضير الوضع الذاتي الحكومي والشعبي للنهوض بالمهمات الناشئة عن الخطوة الإسرائيلية وصياغة التوجهات الوطنية اللازمة وتركيز الجهد لصالح متطلبات الاحتمال الاكثر ترجيحا. والشروع في تحضير القوى والوسائط اللازمة لملء الفراغ وحصر الممتلكات والاراضي وعمل دراسات تحدد الممتلكات الخاصة وتميزها عن العامة، وعدم الانتظار ريثما يبدأ الانسحاب. ٤ ـ وضع خطة سياسية أمنية لمواجهة جميع الاحتمالات، والعمل على توفير اوسع دعم حزبي وشعبي لتوجهات السلطة واسناد اجهزة الأمن في تنفيذ مهماتها. والشروع في عمل الحوارات والدعاية والاعلام والتعبئة اللازمة لتسهيل عملية بسط السيطرة، وتعريف الناس باهداف الخطة وفوائدها. وإبلاغ الجميع ان السلطة تعتبر كل تعطيل لقيامها بمسؤولياتها يرقى لمستوى خيانة المصالح العليا، وستقوم أجهزتها حسب الصلاحيات المخولة لها بعمل كل ما يلزم دفاعا عن هذه المصالح وتعزيز مصداقيتها داخليا وخارجيا. ٥ـ تسريع عملية توحيد أجهزة الأمن الفلسطينية وتكليف مجلس الأمن القومي والمجلس العسكري بتنفيذ الخطة الفلسطينية، وتوفير القوى والوسائط اللازمة وتقريبها من ارض العمليات. واعلان التعبئة والاستنفار واجراء التدريبات العملية اللازمة لتنفيذ الواجبات. ومنع الجماعات المسلحة ايا كان انتماؤها من ممارسة نفوذ غير شرعي يتعارض مع القانون. وتشكيل قوة خاصة تسند لها هذه المهمة وتدريبها مسبقا على الخطة يزيد في نسبة النجاح. ٦ ـ التدقيق في موقف الحكومة الإسرائيلية الرسمي المعلن يؤكد ان موعد بدء الجانب الإسرائيلي في تنفيذ المرحلة الاولى من خطته ليس بعيد، وان الوقت الممنوح لاجهزة الأمن الفلسطيني ضيق، أقل من ١٥٠ يوماً، وبالكاد يكفي لتجميع القوى والوسائط اللازمة وتأهيلها للمهام الملقاة على عاتقها. وبديهي القول إن وجود طرف ثالث في الميدان (أمم متحدة، قوات أميركية، أو متعددة الجنسية) يقوم بمهمة الفصل بين الطرفين واستلام كل ما تخليه إسرائيل من ارض ومبان ومنشآت مدنية وعسكرية وإعادة تسليمها للفلسطينيين ..الخ يسهل على قوى الأمن الفلسطينية مهمتها. واذا رفض شارون واصر على تنفيذ خطته الاصلية دون تعديل ومن جانب واحد فالمصلحة الفلسطينية تفرض على القيادة الرسمية وقادة قوى المعارضة الأخذ بخيار التعامل مع كل خطوة يخطوها شارون على الأرض وفق قاعدة أخذ النتائج المفيدة ورفض الضارة، والتمسك بزوال الاحتلال ومرتكزاته باعتبارها اعتداء صارخاً وبالجرم المشهود على أمن الشعب الفلسطيني، والتسلح بقرارات الأمم المتحدة وقرارات محكمة العدل الدولية الدولية التي تدعو إلى انسحاب إسرائيل من كل أراضي الضفة الغربية والقدس وغزة والعودة إلى حدود العام ١٩٦٧. ولعل النجاح في هذه المهمة يتطلب أن تبادر الجهات الفلسطينية المعنية في السلطة التنفيذية أو المجلس التشريعي إلى عقد مؤتمر شعبي ورسمي يحضره أكبر عدد ممكن من الوزراء وأعضاء المجلسين التشريعي والوطني، وأعضاء لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية والشخصيات الوطنية وممثلين عن النقابات والاتحاد الشعبية. ويؤكد المؤتمر على تغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة. ويصدر عنه بيان يدعو المواطنين إلى الوحدة والالتزام الكامل بأحكام القانون وعدم خرقه بأي شكل من الأشكال والعمل على المحافظة على إنجازات الشعب وممتلكاته ومنع الانحدار نحو الفوضى والتخريب أو الاقتتال الداخلي وتجنب الفتنة ونبذ كل تصرف يتنافى مع القيم والقوانين والمصلحة العامة. وان يطالب المؤتمر السلطة التنفيذية بحماية ممتلكات الشعب ويشكل لجنة وطنية برئاسة السلطة (المحافظ، قائد الشرطة، مندوب عن وزارة العدل، الأمن..