http://www.emrouz.info/
+ نوشته شده در چهارشنبه سی و یکم فروردین 1384ساعت 0:0 قبل از ظهر توسط حمید |

 

 رئيس العراق

الشيخ غازي عجيل الياور

الشيخ عجيل الياور وعمره 45 سنة عضو سابق في مجلس الحكم العراقي ولد في الموصل. هو نسيب رئيس عشيرة شمّر والتي هي من اكبر العشائر في العراق. الشيخ الياور مهندس مدني وقد كان يشغل مؤخرا نائب رئيس شركة هيكاب للتكنولوجيا في الرياض، المملكة العربية السعودية.

 نائب رئيس العراق

الدكتور ابراهيم الجعفري

ولد الدكتور الجعفري في كربلاء في 1947. وحصل على شهادة البكلوريوس في الطب من جامعة الموصل وقد انضم الجعفري لحركة الدعوة في 1966 واصبح المتحدث الرئيسي باسمها. وقد نشأت الحركة، وهي اقدم حركة اسلامية في العراق، في نهاية التسعينات من القرن الماضي وهي تقوم على ايديولوجية اصلاح الفكر الاسلامي وتحديث المؤسسات الدينية، وقد تم تحريم الحزب في عام  1980 على يد صدام حسين،  مما اجبرالدكتور الجعفري على مغادرة البلاد الى ايـران ومن ثم الى لنـدن عـام 1989. وهـو عضـو سـابق في مجلس الحـــكم.

 نائب رئيس العراق

الدكتور روز شاويس

رئيس المؤتمر الوطني الكردستاني مؤخراً. وقد عمل كممثل للسيد مسعود برزاني في مجلس الحكم منذ صيف 2003، كما عمل كرئيس وزراء لحكومة اقليم كردستان في اربيل منذ 1996-1999 وقد استقال من منصبه ليصبح رئيساً للمؤتمر الوطني الكردستاني وقد شهدت فترة الدكتور روز تغييرات تشريعية رئيسية اعطت النساء والاطفال حقوقاً انسانية اكثر مما كان مسموحاً به طبقاً لقانون العقوبات العراقي القديم. اثناء دراسته في المانيا  كان رئيساً لاتحاد الطلاب الاكراد وعاد للعراق في عام 1975 لينظم الى التمرد الكردي. بعد انسحاب قوات صدام حسين عام 1991 اصبح نائباً لرئيس الوزراء في الحكومة الاقليمية المشتركة لكردستان، وقد ولد الدكتور روز عام 1947 وحصل على شهادة دكتوراة في الهندسة من المانيا.

 رئيس مجلس الوزراء

الدكتور اياد علاوي

تخرج الدكتور علاوي من كلية الطب من جامعة بغداد، وحصل على درجة الماجستير والدكتوراة في الطب من جامعة لندن عام 1979. الدكتور علاوي طبيب متخصص في امراض الاعصاب ورجل اعمال, وقد بدأ نشاطه المعارض للنظام البائد عام 1971 عند مغادرته العراق الى بيروت التي تركها الى لندن لمواصلة دراسته في الولايات المتحدة. وقد عمل كمستشار الى برنامج الامم المتحدة الانمائي ومنظمة الصحة العالمية وصندوق الطفل التابع للأمم المتحدة. وبعد نجاته من من الهجوم الآثم ومحاولة الاغتيال التي دبرها ضده صدام حسين، واصل الدكتور علاوي جهوده في العمل ضد النظام من خلال مشاركته في تأسيس حزب الوفاق الوطني الذي قام بمحاولة لقلب نظام حكم صدام عام 1966. وكان آخر منصب تقلده هو عضوية مجلس الحكم ورئاسة اللجنة الامنية التابع له. ولد عام 1945 في بغداد.

 

نائب رئيس الوزراء

الدكتور برهام صالح

كان مؤخراً المدير الاقليمي للسليمانية. ولد في 1960 في كردستان العراق. وانضم الى الاتحاد الوطني الكردستاني في 1976، وقبض عليه مرتين بواسطة الشرطة العراقية السرية. وعلى الرغم من انه ارغم على اخذ امتحان المدارس الثانوية في السجن، إلا ان الدكتور صالح حصل على اعلى درجة ممكنة. وقد غادر العراق في 1979، واصبح بسرعة متحدثاً باسم الاتحاد الوطني الكردستاني في لندن. وفي عام 1991، وبعد انتخابه لقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، غادر الى واشنطن وخدم لعشر سنوات كممثل للاتحاد الوطني الكردستاني والحكومة الاقليمية الكردستانية في الولايات المتحدة. حصل الدكتور صالح على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية والانشائية من جامعة كارديف وحصل على الدكتوراه في الاحصاء واستخدام الكومبيوتر في التخطيط من جامعة ليفربول.

 

وزير الزراعة

الدكتورة سوسن علي مجيد الشريفي

النائبة السابقة لوزير الزراعة، ولدت عام 1956 في بغداد. كنائبة وزير كلفت ببرمجة وتخطيط اعادة إعمار القطاع وضمان استمرار نوعية البحوث الجيدة في مجالس الوزارات وبرامج الانتاج الوطنية. وقد كانت ايضاً بمثابة همزة الوصل للوزارة مع جهود كل من وكالة التنمية الدولية الاميركية وسلطة الائتلاف المؤقتة والبنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية في الزراعة. وقد حصلت الدكتورة الشريفي على درجة البكالوريوس في الانتاج الحيواني من جامعة بغداد ودرجة الماجستير والدكتوراة في تربية الحيوان من جامعة ايوا ستيت. وبعد عودتها الى العراق في 1984، تقلدت الدكتورة الشريفي منصب باحث علمي في مجلس البحوث العلمية ذو المكانة المرموقة. من عام 1990 تولت منصب باحث اقدم في تربية الحيوان، من مجلس الدولة للبحوث الزراعية اولاً، ثم في وزارة الزراعة. وتتصل خبرتها العظيمة في انتاج الحيوان وتربية الحيوان بشكل خاص بالعراق، حيث ان اكثر من 50% من اجمالي الدخل الزراعي مستمد من المنتجات الحيوانية. الدكتورة الشريفي لها اكثر من 40 بحثاً علمياً منشوراً في الدوريات العراقية والدولية، وهي تستمر في الاشراف على بحوث طلاب الماجستير والدكتوراة في العراق. بالاضافة الى مسؤوليتها المهنية الرئيسية، تعمل الدكتورة الشريفي كرئيس تحرير للدورية الزراعية العراقية.

 

وزير الاتصالات

الدكتور محمد علي الحكيم

عمل مؤخراً كوكيل للأمين العام لمجلس الحكم العراقي وسفيراً في وزراة الشؤون الخارجية العراقية. حصل علة درجة البكالوريوس في الاتحصاء من جامعة المستنصرية في بغداد وعلى درجة الماجستير في علم الكومبيوتر من جامعة برمنجام بالمملكة المتحدة، والدكتوراة في ادارة المعلومات من جامعة جنوب كاليفورنيا. وقد كان مديراً عالمياً لشركة نورتل نتوركس وكمبريج تيكنولوجي وقد شارك في تأسيس شركة للتقنية في الولايات المتحدة تدعى انفوكلارس. وقد شارك الدكتور الحكيم في مشروع مستقبل العراق لوزارة الخارجية الاميركية، وقد كان عضواً من العديد من الوفود الممثلة للعراق لدى مجتمع التمويل الدولي العالمي. ولد في 1952 في النجف.

 

وزير الثقافة

الدكتورمفيد محمد جواد الجزائري

ولد في المدحتية عام 1939، وحصل على درجة الماجستير في الصحافة عام 1966 من براغ. عمل خلال الستينات والسبعينات كصحفي ومراسل للبلاد و14 تموز وطريق الشعب، وكصحفي ومذيع في القسم العربي لإذاعة تشيكوسلوفاكيا. سافر من 1982-1988 الى شمال العراق الكردستاني للانضمام الى المعارضة السرية لصدام حسين، وهو عضو في منظمة الصحفيون العراقيون الديمقراطيون واتحاد الكتاب والفنانين.

 

وزير الدفاع

السيد حازم شعلان

حصل على درجة الماجستير في إدارة الاعمال من المملكة المتحدة قبل العودة للعراق لإدارة بنك في الكوت. بعد ارغامه على مغادرة العراق بواسطة النظام السابق، ادار السيد شعلان شركة للاتجار في العقارات في لندن حتى عودته للعراق في حزيران الماضي، وقد عمل مؤخراً  محـافظـا اقليمياً للقادسية. ولد عام 1956.

 

وزير الهجرة والمهجرين

السيدة باسكال اشو ورده

رئيسة اتحاد النساء الآشوريات في بغداد. وقد شاركت في تأسيس الجمعية العراقية لحقوق الانسان. وخدمت كممثلة لمؤسسة الحركة الآشورية الديمقراطية في باريس. وقد كان اعلى منصب لاي سيدة من المؤسسة وهي الحزب السياسي الآشوري الاساسي في العراق. اضافة الى ذلك، فان السيدة ورده هي مديرة الشؤون الخارجية لجمعية المساعدة الآشورية. وهي حاصلة على درجة من معهد الحقوق الانسانية من جامعة ليون في فرنسا. وقد ولدت في دهوك سنة 1961.

 

وزير التربية

الأستاذ سامي المظفر

الاستاذ سامي المظفر هوأقدم البايوكيميائيين في العراق ولعب دوراً مهما في ترويج الكيمياء الحياتية والمواضيع  ذات العلاقة وعلى سبيل المثال بحوث التكنولوجيا الحياتية الجزئية. حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم بدرجة شرف من جامعة بغداد عام 1960 وبعدها حصل على شهادة الدكتوراه من معهد فرجينيا البوليتكنيكى وجامعة الولاية, بدأ البرفسور المظفر مسيرته الوظيفية بعمله في جامعة البصرة – كلية العلوم كتدريسي وباحث. تمت ترقيته الى استاذ مساعد عام 1961 وفي عام 1979 رقي الى مرتبة الاستاذية في الكيمياء الحياتية في جامعة بغداد. عمل الدكتور المظفرللأعوام 1968-2000 محاضر ا في جامعتي البصرة وبغداد في كلية العلوم. نشر اكثر من خمسين اختراعا و250 بحثا وهو عضو هيئة تحرير المجلة العراقية للكيمياء والمجلة الوطنية العراقية للكيمياء. تمتع بعدد من الزمالات وهوعضو في عدد من الجمعيات والروابط العراقية والعالمية. للبروفسور المظفر خبرة تدريسيية اكثر من 33 سنة في فروع مختلفة من الكيمياء الحياتية لطلبة الدراسات الاولية والعليا. ولد عام 1940 في مدينة البصرة.

 

وزير الكهرباء

الدكتور ايهم السامرائي

حصل على البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة بغداد. واستكمل دراسة الدكتوراه في معهد الينوي للتكنولوجيا في شيكاغو. ولقد عمل لثلاثين سنة لشركة كي اس اي للمقاولات الكهربائية ورقي ليصبح مديراً عاماً للشركة. وتتضمن خبرته تصميم محطات للطاقة وتوليدها، وقد ترأس المؤتمر العلمي للطاقة النووية في الولايات المتحدة لخمس سنوات ونشر اكثر من 30 بحثاً فنياً. وقد شارك الدكتور السامرائي خلال الـ 12 عاماً السابقة في اغلب مؤتمرات المعارضة الوطنية كعضو تنفيذي للاتجاه العراقي الديمقراطي الوسيط.

 

وزير البيئة

الاستاذة مشكاة مؤمن

تدرس الاستاذة مشكاة مؤمن القانون في جامعة بغداد وهي متخصصة في حقوق الانسان. وهي حالياً مساعدة مدير المعهد العراقي وناشطة جداً في المكتب الاستشاري لشؤون المرأة، وهو الفرع السياسي للمجلس الاعلى للمرأة.

 

 

وزير المالية

الدكتور عادل عبد المهدي

اقتصـادي وعضو في المجلس الأعلى للثورة وعضو في المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق. ولد في بغداد عام 1948 وانهى دراساته العليا في السياسة والاقتصاد في فرنسا. وعمل في عدد من مراكز البحوث الفرنسية ، آخرها كرئيس للمعهد الفرنسي للدراسات الاسلامية. ورئس تحرير عدد من المجلات باللغتين العربية والفرنسية كما قام بتأليف العديد من الكتب. كان ناشطا سياسيا منذ صباه، وسجن، وعذّب ثم حكم عليه بالاعدام مرارا في الستينات. فصل من عمله وسحب جواز سفره في 1969 وارغم على ترك البلاد الى منفاه في فرنسا. عاش في ايران لمدة من الزمن وانضم للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق وعمل كممثل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في كردستان من 1992 حتى 1996. عمل كنائب عبد العزيز الحكيم في مجلس الحكم العراقي.

وزير الخارجية

السيد هوشيار محمود محمد زيباري 

حصل على درجة في العلوم السياسية من جامعة الاردن بعمان في 1967  اكمل دراسة الماجستير في علم الاجتماع والتنمية في 1979 من جامعة اسكس في المملكة المتحدة. وقد اصبح عضواً في اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الكردستاني الديمقراطي في 1979 وخدم كممثل للحزب في اوربا قبل إدارة مكتب الحزب للعلاقات الدولية من 1988-2003. وقد انتخب السيد زيباري الى المجلس التنفيذي للمؤتمر العراقي سنة 1992 وانتخب للمجلس الرئاسي للمؤتمر سنة 1999. وقد ولد في آقرة في 1953.

 

وزير الصحة

الدكتور علاء الدين علوان

حصل الكتور علاء الدين علوان على درجة علمية في الطب من كلية طب جامعة الاسكندرية في مصر ودرجات في الدراسات العليا من جامعات في المملكة المتحدة. وقد عمل كعميد واستاذ في كلية الطب بجامعة المستنصرية ببغداد. وقد كان الدكتور علوان ممثلاً لمنظمة الصحة العالمية ورئيس بعثة في الاردن وعُمان كما عمل كرئيس قسم الامراض المزمنة وغير المعدية في مكاتب منظمة الصحة العالمية في جنيف. وقد تقلد عدة مناصب في وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي العراقية. على الرغم من ان خلفيته هي في الطب، فقد انفق الدكتور علوان جزءاً رئيساً من حياته العلمية في العمل الاكاديمي والتدريسي. ولد سنة 1949.

 

وزير التعليم العالي

الدكتور طاهر خلف جـبر البكاء

عمل مؤخراً كرئيس لجامعة المستنصرية حيث درس بها لاكثر من عشر سنوات. وقبل ان يصبح رئيساً لها في 2003، تضمنت مناصبه في الجامعة: رئيس قسم التاريخ في 1994 ورئيس لجنة التشجيع الاكاديمي منذ 1994 ورئيس تحرير صحيفة الكلية. وهو عضو اتحاد المؤرخون العرب واتحاد المؤرخون العراقيون واتحاد الكتاب والادباء العراقيين وقد حصل الدكتور البكاع على درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراة في التاريخ من جامعة بغداد، وله مؤلفات عن التاريخ الاقليمي ونشر في عدة دوريات ومجلات. وهو مولود في 1950 في محافظة ذي قار.

وزير الاسكان والتعمير

الدكتور عمر الفاروق سليم الدملوجي

حاصل على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الهندسة من جامعة بغداد حيث اصبح فيما بعد استاذ للهندسة المدنية فيها. كما دّرس في الجامعة التكنولوجيا قسم الهندسة المدنية واشرف على 30 طالب في الدراسات العليا والدكتوراة يدرسون الهندسة المدنية في جامعات بغداد والتكنولوجيا والنهرين والكوفة. كما الف كتابين عن ميكانيك التربة وكان اسشتاذاً زائراً بجامعة هانوفر وجامعة سيتي يونيفرستي في لندن. وقد خدم الدكتور الدملوجي منذ عام 2000 كرئيس قسم الهندسة المدنيو في جامعة بغداد. وهو عضو مهندس في جمعية المهندسين العراقية وجمعية المهندسين الامريكيين وعضو في اليونسكو/ لجنة التعليم العالي العراقية.

 

وزير حقوق الانسان

الدكتور بختيار أمين

حاصل على درجة الماجستير في الشؤون الدولية ودكتوراه في الجغرافية السياسية من جامعة السوربون في باريس. كما درس ايضاً، خلال تلك الفترة، وسائل الاعلام في السويد. وقد عاد في النهاية للعراق ليصبح مستشاراً للبلاد في الهجرة والمهجرين واللاجئين في الثمانينات من القرن الماضي. وقد كان ايضاً اميناً عاماً للمعهد الكردي في باريس ومستشاراً للسيدة دانييل ميتران لمنظمة فرنسا للحريات ومديراً لائتلاف حقوق الانسان في واشنطن والمدير العام للائتلاف من اجل العدل في باريس وواشنطن. وقد شارك في الكثير من المؤتمرات القومية والدولية بما في ذلك مؤتمر حقوق الانسان في فينا ومؤتمر دوربان في جنوب افريقيا. كما نظم ايضاً كورسات تعليمية للمراسلين العراقيين والمحامين والاكاديميين والنشطاء السياسيين وحقوق الاقليات في باريس وجنيف ولندن. كما قام بالادلاء بالشهادة بشأن مواقف في العراق امام الكونغرس الاميركي والبرلمان الاوربي ومنظمة التعاون العربية. وقد نشر له على نطاق واسع مؤلفات عن قضية حقوق الانسان. وهو من ابناء كركوك.

 

وزير الصناعة والمعادن

حاجم الحسني

ولد في كركوك في 1954، وتخرج من جامعة الموصل. انتقل في عام 1979 الى الولايات المتحدة بهدف الدراسة في كلية التجارة الدولية في جامعة نبراسكا وحاز على شهادة الدكتوراه في مجال التنظيم الصناعي من جامعة كونكتيكت. حاضر في عدد من الجامعات الاميركية و ترأس شركة للانترنت وعمل منذ وقت وجيز كمدير لشركة اميركان انفستمنت اند تريدينغ كومباني في مدينة لوس آنجيليس. كان عضو في مجلس ادارة عدد من المنظمات الغير حكومية . عمل في المعارضة العراقية عدة سنوات واصبح عضواً في المكتب السياسي ثم عمل كمتحدث رسمي باسم  الحزب الاسلامي العراقي. انتخب عضواً  في لجنة المتابعة في مؤتمر  لندن وعمل كنائب عضو في مجلس الحكم العراقي وكنائب رئيس للجنة المالية فيه.    

