ممدوح نوفل     الحياة     2005/04/4

بعد صراع طويل مع الذات وبعد ثلاث سنوات من وجوده في رئاسة الوزراء، فاجأ رئيس الحكومة الاسرائيلي ارييل شارون رفاقه قادة حزب «ليكود» وحلفاءه في الائتلاف الحكومي بموقف جديد من مسألة استيطان الضفة الغربية وقطاع غزة، نقيض مواقفه المعلنة منذ عام 1967 والتي ظلت موضع اعتزاز جمهور المتطرفين والمستوطنين. وتحدث شارون للمرة الأولى في كانون الأول (يناير) 2003 في «مؤتمر هرتسيليا» عن خطة للانفصال من جانب واحد عن الفلسطينيين وفك الارتباط معهم وسحب الجيش وإخلاء مستوطنات قطاع غزة. وأكد انه ماض في إقامة «جدار الفصل» باعتباره حجر الزاوية في المشروع وسيسرع بناء بقية اجزائه.

واعتبر مراقبون خطاب رئيس الحكومة بداية توجه جديد في حياته السياسية. في ما بعد أوضح شارون في مؤتمر «ليكود» أنه ينوي تنفيذ «خطة الفصل» على رغم المعارضة القوية صفوف الحزب والائتلاف الحاكم. وكلف طاقما برئاسة رئيس مجلس الأمن القومي اللواء احتياط غيورا آيلاند بلورة الخطة بصيغتها النهائية.

وأثار موقف شارون وخطته كثيرة منها: هل طرح خطته بعد فشله في تحقيق تعهده القضاء على «الإرهاب» الفلسطيني وقرر الفرار من مستوطنات غزة في ذروة الحرب؟ هل نجحت «الانتفاضة المسلحة» ونسبة تكاثر الفلسطينيين العالية والكثافة السكانية في قطاع غزة في إجباره على تغيير قناعته الايديولوجية والتنازل عن «مهد اليهود وكنوزهم التاريخية»؟ أم أن خطته مناورة سياسية هدفها تجاوز مصاعب سياسية وشخصية؟ هل الخطة مشروع حل سياسي أم ترتيبات أمنية؟ وهل ينفذها بحسب التوقيت الذي طرحه أي قبل نهاية العام الجاري، أم يتراجع أمام المعارضين؟ وإذا كان لا تراجع كما قال ايهود اولمرت نائب رئيس الحكومة فهل ينجح شارون في تنفيذها، أم أن قوى اليمين ستطيح به كما أطاحت ببنيامين نتنياهو بعد اتفاق واي ريفر، أو تدفعه بحسب تهديدها إلى القبر كما فعلت مع رابين؟

ثم هل شارون بصدد الانسحاب كليا من القطاع أم أن خطته عبارة عن إعادة انتشار للقوات وتبقي قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال؟ وهل ينفذها شارون من جانب واحد أم إن التطورات في الجانب الفلسطيني ورغبة الرئيس جورج بوش والعالم في إحياء عملية السلام ستفرض عليه إشراك السلطة في التنفيذ؟ وهل يتم التنفيذ مباشرة مع الفلسطينيين أو بواسطة طرف ثالث؟ هل ينسف شارون مستوطنات غزة ويدمر البنية التحتية قبل الانسحاب كما فعل في مستوطنة ياميت في صحراء سيناء المصرية؟ وايهما أفضل للفلسطينيين: الإصرار على استلامها جاهزة مفروشة..أم ترك شارون يدمرها؟ وما هو مستقبل قطاع غزة بعد تنفيذ الخطة؟ وهل أجهزة الأمن الفلسطينية قادرة على فرض الأمن وتطبيق القانون والنظام في المناطق التي سيخليها الجيش الإسرائيلي، وفرض احترام التزامات السلطة مع جيرانها إسرائيل وجمهورية مصر العربية؟

أسئلة كثيرة منوعة أثارتها «خطة الانفصال» وقرار الانسحاب من غزة من جانب واحد، ويبدو أن الحصول على إجابات شافية للأسئلة المتعلقة بنيات شارون ومصير مشروعه وآليات تنفيذه لن تتحقق بسرعة. وبصرف النظر عن حقيقة نيات شارون وأهدافه فالخطة حركت مياه التسوية السياسية الراكدة منذ هزيمة زعيم حزب العمل ايهود باراك في انتخابات 2001. وأحدث موقف شارون الجديد هزة سياسية قوية لا تزال تفاعلاتها جارية داخل المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني وفي ميدان السياسة الدولية. ويبدو أن الزوابع التي حركتها الخطة لن تهدأ قريباً وستترك بصماتها على العلاقة بين أطراف النظام السياسي في إسرائيل وعلى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

وفي سياق البحث عن إجابات صحيحة للأسئلة، والتعرف على دوافع شارون الخاصة وأهدافه الاستراتيجية العامة، لا بد من مراجعة تطور موقفه من مسألة استيطان غزة وكيف تبدل من النقيض الى النقيض.

بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 اختلف أطراف النظام السياسي الإسرائيلي حول مستقبل أراضي «يهودا والسامرة»، وسكانها، لكنهم أجمعوا على أمرين رئيسين: الاول، توحيد مدينة القدس وجعلها عاصمة إسرائيل الابدية، وتمت عملية الضم عام 1967 بقرار من الكنيست. والثاني لا عودة إلى حدود 1967 واعتبار الضفة والقطاع اراضي متنازع عليها. وبعد حرب تشرين الاول (اكتوبر) 1973 دخلت مصر في مفاوضات مع إسرائيل وتوصل الطرفان الى اتفاقات كامب ديفيد عام 1979، فطبّع الطرفان علاقاتهما واستعادت مصر صحراء سيناء. وتضمنت تلك الاتفاقات فصلا كاملا حول قيام «حكم ذاتي للفلسطينيين» في الضفة والقطاع، كانت اول اشارة رسمية لقبول إسرائيل صيغة ما للفصل. وظل الموقف الإسرائيلي على حاله حتى انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991 ودخول الطرفين في مفاوضات اوسلو.

وعند توقيع اتفاق أسلو عام 1993، لم يتصور رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين بأنه سيجد نفسه مضطرا للبحث في تسريع الفصل. واثر العملية «الانتحارية» التي نفذها الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية «حماس» عند مفرق «بيت ليد» داخل إسرائيل مطلع عام 1995 وأسفرت عن مصرع أكثر من 20 جنديا إسرائيليا، وجه رابين عبر التلفزيون خطابا إلى الجمهور الإسرائيلي تحدث فيه، للمرة الاولى، عن الفصل بين الشعبين وقال: «لن نخضع للإرهاب ونعمل بجد من أجل الانفصال عن الشعب الآخر وسنصل هذه الغاية إن عاجلا أو آجلا». وفي شباط (فبراير) 1995 شكل رابين بموجبه لجنة لدرس المسألة وعين وزير الأمن الداخلي في عهده موشيه شاحال رئيسا للجنة، وضمت مندوبا عن هيئة الأركان العامة للجيش. وكلف وزير المال شوحاط إجراء دراسة شاملة لانعكاسات «خطة الفصل» ماليا واقتصاديا. وطلب إلى هيئة أركان الجيش درس النتائج المحتملة للانفصال على الأوضاع الأمنية الاسرائيلية التكتيكية والاستراتيجية.

في حينه بلورت «لجنة الفصل» خطة اولية لاقامة منطقة عازلة تمتد على طول الخط الاخضر. وبينت دراسات اللجنة أن العملية معقدة وباهظة وتتطلب وقتا طويلا. وتحتاج إسرائيل في المرحلة الأولى إلى بناء سياج أمني وأسوار الكترونية وحواجز خرسانية ومواقع مراقبة ثابتة في مناطق طولها لا يقل عن 300 كلم، تمتد من جلبوع شمال الضفة إلى مرتفعات الخليل جنوبها. وبشأن نتائجها المحتملة على الأوضاع الأمنية التكتيكية والاستراتيجية أكدت الدراسات أن خطة الفصل قادرة على تقليص عمليات التسلل المتنوعة إلى داخل إسرائيل لكنها لا تنهيها, وترفع في نسبة الأمن لكنها لا تحققه كاملا ولا تقضي على العمليات الانتحارية ولا تمنع قصف المستوطنات والمدن والقرى الإسرائيلية القريبة من القطاع بمدافع الهاون وما يشبهها، خصوصا إذا نفذت من جانب واحد.