الخ) وتضم ممثلين عن القوى ورؤساء البلديات في المناطق المعنية بالإخلاء، مهمتها متابعة مسألة البت بالممتلكات التي يخليها المستوطنون واستلام شكاوى المواطنين ذوي العلاقة ومعالجتها مع الجهات الرسمية المعنية. وان يرافق المؤتمر حملة إعلامية كبيرة منظمة في كل وسائل الإعلام في التلفزيون والإذاعة والإذاعات المحلية والصحف المحلية للحديث عن المؤتمر ومهامه ونتائج أعماله ودعوة الشعب الفلسطيني إلى الالتزام بالقانون والنظام العام، وعدم خرق القانون بأي شكل من الأشكال ونبذ كل الجهات والأفراد الخارجة عن القيم و العادات الفلسطينية. كما يجب التنبه لعدم الوقوع في اسر المبالغة والتطوير في قراءة خطة شارون ووعود بوش، فالمبالغة والتطرف يمينا أو يسارا يقود إلى رسم توجهات خيالية تلحق ضررا بالمصالح العليا. واعتقاد بعض قوى المعارضة الرافض لعملية السلام أن بالامكان تكرار تجربة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وإظهاره انسحابه من المقاومة الفلسطينية واحدة من هذه التوجهات الخيالية. والسؤال الواقعي المطروح على القيادة الفلسطينية هو: هل بإمكانها التعاطي مع أطروحة شارون وتحويلها من مناورة تكتيكية إلى قيد وحركة سياسية باتجاه خلق سابقة في مجال إزالة الاستيطان وتحرير مزيد من الأراضي، أم أن التعاطي مع المسألة رجس من عمل الشيطان يرقى لمستوى الخيانة الوطنية؟ إلى ذلك، يتمنى أنصار السلام ودعاة الإصلاح في الجانب الفلسطيني، أن يدمر شارون قبل رحيله بيوت المستوطنات، ويبقى فقط على المنشآت الصناعية والزراعية والبنية التحتية والمباني الكبيرة المخصصة للاستخدام الجماعي، وان يعفي الشعب الفلسطيني من إشكالية توزيعها واستخدامها. ويعتقدون أن طبيعة المباني في المستوطنات مصممة لاستيعاب اسر محدودة، والمسكن الواحد فيها "فيلا" مع حديقته قابل للتحول إلى مبنى كبير يضم شققا سكنية تستوعب عشرات الأضعاف. والكل يعرف أن اقل من ٨ آلاف مستوطن يسيطرون على ثلث مساحة ارض قطاع غزة الصغيرة والعزيزة والأجمل، وبيعها لطرف ثالث يعني استهلاك جزء كبير من المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية في مجال لا يحتل قمة الاولويات الوطنية، خاصة ان اسرائيل سوف تطلب مبالغ خيالية تغطي رشوة المستوطنين وتزيد. في كل الأحوال لا مناص من متابعة العمل من أجل إحداث تغيير في موقف الشارع الإسرائيلي، وإقناع أغلبية الإسرائيليين بأن الفلسطينيين حريصون على السلام المبني على العدل وعلى توفير الأمن للجميع. وان المستوطنين والمستوطنات كانت عقبة في طريق السلام وسبباً رئيسياً في اختلال الأمن على طرفي الحدود. وان إصرار الحكومة على حل النزاع "الجيوسياسي" المتعلق بالأرض والحدود والمستوطنات بالقوة يديم النزاع ويؤججه. وان تنفيذ خطوة إخلاء وانسحاب جديدة في الضفة الغربية مشابهة لخطة الانسحاب من غزة يساهم في توفير الأمن للشعبين، ويرسي أسساً جيدة لتعايشهما كجارين مسالمين.