 

وزير الداخلية

السيد فلاح النقيب

السيد النقيب هو قائد سابق في المعارضة في الحركة الوطنية العراقية. ينتمي الى عائلة عسكرية معروفة في سامراء، والده كان رئيساً للاركان في الستينيات. تدرب السيد النقيب (45) في الولايات المتحدة في الهندسة المدنية وعمل في الفترة الاخيرة محافظاً لصلاح الدين.

 

وزير العدل

الدكتور مالك دوهان الحسن

الدكتور الحسن يعمل محامياً وعين اخيراً رئيساً للجنة المهمات الخاصة حول تعويضات ضحايا النظام السابق. انتخب في عام 2003 رئيساً لنقابة المحامين العراقيين. يعتبر الدكتور الحسن مرجعاً معروفاً حول قانون الاضرار.

وكان قد بدأ حياته كقاضي تحقيق وبعدها عمل كأستاذ قانون في جامعة بغداد. انتخب مرتين لعضوية البرلمان في العهد الملكي وعين وزير الثقافة والاعلام عام 1967. حصل الدكتور الحسن على الدبلوم في القانون العام والخاص والدكتوراه في القانون من فرنسا. ولد في مدينة الحلة عام 1920.

 

وزير العمل والشؤون الاجتماعية

الانسة ليلى عبد اللطيف

سيتم ادراج المعلومات الخاصة بسيرتها الذاتية فيمابعد.

 

السيدة  نسرين مصطفى برواري

اصبحت السيدة بيرواري وزيرة لاعادة الاعماروالتنمية لمنطقة كردستان عام 1999. ولدت في بغداد عام1967 .

 

وزير النفط

السيد ثامر عباس غضبان

عمل السيد غضبان في وزارة النفط العراقية منذ عام 1973، وتم اعتقاله وتنزيله درجة  من منصبه في  الوزارة وذلك لتأييده للاصلاحات الديمقراطية. حصل على شهادة البكالوريوس في الجيولوجيا من كلية الجامعة في لندن وعلى شهادة الماجستير في هندسة خزانات النفط من الكلية الملكية بجامعة لندن. وقد عمل السيد غضبان خلال رحلة عمله الطويلة مع وزارة النفط مهندسا للخزاانات، ورئيسا لهندسة النفط والخزانات، ومديرا عاما للدراسات والتخطيط، ورئيسا جيولوجيا، ورئيس موظفين  تنفيذيين. وقد رخص السيد غصبان واعاد ترخيص ما زاد على 50 دراستا وتقريرا فنيا تعالج ألجوانب المختلفة لحقول النفط العراقية. ولد السيد غضبان عام 1945 في اربيل.

 

وزير التخطيط

الدكتور مهدي الحافظ

مثل الدكتور الحافظ العراق كوزير مفوض في  الامم المتحدة  بجنيف للفترة 1978-1980. التحق في وقت لاحق  الى منظومة التجارة والتنمية التابعة للامم المتحدة حيث عمل فيها مديرا للتنمية الصناعية الخاصة للفترة 1983-1996، وعمل بعدها مديرا اقليميا للتنمية الصناعية لغاية 1999. كان السيد الحافط عضوا في مجلس المعتمدين والممستشارين  في  معهد الايدولوجية العربي منذ عام 1996، وكان رئيسا للجمعية العربية للبحوث الاقتصادية في القاهرة  للفترة 1998-2000. كما كان عضوا مؤسسا للمنظمة العربية لحقوق الانسان، وعمل نائبا لرئيس منظمة التسامي الافرو- اسيوية منذ عام 1980. وبعد انهائه لدراسته الجامعية في الكيمياء، حصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة براغ.

 

 وزير العلوم والتكنولوجيا

السيد رشاد ماندان عمر

حصل الدكتور عمر على شهادة الدكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة لندن عام 1977 وعمل مديرا للجنة الانشاءات النفطية في وزارةالنفط لغاية عام 1999. ثم عمل الدكتورعمر مديرا للانشاءات في كلاالقطاعين الخاص والعام ولحين تعيينه وزيرا للعلوم والتكنولوجيا في شهر ايلول الماضي.

 

 وزير الدولة لشؤون المحافظات

القاضي وائل عبداللطيف

ولد القاضي عبداللطيف في البصرة عام 1950، وتخرج  حاملا لشهادة البكالوريوس في القانون من جامعة بغداد عام 1973 وشهادة ألدبلوم  من المعهدالقظائي عام 1982. عمل قاضيا في البصرة والسماوة ونائبا لرئيس محكمة اسئناف الناصرية قبل ان يودع في السجن ويمنع من السفر والعمل ابان فترة النظام السابق. نشر القاضي عبداللطيف عددا من المقالات القانونية، وخاصة في مجال قانون العائلة.وكان أختير من قبل مجلس المحافظات محافظا للبصرة.

 

وزير الدولة لشؤون المرأة

السيدة نرمين عثمان

 كانت السيدة عثمان وزيرة سابقة للتربية في السليمانية، ومشرفة سابقة لوزارةالعدل ، ووزيرة سابقة للشؤون الاجتماعية في كردستان.

 

وزير دولة

قاسم داوود

 وزير دولة

الدكتور مامو فرهام عثمان.

حصل الدكتور عثمان على شهادات الدكتوراه في الفلسفة الانكليزية والالمانية. ولد عام 1951 وهو باحث ولغوي.

 

 وزير دولة

عدنان الجنابي

السيد الجنابي اقتصادي تدرب في لندن وهو رئيس عشيرة الجنابيين البالغ عددها 750.000. حصل عل شهادة البكلوريوس في الاقتصاد (شرف) من جامعة لندن وشهادة الماجستير في تكنولوجيا البترول من جامعة لفبورو في المملكة المتحدة. رأس السيد الجنابي دائرة التسويق في صناعة النفط العرارقية في السبعينات وكان مسؤولا عن الدائرة الاقتصادية والمالية في قصر اوبك في فينا لعدة سنوات. رأس قسم العلاقات الخارجية في وزارة النفط في بداية الثمانينات وانتخب عضواً في المجلس الوطني عام 1996  حيث عمل نائباً لرئيس لجنة النفط فيه.

 

 وزير التجارة

محمد مصطفى الجبوري

 ولد السيد الجبوري في الموصل عام 1949 وتخرج من جامعة الموصل عام 1974 وحصل على شهادة في الاقتصاد. حصل على شهادة عليا في الاقتصاد من جامعة كلاسكو عام 1983 وبعدعودته الى العراق عمل في المؤسسة العامة لتسويق النفط. اختيرمديرا عاما للمؤسسة عام 2003.

 

وزير النقل

لؤي حاتم سلطان العرس

عمل السيد العرس نائباً لرئيس مجلس محافظة بغداد والمحافظ المنتخب لمحافظة بغداد عمل مهندس طيران لشركة بونيك وهو الان مدير عام الخطوط الجوية العراقية. وهوه منةاصر كبير لحقوق المراة خلال عمله في اللجان المحلية وكان ناشطاً على الاخص ضمن نخبة النساء والاطفال في مجلس المدينة كان المتحدث باسم منطقة الكرادة في الجلسة الافتتاحية لمجلس المدينة وقاد احدى مجمو عات النقاش في مناقشات مجلس بلدية بغداد في 28 كانون الثاني حول قانون الدولة للفترة الانتقالية. يبلغ السيد العرس 52 عاماً من العمر وقد انتخب لعضوية مجلس المحافظة في كانون الثاني 20044 وبعد ذلك اختير نائباص للرئيس من قبل زملاءه الاعضاء الاخرين. 

  

وزير الموارد المائية

الدكتور عبد اللطيف جمال رشيد

 

 وزير الشباب والرياضة

علي فائق الغبان

ولد السيد علي فائق الغبان في بغداد عام 1955. حصل على شهادة في الهندسة الزراعية من جامعة بغداد عام 1977. كان عضوا ناشطا في المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق وقد ارغم على ترك العراق عام 1980. شارك السيد الغبان في عدد من الانشطة الشبابية والرياضية خارج العراق وعلى الاخص في ايران. ساعد اللاجئين العراقيين هناك وعمل مشرفا على العديد من أندية الشباب والرياضة لللاجئين.

 

+ نوشته شده در شنبه بیست و هفتم فروردین 1384ساعت 3:14 بعد از ظهر توسط حمید |

 

سليم نصار

صحافي لبناني

الحياة 15 ايار 1997.


مقدمة:

تبرز قضية اللاجئين الفلسطينيين في المرحلة النهائية من مفاوضات "السلام" كواحدة من اشد القضايا المؤجلة تعقيدا باعتبارها تشكل مدخلا جديدا لنزاع محتمل لا يقل خطورة عن النزاع المتوقع حول مصير القدس. ومن المؤكد ان الاتفاق الذي وقع في اوسلو وواشنطن زادها تعقيدا وارباكا لانه فصل محنة لاجئي 1967 عن مأساة لاجئي 1948، الامر الذي استغله زعماء "اسرائيل" لتبرئة نفوسهم من مسؤولية تشريد اكثر من 70 في المئة من الشعب الفلسطيني، أي المسؤولية الاخلاقية والتاريخية التي وظفها بناة "اسرائيل" وقادتها بدءا بثيودور هرتزل مرورا بديفيد بن غوريون وانتهاء بمناحيم بيبغن، لتبرير قيام مشروع الدولة اليهودية منذ عام 1890 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وعلى رغم زيف الموقف الرسمي "الاسرائيلي" وادعاء مؤرخي اليهود بان مسؤولية تشريد الفلسطينيين في حرب 1948 تقع على عاتق الدول العربية وحدها الا ان بن غوريون حاول البحث عن مخرج يعوض به اللاجئين من دون ان يعترف بالذنب بعد طردهم ومصادرة املاكهم. وفي مذكرات موشي دايان التي تحمل عنوان "قصة حياتي" يروي وزير الدفاع "الاسرائيلي" في الفصل الرابع عشر حكاية هذا المخرج. وسانقل حرفيا الجزء المتعلق بالاقتراح، حدث ذلك يوم 22 تشرين الاول (اكتوبر) 1956 عندما استقبلنا رئيس وزراء فرنسا غي موليه في حضور وزيري الخارجية والدفاع. وجلست انا وشمعون بيريز إلى جانب بن غوريون الذي انتقل في حديثه فجأة إلى تنبيه الجانب الفرنسي إلى ان الحرب ضد مصر ستفتح المجال لوضع ترتيبات شاملة تتعلق بقضايا الشرق الاوسط قال ان المشروع الذي سيقترحه يبدو ساذجا للوهلة الاولى، لكنه في نظره يشكل خطة رائعة يتمنى على الفرنسيين والبريطانيين اقناع الولايات المتحدة بالاشتراك في تطبيقها وتبنيها. والمشروع كما وضعه يختصر بالاتي: ان الاردن لا يملك مقومات الدولة المستقلة القابلة للحياة، ولذلك يقتضي تقسيمه. فالمناطق الواقعة شرق نهر الاردن يجب الحاقها بالعراق مقابل تعهده استقبال اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم في وسط البلاد. بينما يصبح القسم الغربي من الاردن جزءا تابعا لـ"اسرائيل". اما لبنان فيجب عليه التخلص من الاقضية ذات الغالبية المسلمة لكي يضمن لنفسه استقرارا مبنيا على المناطق المسيحية. وفي مثل هذا التغيير تستطيع بريطانيا ممارسة نفوذها على العراق وشرق الاردن والجزء الجنوبي من الخليج العربي. اما المجال الفرنسي فينحصر بلبنان وربما سورية مع علاقات وطيدة مع "اسرائيل" واضافة إلى هذا، يقتضي الامر وضع ضمانات دولية لقناة السويس، بينما يصبح مضيق تيران تحت الوصاية "الاسرائيلية".

 

يستنتج من الخطوط العريضة لمشروع بن غوريون انه كان يطمع في توظيف النصر العسكري الذي يحققه الاعتداء الثلاثي لاعادة ترتيب منطقة الشرق الاوسط بذهنية سايكس بيكو، أي بالذهنية الاستعمارية القادرة على تعديل حدود الدول وتغيير جغرافيتها وتركيبتها الديموغرافية. وكان يهدف من وراء مشروعه المريب ايجاد حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين من طريق ابعادهم من لبنان وسورية والاردن إلى بلد عربي غير ملاصق لحدود فلسطين شرط ان يوطنوا داخل البلاد لا في اطرافها. والسبب انه يريد تذويبهم في مجتمع زراعي اخر بعيد عن تخوم بلادهم الاصلية، خصوصا ان العراق غني بالنفط وفقير بعدد السكان. ومع ان هذه الخطة لم تنفذ بسبب تدخل ايزنهاور، الا ان وريثي بن غوريون مناحيم بيغن وشارون حاولا عام 1982 تطبيق التصور المتعلق بلبنان. ومع انهما فشلا بالنسبة إلى اعادة صوغ النظام اللبناني، الا انهما حققا بعض مآربه لجهة ابعاد القوة المسلحة الفلسطينية عن الحدود وتشتيتها بطريقة قادت في النهاية إلى اوسلو. وعلى رغم توقيع معاهدة سلام مع الاردن، الا ان شارون ودعاة "اسرائيل" الكبرى واصلوا مطالبتهم بضرورة منح الفلسطينيين وطنا بديلا في الاردن.

هل انتهت خطة نقل اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق؟

وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت صرحت عقب تسلمها حقيبتها ان معاودة قبول العراق في الاسرة الدولية مع رفع الحظر عنه، تتطلب تاييده مشروع سلام الشرق الاوسط لكن الرئيس صدام حسين علق على عملية السلام قائلا: "ان رضا القيادة العراقية من رضا الشعب والقيادة الفلسطينية". وهذا يعني ان العراق يرضى للفلسطينيين ما ارتضوا لانفسهم. أي انه نزع رقابة الموقف القومي وحلل للشعب الفلسطيني ولقيادته قرارهم المستقل.

اذن، ما هو المطلوب من العراق في رأي اولبرايت؟

المطلوب المشاركة الفعلية عن طريق الغاء حال الاحتراب مع "اسرائيل" والدخول في المفاوضات المتعددة الاطراف. وهناك تحليلات صحافية ظهرت منذ فترة تشير إلى اهتمام اللوبي العراقي لدى "اسرائيل" ـ وفيه وزراء وقادة عسكريون واثرياء ونافذون في التكتلات الدينية والاحزاب اليسارية ـ إلى فتح حوار مع العراق على رغم التحذير الاميركي وحرص ادارة كلينتون على التاكيد ان الوقت لم يحن بعد لمثل هذه الخطوة.

يقود موضوع مصير اللاجئين الفلسطينيين إلى الالمام بمواقف الحزبين الرئيسيين في "اسرائيل" والمعالجات التي يطرحها كل من شمعون بيريز وبنيامين نتانياهو في سياق البحث عن حلول نهائية لازمة الشرق الاوسط.

يقول بيريز في كتابه "الشرق الاوسط الجديد" انه لن يسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة باعداد كبيرة إلى "اسرائيل" لان ذلك سيقوض الشخصية الوطنية "الاسرائيلية" ويرى انه لا بد من التوصل إلى حل مشترك تكون الخطوة الاولى فيه درس المشكلة بعمق واقامة بنك معلومات بهدف تحديد من هو اللاجىء؟ وهو يعبر عن مخاوفه من طغيان الاكثرية الفلسطينية فيقول ان حق العودة للفلسطينيين لن يكون امرا مقبولا سواء الان ام في المستقبل ومن أي حكومة "اسرائيلية" لان ذلك يعني محو الشخصية الوطنية لدولة "اسرائيل" وتحويل الغالبية اليهودية اقلية.

ويستنتج من هذا الموقف المبدئي ان حزب العمل لن يجعل من موضوع اللجوء مشكلة اساسية تعيق عملية السلام وانما سيطرح تفسيرا جديدا لتحديد معنى كلمة "لاجىء" الامر الذي تستغرق مناقشاته وقتا طويلا يخلص فيه "الاسرائيليون" إلى القول ان المهاجر اليهودي من موسكو وصوفيا وبوخارست وبراغ ونيويورك وميامي احق بالسكن في حيفا ويافا والناصرة وطبريا والقدس واللد والرملة وعكا من ابنائها الاصليين. ويلاحظ الفلسطينيون الذين يقطنون "اسرائيل" ان الدولة تعمدت ازالة ما يزيد على 400 قرية فلسطينية تم هدم منازلها، وذلك بهدف محو اسماء المواقع الفلسطينية التي تذكر بالوطن قبل عام 1948. وفي منطقة القدس الادارية فقط دمرت الجرافات ثلاثين قرية، الامر الذي مورس في 15 منطقة ادارية اخرى من فلسطين، اذ محيت من الخريطة واقيمت مكانها مستوطنة تدعى جفعات شاؤول وذلك مكافأة للمجموعة اليهودية المتطرفة التي اوكل اليها مناحيم بيغن عملية اقتراف المجزرة الشهيرة.

وما يصدق على الحجر يصدق على البشر، ذلك ان قبول حزب العمل بفصل الضفة الغربية وقطاع غزة عن "اسرائيل" لم يكن ضربا من التنازل بقدر ما كان وقاية من مخاطر كثافة سكانية عربية. ذلك ان مفهوم الدولة اليهودية الصافية كما يتصوره زعماء حزب العمل، يخشى ابتلاع كتلة فلسطينية يزيد عدد سكانها على مليون و700 الف نسمة سيتحولون في المستقبل إلى اقلية معادية تمثل 35 في المئة من عدد سكان "اسرائيل".

بنيامين نتنياهو زعيم تكتل "ليكود" لا يختلف كثيرا عن موقف شمعون بيريز لجهة رفض مبدا عودة اللاجئين. لكنه يعلل رفضه بتبني نظرية "تكتل المهاجرين اليهود في الدول العربية". ومعلوم ان هذا التكتل ابصر النور عام 1975 تحت اسم "المنظمة العالمية لليهود القادمين من العالم العربي" وبرعاية وتنظيم الوزير السابق موردخاي بن بورات. وتقوم دعوته على التبادل السكاني بين الفلسطينيين الذين رحلوا عن بلادهم عام 1948 ويقدر عددهم بـ 950 الفا واليهود الذين هربوا من الدول العربية بعد حربي 1948 و1967 ويقدر عددهم بـ 850 الفا.

