ذكّرت اللبنانيين بما حصل غداة تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994 

رسالة من النظام الأمني بعد الانهيار شبه التام للنظام السياسي ؟

"اذا اعتقدت أنك وشيراك (الرئيس الفرنسي) قادران على اخراجي من لبنان فليكن معلوماً لديك اني سأدمر لبنان على رأسيكما قبل ان اخرج". هكذا خاطب الرئيس السوري بشار الاسد الرئيس الشهيد رفيق الحريري في آخر زيارة له الى دمشق قبيل التمديد للرئيس اميل لحود. فحوى الحديث اسر به الحريري الى النواب: وليد جنبلاط،  مروان حمادة، غازي العريضي وباسم السبع... بعد اغتيال الحريري في التفجير المدمر وانطلاق سلسلة التفجيرات هل  بدأ تنفيذ التهديد؟

من أبسط البديهيات طرح هذا السؤال بعد سلسلة الخضات الامنية التي اعقبت عملية التمديد، بدءاً من محاولة اغتيال النائب مروان حمادة والتي أدت الى اصابته وسائقه اضافة الى استشهاد مرافقه غازي ابو كروم، مروراً بالزلزال المتمثل باغتيال الرئيس الشهيد الحريري في عملية ادت الى استشهاد 18 شخصاً وجرح اكثر من 200 آخرين والى اضرار بعشرات ملايين الدولارات والى تضرر الاقتصاد اللبناني بشكل لم يسبق له مثيل منذ انتهاء الحرب اللبنانية، وصولاً الى سلسلة التفجيرات المتنقلة من نيو جديدة الى الكسليك الى سد البوشرية وليس انتهاء باشاعات لا تنتهي في محاولة لزرع البلبلة والرعب في نفوس المواطنين. ولا ننسى المحاولات الفردية اليائسة عبر افتعال مشاكل واطلاق النار في اماكن سكنية في الاشرفية والصيفي وعين الرمانة قبل اللجوء الى التفجيرات الليلية، والهدف واحد: محاولة اثارة الرعب والبلبلة في مواجهة "انتفاضة الاستقلال" العارمة التي توجت في أبهى حللها في 14 آذار الماضي.

ويجزم متابعون لتفاصيل البلبلة الامنية الناتجة من الحوادث الاخيرة ان العودة الى السنوات الـ15 الاخيرة منذ انتهاء الحرب اللبنانية وانطلاق جمهورية الطائف يؤكدان التشابه الذي يكاد يبلغ حد التماهي بين ما جرى طوال الاعوام الماضية وبين المحاولات البائسة الاخيرة مما يشير الى تورط الجهات الامنية اياها في المسلسل المذكور منذ العام 1990  وحتى اليوم.

رسائل متفجرة

فاذا كانت الحرب اللبنانية قد شهدت  تبادل "رسائل متفجرة" بين كل الاطراف المتنازعة منذ اغتيال الطفلة مايا بشير الجميل، في محاولة كانت تستهدف قائد "القوات اللبنانية" يومها الشيخ بشير الجميل، وصولاً الى اغتيال الرئيس الشهيد رنيه معوض مروراً بكل التفجيرات والجرائم في كل الاتجاهات، فان انتهاء الحرب اللبنانية اعاد تكريس دور السلطات الشرعية وفي مقدمها السلطات الامنية التي كانت تتجاوز كل الاساليب الديموقراطية وتضرب عرض الحائط بكل الحريات العامة عبر التنصت والتوقيفات وانتهاكات الحقوق الفردية والحريات العامة بحجة الحفاظ على الامن. وبذلك لا يعود مقبولاً التذرع بأي حجة للتملص من المسؤولية الفعلية ازاء كل الجرائم التي حصلت بعد انتهاء الحرب، وفي مقدمها جرائم التفجيرات. فاذا كان من السهولة بمكان لاي كان ان يفخخ سيارة او يزرع عبوة مفخخة حيثما يشاء، فلماذا اذا كل الاجهزة الامنية والتنصت؟ وهل الهدف من هذه الاجهزة كان حصراً مراقبة المعارضين اللبنانيين وملاحقتهم كما كشفت "المستندات السرية" التي صمدت ضد الحريق في فيللا جبر الشهيرة؟ لا بل ان المتابعين لما يجري يؤكدون ان الوثائق التي كشفت عنها "النهار" تؤكد استحالة ان تقوم اي جهة معارضة للنظام القائم بأي عمل امني، حتى لو ارادت ذلك، مما يحصر القدرة على مثل هكذا اعمال بالاجهزة الامنية اللبنانية السورية نفسها او بموالين لها.