وأكدت تجربة العزل والفصل المفروضة على قطاع غزة منذ مدة طويلة صحة الاستخلاص. وكثيرا ما قصفت بلدة سيدروت المجاورة للقطاع ومواقع مدنية وعسكرية داخل إسرائيل بصواريخ القسام ومدافع الهاون. وفي احيان أخرى اجتاز فلسطينيون الحواجز والاسلاك الشائكة ونفذوا عمليات في العمق الإسرائيلي. واضطر الجيش الإسرائيلي مرات عدة الى اقتحام مناطق فلسطينية مأهولة بالسكان في الضفة ومناطق القطاع رفح وغزة وخان يونس ودير البلح وبيت حانون ردا على عمليات عسكرية نفذها فلسطينيون اخترقوا سياجا يشبه بعض مقاطع «السياج» الذي يعمل المقاولون الإسرائيليون في بنائه في عمق الضفة الغربية. وبعد اغتيال رابين في 1995 على يد متطرف يهودي وتولي شمعون بيريز دفة الحكم وزعامة العمل تراجع الحديث عن الفصل، ولم تجر متابعة جدية للدراسات المالية والأمنية التي وضعها الجيش ووزارة المال. وظل بيريز يفضل «الفصل بين الطرفين باتفاق» مع القيادة الفلسطينية ونظر إليه من زاوية حلمه بشرق أوسط جديد.

بعد عمليات عدة داخل مدن اسرائيلية سقطت فيها اعداد بين الضحايا من المدنيين، مارس بيريز سياسة «الطوق الأمني الشامل» على «المناطق»، ومنع العمال والتجار الفلسطينيين من عبور إسرائيل. واعتبر مراقبون خطوة بيريز بداية تنفيذ غير معلن لخطة الفصل التي تبناها رابين. وبعد سقوط بيريز وفوز زعيم حزب نتنياهو عام 1996، واصلت إسرائيل فرض «الإغلاق والطوق الأمني الشامل» على «المناطق». ولم تقم حكومة نتنياهو بخطوات ملموسة لإحياء الخطة لمعارضة ليكود فكرة الفصل اساسا، وإيمان نتنياهو بأن «يهودا والسامرة» جزء من «أرض الميعاد التي منحها الرب لبني إسرائيل» ولا يجوز التخلي عنها «للأغيار» الفلسطينيين.

بعد هزيمة نتنياهو وفوز باراك في 1999، تجدد الحديث عن «الفصل»، وبدأت حكومة باراك إجراءات عملية لتطبيقه من جانب واحد من دون إعلان رسمي. وظهر في عهد باراك اصطلاح جيواقتصادي جديد «الحدود المتنفسة» للدلالة على الفصل المتدرج والسماح بنشاط اقتصادي ومدني واسع بين الشعبين، وتم تسريع عملية البناء للمناطق الصناعية الحدودية وأنجزت واحدة رئيسية في قطاع غزة. وقام الجيش الإسرائيلي بهدوء ومن جانب واحد، بإجراء تعديلات طفيفة لصالحه على الحدود مع القطاع. وتم تطوير بنيان السياج الأمني الفاصل بين القطاع وإسرائيل وزود اجهزة الكترونية متطورة. ونقل الجيش الإسرائيلي بضعة حواجز لمواقع جديدة شرق «الخط الأخضر» حدود الضفة الغربية عام 1967، تمهيدا لرسم حدود جديدة وضم مساحات من الأراضي، وظهر الطمع الإسرائيلي في ضم أراض في مناطق الخليل واللطرون وغرب رام الله وقلقيلية وجنين والاغوار.

لم يعمل باراك على وضع حد لنشاط المستوطنين وشق الجيش طرقاً التفافية لفصل الطرق التي يستخدمها المستوطنون عن التي يستخدمها الفلسطينيون. ومع كل درس جديد استخلصه الجيش الإسرائيلي في المصادمات مع الفلسطينيين كان يصادر مزيدا من الأراضي ويجري تعديلات على الحدود في مناطق الضفة وطرق المستوطنات.

وفي مفاوضات قمة كامب ديفيد في تموز (يوليو) 2000 تبلورت أسس وقواعد جديدة للفصل أهمها؛ الفصل باتفاق القيادتين، وتم اعتماد حدود الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967، أساسا لرسم الحدود بين إسرائيل والدولة فلسطينية الموعودة. وتم التفاهم على انه في حال إجراء تعديلات في الحدود، لأسباب تتعلق بالاستيطان أو غيره، يتم ذلك في إطار تبادل الأراضي، وان تكون خالية ما أمكن من السكان.