ويظهر ان نتنياهو تبنى الفكرة وطرحها في كتابه "مكان بين الامم" على النحو الاتي: حصل تبادل سكان كنتيجة طبيعية للحروب وللطرد الذي تعرض له اليهود في بلدان عربية كانوا يقطنونها. ومثل هذا التبادل جرى في مراحل تاريخية مختلفة خلال هذا القرن. ان ملايين من البشر تعرضوا لموجهة تبادل سكاني بين بلغاريا واليونان عام 1919 وبين اليونان وتركيا عام 1923 وبين الهند وباكستان في نزاع 1947. ولم يحدث ان تقدم أي فريق بطلب جدي لاعادة الاوضاع إلى ما كانت عليه في السابق. من هنا اتصور ـ والكلام لنتنياهو طبعا ـ ان موضوع اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 يجب الا يفصل عن موضوع اللاجئين اليهود الذين غادروا الاوطان العربية.

ويستند نتنياهو في مزاعمه على المقايضة التاريخية المتوازية تقريبا بين الاعداد التي خرجت من فلسطين، والاعداد التي دخلت اليها من يهود العرب ثم بين الاراضي والاملاك التي تخلى عنها اللاجئون في مقابل الاراضي التي تخلى عنها اليهود الفارون من العالم العربي. ومع استخدام هذه المقارنة يمكن لـ"اسرائيل" رفض قرار العودة والتعويض من دون ان تشعر بعقدة الذنب لانها سلبت شعبا اخر ارضه وحقوقه وقذفته إلى "الديسبروا".

يتحدث البيان الذي قدمه موردخاي بن بورات إلى الرئيس الامريكي السابق جورج بوش عام 1992، عن الاسباب الموجبة التي فرضت وجود "تكتل المهاجرين اليهود في العالم العربي" فيقول : "ان رفض العرب الاعتراف بـ"اسرائيل" عام 1948 ادى إلى وجود لاجئين فلسطينيين ويهود في الوقت ذاته. كما ان تهديد مندوب مصر في الجمعية العامة اثر صدور قرار التقسيم ادى إلى حصول مجازر جماعية ضد اليهود في الاقطار العربية. ونتجت من هذا التهديد ـ حسب زعمه ـ حال من الذعر ادت إلى هرب 850 الف يهودي خلال عشرين عاما. فمن سورية غادر 45 الفا ولم يبق منهم سوى 4500 تركوا خلال السنوات الثلاث الماضية. ومن اليمن هاجر إلى "اسرائيل" 71 الف يهودي عام 1949 ولم يبق فيها اكثر من 1200. ومن العراق غادر 125 الف يهودي عام 1951. ومن ليبيا هرب 40 الفا. ومن لبنان هاجر 20 الفا اثر اندلاع حرب 1967. ومن الجزائر رحل 150 الف يهودي لم يتركوا ورائهم اكثر من 5 الاف. اما تونس فقد هاجر منها 110 الاف مع بقاء 3500 استمروا حتى عام 1978. ومن المغرب هاجر 300 الف واستمرت الجالية اليهودية بعدد لا يزيد على سبعة الاف. وعام 1948 كان عدد اليهود في مصر 76 الفا لم يبق منهم سوى 200 عام 1984". ويدعي موردخاي في دراسته ان الاراضي والمنازل التي تخلوا عنها تعادل مساحة فلسطين تقريبا، وان الاموال والمجوهرات والحاجات التي صودرت منهم يقدر ثمنها بعشرة بلايين (مليارات) مارك الماني. ومع ان موردخاي يدعي في دراسته ان اليهود فروا من العالم العربي او طردوا الا ان الوثائق تثبت ان "الوكالة اليهودية" كانت تقف وراء تخويفهم لدفعهم إلى الهرب من العالم العربي. وهذا ما اكدته الكاتبة اليهودية ماريون ولفسون التي ذكرت ان موردخاي بن بورات نفسه لعب دورا مهما في ترويع ابناء جاليته في العراق، الامر الذي اضطر السلطات في بغداد لزجه في السجن اربع مرات. ولكنه نجح عام 1951 في الهرب على متن طائرة ارسلت خصيصا لنقله من مطار بغداد. وهناك وقائع مذهلة تضمنها كتاب يهودي عراقي ن عائلة العلم عنوانه "الهرب من بابل" يروي فيه بعض الاحداث عن دور الوكالة اليهودية في نشر الذعر بين ابناء الجالية. وتتضمن هذه الوقائع قصة اعدام اربعة يهود تعمدت الوكالة تسريب اسمائهم إلى الدولة واوحت للشرطة العسكرية انهم جواسيس. وما حصل في العراق حصل مثله في معظم الدول العربية لان اليهود الشرقيين سفارديم شعروا انهم اقلية امام اليهود الغربيين، أي الاشكيناز، الذين كانوا يمثلون حتى عام 1948 ما نسبته 90 في المئة من مجموع اليهود في فلسطين.

والحديث عن مصير اللاجئين يقود حتما إلى استكشاف موقف الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الراعية والوسيط الشريك في مفاوضات السلام.

اول محاولة قامت بها واشنطن لتمرير مشروع التوطين كانت في ايلول (سبتمبر) 1961. يومها زار بيروت مندوب عن لجنة التوفيق لقضية فلسطين جوزيف جونسون يرافقه شروود مو، ضابط الارتباط بين وكالة الاغاثة (الاونروا) والامم المتحدة في نيويورك. واستقبله في الاجتماع الاول وزير الخارجية فيليب تقلا في حضور الامين العام المرحوم فؤاد عمون. وسأنقل بهذه المناسبة وقائع الجلسة كما سجلها عمون في تقريره الديبلوماسي تاريخ 9/9/1961.

استهل جونسون الحديث بالاشارة إلى توصية الجمعية العامة الصادرة في 11/12/1948، مؤكدا ان مهمته منفصلة عن قرار التقسيم المتخذ عام 1947.

واجابه تقلا بان الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين يقود تلقائيا إلى مراجعة القضية برمتها ضمن الاطار الذي رسمته لجنة التوفيق. ثم اوضح له ان القرار الصادر عام 1948 ينص على عودة اللاجئين إلى فلسطين او تعويضهم.

واجاب جونسون بلهجة المنتقد او المصحح قائلا : "ان القرار ينص على العودة او التعويض او الاستيطان في البلاد التي يقيمون فيها استنادا إلى كلمة Resettlement الورادة في النص.

واعترض الوزير تقلا على تحريف معنى الكلمة، لان نص القرار يؤكد حق اللاجئين في العودة إلى فلسطين ولا يمكن ان يعني حق الاستيطان في البلدان العربية.

ثم اعطى لبنان كمثال على الوضع المعقد الذي خلقته "اسرائيل" بواسطة اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون (في حينه) نسبة عشرة في المئة من عدد السكان. وقال: "ان الوطن الصغير يعجز عن استيعابهم، اضافة إلى تعلقهم بفلسطين وترقبهم العودة وفقا لمبادىء الامم المتحدة والتعهدات الدولية وحقهم الطبيعي. ان "اسرائيل" تبني المستوطنات استعدادا لاستيعاب بضعة ملايين من المهاجرين اليهود. والعرب احق بارضهم واولى بها. واسمح لي بان اقول لك بصراحة انكم تعاملون السارق معاملتكم للمسروق. لقد تساهل العرب كثيرا عندما وافقوا على بروتوكول لوزان. ولا يجوز ان يطلب منهم التنازل عن حقهم في العودة".

بعد الظهر انتقل مندوب لجنة التوفيق جونسون إلى السرايا لمقابلة الرئيس صائب سلام. وبعد نقاش طويل عن القضية الفلسطينية ودور الولايات المتحدة في مساندة "اسرائيل"، طرح الزائر ثلاثة مقترحات تتعلق باللاجئين: اولا ـ منح الخيار لمن يريدون العودة سواء إلى منازلهم او إلى قطاع اخر في "اسرائيل". ثانيا ـ تعويض من لا يقبل بالرجوع والعيش في ظل الحكم "الاسرائيلي". ثالثا ـ العمل على توطين رافضي العودة في البلدان العربية التي حلوا فيها، او في بلدان اخرى حسب العبارة الواردة في نص قرار العودة. واكتشف الرئيس سلام اثناء المناقشة ان الندوب جونسون كان يجتهد في تفسير توصيات الجمعية العامة، ويضع الخيارات امام اللاجئين الفلسطينيين بين العودة والتعويض والاستيطان في البلدان التي لجأوا اليها استنادا إلى كلمة Resettlement الواردة في القرار.

واعترض الرئيس سلام على تحوير المعنى مؤكدا ان كلمة "استيطان" وردت في القرار لتاكيد مبدأ العودة وان مثل هذا الغموض يعطي "اسرائيل" الذريعة للتملص من مسؤولياتها الادبية ازاء القرارات الدولية. واصر جونسون على موقفه معتبرا ان كلمة Repatriation لم ترد في التوصية، وانها الكلمة المعبرة عن اعادة اللاجىء إلى وطنه. واتسع النقاش في شان مضمون كلمة "استيطان" بمعناها السياسي ـ الاجتماعي. وقال صائب بك ان التوصية حرصت على استخدام كلمة settlement-RE وليس Settlement بهدف التمييز بين التوطين.

والاستيطان مرة ثانية او الاستيطان من جديد. وبعد جدل طويل رفض جونسون بعناده حقيقة الهدف من اختيار كلمة مثيرة للالتباس في نصوص التوصية، على اعتبار ان "اسرائيل" ستوظف غموضها كما وظفت كلمة "انسحاب" في القرار 242. ومعنى هذا ان لبنان مقبل على استحقاق التوطين مثله مثل سورية والاردن، اذا اصرت الولايات المتحدة على ان قرار العودة لا يلزم "اسرائيل" بقبول اللاجئين او اذا نجحت "اسرائيل" في اقناع الدول الكبرى بان مشروع التبادل السكاني الذي يطرحه نتنياهو اصبح هو المشروع المنطقي لحل قضية بالغة التعقيد.

 

احصاءات وكالة الامم المتحدة

اخر احصاء قدمته وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (اونروا) يبلغ حسب ارقامها 3 ملايين و400 الف لاجىء موزعين بين لبنان وسورية والاردن وقطاع غزة والضفة الغربية. والطريف ان اول احصاء قامت به الاونروا عام 1949 حدد العدد بـ 940 الفا، أي بزيادة 460 الفا خلال 48 عاما. والملاحظ ان هذه الارقام عرضة للتضخيم والتقليل حسب الجهة التي تطرحها. فالرابطة المارونية، في لبنان مثلا وزعت بيانا استندت فيه إلى احصاء الاونروا في 31/12/1994 قالت فيه ان عدد الفلسطينيين 342 الفا و121 شخصا موزعين على ست مناطق هي : بيروت (43.400) ـ الجبل (70.348) ـ صيدا (18.875) ـ صور (86.736) ـ طرابلس (45.983) ـ البقاع (13.777). ويكون المجموع (342.121).

وزاد بيان الرابطة المارونية على هذا الرقم رقما اخر لفلسطينيين قالت انهم غير مسجلين وانهم دخلوا من الجنوب او البقاع في ثلاث موجات. وهذا الرقم هو 260 الفا. وبذلك يكون مجموع الفلسطينيين في لبنان حسب الرابطة (600.000) ستمئة الف. أي ما نسبته 20 في المئة من عدد السكان.

وفق احصاء وكالة الغوث عام 1994 ذكر ان في سورية 333.465 أي بنسبة (2.10) في المئة في مجموع السكان.

وفي الاردن مليون و240 الفا أي ما نسبته 25 في المئة من مجموع السكان. وفي الضفة الغربية يبلغ عدد اللاجئين 512.435 وفي غزة 666.340.

انطلاقا من موقف المحافظة على حقوق هؤلاء الفلسطينيين فيا لعودة إلى ارضهم ومنازلهم توافق اللبنانيون مجمعين على رفض توطينهم في لبنان وفق ا جاء في التعديلات الدستورية الصادرة في 21 ايلول 1990 التي تقول " لا تقسيم ولا توطين". ومثل هذا الموقف اتخذ في حينه للاعلان ان الفلسطينيين في لبنان هم جزء متكامل مع الشعب الفلسطيني في أي بلد اخر، وان قضيتهم مرتبطة بقضية هذا الشعب. وكان في هذا التاكيد الجواب عن الموقف الامريكي ـ "الاسرائيلي" المطالب دائما بفصل مشكلة اللاجئين عن القضية الاساسية، علما بان القضية الاساسية هي قضية ارض وشعب. ومن المتعذر حل مسالة الارض من دون الشعب.

مخاوف اللاجئين في لبنان تزايدت بعدما اعطت اتفاقية اوسلو الاولوية في بحث هذا الموضوع الشائك إلى لاجئي 1967. وبما ان غالبية اللاجئين في لبنان هم من مشردي 1948 فان تاجيل البحث في مصيرهم يجعلهم عرضة لضغوط لبنانية وعربية يصعب عليهم تحملها. من هنا يرى الكثيرون من الكتاب والمفكرين الفلسطينيين مثل البروفسور ادوار السعيد انه لا يجوز رفض البحث في مصير نصف شعب فلسطين الموجود خارجها من الذين مضى ما يقرب من نصف قرن على ابعادهم وتهجيرهم في وقت يتدفق المهاجرون اليهود من انحاء العالم لاحتلال مستوطنات يقع معظمها في اراضي السلطة الفلسطينية. وفي رايه ايضا ان فقدان اراضي 1948 يجب الا يفقد الفلسطينيين احقية المطالبة بالعودة إلى الوطن، خصوصا بالنسبة إلى الذين يريدون ان يعودوا.

من المآخذ البارزة التي ياخذها فلسطينيو "الديسبورا" على الصيغ الموضوعة في اوسلو وواشطن ما يختصر بالاتي:

اولا ـ عدم التحدث بتكافؤ عن شعبين احدهما ("الاسرائيلي") يملك حق سيادة الارض ومصادرتها، بل حق ابقاء القوة العسكرية التي يملكها مكانها.

ثانيا ـ اهمال او ارجاء موضوع اللاجئين يهدد وحدة الشعب الذي ظل يفكر بطريقة متجانسة طوال فترة الشتات، كأن ما كان يقوم به المجاهدون من لبنان يخدم في النتيجة موقف الصامدين في نابلس او القدس. وفي المقابل فان الانتفاضة التي قام بها سكان الداخل انعكست ايجابا على قيادة الخارج. اما الان فان تاجيل موضوع الشتات إلى مفاوضات الوضع النهائي احدث شرخا بين الشعب الواحد كان قاطرة الداخل انفصلت عن قاطرة الخارج وتركتها بعيدة عن الحماية والرعاية السابقتين.

ومثل هذا الاهمال غير المتعمد ادى إلى ظهور حالات سلبية تميزت بالاحباط واليأس والانحسار، الامر الذي ادى بدوره إلى ظهور طلبات التجنيس لاكثر من 80 في المئة من الفلسطينيين. ومنعا لاستمرار الضياع لا بد من استنهاض جماعات الشتات من طريق اعادة تنظيمها وربطها باطار كل عملية وطنية خشية تذويبها والغاء هويتها الوطنية وتهميش دورها الريادي في مختلف الحقول.

ثالثا ـ ضرورة اعادة احياء الذاكرة التاريخية للمجتمع الفلسطيني والاهتمام بصوغ حقوقه السياسية والاجتماعية في ضوء ماضيه وارضه واملاكه وتاريخه. والملاحظ ان الاطماع الاستيطانية الصهيونية ركزت على الغاء التاريخ الفلسطيني وشددت على مقولة هيرتزل " ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" كل ذلك لكي تخلق في عقل الراي العام العالمي مبررات للسيطرة. وتمثلت هذه المبررات بجعل الدين اداة سياسية لتحقيق الدولة اليهودية، وذلك من طريق السعي المتواصل إلى استرداد ارض التوراة. وفي ظل الاساطير المبتكرة طردوا الشعب الفلسطيني مدعين انه شعب دخيل على فلسطين. ولقد تجسدت هذه الفكرة مع وصول نتنياهو الذي يتحدث دائما عن الارض الموعودة المعطاة من يهوه، الامر الذي يجعل من المستحيل اقامة حوار منطقي مع مسؤول سياسي يزعم انه ينفذ وصايا الهية.

ولقد لاحظ جميع الذين شاهدوا لقاء منصة واشنطن في المؤتمر الاول كيف سكت ابوعمار عن ذكر أي عبارة عن الاضطهاد الذي لقيه الفلسطينيون، بينما ركز اسحق رابين على الاشادة بالضحايا الذين سقطوا من اجل بناء دولة "اسرائيل". وفي هذا اللقاء صدق القول: "يرضى القتيل ولا يرضى القاتل". ومبررات هذا الطرح على المستوى التاريخي تنطلق من اقتناع بان الشعب الذي لا يملك الماضي لا حق له في الحاضر والمستقبل. وبما ان "اسرائيل" تتغذى من التعتيم على تاريخ الماضي الفلسطيني، فان اعادة الجذور من شانه ان يعزز دور السلطة الفلسطينية في عملية السلام.

ان "اسرائيل" لم تنفذ حتى اليوم شرطين اساسيين وضعا لقبولها عضوا في المجتمع الدولي لهما اوثق صلة بقضية اللاجئين:

اولا ـ قرار تقسيم فلسطين الصادر في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 والقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة في 11 كانون الاول (ديسمبر) 1948 الذي نص في الفقرة 11 منه على " ان اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش في سلام مع جيرانهم يجب ان يسمح لهم بذلك في اقرب تاريخ ممكن. ويجب ان يدفع تعويض عن الممتلكات لاولئك الذين يختارون عدم العودة وعن فقدان ممتلكاتهم او عن اصابتها باضرار".

وردت "اسرائيل" على هذا القرار بان مسؤولية النزوح لا تقع على عاتقها بل على عاتق الدول العربية التي نشرت الذعر وطلبت المغادرة بحجة دخول قواتها وبانها غير ملزمة التعويض لانها استقبلت عددا مساويا من اللاجئين اليهود الذين فقدوا املاكهم داخل الدول العربية، وبان فلسطيني الشتات لا يمكنهم العودة إلى بلادهم لانهم اختاروا القتال والجهاد، الامر الذي يمنعهم من العيش بسلام مع جيرانهم. وفي هذا الاطار يسعى المفاوض "الاسرائيلي" إلى حمل المفاوضين الفلسطينيين على التنازل عن حق العودة والتعويض، باعتبارها تمثل مشكلة معقدة متعذرة الحل. وهذا ما اثاره شمعون بيريز الذي رفض ممارسة حق العودة بالادعاء ان الاعداد الفلسطينيين تهدد التركيبة الديموغرافية وتمس بالطابع اليهودي لـ"اسرائيل". والقبول بهذا المنطق يعني الغاء ارض فلسطين وشعبها لاقامة شعب اخر فوق ارض يدعي انها ملكه وعطاء يهوه له.