هكذا فان سلسلة التصفيات السياسية التي عرفها لبنان بين 1990 و1993 بدءاً بتصفية رئيس حزب الوطنيين الاحرار السابق الشهيد داني شمعون وعائلته، مروراً بعمليات اغتيال المسؤولين القواتيين سامي ابو جودة إيلي ضو، نديم عبد النور وسليمان عقيقي، اضافة الى استشهاد القواتي فوزي الراسي تحت التعذيب في سجن وزارة الدفاع عام 1994، وصولاً الى خطف المهندس رمزي عيراني واغتياله عام 2002، هذه السلسلة تبدو مترابطة وتستهدف المعارضين للوجود السوري في لبنان. وذلك طبعاً من دون ان ننسى العمليات الاسرائيلية المباشرة التي استهدفت رجال المقاومة وفي مقدمهم الامين العام السابق لـ"حزب الله" عباس الموسوي ومحمد صالح وغالب عوالي،  اضافة الى الناشط الفلسطيني جهاد احمد جبريل. لكن الملاحظ ان اساليب التفجير المروعة بعد الحرب انطلقت مع تفجير البيت المركزي لحزب "الكتائب اللبنانية" والذي شكل المحاولة الاولى او التمهيد للايقاع بـ"القوات اللبنانية". وتحقق الامر بعد التفجير الثاني المفجع في كنيسة سيدة النجاة عام 1994. لا بل ان وجه الشبه يمتد الى المقارنة بين اعتذار المحقق العدلي ميشال ابو عراج عن عدم متابعة التحقيق في ملف اغتيال الرئيس الحريري وبين استقالة القاضي حسن علوية من المجلس العدلي قبيل بدء جلسات محاكمة جعجع العام 1994.

وتتابعت التفجيرات عبر اغتيال الوزير والنائب السابق ايلي حبيقة بالاسلوب نفسه عام 2002، وصولاً الى محاولة اغتيال النائب مروان حمادة وصولاً الى الزلزال الكبير في 14 شباط وما تبعه. وفي هذا الاطار يشبه المراقبون الاجواء الامنية التي رافقت متفجرة سيدة النجاة واعقبتها بالاجواء التي اعقبت اغتيال الرئيس الحريري ومتفجرات نيو جديدة والكسليك وسد البوشرية في ظل الاشاعات المتلاحقة عن اكتشاف عبوات وتفكيك اخرى.

النظام البوليسي متهم

ممثل "القوات اللبنانية" في لقاء قرنة شهوان جان عزيز يشير الى انه "من الطبيعي جداً ان تتوجه اصابع الاتهام الى النظام البوليسي الاستخباراتي المشترك بين بيروت ودمشق في ضلوعه في سلسلة التفجيرات التي حصلت أخيراً، وذلك ان لم يكن بالتورط المباشر فعلى الاقل بالتضليل والتقصير المشبوهين. وثمة ادلة كثيرة تثبت هذا الاتهام، ومنها التشابه الكبير جداً والمثير لاكثر من قراءة واستنتاج بين الحوادث الراهنة وبين ما حصل غداة تفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994. ففي صبيحة ذلك الاحد ارتكبت جريمة شنيعة في موقع ذي قدسية كبرى، تلاها اتهام واضح من مراجع روحية وسياسية للسلطة بالتورط في الانفجار. وفي الايام التالية للجريمة خرجت الى العلن مطالبة عارمة بمحاسبة رؤساء الاجهزة الامنية. وفجأة اغرقت البلاد في سلسلة من الحوادث والاخبار الامنية التي زرعت البلبلة والرعب لدى المواطنين. فعلى سبيل المثال، بعد حوالى اسبوعين على الجريمة اعلنت السلطة رسمياً عن تفكيك عبوة زعمت انها كانت تستهدف المركز الثقافي الفرنسي في غادير. وألحق الخبر بزعم آخر عن اعتقال قواتيين اثنين قالت انهما متهمان بزرع العبوة. وبعد ذلك بأيام امطرت المصادر الامنية المعروفة وسائل اعلامها بأخبار عن عبوات في الدورة والاشرفية. وبلغ الامر حد الاعتداء على الارشمندريت الياس الهبر في منطقة السيوفي، واعلان السلطات عبر اجهزتها رسمياً اعتقال قواتيين آخرين اتهمتهما بحادثة الاعتداء المذكورة. في ظل حالة الرعب هذه بادر النظام البوليسي اللبناني السوري الى توجيه ضربته الى "القوات اللبنانية" وقائدها الدكتور سمير جعجع. وبعد ذلك، وبكبسة زر، توقف مسلسل الرعب".ويتابع عزيز: "الخطير في هذه المقارنة امران: الاول انه بعد 11 سنة على تلك الحوادث، وبعد تبيان تزويرها بهدف التضليل والتركيب لم يحاسب اي مسؤول عنها. فنحن نتحدى مثلاً هذه السلطة ان تقول لنا اين الموقوفون في عبوة غادير وأين  المعتدون على الارشمندريت الهبر، وخصوصاً اين هم المجرمون الذين فجروا سيدة النجاة. ان بقاء المسؤولين عن هذه المؤامرات البوليسية في منأى عن اي محاسبة هو ما شجع على ارتكاب كل الانتهاكات اللاحقة وصولاً الى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى مسلسل الرعب المتكرر اليوم. والامر الثاني هو الخوف والخشية والقلق من ان يكون المسلسل الذي يجري اليوم، بعد جريمة اغتيال الحريري، يهدف الى التمهيد لضربة ثانية اخرى، تماماً كما هدف مسلسل الرعب الذي اعقب تفجير الكنيسة الى ضرب "القوات".