خلاصة: في ضوء ما تقدم يمكن تثبيت الاستنتاجات الرئيسية التالية: ـ يتوقع أن يتمسك شارون بخطته ويشرع في تنفيذها بالحسنى حسب الجدول الزمني الذي قرره، ولن يدخل معركة كسر عظم مع حزبه وقوى اليمين والمستوطنين. ولا أحد يستطيع الجزم بأن الخطة سوف تنفذ كاملة من ألفها إلى يائها وحسب التوقيتات المحددة لها. ويتوقع أن تنال الخطة دعم الإدارة الأمير كية ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، لكن هذا الدعم المهم لا يجعل تنفيذ جميع مراحلها قدرا لا راد له. فالمعارضون للخطة كثر في الجانبين وليسوا ضعفاء ولديهم القوى والوسائط، خاصة في الجانب الإسرائيلي، اللازمة للتأثير في خطة التنفيذ. ـ منطلقات خطة شارون إسرائيلية محضة هدفها تعزيز امن إسرائيل الاستراتيجي وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية. والتهرب من تنفيذ "خارطة الطريق" وتعطيل تنفيذ رؤية الرئيس الأميركي بوش. وطرح الخطة لا علاقة له بتمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق هدف الحرية والاستقلال. والانسحاب لن ينفذ دون ثمن امني ومالي وسياسي كبير يحصل عليه من هنا وهناك قبل وخلال وبعد التنفيذ. وتنفيذها من جانب واحد يخلق متاعب للسلطة الفلسطينية ويبقي الخطة عرضة لانتكاسة خطيرة. ـ الفلسطينيون متفقون على أن إخلاء شارون أية مستوطنة في الضفة الغربية أو قطاع غزة وسحب الجيش الإسرائيلي من أي جزء من الأرض مكسبا وطنيا مهما، سواء تم بشكل أحادي الجانب أو بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية أو بترتيبات مسبقة مع طرف ثالث. شريطة أن لا يتم على حساب الحقوق الثابتة. وتنفيذ خطة شارون للانفصال. تسهل على الناس في القطاع حياتهم وتريحهم من كابوس الاحتلال الذي يداهم منازلهم ويقتل ابناءهم. لكن الجميع يدرك أن هذه الخطة خطوة تكتيكية هدفها خدمة أمن إسرائيل الاستراتيجي ولا تنهي الاحتلال لقطاع غزة وقد تتسبب في زيادة الفقر في القطاع إذا نفذ شارون سياسة الانفصال الكامل وأغلق بوابات العمل في إسرائيل في وجه العمال. ـ بقايا الفكر الصهيوني العنصري التوسعي تعطل الوصول خلال العام القادم إلى حل نهائي يوفق بين الأمن الإسرائيلي ومصالح الفلسطينيين في الحرية والاستقلال، ولا أفق لفرض حل أميركي أو دولي على الطرفين في هذه المرحلة، ولا خيار أمام الفلسطينيين سوى الصمود وتقليص خسائرهم ورفض المفاهيم الأمنية الإسرائيلية التوسعية التي تقوض السيادة الفلسطينية ولا توفر الأمن الشامل للناس وتبقي النار متأججة تحت الرماد. ومتابعة سياسة التمسك بعملية السلام والعمل على إقناع الجمهور الإسرائيلي باستحالة الجمع على سطح واحد، مفهوم امن إسرائيل القائم على الهيمنة والتوسع مع هدف العيش بأمان مع الفلسطينيين بعد سلبهم أمنهم وأرضهم. ـ بصرف النظر عن مصير خطة شارون فطرح الفكرة من قبله يؤكد فشل رمز القوة والردع والعظمة الإسرائيلية في تركيع الشعب لفلسطيني واستبدال قيادته. وتتضمن اعترافا بفشل طائرات ال اف ١٦ ودبابات الميركافا والسفن البحرية والاغتيالات والحواجز والإغلاقات ونسف المنازل وقطع الأشجار ومنع العمل وقطع