ان القوانين الدولية تعتبر حق عودة المواطن إلى وطنه مساويا لحق بقائه في الوجود. اما اذا قبل اصحاب الوطن بازالة وطنهم فان الاوطان البديلة تصبح مشكلة اضافية لهم. ولعل اعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة هو الحل المطلوب في اتجاه تاكيد حق المواطنية لفلسطينيي الداخل والخارج، خصوصا ان الجمعية العامة للامم المتحدة اصدرت قرارها الرقم 82 ـ 51 بتاريخ 12/12/1996 وبغالبية 159 دولة، اكدت فيه حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والمؤسف ان المفاوض الفلسطيني وافق في اتفاق اوسلو على احلال الاتفاقات التعاقدية محل المرجعيات الدولية. واسرائيل في هذا المجال تتمنى التحرر من ضوابط القرارات الدولية الملزمة لكي تستفرد السلطة الفلسطينية وتجعل منها سلطة من دون شعب ولا ارض.

يستفاد من هذا العرض ان "اسرائيل" بمختلف احزابها السياسية والدينية، مجمعة على منع اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حق العودة والتعويض، خصوصا لاجئي 1948 لانهم، في نظرها، يمثلون قنبلة بشرية موقوتة تؤثر في نقاء الوطن اليهودي وصفاء العرق المميز والمختار.

وبما انهم ينتمون في اصولهم العائلية وجذورهم الفلسطينية إلى مدن وقرى اصبحت الان تحت السيادة "الاسرائيلية" وبما انهم عاشوا وترعرعوا في مخيمات البؤس والفقر وانخرطوا في منظمات الجهاد والعودة، فان انتقالهم إلى قرب حدود "اسرائيل" ـ أي وطنهم الاصلي ـ وحول المستوطنات سيكون عامل تهديد ولو بعد نصف قرن. لذلك تتوقع العواصم العربية ان تضغط الولايات المتحدة واسرائيل لحمل الدول العربية المضيفة مثل لبنان وسوريا والاردن على قبول اللاجئين كمواطنين دائمين، خصوصا ان نصف قرن من التعايش المؤقت تعتبره "اسرائيل" مدة كافية للتأقلم والانصهار. كما تعتبر الاهتمام بمعاناة اللاجئين تركة صعبة يتعين على العرب، كل العرب، تحمل تبعاتها اذا ارادوا تقديم تنازلات لقضية السلام. وهذا ما اكده شمعون بيريز في اثناء المفاوضات عندما اعترف بوجود مشكلة تأذى منها مئتا الف نازح خلال حرب 1967. لكنه دعا إلى التعامل معها من جانب انساني معتبرا مشاركة الدول العربية في الحل جزءا من المسؤولية. ولقد تجاهل الارقام التي قدمها الجانب الفلسطيني المطالب بعودة مليون مهجر تقريبا. كما تجاهل رقم المليون وثلاثمئة الف نازح الذي قدمه الاردن بينهم 850 الفا ممن يتمتعون بحقوق المواطنة المدنية.

وكان من الطبيعي الا يبحث مصير اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في لبنان وسورية بسبب غياب الدولتين عن اجتماعات لجنة اللاجئين المنبثقة من المفاوضات المتعددة الاطراف والتي عقدت في كندا وتونس.

مذ كتب الرئيس ريتشارد نيكسون إلى غولدا مائير في تموز (يوليو) 1970 يقول لها ان بلاده لن تضغط لحمل "اسرائيل" على قبول حل مشكلة اللاجئين والادارات الاميركية المتعاقبة تتجاهل قرار حق العودة الرقم 194 وتؤيد تنفيذ القرار 393 المطالب بالتوطين داخل الدول العربية كبديل من قرار العودة. وفي ضوء هذا التحول سيحاول نتنياهو بالتعاون مع ادارة كلينتون المتعاطفة مع "اسرائيل" بطريقة لم يسبق ان عرفتها الادارات السابقة، احياء مشروع مثاله الاعلى بن غوريون وادخاله في مشروع اعادة تأهيل العراق وفك الحصار عنه مقابل استقبال مليوني لاجىء فلسطيني كحل انساني. واذا فشلت هذه المحاولة فان "اسرائيل" قد تطالب الدول العربية تعويضها ممتلكات ومنازل ومحلات تدعي ان المهاجرين اليهود اجبروا على التخلي عنها. وهي طبعا متنبهة إلى تحميل الدول العربية مسؤولية ما اصاب الفلسطينيين من تشرد عندما رفضوا قرار التقسيم الذي اصدرته الامم المتحدة في 27 تشرين الثاني 1947.

يجمع المؤرخون على القول ان محاولات تغييب فلسطين والفلسطينيين من الحضارة والتاريخ كانت هدفا اساسيا لخلق اقتناع عالمي بان تاريخ اليهود انتهى بغيابهم عن ارض الميعاد وبان عودتهم من المنافي تشكل عودة التاريخ والحضارة إلى المكان الذي فرغ باستيلاء غيرهم عليه. والمؤسف انه بعد تنازل الفريق الفلسطيني المفاوض في اوسلو عن تاريخ يعود إلى اكثر من اربعة الاف سنة، يحاول الان استجداء المغتصب لكي يسمح له بشغل زاوية صغيرة من زوايا القصر المحتل بقوة السلاح.

http://www.moqawama.tv/arabic/articles/masir.htm

+ نوشته شده در شنبه بیستم فروردین 1384ساعت 9:45 بعد از ظهر توسط حمید |


 


سميح شبيب

ما أن أخذت الأخبار تتوالى حول مبادرة جنيف، حتى أخذت مناحي معارضتها تتصاعد، بل وتأخذ أشكالاً حادة وخطرة في آن. لعل أبرز تلك الأشكال الحادة محاولة نعت تلك المبادرة بأنها مبادرة تقوم على أساس "التفريط بحق العودة"، وبأن جوهر تلك المبادرة هو تجاوز قضية اللاجئين، ولعله ليس غريباًَ على الإطلاق، في منطق ونهج الرفض الفلسطيني، الحكم على نص دون الاطلاع عليه، أو في حالات أخرى هو تجزيء نص إلى جمل، بعد بتر تلك الجمل الى أجزاء!! أخذت مناحي الرفض والتحريض ضد مبادرة جنيف مناحي خطرة، كان بعضها يلوح برد اللاجئين على دعاة مبادرة جنيف، والرد هنا ليس رداً سياسياً، بل هو رد ردعي يصل إلى محاولة إلغاء من ألغى حق العودة وفرط بملف اللاجئين.

لعله من نافلة القول أن هذا النهج الرفضوي المسبق والتعموي في آن ليس نهجاً جديداً، لكن تجديده وعلى هذا النحو، وفي هذا الأوان، بات يشكل عملاً تخريبياً حقيقياً في سياق العمل السياسي والفكر السياسي الفلسطيني عموماً.

فبدلاً من فتح باب الجدل الحر والنقاش النشط حول الوظيفة السياسية لمبادرة بحجم مبادرة جنيف، وبدلاً من نقاش النقاط الواردة في النص الخاص باللاجئين، وفي ديباجته المتضمنة إشارة واضحة لقراري:
194، 181، إضافة إلى النقاط الخمس التوضيحية، على اعتبارها شكلاً من أشكال التفكير بصوت مرتفع، في سياق مبادرة هي غير رسمية أساساً، ولا تشكل سقفاً لأحد..
بدلاً من ذلك يلتفت البعض بشدة وحدة إلى مفهوم التفريط بملف اللاجئين، بعد إلصاقه زوراً وبهتاناً بمبادرة جنيف، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى عملية تخريب مقصودة أو غير مقصودة، تقوم بحرف الأمور عن مسارها الحقيقي، فبدلاً من تحريك الجو السياسي الفلسطيني- الإسرائيلي، بعد أن نجح شارون وتياره في تسكين ذلك الجو طويلاً، ومن ثم استثماره هذا الاستثمار البشع، بدلاً من ذلك نلتفت إلى بعضنا البعض وكأننا نتمترس في معسكرين متعاكسين:
معسكر التفريط والخيانة، ومعسكر حماية الحقوق الوطنية وفي مقدمتها حق العودة. وكأن هذا الحق بات مطروحاً للتنفيذ أو التفريط، وخلال فترة قصيرة للغاية. ما جرى حقيقة ينم عن حالة تخلف سياسي، المفاجئ فيها أننا كفلسطينيين تجاوزنا لغة التخوين، ولغة إهدار الدم وفقاً للاصطفاف السياسي، ولعل بعض مظاهر ما صدر وما برز خلال مرحلة ما بعد طرح مبادرة جنيف تجديد بائس لمظاهر تجاوزناها فعلاً وحقاً. وأياً تكن مظاهر البؤس والتخلف السياسي التي ترافقت وطرح مبادرة جنيف، فلعله من البداهة القول إن حق العودة كان حقاً موحداً في الكيانية الوطنية الفلسطينية، رغم أن القيادة السياسية الفلسطينية خلال مراحل متعاقبة (1948- 1964) مرحلة الهبة العربية العليا بزعامة الحاج أمين الحسيني، ومرحلة منظمة التحرير الفلسطينية (1964-1968) بزعامة أحمد الشقيري، ومرحلة م.ت.ف ما بعد 1968 وحتى الآن بزعامة ياسر عرفات، لم تكن قادرة على تحقيق حق العودة، ومع ذلك كان هذا الحق حقاً موحداً لا مفرقاً على الصعيد الفلسطيني.

ما قام به معارضو مبادرة جنيف، ووصفها بالتفريطية بحق العودة، إسهام منهم بحسن نية أو سوء نية في تحويل هذا الحق من حق موحّد إلى حق ممزق، وإبراز ملف اللاجئين كملف خلافي، على أساس أن ما ورد في المبادرة هو سقف سياسي رسمي سريع التنفيذ، الأمر الذي يقتضي بدوره اصطفافاً معاكساً. حق العودة هو حق شخصي وتاريخي وقانوني، وهو وفقاً لذلك غير قابل للإسقاط أو الإلغاء، وإن أي ترويج لإسقاطه هو تزوير للإرادة الشخصية وللبعدين التاريخي والقانوني. ولعل قراءة دقيقة وهادئة لما ورد في المبادرة تؤكد الأبعاد الثلاثة في هذا الحق. إن القول إن تلك المبادرة تسقط هذا الحق، وبالتالي الخوف من ذلك، إنما يعبر عن ضعف الإرادة الشخصية للمتخوفين، وكذلك ضعف العمق والانتماء لما هو تاريخي وقانوني.

أما فيما يتعلق بالسياسي فهو أمر متحرك، بل هو شديد الحركة، سواء أكان قادراً على تحقيق هذا الحق، أم لم يكن قادراً، فهذا الحق هو في نهاية الأمر شخصي وتاريخي وقانوني، ولعل الحوار السياسي حوله من شأنه تعزيز تلك الأبعاد، وليس إسقاطها، تماماً كما تفعل دعاوى الرفض العدمي أو المسبق لما هو سياسي، وهو ما شهدناه في طروحات البؤس الرفضوي لمبادرة جنيف السياسية!!

http://www.geneva-initiative.net/articls/articls9.html

+ نوشته شده در شنبه بیستم فروردین 1384ساعت 9:28 بعد از ظهر توسط حمید |

 
 

مقدمـة

أبرمت اتفاقية جنيف على أساس عملية السلام في الشرق الأوسط التي بدأت في مدريد في أكتوبر/تشرين الأول عام 1991، وإعلان المبادئ الصادر بتاريخ 13 سبتمبر/أيلول عام 1993، والاتفاقات اللاحقة، ومفاوضات الوضع الدائم بما في ذلك قمة كامب ديفيد في تموز/يوليو عام 2000، وأفكار كلينتون التي أعلن عنها في ديسمبر /كانون الأول عام 2000، ومفاوضات طابا في يناير/ كانون الثاني عام 2001.

ويكرر الطرفان من خلال هذه الاتفاقية التزامهما بقرارات مجلس الأمن رقم 242، 338، و1397 ويؤكدان فهمهما بأن هذه الاتفاقية تقوم على وستقود إلى التطبيق الكامل لهذه القرارات وستؤدي الى تسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بكافة جوانبه.

ويؤكد الجانبان أن هذه الاتفاقية تجسد رؤية الرئيس بوش في الخطاب الذي ألقاه في 24 يونيو/حزيران عام 2002، والمرحلة الثالثة لخارطة الطريق التي وضعتها اللجنة الرباعية، كما يعلن الجانبان ان هذه الاتفاقية تمثل تصالحا تاريخيا بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتمهد الطريق أمام المصالحة بين العالم العربي وإسرائيل وفقا لقرار القمة العربية الصادر في اجتماعها في بيروت في 28 مارس/ آذار 2002، بهدف إقامة السلام بشكل يساهم في إحلال الاستقرار والأمن والتنمية والازدهار في المنطقة جمعاء.

وتعترف الاتفاقية بحق كل من الشعبين الفلسطيني واليهودي في دولة، وذلك دون الإجحاف بالحقوق المتساوية لجميع المواطنين في كل من الدولتين.
وتنهي الاتفاقية عهد الصراع وتبشّر ببدء عهد جديد قائم على أساس السلام والتعاون وعلاقات حسن الجوار بين الدولتين. ويؤدي تنفيذها إلى تسوية جميع مطالب الطرفين المترتبة على أحداث وقعت قبل التوقيع عليها.

آليات تنفيذ الوثيقة

يقوم الطرفان بإنشاء لجنة توجيه فلسطينية إسرائيلية عليا على المستوى الوزاري ترشد وتراقب وتسهل عملية تنفيذ هذه الاتفاقية على الصعيد الثنائي.

ويتم تأسيس «المجموعة الدولية للتنفيذ والتحقق» من اجل تسهيل وضمان تطبيق هذه الاتفاقية والمساعدة في تنفيذها ومراقبتها وفض النزاعات ذات العلاقة بتنفيذها، حيث تضم هذه المجموعة في عضويتها كلاً من أطراف اللجنة الرباعية وأطرافاً أخرى إقليمية ودولية يتفق عليها الطرفان، وتعمل هذه المجموعة بالتنسيق مع لجنة التوجيه الفلسطينية- الإسرائيلية العليا. وتنشئ آلية لحل النزاعات بين الطرفين تتضمن التحكيم الدولي الملزم.

الأرض

بموجب قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، يقام خط الحدود بين دولتي فلسطين وإسرائيل على أساس خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967، مع تعديلات متبادلة على أساس التكافؤ (1:1)، كما تظهر في خريطة مرفقة بالاتفاقية. ولا تتعدى نسبة تبادل الأراضي أكثر من 3.2% من مساحة الضفة الغربية.

يحترم كل من الطرفين ويعترف بسيادة الطرف الآخر وسلامة أراضيه ويتعهد بعدم المساس بحرمة أراضي الطرف الآخر بما فيها مياهه الإقليمية ومجاله الجوي. وعليه تنسحب إسرائيل حسب الحدود المشار لها أعلاه وتتولى دولة فلسطين المسؤولية عن هذه المناطق.

المستوطنات

تكون دولة إسرائيل مسؤولة عن سحب الإسرائيليين القاطنين في المناطق الخاضعة لسيادة الدولة الفلسطينية خارج هذه المناطق، وتنتهي عملية إعادة توطين هؤلاء الاسرائيليين وفق جدول زمني في مدة لا تتجاوز الـ 30 شهراً. وتبقي إسرائيل على المستوطنات المخلاة سليمة، وتكون دولة فلسطين المالك الحصري لكافة الأراضي والمباني والمرافق والبنى التحتية والممتلكات التي تبقى فيها.

الممر بين الضفة الغربية وقطاع غزة

تقيم دولتا فلسطين واسرائيل ممراً يصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويبقى هذا الممر تحت السيادة الإسرائيلية ولكن بإدارة فلسطينية كاملة بحيث يكون مفتوحاً بشكل دائم، ويسري القانون الفلسطيني على الأشخاص الذين يستخدمون هذا الممر وعلى الإجراءات ذات الصلة به. ويمكن أن يحوي الممر مرافق البنى التحتية الضرورية لربط الضفة الغربية بقطاع غزة.

الأمن

تعمل إسرائيل وفلسطين سويا ومع جيرانهما ومع المجتمع الدولي لبناء شرق أوسط يعمه الأمن والاستقرار، وخال من أسلحة الدمار الشامل في إطار سلام شامل ودائم ومستقر يتسم بالمصالحة وحسن النية ونبذ اللجوء الى القوة. ولتحقيق ذلك يعمل الطرفان سويا لإقامة نظام أمن إقليمي.

ويرفض الطرفان العنف والإرهاب ويمتنعان عن القيام بأي أعمال أو تطبيق أي سياسات قد تؤدي الى تغذية التطرف وإيجاد بيئة مواتية للإرهاب، ويبذل الطرفان جهودا مشتركة وأخرى أحادية شاملة ومتواصلة لمواجهة كافة جوانب العنف والإرهاب، ويتم تشكيل لجنة أمنية ثلاثية وتتكون من الطرفين والولايات المتحدة لضمان تطبيق هذا المادة.

تقوم إسرائيل بسحب جميع أفرادها العسكريين والأمنيين وجميع معداتها العسكرية والأمنية بما ذلك الألغام وجميع المنشآت العسكرية من أراضي دولة فلسطين، وتبدأ عمليات الانسحاب على مراحل فور دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، وتنتهي في غضون 30 شهرا من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

تكون الدولة الفلسطينية دولة لا تحتفظ بجيش، ويتم نشر قوات دولية لحماية السلامة الإقليمية لدولة فلسطين والرقابة على تنفيذ البنود الأمنية في الاتفاق.

وفي ما يتعلق بالمعابر الحدودية الدولية البرية والبحرية والجوية لدولة فلسطين، فإنها تخضع لمراقبة فرق مشتركة تتكون من أعضاء من قوات الأمن الفلسطينية والقوة متعددة الجنسيات، للحؤول دون دخول أي أسلحة أو مواد أو معدات إلى فلسطين بشكل يخالف أحكام هذه الاتفاقية. وتبقي إسرائيل على وجود غير مرئي في معابر الركاب والبضائع خلال مدة الانسحاب (أي مدة 30 شهراً) في مرافق يعمل فيها أعضاء من «القوة متعددة الجنسيات» وإسرائيليون ويستخدمون التكنولوجيا المناسبة.

تحتفظ إسرائيل بمحطتي إنذار مبكر يمكن إزالتهما بقرار من أحد الطرفين بعد مرور خمس عشرة سنة. ويكون المجال الجوي الفلسطيني خاضعاً للسيادة الفلسطينية بحيث تخضع الملاحة الجوية المدنية للقانون الدولي، فيما تملك إسرائيل حق التدريب العسكري في هذا المجال الجوي ضمن حدود تحت إشراف القوات الدولية.