الانسحاب لن يوجد فراغاً

وللحزب التقدمي الاشتراكي قراءة لمسلسل الحوادث اليوم ضمن سياقين يشرحهما عضو مجلس قيادة الحزب وائل بو فاعور: "السياق الاول سياسي يهدف الى افتعال حالة  من الفراغ الدستوري عبر تعطيل مؤسسة مجلس الوزراء والاصرار على حكومة وفاق وطني من دون تلبية شروط المعارضة للوصول الى فراغ نيابي وتعطيل الانتخابات. ومنطق اهل السلطة انه ما دام البلد خارج الشرعية الدولية وما داموا هم خارج الشرعية الشعبية فلا ضير من ايجاد فراغ على الصعيد النيابي. اما السياق الثاني فتعمل عليه السلطة عبر الفلتان الامني المفتعل الذي يهدف الى ترويع اللبنانيين وتهديد الحيوية الداخلية التي تم التعبير عنها بالحركة الشعبية، ووضع اللبنانيين امام الاختيار بين امنهم الشخصي وسلامتهم الجسدية وبين مطالبهم الداخلية، لأن مشهد التظاهرتين في وسط بيروت، بين تظاهرة الاحزاب الموالين لسوريا وتظاهرة المعارضة، وان كان عكس انقساما سياسياً لكنه في الوقت نفسه عكس مستوى النضج السياسي لدى الشعب اللبناني وجعل الصراع السياسي في اطاره الديموقراطي ومنع قيام مواجهة بين السلطة الامنية والشعب. ولا شك في ان الاجهزة الامنية اخفت امتعاضها من المشهد السياسي السلمي في البلد. ويبقى ان الهدف من هذه التفجيرات القول ان انسحاب سوريامن لبنان سيوجد فراغاً امنياً وسيجر البلاد الى الخراب كما سبق لبعض المسؤولين اللبنانيين والسوريين ان قالوا".

ويضيف بو فاعور "يمكن ان بعض الاجهزة الامنية وبعض اهل السلطة، كان، قبل صدور تقرير بعثة تقصي الحقائق، لا يزال يعيش في زمن آخر ولا يزال مقتنعاً بقدرته على افتعال حوادث امنية وفبركة ملفات. لكن اعتقد انه اصبح هناك صعوبة استثنائية اليوم في نسج هكذا ملفات، على الاقل بحكم ان هذه الاجهزة الامنية وجزءاً من النظام القضائي التابع لها اصبحت ليست فاقدة الصدقية  فحسب بل ايضاً في موقع المتهم او المشتبه بها. وفي اي حال لا يمكن ان نتوقع ولا نستطيع الافتراض اي منطق يحكم عمل هذه الدوائر السوداء التي تتصرف بدافع الحقد فقط ولا شيء يردعها الا الخوف من المحاسبة. ويجب ان يعرفوا انهم ليسوا بحاجة الى تهم اضافية او المزيد من الشبهات تضاف الى سجلاتهم العدلية والقضائية".