الأرزاق في كسر شوكة الشعب الفلسطيني وإجباره على رفع الراية البيضاء. وتنفيذ الخطة من جانب واحد لا يكرس الحل السياسي ولا يقرب عودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات بل قد يكون سببا في توتير العلاقات بصورة أقوى. ـ سواء نفذ شارون خطته أم تلكأ في التنفيذ لا غنى عن الاستعانة بقوات طرف ثالث دولية أو أميركية أو متعددة الجنسيات، فوجود هذه القوات ضروري لإعادة بناء وتأهيل أجهزة الأمن الفلسطينية، ويساعد في استقرار أوضاع المنطقة ويسهل على القوى الدولية المعنية بالسلام حل التناقض القائم بين مفهوم الأمن الإسرائيلي وطموح الفلسطينيين في التخلص من الاحتلال وبناء دولة يطورون فيها حياتهم وثقافتهم. والتأخر في الاستعانة بطرف ثالث يزيد في خسائر الطرفين. وإصرار شارون وأركانه على رفض الاستعانة بطرف ثالث والتمسك بالمفاهيم الأمنية القديمة يطيل أمد الصراع في المنطقة ويجعل طريق تطور "الكيان الفلسطيني" إلى دولة مستقلة ذات سيادة طريقا ومؤلما. وغياب هذا الطرف قد يحبر الجيش الإسرائيلي لاحقا على القيام بأعمال مطاردة برية وجوية ساخنة داخل القطاع وحتى إعادة احتلاله من جديد. ـ فك الارتباط أحادي الجانب لا يجلب الأمن ويحول حلم شارون بتحقيق "الأمن والسلام" في بقية عهده إلى وهم خادع. لقد جرب الجيش فصل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية عن إسرائيل، ونفذ من جانب واحد إجراءات عملية متنوعة، لكن جميع هذه الإجراءات أحادية الجانب، فشلت في منع آلاف العمال من التسلل للعمل، ونجح "الإنتحاريون" في اختراق الإجراءات، ووصلوا مرات عدة إلى قلب المدن الإسرائيلية، كان آخرها العملية التي نفذت أمام ناد ليلي في تل ابيب منتصف الليل في ٢٥ شباط ٢٠٠٥ . ـ يخطئ شارون وأقطاب اليمين في إسرائيل إذا اعتقدوا أن الفصل من جانب واحد والانسحاب من غزة والتوسع في الاستيطان في الضفة وبناء الجدران الأمنية العازلة يخلق حقائق جديدة يسلم بها لاحقا الفلسطينيون والعرب والعالم. وإذا كان هدف شارون وأركانه الأمنيين وحلفائه السياسيين، غير المعلن، رسم خارطة الحل النهائي، فهذا المشروع يتعارض مع الشرعية الدولية ويقضي على فكرة السلام العربي الإسرائيلي ويؤجج الصراع في المنطقة ولو بعد حين. وإذا كانت خطة شارون لا تمثل أرضية صالحة للاتفاق مع الفلسطينيين حول معالجة قضايا الحل النهائي، ويرفض صاحبها تنسيق خطواته مع الجانب الفلسطيني خشية إدخال تعديلات عليها، ويرفض مشاركة طرف ثالث خشية تعزيز فرص الحلول الدولية، فالنتيجة السياسية لتنفيذ الخطة تكون نقل الصراع طورا جديدا من الحلول المرحلية أكثر دراماتيكية، قد يكون مسليا للبعض لكنه بالتأكيد مؤلم للفلسطينيين، ويخلو تماما من إمكانية تحقيق تقدم على طريق التسوية الشاملة حتى الانتخابات الإسرائيلية في العام القادم. وفي جميع الحالات لا يوفر الانسحاب الكامل من قطاع غزة وحده مقومات قيام دولة تملك عناصر السيادة والاستقلال، حتى لو تم ربط القطاع بخط سكة حديد وانفاق وجسور بكنتونات الضفة الغربية وسمي هذا الكيان دولة مستقلة واعترف العالم بها. وفي سياق تجنب المفاجآت وتقليص الخسائر يجدر التمعن جيدا في أبعاد قول شارون أن رسائل الضمانات الأميركية للعرب لا تعنيه، وانه أقنع بوش باستبدال فكرة قيام دولة فلسطينية في العام ٢٠٠٥ بحل مرحلي انتقالي طويل الأمد يمتد عشر أو خمس عشرة سنة.