القدس

يعترف الطرفان بالأهمية العالمية والتاريخية والدينية والروحية والثقافية لمدينة القدس وبقدسية هذه المدينة بالنسبة للديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية، ويقيمان هيئة مؤلفة من ممثلي الديانات السماوية الثلاث وتعمل كهيئة استشارية لدى الطرفين في مسائل تتعلق بأهمية المدينة دينياً وتنهض بالحوار والتفاهم بين الأديان.

يكون لكل طرف عاصمته في مناطق القدس الواقعة تحت سيادته. ويعترف كل طرف بعاصمة الطرف الآخر. يتم إقامة حدود بين طرفي القدس، شأنها في ذلك شأن بقية المناطق الفلسطينية والإسرائيلية، مع العمل بترتيبات خاصة في ما يتعلق بالمقابر في شطري المدينة.

وتبقى البلدة القديمة، بما فيها الحرم القدسي الشريف، تحت السيادة الفلسطينية، باستثناء الحي اليهودي وحائط المبكى اللذين سيخضعان للسيادة الإسرائيلية، وتكون البلدة «مفتوحة» يمكن التنقل داخلها بحرية. وتلتزم الدولة الفلسطينية بحفظ الأمن وعدم الحفر والتنقيب في الحرم الشريف، ويتم إنشاء تواجد دولي تشارك فيه منظمة الدول الإسلامية للرقابة على ذلك.

اللاجئون

يشكل قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194، وقرار مجلس الأمن رقم 242، ومبادرة السلام العربية فيما يتعلق بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، الأساس لحل قضية اللاجئين وتحقيق حقوقهم.

يتم إنشاء مفوضية دولية لتنفيذ البند الخاص باللاجئين. ويحق للاجئين الفلسطينيين التعبير عن خيارهم بشأن مكان إقامتهم الدائم على أساس قرار حر ومدروس من ضمن البدائل التالية: الدولة الفلسطينية، أو المناطق التي ستضم للدولة الفلسطينية في سياق تبادل الأراضي، أو دولة ثالثة، أو الدول المضيفة حالياً، أو إسرائيل. وتقبل إسرائيل عدداً من اللاجئين يتم احتسابه على أساس معدل ما تقبله الدول الثالثة، ويكون تنفيذ اختيار إسرائيل كمكان الإقامة الدائم بموجب القرار السيادي الإسرائيلي.

ويكون للاجئين الحق في الحصول على تعويض عن لجوئهم وعن فقدانهم للممتلكات. ولا يجحف هذا الحق بمكان الإقامة الدائم للاجئ كما لا يجحف مكان الإقامة الدائم بهذا الحق. كذلك يحق للدول التي استضافت اللاجئين الفلسطينيين الحصول على تعويض.

يتم تعويض اللاجئين عن خسارتهم في الممتلكات نتيجة تهجيرهم وتلتزم إسرائيل بدفع كافة التعويضات المتعلقة بذلك.

السجناء والمعتقلون الفلسطينيون

في سياق هذه الاتفاقية بشان الوضع النهائي بين فلسطين و إسرائيل وإنهاء الصراع ووقف كافة أشكال العنف، يتم الإفراج عن جميع السجناء الفلسطينيين والعرب المعتقلين في إطار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قبل تاريخ التوقيع على هذه الاتفاقية بحيث يفرج عن آخرهم في مدة لا تتجاوز الـ 30 شهراً.

http://www.geneva-initiative.net/short/short.html

+ نوشته شده در شنبه بیستم فروردین 1384ساعت 9:23 بعد از ظهر توسط حمید |

 
 المحظور يدعو لتطبيق شرع الله لتحقيق الدولة الاسلامية
وائل القادري
في زمن التشجنّات الدينية، الطائفية والمذهبية، المغلّفة بعناوين سياسية، والمستظلة تحت خيمة «التغيير»، وفي ظل تعقيدات التنوع المجتمعي في لبنان، عادت الى الظهور التنظيمات والجماعات والحركات الاصولية المتشددة، التي لا يتردد عاقل في ادراجها في خانة التطرف، مستفيدة من مناخات الانقسامات الحادة التي يعيشها اللبنانيون، منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، و«تباشير» عودة هذه الجماعات والتيارات المتشددة، يرى البعض انها ترتبط بالفلتان الامني الحاصل، وبالظروف والمستجدات السياسية والامنية التي تجري في الساحة اللبنانية، في ظل تحرر كامل لهذه الجماعات، من قيود وضوابط كانت مسيطرة على الواقع السياسي في البلد، وغياب الاجماع العام الذي كان سائداً حول نبذ الجماعات المتطرفة، الاسلامية والمسيحية، وفي ظل تنامي الاحتقان الطائفي والمذهبي المسيطر على الخطاب السياسي للقوى والتيارات في لبنان.
وتتنوع مذاهب ومدارس الحركات الاصولية الاسلامية، التي تتحدر منها تشكيلات وتنظيمات وجماعات، لكل منها رؤيتها ومنهجيتها في العمل واستراتيجيتها القائمة على اقامة دولة اسلامية ككيان سياسي، ترى فيه انه البديل عن كل اشكال الانظمة القائمة. ويعتقد كثيرون، ان منبت هذه التنظيمات السياسية هي جماعة «الاخوان المسلمون»، التي تفرع منها العديد من جماعات ومنظمات اصولية، كـ«حزب التحرير الاسلامي»، و«جماعة التبليغ والدعوة» و«جماعة التكفير والهجرة» او غيرها من الحركات السلفية.
واذا كان بعض الجماعات الاسلامية، ارتبط وجوده في منطقة جغرافية دون غيرها من الدول العربية، فإن ظهور هذه المنظمات تركز بصورة اساسية في صفوف الطائفة السنية، وبالاخص في المناطق التي تتمتع بثقل شعبي من الطائفة السنية، سيما في العاصمة بيروت وطرابلس والضنية وصيدا، وقد نجحت الجماعة الاسلامية في لبنان، التي لها ارتباطات عضوية في منهجها وفكرها مع تنظيم «الاخوان المسلمين» في ان تنخرط في الحياة السياسية العامة، بعد ان دخلت في اللعبة السياسية، ونجحت في ايصال ممثلين عنها الى المجلس النيابي، بعد ان تخلت عن اساليب عمل الجماعات الاسلامية التي انتهجها تنظيم «الاخوان المسلمين»، خلال ما عرف بـ«مراحل العمل السري».
في حين يكاد يكون هذا النوع من الجماعات معدوماً في اوساط الطائفة الشيعية، التي تميز الاسلام السياسي على تنظيمات عقلانية ومنفتحة.
يتحكم في عمل الجماعات الاسلامية الاصولية آلية عمل مستقاة من ايام الولاية الاسلامية، حيث يكون لكل جماعة من هذه الجماعات المبنية على تشكيلات صغيرة، على عكس الاحزاب السياسية العلمانية، «امير» او «داعية»، وهم يتخذون من المساجد ومقرات الجمعيات الدينية التي يشرفون على عملها في اوساط المسلمين مراكز انطلاق، والبعض منهم يكاد يقتصر دوره على التبشير بالدين الاسلامي والدعوة الى «محاربة اعداء الاسلام» كما ان هناك بعض الفرق والمجموعات الدينية على علاقة بالحركات السلفية والمتصوفية والوهابية المنتشرة في منطقة الخليج العربي ولها امتدادات لبنانية.
وتنامي التنظيمات والجماعات الاسلامية المتشددة، ارتبط بتراجع دور الاحزاب القومية والعقائدية العلمانية والاشتراكية، وكل هذه التنظيمات لم تنخرط في معارك القضايا الوطنية وحتى القومية التي شهدتها ساحات عربية مجاورة لفلسطين المحتلة، لبنان وسوريا والاردن ومصر وفلسطين، حتى ان خطابها السياسي والديني الذي تعتمده يخلو من اي دعوة للدفاع عن القضايا المعيشية لجمهور المسلمين او الدعوة الى مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، بل ان عدداً من الانشطة التي قام بها عدد من هذه الجماعات جرت تحت عناوين مثيرة للجدل كالدفاع عن «الشيشان والشيشانيين ضد الاحتلال السوفياتي (سابقاً) والروسي (حالياً)»، ومواجهة «الكفر والكفار والمشركين»، واذا بلغت الامور خطا تصاعدياً، فلا يجد اصحاب هذه النظريات من حرج في ضم كل من لا يعتنق الاسلام ديناً الى «لائحة الكفر والكفار»، وغالباً ما يكون في توقيت سياسي ملائم لها وتركيبتها، وهذه التنظيمات الاصولية رسمت لتحركها شكلاً يقتصر على التعبئة الدينية والتحريض للتمسك بالمفاهيم الاسلامية المتشددة، بعيداً عن لعب اي دور على المستويين الوطني والقومي، وهي اتخذت طابعاً سرياً لتحركها ونشاطها.
والمراقبون لتطور الحركات الاصولية، يتحدثون عن ان هذه التيارات فقدت شيئاً من بريقها، بفعل المزاج الشعبي وما حمله من تخوف من انعكاس ما جرى من احداث امنية وسياسية على الساحة الدولية.
«حزب التحرير ـ
ولاية لبنان»
من التنظيمات الاسلامية السرية الموجودة في لبنان، يندرج «حزب التحرير - ولاية لبنان» في طليعة هذه التنظيمات، وهو تنظيم اسلامي حظرته القوانين والانظمة اللبنانية، يعمل في الساحة السنية، ولا وجود شعبي حقيقي له على الارض، وهو يطل من حين لآخر عبر بيانات تتناول الاوضاع العامة في عدد من الدول العربية التي تتواجد فيها تنظيمات اصولية متشددة، ويدعو الى اعادة الخلافة وتطبيق شرع الله، تحت راية خليفة واحد لتحقيق الدولة الاسلامية.
والبيانات التي يوزعها «حزب التحرير» عادة تُذيل اسماء «الولايات» في الدول العربية، ومنها في السودان والكويت والاردن وافغانستان، وفيها تحذيرات للقادة العرب، والذي يميز «حزب التحرير» عن غيره من التنظيمات الاصولية انه يتعاطى في القضايا السياسية، على عكس بقية التنظيمات التي عُرفت بخبرتها في القضايا الامنية السرية، وان كانت الخلفية التي بني عليها فكره السياسي هي خليفة دينية اسلامية.
فتحت عنوان «لن تخضع الامة الاسلامية لليهود»، جاء في ادبيات «حزب التحرير»، «لقد دأب حكام المسلمين، وعلى رأسهم الحكام العرب، في السنوات الاخيرة على الهرولة نحو الاعتراف بدولة اليهود، فمنهم من عقد الصلح معها، ومنهم من فتح المكاتب والسفارات، ومنهم من يقوم بالتجارة معها، ومنهم من يستقبل ممثليها علناً، ومنهم من يستقبلهم سراً، آخر هذه الهرولات اقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وسأل البيان «ماذا تغير حتى اصبح الحكام يهرولون نحو ما كانوا يعدونه بالامس عاراً وخيانة وجريمة؟، وماذا تغير عند يهود اسرائيل حتى اصبح حكام العرب والمسلمين يتقربون منهم؟، ولماذا صارت الشعوب من عربية واسلامية تقف موقف اللامبالي من هرولة الحكام نحو الخيانة؟ (...) ان هرولة الحكام تأتي من الاوامر التي تصدر اليهم من اسيادهم في الدول الكبرى الكافرة التي هم عملاء لها».
ويرى« حزب التحرير» ان المشكلة تتمثل بأن هناك حكاماً مسخرين مجرمين ويتوهمون انهم فاهمون، وهم عملاء مخلصون لاسيادهم الدول الاستعمارية الكافرة، وشعوب مضللة ومكبوتة حتى اليأس، فهل حقاً ان الامة الاسلامية، بعربها وعجمها، عاجزة امام دولة اليهود؟، ومن العيب ان تضع هذه الامة نفسها نداً لليهود، انها ند لاميركا واوروبا مجتمعين، انها ند لروسيا والصين واليابان مجتمعين». ويعتقد ان الحل في ان تنفض شعوب الامة الاسلامية حكامها العملاء عن كاهلها، وتطيح بهم وبعقليتهم الانهزامية وانظمتهم الفاسدة التي هي انظمة كفر»، وهو يدعو الى اعادة الخلافة وتطبيق شرع الله وتوحيد المسلمين تحت راية خليفة واحد، وحمل الاسلام الى العالم لتحقيق الدولة الاسلامية.
http://www.journaladdiyar.com/Article_Front.aspx?ID=37166
+ نوشته شده در شنبه بیستم فروردین 1384ساعت 1:12 بعد از ظهر توسط حمید |


العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية
 

في مطلع كانون الاول (ديسمبر) المقبل يفترض أن يتوجه أركان "مجموعة بيلين ــ عبدربه للسلام الفلسطيني - الاسرائيلي" إلى جنيف لوقيع "اتفاق سويسرا" في احتفال خاص يشارك فيه حشد من الشخصيات الفلسطينية من الداخل والخارج، وشخصيات اسرائيلية ودولية مرموقة تهتم بالسلام وبتسوية النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي، بينهم الرئيسان الاميركيان السابق بيل كلينتون والاسبق جيمي كارتر ورئيس وزراء جنوب افريقيا الاسبق ديكليرك. وكانت مجموعة بيلين ــ عبدربه توصلت منتصف الشهر الماضي في فندق "موفنبيك" على شاطئ البحر الميت في الاردن، بعد حوار دام اكثر من عامين، الى اتفاق تفصيلي حول قضايا الحل النهائي (القدس واللاجئون والحدود والاستيطان والمياه والتعاون الامني والعلاقات المستقبلية) وانهاء النزاع، وهذا الاتفاق عرف باسم "اتفاق سويسرا" نسبة للدولة السويسرية التي شجعت الحوار من بداياته ومولته.

ولا ادري إذا كان اختيار سويسرا للإعلان عن الوثيقة جاء بمحض الصدفة أم أن أصحابها اختاروا هذا المكان لخلق نوع من التوازن بين تاريخ الشرق الاوسط وحاضره ومستقبله، وليجعلوا من سويسرا منطلقا لقيام الدولة الفلسطينية كما كانت في وقت ما قبل اكثر من مئة عام منطلق دولة اسرائيل الحالية، حيث عقدت الحركة الصهيونية مؤتمرها الاول في مدينة بازل السويسرية عام ١٨٩٧.

وأياً تكن نيات بيلين وعبدربه ومعهم حكومة سويسرا، فالسؤال المركزي المطروح على الجميع هو، هل سيعمر هذا الاتفاق ويصبح حدثاً مفصلياً في سياق البحث عن السلام، ام انه لا يؤخر ولا يقدم في حل النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي؟ وهل يتحول الاتفاق الى حقائق ملموسة على الارض ام ان مصيره ليس افضل من مصير المبادرات والتفاهمات الرسمية وغير الرسمية السابقة وسيدفن في مقبرة مبادرات حل النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي بجانب المبادرات الكثيرة التي سبقته؟

على رغم ان اتفاق بيلين ــ عبدربه ليس اكثر من نموذج وليس اتفاقاً رسمياً مطروحاً للتطبيق، فقد اثار عاصفة قوية من ردود الفعل المتباينة داخل اسرائيل وفي حقل العمل السياسي الاقليمي والدولي، تراوحت بين مواقف معارضة بشدة ومواقف مؤيدة وأخرى متحفظة. وتعرض هذا الاتفاق لهجمات فلسطينية واسرائيلية تشير الى انه فرض نفسه بصيغة واخرى كمبادرة من المبادرات الكثيرة التي عرضت في بازار سياسات الشرق الاوسط. وتعرض بيلين وعبدربه نيابة عن المجموعة لهجوم شديد بلغ حد مطالبة قوى في اليمين الاسرائيلي بمحاكمة بيلين وشركائه بتهمة الخيانة العظمى. وشن شارون ووزير خارجيته سلفان شالوم هجوماً عنيفاً على الوثيقة واصحابها، وطال هجوم الخارجية ممثل الحكومة السويسرية في اسرائيل وتعرض لتوبيخ بسبب مساندة دولته الوثيقة ودعمها القائمين عليها مادياً ومعنوياً.

وبدلاً من تقديم المساندة لبيلين ومن معه واعتبار الوثيقة مكملة لبنود "خريطة الطريق" المتعلقة بالحل النهائي، ترددت مؤسسات حزب العمل في تقديم الدعم وتحفظ زعيمه شمعون بيريز على الوثيقة واصطنع تناقضاً وهمياً بينهما، وقال في باريس انه "يفضل التمسك بـالخريطة على البحث عن اتفاق جديدة" وفسر بعض الاسرائيليين موقفه على انه رسالة موجهة الى شارون تعبر عن رغبة بيريز في العودة الى وزارة الخارجية يوماً ما.

فلسطينياً، لم يكن حال عبدربه مع قومه افضل، ولم يتبنَ الوثيقة رسمياً أي طرف فلسطيني. وتبين ان مشاركة كوادر في حركة فتح والمجلس التشريعي وحزب فدا في لقاء البحر الميت لا تعني ان الجهات التي ينتمون اليها تتبنى الوثيقة وتساند اصحابها.

وبدلاً من التروي وانتظار ما ستحدثه المبادرة من ردود افعال على الساحة الاسرائيلية، تعرضت هي واصحابها لهجمات متفاوتة ساهم فيها قادة وكوادر وكتاب وصحافيون فلسطينيون، وطغى صوت المعارضين على صوت تنفيذية منظمة التحرير التي وفرت الغطاء للمجموعة وثمنت جهودها ورحبت بالنتائج واعتبرتها وثيقة غير رسمية. وعوض قراءة مدلولات رد شارون الانفعالي وهجوم اليمين الاسرائيلي على الوثيقة اصدرت المعارضة الفلسطينية مع فصائل تشارك في السلطة والمنظمة بيانات حادة شبيهة ببيانات اليمين الاسرائيلي عارضت الوثيقة بقوة وهاجمت اصحابها بعنف.