وفي محادثات طابا في كانون الثاني (يناير) عام 2001 على ابواب الانتخابات الإسرائيلية وافق «من حيث المبدأ» الجانب الإسرائيلي برئاسة وزير الخارجية شلومو بن عامي ومعه جلعاد شير مدير مكتب باراك على إخلاء كل مستوطنات قطاع غزة وعددها 21 وجميع مستوطنات منطقة الأغوار، وايضا الواقعة بين رام الله ونابلس، باستثناء تجمع مستوطنات أريئيل بين قلقيلية وسلفيت. كما وافق على إخلاء المستوطنات الواقعة في مثلث نابلس جنين طولكرم، والبؤرة الاستيطانية الموجودة قلب مدينة الخليل وكريات أربع المجاورة. وتمسك الجانب الإسرائيلي بضم تجمع مستوطنات غوش عتصيون بين بيت لحم وحلحول والخليل، وضم أراضي «إصبع اللطرون» فيها مدينة «مودعين». وطلب ضم المستوطنات الواقعة داخل حدود بلدية القدس الشرقية. وأصر على ضم مستوطنة «مدينة» معاليه أدوميم التي تفصل جنوب الضفة عن وسطها وتشرف على البحر الميت, وضم مستوطنة جبعات زئيف التي تفصل القدس عن رام الله وتفصل المدينتين عن منطقة اللطرون وعدد كبير من القرى الفلسطينية الواقعة غرب المدينتين.

وفي شأن القدس اقترح الجانب الإسرائيلي في المفاوضات ان تبقى المدينة بشقيها الشرقي والغربي مفتوحة، ولا تقام أسوار وحواجز بين القسمين. ووافق الإسرائيليون على أن تكون «القدس الشرقية» عاصمة للدولة الفلسطينية، وتخضع جميع الأحياء العربية داخل أسوار البلدة القديمة وخارجها للسيادة الفلسطينية، وأصروا على ترتيبات تحفظ سيادة اسرائيل على الأحياء الاستيطانية المبعثرة داخل القدس العربية داخل السور وخارجه. وان يمنح حق الإشراف بصيغة ما على ما تحت الحرم بما لا يمس السيادة الفلسطينية على الحرم وساحاته، ويضمن عدم القيام بحفريات تحته. وتمسك الوفد الإسرائيلي بسيادة إسرائيلية على الحوض المقدس وضمنه المقبرة اليهودية الواقعة خارج أسوار المدينة القديمة.

لاحقا بلور الرئيس بيل كلينتون خطة جديدة للحل والفصل بين الشعبين عرفت بـ «أفكار كلينتون» عرضها على الجانبين اعتمدت من حيث المبدأ حدود الخامس من حزيران 1967، ومبدأ دولتين للشعبين «إسرائيل وفلسطين» قاعدة أساسية للفصل. وأقرت الخطة مبدئيا قيام «فلسطين» فوق 96 و97 في المئة من مساحة الضفة والقطاع، على ان يتم الاتفاق على تبادل اراضي النسبة الباقية.

في حينه، سجلت القيادة الفلسطينية ملاحظات رئيسية على المبادرة وارسلت ردها لكلينتون رافضة عمليا مبادرته لكن بطريقة دبلوماسية مهذبة وشكرته على جهوده لحل النزاع وتمنت التوفيق بعد انتهاء ولايته ورحيله من البيت الابيض. ولم يكن موقف الجانب الإسرائيلي الحقيقي من مبادرة كلينتون افضل اذ ورفضتها القوى المتطرفة في المؤسسة العسكرية والاحزاب اليمينية بقوة.

وأدلى رئيس الأركان الإسرائيلي في حينه شاؤول موفاز برأيه في أفكار كلينتون، وانتقدها أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست. واعتبر انها «تلحق الضرر بالقدرة على توفير الأمن والدفاع عن الجبهة الداخلية الإستراتيجية لإسرائيل». وطالب بإجراء تغييرات في أفكار كلينتون تتضمن: 1) تغيير نطاق المنطقة «الارض» التي ستنقل للفلسطينيين وإيجاد مناطق عازلة يمنع فيها تحرك جنود فلسطينيين مسلحين. 2) تأمين سيطرة كاملة لإسرائيل على المعابر الخارجية بهدف المراقبة ومنع إدخال وسائل قتالية إلى داخل الدولة الفلسطينية. 3) ضرورة أن يظل «الغور» بكامل مساحته تحت السيادة الإسرائيلية». 4) التحفظ على عدم تضمين مقترحات كلينتون مسألة محاربة «الإرهاب الفلسطيني». 5) التدرج في الجدول الزمني في اي اتفاق وإطالة فترة التنفيذ. 6) منح الأميركيين دورا قياديا في القوة المتعددة الجنسية التي وردت في افكار كلينتون.