الهوامش ١ـ منبر اسرائيلي غير حكومي يعقد سنويا في بلدة هرتسيليا قرب تل ابيب، تطرح من خلاله النخب السياسية الاسرائيلية في السلطة وخارجها برامج وتصورات وتوجهات تتعلق بوجود اسرائيل ومستقبلها. ويحدد القائمون على المؤتمر سنويا جدول الاعمال ويتناول في العادة موضوعا رئيسيا استراتيجيا رئيسيا. وترفع نتائج المؤتمر واقتراحاته الى اصحاب القرار في المؤسسات الرسمية وجميع الجهات المعنية بالدراسة والبحث ورسم الاستراتيجيات. ٢ـ راجع نص خريطة الطريق التي طرحها شارون في مجلة دراسات فلسطينية. ٣ـ راجع قانون الاخلاء والتعويض الذي اقره الكنيست في الصحف العبرية، وترجمته الايام الفلسطينية. ٤ـ بعد توقيع اتفاق واي ريفر بين اسرائيل وم ت ف شنت الاحزاب اليمينية ضد نتنياهو واتهموه بالتفريط والخضوع للارهاب. في حينه كان شارون وزير الخارجية وتنصل من الاتفاق وقاد الحملة ضد نتنياهو وسقط حكومته وتم الذهاب لانتخابات مبكرة وخسر نتنياهو المعركة في مواجهة زعيم حزب العمل بارك. ٥ـ منذ قيام دولة اسرائيل سن الكنيست قانونا اسرائيليا يبيح لكل لكل يهودي حق العودة الى إسرائيل "أرض الميعاد" والحصول على الجنسية الاسرائيلية. ٦ـ بعد هزيمة الجيوش العربية في فلسطين عام ١٩٤٨ وقيام دولة اسرائيل رفضت الدول العربية الاعتراف باسرائيل وقاطعتها. واثر صعود النزعة القومية بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ في مصر التي قادها جمال عبد الناصر رفع العرب شعار تدمير اسرائيل ورمي اليهود في البحر. وراهن معظم الفلسطينيين هذه الاقوال واتسع نطاق الحديث والتغني بالشعار في الساحة العربية، وبرز دور احمد سعيد المعلق الشهير في اذاعة صوت العرب في الترويج للشعار واستمر الامر كذلك حتى هزيمة ١٩٦٧. وبعد ظهور نتائج الحرب اصيب الشعوب العربية ودعاة القومية الاعربية بنكسة كبيرة. ٧ـ راجع نص قرار التقسيم رقم ١٨١ في كتاب وثائق فلسطين مئتان وثمانون وثيقة مختارة ـ اصدار دائرة الثقافة في منظمة التحرير عام ١٩٨٧. ٨ـ حاولت م ت ف اثناء مفاوضات مدريد واشنطن عام ١٩٩١ـ ١٩٩٣ الحصول على ارشيف معلومات يتعلق باملاك الفلسطينيين قبل عام ١٩٤٨ التي تم وضع يد عليها، وتم تكليف باحثين اجانب بالمهمة الا أنهم فشلوا في الحصول المعلومات المطلوبة. وتبين ان دخول مركز سجل املاك الغائب في اسرائيل يحتاج الى اذن خاص يصعب الحصول عليه لغير الجهات الرسمية الاسرائيلية. ٩ـ راجع نص اتفاق اوسلو وملحق وثيقة الاعتراف المتبادل بين م ت ف وحكومة اسرائيل التي وقعها رابين وعرفات عام ١٩٩٣ في رسائل متبادلة. كتاب طبخة اوسلو ـممدوح نوفل ـ الاهلية للنشر والتوزيع الاردن عمان ١٩٩٥ . ١٠ـ أكد اتفاق اوسلو على حق نازحي عام ١٩٦٧ في العودة الى بيوتهم وقراهم، الا ان الجانب الاسرائيلي ماطل في تنفيذ هذا البند في الاتفاق وبنود اخرى .