وتسرعت "القوى الوطنية والاسلامية" وأصدرت يوم ١٩/١٠/٢٠٠٣ بياناً عنيفاً ضد الوثيقة ومن وقعها تحفظ عليه حزب الشعب، حمل عنوان "نداء التمسك بالثوابت الوطنية". وتنصل قادة في "فتح" وحزب فدا من الوثيقة وقالوا إنها "تعبر فقط عن وجهة نظر من وقعوها ولا تلزم شعبنا ولا تتوافق مع ارادته ولا تصلح اساساً لحل قضيته الوطنية". واعتبرت "المفاوضات التي جرت في البحر الميت من وراء ظهر الشعب وما انتهت اليه من نتائج متمثلة بما يسمى "وثيقة سويسرا" منزلقاً خطيراً نحو أضعاف الموقف الفلسطيني والتراجع عن ثوابته والمساس بمرجعيته العليا". ولم يوضح البيان اداة القياس التي استخدمت لتحديد الثوابت الوطنية والحكم على الاتفاق، واين وكيف تم المس بالمرجعية الوطنية...! ودعت "القوى الوطنية والاسلامية" قايدة المنظمة والسلطة "الى اتخاذ موقف حاسم وواضح ازاءها". ويرجح ان تتواصل الهجمات على الوثيقة وان تثير بين فترة وأخرى زوبعة من النقاش، خصوصاً اذا التزم اصحابها بعدم التوقف عند حدود التوقيع ونجحوا في تشكيل أطر شعبية تساندها وتدافع عنها وتؤمن وصولها الى جميع بيوت الاسرائيليين والفلسطينيين.

لا شك في ان الادلاء بالرأي في الوثيقة وأية وثيقة اخرى تمس المصير الوطني حق طبيعي لجميع الفلسطينيين. ولا احد يمكنه الادعاء انها خالية من النواقص وتتضمن كل الحقوق، والكل يعرف ان أي اتفاق بين طرفين يتأثر بميزان القوى وان مهارة المفاوض وقوة الحجة لا تعوضان كل الخلل. واذا كان الاجماع على كل بنود الوثيقة لا يعبر عن حال فكرية وسياسية صحية، فإن من حق من وقع عليها ان يعامل من قومه كما المجتهد في الإسلام الذي اذا اصاب نال اجرين واذا اخطأ نال اجراً واحدا. ويحق ايضاً لمن يوافق على بنود تتعلق بحل مشكلة الامن والأرض مثلاً ان لا يوافق على الحل المتعلق باللاجئين والقدس.

الى ذلك، بديهي القول ان "وثيقة سويسرا" نموذج وليست اتفاقاً رسمياً والحكم على هذا النموذج هو مدى خدمته للقضية الوطنية في الزمن المحدد. وان المصلحة الوطنية تفرض على المفاوض الرسمي التعامل معها عند العودة لطاولة المفاوضات باعتبارها غير ملزمة وتمثل الحد الادنى وما دونه. وموافقة الجانب الاسرائيلي مثلا على اخلاء مستوطنات ارائيل وعمانويل وقدوميم وابو غنيم وبيت ايل وكريات اربع... الخ، يجب استخدامها للضغط لاخلاء مستوطنات ألفي منشه وجبعات زئيف ومعاليه ادوميم. ومن وأفق على اخلاء تجمع مستوطنات ارائيل القائم فوق اكبر احواض المياه الجوفية في الضفة ومناطق يالو وعمواس في اللطرون الأقرب الى مطار اللد ومدينة تل ابيب، يجب ان يوافق من اجل السلام العادل على الخلاء مستوطنة جبعات زئيف المجاورة لمدينة رام الله، ومستوطنة معاليه ادوميم البعيدة عن القدس والمطلة على اريحا، او نقلهما الى السيادة الفلسطينية وجعلهما نموذجاً للتعايش المشترك.

وبصرف النظر عن رأي المعارضة اعتقد ان نواقص "وثيقة سويسرا" يجب ان لا تحجب ايجابياتها الكثيرة، ومنها: اعادة الاعتبار لقوى السلام في الجانبين ولخطة السلام الفلسطينية التي ضاعت في زمن "الانتفاضة المسلحة" وزحمة العمليات الانتحارية، ووفرت من جديد مشروعاً واقعياً يمكن تكتيل قوى دولية حوله، وكسرت حدة الاستقطاب في اسرائيل القائم على الاستمرار في احتلال الشعب الفلسطيني وتصعيد العدوان ضده ونهب ارضه. واثبتت الوثيقة انه يوجد في الجانب الفلسطيني شريك في صنع السلام الحقيقي وان بإمكان الطرفين التوصل الى اتفاق حول قضايا الحل النهائي. ونسفت ادعاءات شارون بأن لا حل سياسياً للنزاع وان الفلسطينيين رفضوا في محادثات كامب ديفيد عرضاً سخياً قدمه باراك، وان عرفات واركانه يريدون تدمير اسرائيل واغراقها بمئات الوف اللاجئين.

واذا كان بعض الفلسطينيين يخشى ان تصبح الوثيقة سقفاً للموقف الفلسطيني فهي افضل صيغة تم التوصل اليها حتى الآن. وهي احسن للفلسطينيين من مبادرة كلينتون التي طرحها قبل رحيله من البيت الابيض، وتتضمن افكاراً اسرائيلية جديدة لم تطرح في كامب ديفيد وطابا، أهمها الموافقة على ازالة تجمع مستوطنات ارائيل وبسط السيادة الفلسطينية على مدينة القدس العربية واماكنها المقدسة وجعلها عاصمة الدولة الفلسطينية.

صحيح ان لا افق لتحويل هذه الوثيقة الى اتفاق رسمي في عهد شارون وطالما ظل اليمين الاسرائيلي يمسك بزمام السلطة، ولكن بإمكان الطرفين استخدامها رافعة لإنقاذ عملية السلام، ولا احد يستطيع انكار ان الاتفاق يساعد قوى السلام في اسرائيل على النزول الى الشارع ومواجهة مواقف المتطرفين. ويمكن للفلسطينيين والعرب ايضاً اعتماده قاعدة انطلاق لهجوم سلام على المجتمع الاسرائيلي وفي الساحة الدولية.

وفي جميع الحالات من الخطأ انقسام القوى الفلسطينية حول "وثيقة سويسرا"، والمصالح الوطنية العليا تفرض على الجميع التعامل معها بمقدار خدمتها للقضية والتجرد من الحساسيات السياسية والنزعات الفصائلية والمواقف المسبقة من الاشخاص الذين بلوروها. واظن انها ليست جرياً وراء اوهام وتستحق دعم ومساندة انصار السلام. وان استثمارها فلسطينياً يتطلب تأجيل الخلاف حول تفاصيلها لحين النجاح في احداث تغيير يسمح بالبحث في تنفيذها وتشكيل ائتلاف عريض من القوى والاحزاب والمنظمات غير الحكومية الفلسطينية يدافع عنها في الشارع الفلسطيني وينقلها الى ميادين العمل السياسي الاقليمية والدولية. واذا كان بيلين وشاحاك وديفيد كيمحي ومتسناع ارادوا "وثيقة سويسرا" مدخلاً لخوض معركة اسقاط شارون وحكومته، فهذه المعركة تهم الفلسطينيين وتهم انصار صنع السلام في المنطقة ايضاً، خصوصاً ان الجميع يؤكد ان لا افق للسلام في عهد شارون وان بقاءه في السلطة يجلب مزيداً من الكوارث على الشعبين.

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در شنبه بیستم فروردین 1384ساعت 0:0 قبل از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

استجابة لطلب الرئيس كلينتون، مدد باراك وعرفات اقامتهما في منتجع كامب ديفيد، واستكملا، بعد عودته من قمة الدول الثمانية الصناعية، مناقشة كافة قضايا الحل النهائي. ولم تستطع الوزيرة اولبرايت ومساعدوها، كما كان متوقعا، تحريك مواقف الطرفين من مكانها الحساس، بعد غيابه. ويمكن اعتبار الايام التي قضاها كلينتون في طوكيو بمثابة اجازة قسرية قضاها الوفدان الفلسطيني والاسرائيلي، كل على طريقته الخاصة وحسب حالته النفسية.
واذا كان التعتيم الاعلامي الامريكي الشامل حال دون التقاط صورا حية تبين كيف قضى كل من باراك وعرفات اجازته، فالقراءة الموضوعية لظروف الرجلين بعد الجولة الاولى من المفاوضات تشير الى ان عرفات استمتع بها قدر المستطاع، فالاجازة القسرية جاءت بعد معركة قاسية صمد فيها في مواجهة الضغوط الامريكية الشديدة التي تعرض لها على مدى ثمانية ايام، وهو لم يعد شعبه بأكثر من عدم تقديم تنازلات تمس المحرمات الفلسطينية. ولا يستطيع اشد معارضي عملية السلام تجاهل تصدي عرفات الناجح للابتزازات الاسرائيلية، وتكريسه حالة من الندية في المواقف الفلسطينية ـ الاسرائيلية، والتكافؤ في المفاوضات، بعكس الصورة التي تشكلت عن حالة المفاوض الفلسطيني في مفاوضات المرحلة الانتقالية. الى ذلك أكدت مفاوضات كامب ديفيد ان تساهل ابوعمار في قضايا الحل الانتقالي لا ينطبق على القضايا المصيرية. ولا يمكن انكار ان القضية الفلسطينية استعادت من بوابة كامب ديفيد موقعها الطبيعي كقضية متفجرة، وتجدد الحديث على كل المستويات ان منطقة الشرق الاوسط لن تشهد السلام والاستقرار اذا لم يتم حل هذا النزاع، واقرت جميع القوى الدولية من جديد، بأن الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي لا يزال مستمرا، وهو الاساس، وما وقع من اتفاقات بين الطرفين لا يحول دون انفجاره بصورة دموية في كل لحظة.
اما باراك فأظن انه قضى اجازته في كامب ديفيد مهموما مغموما بعد ان اكتشف خطأ تقديراته لحالة عرفات ومواقفه من قضايا الحل النهائي. وظل متوترا وسهر الليالي وهو يفكر في كيفية الخروج من المصيدة الذي اوقع نفسه فيها عندما استفز عرفات وتحداه، وضغط على الرئيس كلينتون لعقد القمة قبل استكمال التحضيرات الضرورية لنجاحها.
لقد توهم باراك ان بامكانه الانضمام الى قائمة عظماء اسرائيل من بوابة كامب ديفيد. والتوصل الى اتفاق شامل يرسّم انهاء النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، مقابل اعتراف اسرائيل بدولة فلسطينية بدون حدود، ولا تكون القدس عاصمتها، وتقوم على قرابة ٨٠% فقط من اراضي الضفة والقطاع. وتوجه الى واشنطن بعد ان تعهد لشعبه بالعودة منها دون المساس بلاءاته الخمس الشهيرة، ودون خدش اي من خطوطه الحمراء. ولم يفكر في اصطحاب بيريز او بيلين او رامون او يوسي سيريد الخبراء في الشؤون الفلسطينية حتى لا يقاسموه اكليل الغار الموهوم. لكن الرياح لم تجري كما اشتهاها باراك، وتحركت السفينة الفلسطينية في كامب ديفيد في اتجاه معاكس لتقديرات مستشاريه للشؤون الفلسطينية. وأظن ان ابوعمار كرر مع ذاته، مقولته الشهيرة، "هبت رياح الجنة" التي يقولها عادة بعد اطلاقه اللاء الحقيقية، وتبنى مواقف بشأن القدس واللاجئين والحدود تتعارض مع ورقة يوسي بيلن التي لخصها بعد حواراته الخاصة مع ابومازن، وايضا، غير التي استخلصها الوزير شلومو بن عامي والمحامي جلعاد شير من لقاءاتهم مع ابوعلاء وباقي الاطقم الفلسطينية المشاركة في مفاوضات الحل النهائي.
لاشك في ان مفاوضات كامب ديفيد بلغت، مع بدأ جولتها الثانية، مرحلة شديدة الحساسية، ويصعب تصور استمرارها اكثر من اسبوع آخر، او انفضاضها بعد اكثر من اسبوعين دون اتفاق ما ينقذ القمة من الفشل، خصوصا وان للرئيس كلينتون مصالح مباشرة في تواصل المفاوضات، ووصولها الى اتفاق قبل رحيله من البيت الابيض. وفشلها يظهرعجز القطب الاوحد في السيطرة على الصراعات الدولية ومعالجتها، وقد يلحق اذى كبيرا بتطلعات الحزب الديمقراطي بالفوز بانتخابات الرئاسة وطموحات هيلري بالفوز بمقعد مجلس الشيوخ. وبصرف النظر عن تصريحات الاطراف الثلاثة حول مبررات التمديد فالمؤكد ان رئيس اللجنة التنفيذية وافق، مكرها، على تمديدها، مثلما كانت موافقته على المشاركة فيها، ومثلما صبر على العنجهية الاسرائيلية التي ظهرت بابشع صورها، وتحمل على مضض منع الادارة الامريكية اعضاء اللجنة التنفيذية من اللقاء به والتواجد بجانبه. وبامكانه العودة الى شعبه بدون اتفاق، وعودته دون تنازل عن الحقوق الفلسطينية يعتبر انتصارا، ولا احد، بما في ذلك المعارضة، يطالبه في ظل الظروف المحيطة بالقمة وموازين القوى السائدة، بأكثر ذلك.
أما باراك فهو خير العارفين ان عودته الى اسرائيل دون اتفاق يعني بداية نهاية حياته السياسية. فالمعارضة لن تغفر له مساسه في كامب ديفيد بالمحرمات الاسرائيلية. وفشله مع الفلسطينيين بعد فشله مع السوريين، يؤكد، للاغلبية التي انتخبته باعتباره رجل الامن القادر على صنع السلام، عجزه عن ترجمة برنامجه الانتخابي وترجمة توجهات حزب العمل نحو صنع السلام مع العرب، وقد يدفع اعدادا مهمة من كوادر حزب العمل، وقطاعا واسعا من ناخبيه، وخصوصا انصار السلام، الى الانفضاض من حوله.
وما تسرب من أنباء يفيد بان لاءآت بارك الخمس تحولت كلها عبر المفاوضات الى "لعمات"، وان خطوطه الحمراء تحركت مثل اشارات المرور الضوئية، وتغير لونها وبات اقرب الى اللون الاصفر. صحيح انه لايزال يتمسك بمدينة القدس موحدة وعاصمة ابدية لاسرائيل، ويرفض العودة الى حدود ما قبل ٥ حزيران ١٩٦٧، ويرفض الاعتراف بمسئولية اسرائيل عن النكبة التي حلت باللاجئين عام ١٩٤٧-١٩٤٨ويرفض الاقرار بحقهم في العودة الى ارضهم حسب قرار الامم المتحدة رقم ١٩٤، ويصر على بقاء المستوطنات، ويرفض وجود جيش اجنبي غربي نهر الاردن..الخ، لكن الصحيح ايضا، انه تنازل بعد اسبوع واحد من المفاوضات عن السيادة الاسرائيلية الكاملة والمطلقة على المدينة المقدسة، ووافق على وجود سيادة فلسطينية كاملة على بعض احيائها، وبناء سيادة مشتركة في اجزاء اخرى، واقر بتحمل اسرائيل مع آخرين المسئولية عن نكبة اللاجئين وتشريدهم وقبل عودة بعضهم الى ارضهم التي صار اسمها اسرائيل، ووافق على قيام دولة فلسطينية مستقلة على ما يزيد عن ٩٥% من الاراضي الفلسطينية التي احتلت في العام ١٩٦٧، وعلى تسليم حدود قطاع غزة مع مصر للدولة الفلسطينية، ويدور نقاش تفصيلي حول استئجار قواعد عسكرية محدودة المساحة ولفترة زمنية محددة، في الاغوار ومرتفعات رام الله والخليل، وايضا، حول وجود طرف ثالث يتولى مراقبة المعابر والحدود مع الاردن، وسلم باخلاء عدد كبير من المستوطنات وابقاء آلاف من المستوطنين تحت السيادة الفلسطينية اذا قبلو بذلك.
الى ذلك بينت الجولة الاولى من مفاوضات كامب ديفيد وموافقة باراك على تمديدها، ان مصالحه الخاصة والعامة ومجريات المفاوضات قادرة على اجباره على خفض سقف توقعاته. وكل ما يتمناه هي العودة الى اسرائيل باتفاق ينقذ مستقبله السياسي ويحفظ ماء وجهه في مواجهة انصاره وخصومه، ويساعده في لملمة اوضاع ائتلافه الحزبي الذي بناه في اطار "اسرائيل واحدة"، ويسهل له اعادة تشكيل حكومته التي فرط عقدها قبل ذهابه الى كامب ديفيد.
واذا كانت خطوط ولاءات باراك انتقلت بعد اسبوع واحد فقط من المفاوضات من اللون الاحمر الى الاصفر، فبمزيد من الصمود الفلسطيني والدعم العربي والاسلامي للحقوق الفلسطينية، التي يتمسك بها مفاوضوه، يمكن ان تتحول لاءات باراك في هذه القمة او بعدها من الاصفر الى الاخضر، لاسيما وان مفعول الاسباب التي دفعته لقبول تمديد اقامته يزداد أكثر كلما تأخر أكثر. ومفيد تذكير الجميع ان كثير من اللآت الاسرائيلية القديمة المتعلقة بالاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وبالانسحاب من اراضي الضفة والقطاع التي احتلت عام ١٩٦٧، وبقيام دولة فلسطينية غرب نهر الاردن..الخ تبدلت وتغيرت في١٠ سنوات عدة مرات، وبخاصة بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في العام ١٩٩١.
واذا كان الرئيس كلينتون فشل في الجولة الاولى في ثني ابوعمار عن التمسك بقرارات الشرعية الدولية، فاظنه لن ينجح في الثانية، خصوصا وان ابوعمار استوعب موجة الضغط االامريكية ـ الاسرائيلية الاولى، وهي الاقوى والاعنف، ومن صمد اكثر من اسبوعين بامكانه الصمود بضع ايام اخر. واعتقد ان ابو عمار لن يقبل انهاء النزاع قبل حل قضايا القدس واللاجئين، والانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧، بصورة ترضي شعبه في الداخل والخارج. واذا كان لا مصلحة لاي من الاطراف الثلاثة في فشل القمة، فالبحث عن حل نهائي شامل كامل مضيعة للوقت، واقصى ما يمكن تحقيقه في هذه القمة هو التوصل الى "اتفاق اطار" يجمل ما تم الاتفاق عليه في كل القضايا، ويسهل قيام الدولة الفلسطينية، ويؤكد عزم الطرفين على متابعة المفاوضات، وستكون المفاوضات بدء من اواخر هذا العام بين الدولة الفلسطينية والدولة العبرية. وفي كل الاحوال سيشتد الصراع داخل المجتمع الاسرائيلي، وسيسجل التاريخ ان النظام السياسي العربي والاسلامي بشقيه الرسمي والشعبي تقاعس عن مساندة الفلسطينيين ابان خوضهم معركة الدفاع عن اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:55 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