إلى ذلك، اسقط الجانب الإسرائيلي في المفاوضات ضم مساحات من أرض الضفة وقطاع غزة لاعتبارات تتعلق بأمن إسرائيل كما كان يطالب سابقا ووافق «من حيث المبدأ» على معالجة هذا الجانب الحساس من خلال: (أ) تطوير التنسيق الأمني المشترك بين الطرفين. (ب) وجود قوات طرف ثالث «دولية»، بعد التوصل إلى اتفاق وليس قبله، على الحدود بين الدولتين وعلى حدود الدولة الفلسطينية مع الأردن. (ج) طلب الجانب الإسرائيلي استئجار ثلاث قواعد عسكرية في مرتفعات الضفة الغربية في الجنوب والوسط والشمال لفترة زمنية طويلة مع حرية الحركة اليها، علما ان الواقع الجغرافي للضفة الغربية يؤكد ان قاعدة واحدة تكفي.

لا شك في أن أطروحة حزب العمل في مفاوضات كامب ديفيد وطابا حول الانفصال وحل النزاع «الجيوسياسي» المتعلق بالأرض والأمن والحدود والمستوطنات والدولة الفلسطينية، أرسى أرضية تصلح أوليا لتطبيق فكرة «الفصل بين الشعبين باتفاق»، وعلى أساس دولتين للشعبين لهما حدود دولية معروفة من دون التقليل من خلافات الطرفين التي بقيت بشأن موضوع «الفصل» وخرائطه، خصوصا الخلافات المتعلقة بالقدس والتجمعات الاستيطانية الثلاثة (أرئيل وغوش عتصيون والقدس ومحيطها) التي أصر الجانب الإسرائيلي على توحيدها وضمها لإسرائيل.

وعلى أبواب الانتخابات سئل شارون عن التنازلات المؤلمة التي يمكن أن يقدمها من اجل السلام وأجاب: «عندما أتحدث عن تنازلات فإنني أقصد بذلك عدم احتلال مدن نابلس ورام الله وأريحا وسواهما من جديد، وهذا في نظري تنازل مؤلم جدا، لأن كل هذه الأماكن هي مهد ميلاد الشعب اليهودي. وأنا لا أعرف شعبا في العالم تنازل عن كنوزه التاريخية القومية إلا إذا هزم في الحرب، ونحن لم نهزم بل انتصرنا».

بعد سقوط باراك وانتقال السلطة لليمين، جمدت حكومة شارون ما انجز على طريق «الفصل باتفاق» بين الشعبين. وفتح شارون الباب على مصراعيه للاستيطان في الضفة الغربية وخلق وقائع وحقائق جديدة تنسف مفهوم حزب العمل حول الفصل. وتعهد القضاء على الإرهاب من دون اللجوء للفصل وإخلاء مستوطنات. وشرع في بناء جدار الفصل العنصري داخل أراضي الضفة الغربية وفي محيط مدينة القدس. ورفض فكرة الانسحاب حتى من مستوطنة «نتساريم» المعزولة وسط قطاع غزة. وبعد عمليات «انتحارية» داخل اسرائيل، طرح حاييم رامون عضو الكنيست من قيادة العمل في أيار (مايو) 2001 ضرورة اقامة حركة سياسة من اجل الفصل من جانب واحد. لاحقا شكل شارون حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل وحركة شاس. وفي اعقاب تفاهم شارون مع وزير الدفاع حينه بنيامين بن اليعازر تبنت حكومة الوحدة الوطنية في حزيران 2001 فكرة المناطق العازلة.

وفي تموز (يوليو) 2001 صادق المجلس الوزاري المصغر على الخطة التي اقترحها عوزي ديان رئيس مجلس الامن القومي وتقضي بتولي الجيش مسؤولية حماية الجانب الشرقي من منطقة العزل وان تكون الشرطة وحرس الحدود مسؤولة عن الجانب الغربي وتقرر اقامة عوائق في مقاطع منتقاة واعلن شارون تشكيل لجنة توجيهية لبناء جدار الفصل برئاسة عوزي ديان.

كاتب فلسطيني.