راجع نص اتفاق اوسلو حول الموضوع. ١١ـ في صراعها ضد الشعب الفلسطيني وقيادته م ت ف لم تتورع القيادة الاسرائيلية عن ممارسة جميع صنوف القتل المباحة والمحرمة دوليا. وضمنها نسف آبار المياة كما حصل في قلقيلية عام ١٩٥٦ ونسف البيوت وجرف المزروعات ومارست الاغتيال بصنوفه المتنوعة خلال سنوات الانتفاضة الثانية. ولم يكن الطفل محمد الدرة والشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي هم الوحيدين في القيادة الذين تم اغتيالهم في زمن الالنتفاضة بل سبقهم ابو جهاد وابو اياد وابو يوسف النجار وكمال عدوان وخالد نزال وغسان كنفاني وكمال ناصر والشقاقي والقائمة طويلة. ١٢ـ ابان الانتفاضة صعد المستوطنون اعتداءاتهم ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع وارتكبوا على الطرق وفي محيط القرى جرائم قتل كثيرة لمواطنين فلسطينيين ابرياء، اضافة لاعمال حرق المزروعات واهانة المزارعين وقتل وسرقة مواشيهم. وكثيرا ما استعان الجيش بهم وساهموا معه في ترهيب الفلسطينيين على الحواجز والطرقات. ١٣ـ لا تعترف اسرائيل بامتلاكها اسلحة انووية، لكن يكاد يكون هناك اجماع دولي على ان اسرائيل بلد نووي منذ سنوات طويلة وتمتلك عشرات بل مئآت الرؤوس النووية. ١٤ـ راجع اتفاق واي ريفر في مجلة دراسات فلسطينية. ١٥ـ رفض االمفاوض الاسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد ومحادثات طابا اقتراح الجانب الفلسطيني تلخيص نتائج المفاوضات والمحادثات في وثيقة شبه رسمية، واعتمد الاسرائيليون مبدأ الاتفاق على كل شيء او لا اتفاق على شيء. ١٦ـ راجع وثائق الحكم الذاتي للفلسطينيين في اتفاقات كامب ديفيد المصرية الاسرائيلية. ١٧ـ تعرضت بلدة سيدروت المجاورة لقطاع غزة لقصف مدافع الهاون والصواريخ من قبل حماس وجماعات فلسطينية اخرى مرات عديدة وقتل وجرح عدد وجرح عدد من المواطنين وتضررت معامل وبيوت، ونظم اهالي البلدة مظاهرات قوية ضد شارون وحكومته واتهموها بالتقصير في محاربة الارهاب وتوفير الحماية لهم. واستغلت احزاب اليمين المتطرف تواصل العمليات الفلسطينية في التحريض ضد خطة شارون للانفصال والانسحاب من قطاع غزة. ١٨ـ راجع مبادرة كلينتون ـ كتاب الانتفاضة انفجار عملية السلام ـ ممدوح نوفل/ الاهلية عمان ٢٠٠٢ ١٩ـ راجع اقوال موفاز في الصحف العبرية هآرتس ويديعوت احرنوت وترجمت في جريدة الايام. ٢٠ـ راجع اقوال شارون بشان مفهومه للتنازلات في مسألة الارض في الصحف العبرية هآرتس ويديعوت احرنوت وترجمت في الصحف الفلسطينية. ٢١ـ في ٢٧/٨/٢٠٠١ اغتالت القوات الاسرائيلية امين عام الجبهة الشعبية ابو علي مصطفى في مكتبه في رام الله بواسطة صواريخ اطلقت من طائرة. وردت الجبهة الشعبية واعتالت الوزير رحبعام زئيفي "غاندي" امين عام حزب موليدت اليميني المتطرف. اثر اغتيال زيفي اقتحمت القوات الاسرائيلية مدينة رام الله وحاصرت مقر عرفات حيث كان يتواجد امين عام الجبهة الشعبية احمد سعدات ورفض ابو عمار تسليمه بل هو الذي استدعاه واستبقاه حفظا على سلامته. وبعد مفاوضات عسيرة تدخل فيها اكثر من طرف عربي ودولي تم الاتفاق على نقل سعدات وآخرون الى مدينة اريحا على ان يبقى تحت الاقامة الجبرية وبحراسة بريطانية امريكية. ولاحقا اعتقلت القوات الاسرائيلية عبد الرحيم ملوح الامين العام المساعد للجبهة الجبهة الشعبية عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة التحرير. ومنذ ذلك التاريخ لا تزال الترتيبات كما وضعت في عهد عرفات. وحكمت اسرائيل على ملوح