الخلاف في الصفين الفلسطيني والعربي حول اتفاق طابا امر طبيعي، وتعبيرعن ظاهرة صحية تماما، فالاتفاق في حال تنفيذه، يقررعمليا على المدى المتوسط والبعيد، مصير الافكار التوسعية للاحزاب اليمينية الاسرائيلية، ويرسي ارضية يتقرر عليها مستقبل جيل كامل من الفلسطينيين. ويرسم معالم العلاقة الفلسطينية الاسرائيلية لعشر سنوات قادمة على اقل تقدير. ويؤثر بصورة واسعة على العلاقات الفلسطينية العربية، والعربية الاسرائيلية. وذات الشيء يمكن انطباقه على الجانب الاسرائيلي. صحيح أن هذا الاتفاق ولد بعد مخاض مؤلم وعسير، وجاء متأخرا ١٤ شهرا عن موعده المقرر في اتفاق اوسلو، وان الليكود وبقية الاحزاب اليمينية الاسرائيلية يهددوه بالقتل والاغتيال. وان في الساحتين الفلسطينية والعربية قوى كثيرة تتمنى له الوفاه اليوم قبل الغد، ولكن يفترض ان لا يكون هناك خلاف في صفوف المفكرين الفلسطينيين والعرب ان موازين القوى والاوضاع الاقليمية والدولية السائدة قادرة على حمايته من الان ولفترة طويلة لاحقة. وتفرض على جميع الاطراف الفلسطينية والعربية عدم الوقوع في الأوهام، وعدم المبالغة في القدرات الذاتية، وخاصة تلك الهادفة الى اسقاطة.
وقبل الدخول في بحث انعكاساته المباشرة على وضع الشعب الفلسطيني لابد من القول ان رصد كل النتائج والاثار التي سيتركها هذا الاتفاق على الوضعين الفلسطيني والاسرائيلي عملية ليست هينة. فهو لم يبلغ من العمر سوى أيام، وتقييم الكائنات الحية يبقى ناقصاً ومجزوءاً اذا لم يتابعها طيلة مراحل حياتها. ولا أعتقد أن هناك مصلحة لاي من الاطراف الفلسطينية في تجميل هذا الاتفاق، وفي اخفاء عيوبه ونواقصه وأخطاره على الارض الفلسطينية، وعلى حياة الناس في الضفة والقطاع. فأشد المتحمسين له بمن في ذلك المفاوضين الفلسطينيين يعرفون انه خطوة على طريق طويلة ومعقدة جدا، ولا يستطيعون انكار أنه دون الطموحات الفلسطينية، وأنه جزء ومرحل الحقوق الفلسطينية التي نص عليها اتفاق اوسلو، واحال بعضها الى المفاوضات اللاحقة. وبخاصة ما يتعلق بالانسحاب من المناطق المأهولة بالسكان، وبالسيطرة على الارض والمياة. وبالممر الآمن بين الضفة والقطاع، وأن النوايا الاسرائيلية السيئة التي اظهرتها التجربة،وأكدها الاتفاق وما تلاه من تلاعب ومماطلات في تنفيذه، قد تجعل من مدن الضفة الغربية جزرا معزولة عن بعضها البعض، وقد تعقد العلاقة اليومية التجارية والاجتماعية بينها وبين التجمعات السكانية في الارياف. وقد تقود الى الفصل اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا بين الضفة وقطاع غزة. وليس عسيرا على كل من يريد البحث عن سلبيات اتفاق طابا ان يضيف الكثير على ما ذكر اعلاه. ولكن اعتقد ان وصفه بالكارثة على الفلسطينيين فيه الكثير من التسرع والانفعال، ومن تطويع الحقائق، وفيه خروج عن الموضوعية في التقييم. لقد رفضت الاحزاب اليمينية الاسرائيلية الاتفاق واقسمت على مقاومة تنفيذه واعتبرت يوم توقيعه يوم أسود في تاريخ اسرائيل وتاريخ كل الشعب اليهودي. ووصفه نتنياهو زعيم الليكود وباقي قادة احزاب اليمين، بانه كارثة على اسرائيل وكل يهود العالم، فهل هذا الموقف من الاتفاق لا يعني شيئا للمفكرين الفلسطينيين؟
وبغض النظر عن الجواب، أعتقد أن ألد أعداء الاتفاق لا يستطيعون تلبيسه تهمة اغلاق الطريق أمام الشعب الفلسطيني لمتابعة الصراع من أجل تحقيق حقوقه الكثيرة المغتصبة. لقد وافق الفلسطينيون منذ البداية على مرحلة اهدافهم المرحلية، وقبلوا تاجيل بحث القضايا الرئيسية الى مفاوضات الحل النهائي التي يفترض ان تبدأ في ايار القادم، وفي حينه لم يكن هناك خلاف على هذا التوجه. والاتفاق الجديد اضاف قضايا جديدة للقضايا المؤجلة، فما لم يستطع المفاوض الفلسطيني انتزاعه أجله مكرها، وأحاله للمفاوضات اللاحقة. ويجب الاعتراف ان هذا التأجيل فيه خضوع للابتزاز الاسرائيلي، وفيه هضم للحقوق. وبالمقابل يجب انصاف الحقيقة والاعتراف ايضا ان تأجيل بحث هذه المسائل لا يعني ضياعها. واذا كان للجانب الاسرائيلي تفسيرا خاصا لها كلها فللفلسطينيين تفسيرهم ايضا. ولصنع السلام الحقيقي القابل للحياة استحقاقاته، وبدونها دفعها مقدما او متاخرة يتحول الى نوع من الهدنة او التسوية المؤقتة. والقيادة الاسرائيلية، وراعيي المفاوضات، وكل القوى الدولية الطامحة الى صنع استقرار دائم في المنطقة، يعرفون ان الوصول الى هذا الهدف يتطلب ليس اعطاء الجانب الفلسطيني حقوقه التي عجز عن أخذها في اتفاق طابا فحسب، بل وايضا انسحاب القوات الاسرائيلية انسحابا كاملا ونهائيا من كل الاراضي الفلسطينية والعربية التي احتلت عام ١٩٦٧، واعطاء الشعب الفلسطيني كامل حقوقه الوطنية المشروعة وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره، وحل مشكلة اللاجئين، والاعتذار له عن الظلم التاريخي الذي لحق به على مدى ما يقارب نصف قرن من الزمن فعدم حل مشكلة اللاجئين مثلا على مدى ٤٥عاما لم يضيع حقوقهم، بل خلق حالة من عدم الاستقرار في كل المنطقة.
واظن ان تقطيع اوصال الضفة الغربية وتحويلها الى (بانتوستانات)، وفصل غزة عن الضفة الغربية، وعدم اطلاق سراح كل المعتقلين، والابقاء على المستوطنيين في قلب مدينة الخليل يبقى على حالة التوتر بين الشعبين قائمة، ويحول الاتفاق الى ترتيبات مؤقته. وهذه الترتيبات تحسن جزئيا من وضع الفلسطينيين فوق ارضهم، اذا احسن الفلسطينيون استثمار ما يعطيه الاتفاق لهم. وتحسن موقع قضيتهم في إطار المساعي الهادفة الى تسوية الصراع العربي الاسرائيلي وخلق الاستقرار في المنطقة، وتقوي اوراقهم التفاوضية في المفاوضات اللاحقة سواء تلك المتعلقة بتنفيذ الاتفاق او المتعلقة بالمرحلة النهائية وذلك للاعتبارات التالية :
١) الاتفاق في حال تنفيذه يحرر (بعد ٢٨ عاما) جزء عزيزا من الاراض الفلسطينية (٠٣٠%) التي احتلت في عام ١٩٦٧. صحيح ان هذا الجزء صغير، وتحريره ليس كاملا، ولكن الصحيح ايضا ان تحرير جزء قليل افضل من بقاء الكل تحت الاحتلال، وان نصف التحرير أو ربعه افضل من عدمه، وان تراكم مثل هذه الخطوات الجزئية وغير الكاملة، تخلق وقائع جديد تقرب الفلسطينيين من تحرير كامل اراضي الضفة والقطاع. واظنها كفيلة بمنع جيش الاحتلال من العودة الى شوارع المدن والبلدات التي سوف يرحل عنها. ولعل من المفيد تذكير كل الذين يصرون على رؤية فقط النصف الفارغ من الكأس، ان لا ينسوا ان رفضهم لهذا الاتفاق ودعوتهم الى اسقاطه تتضمن من الناحية العملية بقاء هذا الجزء من الارض الفلسطينية تحت السيطرة المطلقة للاحتلال.
٢) بتنفيذ الاتفاق يتحرر ما يزيد عن مليون فلسطيني من الاضهاد والاذلال والارهاب الذي مارسه الاحتلال ضدهم على مدى ٢٨عاما. ومع استكمال التنفيذ سوف تنتقل أوضاع سكان الضفة الغربية الى حالة جديدة، وحياة أفضل، لا يمكن اطلاقا مقارنتها باوضاعهم في ظل الاحتلال. واظن أن تحرير بضع الاف من المناضلين المعتقلين، وعودة بضعة الاف اخرى باسم الشرطة خير من بقائهم في سجون الاحتلال او خارج الوطن. ولا يجوز التقليل من تأثير مثل هذه الخطوات الجزئية على حياة الناس وعلى علاقاتهم الانسانية، وعلى أوضاعهم المعنوية بما في ذلك نضالهم من أجل انتزاع بقية حقوقهم المهضومة.
٣) يعطي الاتفاق للشعب الفلسطيني حقه في انتخاب مجلس السلطة الفلسطينية، وانتخاب رئيس السلطة التنفيذية، بصورة مباشرة وبرقابة دولية. وبغض النظر عن الصلاحيات الممنوحة لهذا المجلس، ولرئيس السلطة التنفيذية الذي سيتم انتخابه، فاني عتقد ان ممارسة هذا الحق واجب على كل القوى الفلسطينية وكل ابناء الشعب الفلسطيني القادرين على الادلاء باصواتهم،. فوجود جسم قيادي فلسطيني يستمد شرعيته من جزء من الشعب الفلسطيني (مليونين ونصف) يعطي للقضية الفلسطينية بعدا دوليا جديدا، ويفرض على اسرائيل نمطا جديدا من التعامل مع السلطة الفلسطينية ومع الاتفاقات التي توقعها معها. وانتخاب قيادة للشعب الفلسطيني خير الف مرة من الاستمرار في اعتماد قيادة استمدت شرعيتها عبر النضال وعبر تقادم الزمن على وجودها في مواقهعا القيادية. وأظن ان الاعتماد على التاريخ في تثبيت الشرعية القيادة لم يعد مقبولا ولا كافيا بعد كل التطورات الكبيرة التي طرأت على القضية الوطنية وعلى بنية المجتمع الفلسطيني وبنية الحركة الوطنية الفلسطينية. والانتخابات هي الوسيلة الديمقراطية الوحيدة القادرة على تحديد موقف الشعب من كل القضايا السياسية والتنظيمية المختلف حولها في الساحة الفلسطينية، بما في ذلك الموقف من المفاوضات ومن الاتفاقات التي تم التوصل لها. ان رفض المشاركة في الانتخابات (اذا تمت) يعني رفض لتعزيزالديمقراطية في الساحة الفلسطينية، واصرار على بقاء التركيبة القيادية الفلسطينية على ما هي علية الان. ان نضالا شاقا مع الذات يجب ان يبذل من اجل فرض اجراء الانتخابات، باسرع وقت ممكن، لاسيما وان هناك من يدعو لها بلسانه لكنه يتمنى من كل قلبه ان لا تتم، لانه يخشى نتائجها لانها سوف تعطي لكل ذي وزن في صفوف الشعب حجمه ووزنه.
٤) لا يستطيع أشد المعارضين لاتفاق طابا تجاهل أنه هز الفكر الصهيوني المتطرف، الذي يتعامل مع اراضي الضفة الغربية باعتبارها أرض الميعاد ويسميها يهودا والسامرا، ودفعها باتجاه التحول الى احلام. وجعل مصير المستوطنيين والمستوطنات قضية صراعية بين الاحزاب اليمينية وبين الائتلاف الحاكم،. وتعرف القيادات الاسرائيلية يمينها ويسارها ان تنفيذ اتفاق طابا وتفاعلاته اللاحقة، سوف يفرض آجلا او عاجلاعلى اسرائيل رسم حدودها الدولية مع جيرانها بما في ذلك الكيان الفلسطيني المجاور لها. وأن تنفيذ هذا الاتفاق سوف يفرض أمرا واقعا يقود مع الزمن الى التخلي عن فكرة اسرائيل الكبرى، وانتهاء العقلية التوسعية التي تحكمت في السياسة الاسرائيلية منذ قيامها وحتى الان. ولعل هذا الادراك هو الذي يفسرحالة الهستيريا التي يعيشها الان المستوطنون وكل الاحزاب اليمنية الاسرائيلية.
ومن البديهي القول أن كل هذه التحسينات على وضع الشعب والقضية قابلة للزيادة، كما هي قابل للمراوحة في ذات المكان وحتى للنقصان. والزيادة أو المراوحة في المكان أو النقصان لم تعد مروهنة فقط بالعوامل الدولية والاقليمية الخارجية فقط، وإنما اصبح الأساس فيها هو مدى قدرة الفلسطينيين على النجاح في بناء كيانهم وتعزيز ثقة الشعب به، ومدى قدرتهم على تعزيز مكانته العربية والدولية. فهل سيجتاز الفلسطينيون الامتحان بنجاح؟ الجميع يراقب وينتظر.والجواب سيأتي من مدن الضفة الغربية. وتخطئ السلطة الفلسطينية وكل الاتجاه الفلسطيني الواقعي ان هم اشاعوا بعد العبور الى جنين ونابلس وطولكرم وقلقيلية ورام الله والخليل، او تصرفوا وكأن السلام قد تحقق، واذا تراخوا في ملاحقة الحقوق التي نص عليها اتفاق اوسلو ولم يستطيعوا تثبيتها، او أغمضوا عيونهم عن متابعة تحصيل حقوقهم التي انتزعوها في طابا. فخلق مثل هذه الاجواء سيؤدي الى حالة احباط في صفوف الشعب الفلسطيني، ويقود الى تعطيل وتأخير تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الجديد، وتبديد بعض الحقوق ، وتاخيرالدخول في مفاوضات جادة حول قضيا الحل النهائي.لاسيما وان تجربة عامين من عمر افاق اوسلو اكدت ان ليس كل ما يوقعه الاسرائيليون مع الفلسطينيين ينفذ بدقة وامانه.واكدت ايضا ان الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية دفعت ثمنا غاليا، نتيجة هيمنة النزعات الارادية، وبسبب سياسية كل شيء او لاشيء.

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:53 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