وما يحدث على الصعيد الامني يأتي في سياق سياسي واضح بعد سيل من التهديدات السورية المباشرة وغير المباشرة، ويلفت عزيز الى ان "ما يحصل على هذا المستوى، اضافة الى كونه بات مألوفاً  ومسبوقاً كتب الى حد كبير من الدقة بقلم احد كبار ضباط النظام البعثي السوري في احدى الصحف اللبنانية في 15 ايار 2003. يومها، وفي ظل تصاعد اللهجة الاميركية ضد دمشق، كتب هذا الضابط على طريقة الرسالة الديبلوماسية الموجهة الى واشنطن ان انسحاب سوريا من لبنان سيؤدي الى انهيار النظام اللبناني نتيجة الخلل في التوازنات الطائفية، كما ستدخل البلاد في سلسلة من "المجاهل والمفاجآت" التي تنبأ بها هذا الضابط برؤيوية فائقة. وفحوى هذا الكلام عاد فكرره اكثر من مسؤول سوري في الاسابيع الاخيرة. وطبعاً لا يمكن ان نتجاهل ما ذكره النائب وليد جنبلاط نقلا عن الرئيس الشهيد من ان الرئيس السوري بشار الاسد قال له كلاماً مفاده ان تدميراً سيلحق بلبنان في حال ارغمت سوريا على الانسحاب منه. وهذه العوامل مجتمعة تضع برسم الرأي العام المحلي، وخصوصاً الدولي، قراءة واضحة عن اسباب ما يحصل وغاياته وتقتضي التحرك السريع لمواجهته".

ويعترف بو فاعور ان "المسألة ليست سهلة. فهناك نظام امني استخباراتي تم انشاؤه بعناية مركزة، وهو نظام امني ومصالح ومنافع وهو ايضاً جزء من لعبة مصالح كبرى في البلد. لذلك فان مطلب المعارضة بتفكيك الجهاز الامني اكثر من محق، ولن يتوقف عند حدود قادة الاجهزة، بل هناك مسؤولون في الظل لطالما اعتدوا على حريات الناس وكراماتهم وسلامتهم. وهذا الطلب لم يعد سياسياً بل اصبح مطلباً حياتياً واخلاقياً لجميع المواطنين. والبلد في حاجة الى اجهزة امنية تؤدي واجباتها وفق الانظمة والقوانين اللبنانية وتحمي السلم الداخلي من اي اختراقات خارجية، ولا سيما من بوابة الاحتلال الاسرائيلي. اما الاجهزة الامنية الحالية فلا اعتقد انها تقوم بواجباتها بل هي منشغلة بالتنصت على المعارضين. وفي الاساس لا ثقة لدينا ببعض الاوساط الامنية التي طالما غيرت ولاءاتها السياسية بحكم تبدل الظروف، وانتقلت في المرحلة السابقة الى الضفة السورية. فما الذي يمنع تحولها الى ضفة اخرى غربية او غير غربية في ظل انكفاء الحضور الامني السوري؟! وفي يوم من الايام لا بد ان تفتح الملفات العالقة وسيكتشف اللبنانيون حقائق مدهشة كثيرة. ومن حقنا ان نعرف من فجّر كنيسة سيدة النجاة ومن اغتال رمزي عيراني ومن حاول اغتيال النائب مروان حماده وطبعاً من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن حاول ويحاول ترويع اللبنانيين؟ في المغرب كانوا يسمونهم "زوار الليل". وكانوا يطلقون على تلك الايام لقب "ايام الجمر". واطلقوا بعد ذلك حملة "المصارحة والحقيقة". وربما نحتاج في لبنان الى حملة "مصارحة وحقيقة" تنظف كل آثار المرحلة الامنية في لبنان وتحرر النظام القضائي والحياة السياسية اللبنانية".

يبقى ان اللبنانيين واعون تماماً الاهداف الكامنة وراء مسلسل التفجيرات. فهم لن يخافوا بعد اليوم، ورد فعل المواطنين في نيو جديدة لدى زيارة النائب بهية الحريري الى موقع الانفجار ابلغ دليل، اذ اصروا على عدم التراجع عن مطالبهم مهما كلف الامر. وكذلك في الكسليك كان الرد واضحاً عبر رفع العلم اللبناني الضخم في مكان الانفجار وانشاد النشيد الوطني اللبناني الذي وحّد جميع اللبنانيين على انتماءاتهم المختلفة وهذان الجوان غير بعيدين عن سد البوشرية. ولم يبق امام "وطاويط الليل" الا البحث عن فيزا للهجرة الى دول بعيدة هرباً من المحاسبة الآتية لا محالة. وهم، وان تمكنوا من الهرب ربما الى احدى دول اميركا اللاتينية ولن ينجحوا، فهم لن يهربوا من حكم التاريخ الذي لن يرحمهم!.

تحقيق طوني أبي نجم

http://www.annahar.com/