بالسجن سبع سنوات. ويسعى ابو مازن الى معالجة المسالة والاتفاق مع الاسرائيليين على تحرير سعادات من الحجز. واطلاق سراح ملوح . ٢٢ـ راجع اقوال شارون حول خطته للانسحاب واخلاء غزة في الصحف العبرية. ٢٣ـ راجع نص خطة شارون نشريات المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية "مدار". ٢٤ـ راجع نص قرار محكمة العدل الدولية حول الجدار في الصحف الفلسطينية. ٢٥ـ راجع رسالة الضمانات الامريكية التي قدمها الرئيس بوش لشارون في الصحف العربية والعبرية. ٢٦ـ راجع رسالة الضمانات حول موافقة الرئيس بوش على خطة شارون ومسائل اخرى . ٢٧ـ بعد توقيع نتنياهو اتفاق حول الانسحاب من الخليل ومسائل اخرى في منتجع واي ريفر بحضور الرئيس كلينتون فقد نتنياهو ثقة حزب ليكود والاحزاب الاخرى المؤتلفة معه في الحكومة، ولم تتردد القوي اليمينية في العمل على اسقاط حكومة نتنياهو. وفي سياق الصراع والتنافس على قيادة ليكود ساهم شارون وزير الخارجية في تلك الحكومة في اسقاطها وفاز بارك زعيم حزب العمل برئاسة الوزراء. ٢٨ـ راجع الاتفاق الاردني الاسرائيلي الذي تم توقيعه في وادي عربة عام ٢٠٠٤. ٢٩ـ بعد انفجار الحرب الاهلية في لبنان عام ١٩٧٥ سيطر الفدائيون الفلسطينيون على مساحات واسعة من لبنان وضمنها منطقة الجنوب المحاذي للحدود مع اسرائيل، وتشرذم الجيش اللبناني الى مجموعات طائفيةولاحقا دخلت القوات السورية الاراضي اللبنانية بموافقة امريكية للفصل بين المتقاتلين. في تلك الفترة اعلنت اسرائيل مساندتها لقائد القوات اللبنانية في الجنوب الجنرال سعد حداد وبعد وفاته خلفه الجنرال انطوان لحد. واعلن الاخير بتشجيع اسرائيلي عن قيام دولة لبنان الحر في شريط طوله ٩٠ كليومتر ومعدل عرضه ٨ كليومتر ولم يعمر مشروع الدولة فترة طويلة وظل لحد قائدا للجنوب حتى انسحاب القوات الاسرائيلية من هناك عام ٢٠٠٠. ٣٠ـ بعد احتلالها حنوب لبنان اكثر من ٢٠ عام شرعت القوات الاسرائيلية في ٢٠ أيار مايو ٢٠٠٠ في الانسحاب من هناك بشكل احادي الجانب بناء على قرار بارك. في حينه نفذ االجيش الاسرائيلي العملية وهو في حالة اشتباكات مع حزب والمقاومة الوطنية اللبنانية وتعرض باراك لحملة عنيفة من المعارضة واتهمت باهانة العسكرية الاسرائيلية وتعريض الجنود للخطر والفرار من مواجهة حزب الله.
المراجع ـ وثيقة خريطة الطريق راجع مجلة دراسات فلسطينية بيروت نسخة رام الله. ـ وثائق مؤتمر هرتسيليا اصدار مدار مركز الدراسات الاسرائيلية ـ كتاب الانتفاضة وانفجار عملية السلام ـ ممدوح نوفل ـ الاهلية عمان ٢٠٠٢ ـ اتفاق أوسلو. كتاب طبخة اوسلو ـ ممدوح نوفل ـ الاهلية للنشر عمان ١٩٩٥. ـ اتفاق وادي عربة الاردني الاسرائيلي. لااجع الصحف الاردنية. ـ رسالة الضمانان الامريكية. مجلة دراسات فلسطينية. ـ خطة شارون للانفصال والانسحاب. مركز الدراسات الاسرائيلية "مدار" . ـ مبادرة (افكار) كلينتون في كامب ديفيد مجلة دراسات فلسطينية. ـ كتاب وثائق فلسطين مئتان وثمانون وثيقة مختارة / اصدار منظمة التحرير ١٩٨٧ . ـ اتفاق واي ريفر. راجع مجلة دراسات فلسطينية. نسخة رام الله. ـ اجتماعات القيادة الفلسطينية. ـ الصحف العبرية هآرتس، يدعوت أحرنوت. ـ صحف عربية الايام، الحياة اللندنية.
ممدوح نوفل
|