من الآن ولفترة طويلة لاحقة سيبقى اتفاق طابا موضع جدل ونقاش في الأوساط السياسية الفلسطينية والعربية. وانطلاقاً من المقولة السياسية القائلة بأن الأمور تقاس بنتائجها وبمدى تأثيرها على تحقيق الهدف الأساسي، فإن رصد كل النتائج والاثار التي سيتركها هذا الاتفاق على الوضعين الفلسطيني والاسرائيلي عملية ليست هينة. فالاتفاق لم يبلغ من العمر سوى أيام، وتقييم الكائنات الحية يبقى ناقصاً ومجزوءاً اذا لم يتابعها طيلة مراحل حياتها. صحيح أن هذا الاتفاق ولد بعد مخاض مؤلم وعسير، وان الليكود وبقية الاحزاب اليمينية يهددونه بالقتل والاغتيال، وان في الساحتين الفلسطينية والعربية قوى كثيرة تتمنى له الوفاه اليوم قبل الغد، لكن الثابت، لكل من يريد ان يرى الحقيقة، أن هذا الاتفاق ولد في ظل مناخ اقليمي ودولي يساعده على البقاء على قيد الحياة. واعتقد أن الأوضاع الاقليمية والدولية القائمة الآن والمرئية لفترة طويلة لاحقة قادرة على حمايته، وان توفر النوايا الصادقة، وتطبيقه بامانة تمكنه من النمو بتسارع شديد، ومن فرض ذاته على الارض، ومن احداث تغييرات نوعية في حياة الفلسطينيين والاسرائيليين. وهو على كل حال الابن الثاني لاتفاق اوسلو (الاول بروتوكوات القاهرة) وكلهم نتاج موازين قوى دولية واقليمية ومحلية فلسطينية واسرائيلية. ولن يعود اتفاق طابا بعد التوقيع عليه في حديقة البيت الابيض يوم ٢٨/٩/١٩٩٥ملكاً خاصاً لمن صاغوه أو من وسيوقعوه، وأظنه لن يكون بعد هذا التاريخ ملكاً لا للاسرائيليين ولا للفلسطينيين، بل سيصبح ملكاً للمجتمع الدولي وللقوى الدولية الكبرى، مثله مثل اتفاق اوسلو، كل الاتفاقات الدولية الكبرى .
وبغض النظر عن الموقف الرافضة أو المؤيد له أو المتحفظة عليه، لعل من مصلحة الجميع عدم الوقوع في الأوهام وعدم المبالغة في القدرات الذاتية، وخاصة تلك الهادفة الى قتله. ومن البديهي القول ايضا ان الوصول الى اتفاق طابا، لايعني ان السلام الشامل العادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين قد تحقق، او ان المفاوضات اللاحقة مضمونة النجاح. فالاتفاق خطوة هامة على طريق طويلة ومعقدة جدا. وتخطئ السلطة الفلسطينية وكل الاتجاه الفلسطيني الواقعي ان هم اشاعوا بعد العبور الى جنين ونابلس وطولكرم وقلقيلية ورام الله والخليل، او تصرفوا وكأن السلام قد تحقق، واذا تراخوا في ملاحقة الحقوق التي نص عليها اتفاق اوسلو ولم يستطيعوا تثبيتها، او أغمضوا عيونهم عن متابعة تحصيل حقوقهم التي انتزعوها في طابا. فخلق مثل هذه الاجواء سيؤدي الى حالة احباط في صفوف الشعب الفلسطيني، ويقود الى تعطيل وتأخير تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الجديد، وتبديد بعض الحقوق ، وتاخيرالدخول في مفاوضات جادة حول قضيا الحل النهائي.لاسيما وان تجربة عامين من عمر افاق اوسلو اكدت ان ليس كل ما يوقعه الاسرائيليون مع الفلسطينيين ينفذ بدقة وامانه.
وبما أن اتفاق طابا هو اتفاق مرحلي وليس معاهدة سلام، وعدد صفحاته وملاحقه تتجاوز ال٣٠٠ صفحة فأظن ان قراءته بالجملة هوالاسلوب الأنسب للتحري عما سيعطيه للفلسطينيين، والتعرف ما اذا كان يقربهم من الهدف الذي حددوه لأنفسهم عند دخولهم المفاوضات، ام انه ابعدهم عنها؟ وفي هذا السياق يمكن رصد التالي:
أولاً - القراءة الهادئة والموضوعية للاتفاق تؤكد ان الجانب الفلسطيني لم يتمكن تضمين اتفاق طابا كل النصوص والصياغات التي كان يريدها، وذات الشيء ينطبق بصورة اقل على الجانب الاسرائيلي. فالوارد فيه هو القاسم المشترك الذي أمكن التوصل له بين طرفين احدهما قوي والاخر ضعيف. والاتفاق لا يتضمن أي نص يقطع الطريق أمام الشعب الفلسطيني لمتابعة الصراع من أجل تحقيق حقوقه الكثيرة المغتصبة. فما لم يستطع انتزاعه من حقوقه في السيطرة والسيادة على الارض، والمياه، والحرم الابراهيمي الشريف، وفي اخلاء الخليل من المستوطنيين، وفي اطلاق سراح كل المعتقلين الفلسطينيين، أجله مكرها، وأحاله للمفاوضات اللاحقة. لاشك ان هذا التأجيل فيه خضوع للابتزاز الاسرائيلي، وفيه هضم للحقوق، الا ان انصاف الحقيقة يفرض القول ان تأجيل بحث هذه الأمور لا يعني ضياعها كما هو الحال مع القضايا الكبرى التي احيلت في اتفاق اوسلو الى مفاوضات المرحلة النهائية المقدر لها ان تبدأ في الرابع من ايار القادم. وان الاتفاق بنصوصة وتفاعلاته اللاحقة يحسن من وضع الفلسطينيين فوق ارضهم ، ويقوي اوراقهم التفاوضية في المفاوضات اللاحقة. واذا كان للجانب الاسرائيلي تفسيره الخاص للأراضي، والحدود، والقدس، ووضع المستوطنات،والمياه..الخ فللفلسطينيين تفسيرهم. ولصنع السلام الحقيقي القابل للحياة استحقاقاته ايضا، وبدونها دفعها يتحول الى نوع من الهدنة او التسوية المؤقتة.
ثانيا/ اعتقد ان اشد المتحمسين لهذا الاتفاق بمن في ذلك المفاوضين الفلسطينيين لا ينكرون ان الاتفاق دون الطموحات الفلسطينية، وانه يتضمن الكثير من الاخطار والنواقص، وبالمقابل فان موضوعية التقييم تفرض الاقرار بأن الامنيات والرغبات الذاتية شيء وامكانية تحقيقها الان أو غدا شيء آخر. والتجربة العملية اكدت ان الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية دفعت ثمنا غاليا، نتيجة هيمنة النزعات الارادية وغياب الواقعية في الفكر السياسي العربي، وبسبب سياسية كل شيء او لاشيء. موضوعيا الاتفاق سوف يحرر بعد ٢٨ عاما جزء (٠٣٠%) عزيزا من الاراض الفلسطينية التي احتلت في عام ١٩٦٧. صحيح ان هذا الجزء صغير، وتحريره ليس كاملا، ولكن الصحيح ايضا ان تحرير جزء قليل افضل من بقاء الكل تحت الاحتلال، وان نصف التحرير أو ربعه افضل من عدمه، وان تراكم مثل هذه الخطوات الجزئية وغير الكاملة، تخلق وقائع جديد تقرب الفلسطينيين من تحرير كامل اراضي الضفة والقطاع. واظنها كفيلة بمنع جيش الاحتلال من العودة الى شوارع المدن والبلدات التي سوف يرحل عنها. ولعل من المفيد تذكير كل الذين يصرون على رؤية النصف الفارغ من الكأس، ان لا ينسوا ان رفضهم لهذا الاتفاق ودعوتهم الى اسقاطه تتضمن من الناحية العملية بقاء هذا الجزء من الارض الفلسطينية تحت السيطرة المطلقة للاحتلال.
ثالثا/ لاشك ان اتفاق طابا سوف يحرر ايضا ما يزيد عن مليون فلسطيني من الاضهاد والاذلال والارهاب الذي مارسه الاحتلال ضدهم على مدى ٢٨عاما. ومع استكمال التنفيذ سوف تنتقل أوضاع سكان الضفة الغربية الى حالة جديدة، وحياة أفضل، لا يمكن اطلاقا مقارنتها باوضاعهم في ظل الاحتلال، بدءا من ابسط الامور كحرية الحركة وانتهاء بالامور الاساسية الاخرى. ويخلق لاول مرة فرصة تاريخية لبناء الكيان الفلسطيني الموحد، واظن أن تحرير بضع الاف من المناضلين المعتقلين، وعودة بضعة الاف اخرى باسم الشرطة خير من بقائهم في سجون الاحتلال او خارج الوطن. ولا يجوز التقليل من تأثير مثل هذه الخطوات الجزئية على حياة الناس وعلى علاقاتهم الانسانية، وعلى أوضاعهم المعنوية بما في ذلك نضالهم من أجل انتزاع بقية حقوقهم المهضومة.
رابعا/ يعطي الاتفاق للشعب الفلسطيني حقه في انتخاب مجلس السلطة الفلسطينية، وانتخاب رئيس السلطة التنفيذية، بصورة مباشرة وبرقابة دولية. اعتقد ان ممارسة هذا الحق واجب على كل القوى الفلسطينية وكل ابناء الشعب الفلسطيني القادرين على الادلاء باصواتهم، بغض النظر عن الصلاحيات الممنوحة لهذا المجلس ولرئيس السلطة التنفيذية. فوجود جسم قيادي فلسطيني يستمد شرعيته من جزء من الشعب الفلسطيني (مليونين ونصف) يعطي للقضية الفلسطينية بعدا دوليا جديدا، ويفرض على اسرائيل نمطا جديدا من التعامل مع السلطة الفلسطينية ومع الاتفاقات التي توقعها معها. وانتخاب قيادة للشعب الفلسطيني خير الف مرة من الاستمرار في اعتماد قيادة استمدت شرعيتها عبر النضال وعبر تقادم الزمن على وجودها في مواقهعا القيادية. وأظن ان الاعتماد على التاريخ في تثبيت الشرعية القيادة لم يعد مقبولا ولا كافيا، بعد كل التطورات الكبيرة التي طرأت على القضية الوطنية وعلى بنية المجتمع الفلسطيني، وبنية م.ت.ف. وفصائل الحركة الوطنية الفلسطينية. والانتخابات هي الوسيلة الديمقراطية الوحيدة القادرة على تحديد موقف الشعب من كل القضايا السياسية والتنظيمية المختلف حولها في الساحة الفلسطينية، بما في ذلك الموقف من المفاوضات ومن الاتفاقات التي تم التوصل لها. ان رفض المشاركة في الانتخابات (اذا تمت) يعني رفض لتعزيزالديمقراطية في الساحة الفلسطينية، واصرار على بقاءالتركيبة القيادية الفلسطينية على ما هي علية الان. اعتقد ان نضالا شاقا مع الذات يجب ان يبذل من اجل فرض اجراء الانتخابات، لاسيما وان هناك من يدعو لها بلسانه لكنه يتمنى من كل قلبه ان لا تتم، لانه يخشى نتائجها لانها سوف تعطي لكل ذي وزن في صفوف الشعب حجمه ووزنه.
خامسا/ لا يستطيع أشد المعارضين لاتفاق طابا تجاهل أنه هز أركان الفكر الصهيوني المتطرف، الذي يتعامل مع اراضي الضفة الغربية باعتبارها أرض الميعاد ويسميها يهودا والسامرا. وجعل مصير اراضي الضفة الغربية، ومصير المستوطنيين والمستوطنات، قضية صراعية من الطراز الاول بين الاحزاب اليمينية وبين الائتلاف الحاكم، بعدما كان قضية صراعية بين العرب والاسرائيليين فقط. وتعرف القيادات الاسرائيلية يمينها ويسارها ان تنفيذ اتفاق طابا وتفاعلاته اللاحقة، سوف يفرض آجلا او عاجلاعلى اسرائيل رسم حدودها الدولية مع جيرانها بما في ذلك الكيان الفلسطيني المجاور لها. وأن تنفيذ هذا الاتفاق سوف يفرض أمرا واقعا يقود مع الزمن الى التخلي عن فكرة اسرائيل الكبرى، وانتهاء العقلية التوسعية التي تحكمت في السياسة الاسرائيلية منذ قيامها وحتى الان. ولعل هذا الادراك هو الذي يفسر حالة الهستيريا التي يعيشها الان المستوطنون وكل الاحزاب اليمنية الاسرائيلية.
بعد هذا العرض والتقييم الاجمالي لاتفاق طابا يجدر القول أن ما تحقق يمكنه تحسين موقع القضية الفلسطينية في إطار الصراع الجاري، اذا احسن الفلسطينيون استثمار ما يعطيه الاتفاق لهم. ومن البديهي القول أن كل ذلك قابل للزيادة، كما هو قابل للمراوحة في ذات المكان وحتى للنقصان. والزيادة أو المراوحة أو النقصان لم تعد رهن بالعوامل الدولية والاقليمية الخارجية فقط، وإنما الأساس فيها، هو مدى قدرة الفلسطينيين على النجاح في بناء كيانهم وتعزيز ثقة الشعب به، ومدى قدرتهم على تعزيز مكانته العربية والدولية. والنجاح متوفر وممكن شرط وضع المصالح الوطنية العليا فوق كل الاعتبارات الأخرى، والالتزام بالديمقراطية كأساس لمعالجة الخلافات، وإحداث نقلة نوعية وتغيير جذري في أساليب العمل وفي الأدوات.. فهل سيجتاز الفلسطينيون الامتحان بنجاح؟ الجميع يراقب وينتظر..والجواب قادم من مدن الضفة الغربية.
والقيادة الاسرائيلية، وراعيي المفاوضات وكل القوى الدولية الطامحة الى صنع استقرار وسلام عادل وشامل ودائم في المنطقة، يعرفون ان الوصول الى هذا الهدف الانساني النبيل يتطلب ليس فقط اعطاء الجانب الفلسطيني حقوقه التي عجز عن أخذها في اتفاق طابا، بل وايضا انسحاب القوات الاسرائيلية انسحابا كاملا ونهائيا من كل الاراضي الفلسطينية والعربية التي احتلت عام ١٩٦٧، واعطاء الشعب الفلسطيني كامل حقوقه الوطنية المشروعة وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره، وحل مشكلة اللاجئين، والاعتذار له عن الظلم التاريخي الذي لحق به على مدى ما يقارب نصف قرن من الزمن.

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:52 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

رغم أن اتفاق طابا، أو اوسلو ب، الذي تم توقيعه في البيت الابيض يوم ٢٨ ايلول الماضي، اتفاق مرحلي حول تنفيذ المرحلة الوسطى من اتفاق اوسلو، ورغم انه جاء متأخرا ١٤ شهرا، الا ان الاحتفال به كان مميزا عن سائر الاحتفالات باتفاقات السلام التي شاهدناها من قبل . فقد شارك فيه حشد كبير من الزعماء والوزراء، وتم تغييب الامم المتحدة عن سابق قصد واصرار. ولم تكتفى الادارة الامريكية بذلك، بل طلبت من العديد من وزراء العالم التوقيع على هذا الاتفاق، وبلغ عدد الموقعين اثني عشر وزيرا ورئيسا وملكا، (رابين، ابوعمار، الرئيس مبارك، الملك حسين، ابو مازن، بيريز، كريستوفر، كوزرييف، رئيس الوزراء الاسباني (غونزالس)، ووزير خارجية النرويج، ووزير الخارجية اليابانية).ومنعت الامم المتحدة من الحضور ومن التوقيع على الاتفاق.
أعتقد أنني لا أتجنى على أحد اذا قلت أن جميع من وقعوه بما في ذلك الفلسطينيون والاسرائيليون لم يقرأوه.. فصفحات الاتفاق تزيد على ٤٠٠ صفحة، وملحق به خرائط مدن وشوارع بالكاد يعرفها ابناء الضفة الغربية والمستوطنون. لقد أثار توقيع الاثني عشر زعيما اسئلة عديدة، منها: لماذا هذا الحشد من التواقيع على هذا الاتفاق المرحلي الجزئي؟ هل لتعزيز مواقع رابين في مواجهة اليمين الاسرائيلي؟ أم لتعزيز مواقع كلينتون المتدهورة في الانتخابات الامريكية القادمة؟ أم مكافأة دولية لأهل الاتفاق؟ أم أنه بسبب الشكوك في التزام رابين وابو عمار بتنفيذ ما وقعا عليه؟. واذا كان أي من الاطراف التي شاركت في التوقيع لم يفسر لنا هذا السر حتى الآن، فمن باب الاجتهاد يمكن القول أن الدافع لحشد هذا العدد من الموقعين هو مزيج مما تحمله الاسئلة المطروحة، وأن الاهداف الدعاوية طغت على ما عداها.
وجميع الموقعين على الاتفاق يعرفون ان استطلاعات الرأي العام الامريكي حول الانتخابات الامريكية القادمة( نوفمبر١٩٩٦) تشير الى ان الاحتفال باتفاق طابا قد يكون آخر احتفال يحضره الرئيس كلينتون. ويعرفون ايضا انه آخر اتفاق يحتفل به في عملية السلام من الان وحتى مطلع عام ١٩٩٧، حتى لو استؤنفت المفاوضات على المسار السوري الاسرائيلي، واللبناني الاسرائيلي خلال اسابيع . فترتيبات أي اتفاق على المسار السوري الاسرائيلي تحتاج الى ادارة امريكية قوية، وقادرة على انتزاع قرار من الكونغرس بارسال قوات ومعدات امريكية الى هضبة الجولان، وتلبية المتطلبات المالية الكبيرة المطلوبة لتمرير مثل هذا الاتفاق، بعضها ستكون مساعدات دائمة لسوريا على غرار المساعدات المالية السنوية التي تقدم لمصر واسرائيل، وبعضها الاخر ثمن للمستوطنات وللتعويض على المستوطنيين.
وواضح من من جهة اخرى ان الاوضاع الاسرائيلية الداخلية، والاوضاع القيادية داخل حزب العمل لا تتحمل هزة ثانية يحدثها أي اتفاق حول الجولان بعد الهزة التي احدثها اتفاق طابا. واتفاق طابا يكفي رابين من الان وحتى انتخابات الكنيست (نوفمبر١٩٩٦)، وبامكانه استثماره جيدا مع الجمهورالاسرائيلي المعارض والمتحفظ على عملية السلام مع الفلسطينيين، وايضا مع قوى السلام وجمهورها. فبامكانه القول للاتجاه الاول ان الحكم الذاتي الذي اعطاه للفلسطينيين في طابا، اقل من الذي وافق عليه بيغن في اتفاقات كامب ديفيد عام ١٩٧٨، ومع الاتجاه الاخر بامكانه القول ان اتفاق طابا يؤكد ان عملية السلام مع الفلسطينيين تتقدم، وهي بألف خير..
والتجربه العملية لتعامل الاسرائيليين مع الاتفاقات التي وقعوها حتى الان مع الفلسطينيين تؤكد ان انتهاء معركة صياغة اتفاق طابا ، يعني بدأ معركة تثبيته، وتنفيذه، وتقليص سلبياته، وتطوير ايجابياته. واظنها هي الاصعب والاقسى، وذلك لاعتبارات عديدة اهمها :
١) بينت التجربة ان توصل الاسرائيليين وتوقيعهم على اتفاقات رسمية مع الفلسطينيين شيء، والالتزام بتنفيذها شيء آخر. فبعد اسلو نجح رابين في تثبيت مقولته الشهيرة "لا تواريخ مقدسة مع الفلسطينيين" وفرضها كقاعدة لتنفيذ الاتفاقات الفلسطينية الاسرائيلية. وبعد التوقيع على بروتوكولات القاهرة أضاف عليها "لا نصوص مقدسة في الاتفاقات التي يجري التوصل لها مع الفلسطينيين". ولعل تعطيل تنفيذ ما ورد في اتفاق اوسلو وبروتوكولات القاهرة ١٤ شهرا ، بشأن تسليم السلطات المدنية في الضفة الغربية، وعدم توفير الممر الآمن بين غزة واريحا حتى الان، وتأخير الانسحاب من المناطق المأهولة، وتعطيل اجراء الانتخابات الفلسطينية، وعدم اطلاق سراح المعتقلين، والمماطلة في البحث في ترتيبات عودة النازحين.الخ.. شواهد حية ، تفرض على الجانب الفلسطيني عدم الاطمئنان على مصير الاتفاق، وعدم النوم على حرير. وتفرض على الجانب الفلسطينيي رفع يقظته ووضع الخطط الكفيلة بمنع الطرف الاسرائيلي من التلاعب بنصوص الاتفاق الجديد وبتواريخ التنفيذ.
٢) أظن انني لا اضيف جديدا اذا قلت ان للمفاوضات والاتفاقات الفلسطينية الاسرائيلية اعداء كثرو في صفوف الشعبين، وعلى المستوى الاقليمي لا يستهان بقدراتهم وطاقاتهم. ومن البديهي القول ايضا انه عندما يكون هناك نزاع كبير، يجري العمل على حله ـ من حجم النزاع في منطقة الشرق الاوسط ـ يكون هناك مستفيدون ومتضررون، وكلما اقترب المتنازعون من الحلول اسرع المتضررون نحو التوحد ورص الصفوف والتلاقي لوضع الخطط المشتركة، وتقسيم الادوار والواجبات فيما بينهم لتعطيل الحلول الضارة بمصالحهم. ولعل ما قام به المتطرفون البيض في جنوب افريقيا بعد الاتفاق على انهاء الميز العنصري، وما قام به الجيش الفرنسي السري على أرض الجزائر بعد اتفاقية ايفيان الاولى والثانية، والمجزة البشعة التي ارتكبها المستوطن المجرم غولدشتاين في الحرم الابراهيمي الشريف بعد التوقيع على اتفاق القاهرة (شباط ١٩٩٤) شواهد على ذلك.
وخلال مفاوضات طابا ظهر في صفوف الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي قوى فاعلة عارضت توصل الطرفين الى اتفاق، ومارس بعضها ضغوطا شديدة على المفاوضين. وبعد التوقيع على الاتفاق صعدت هذه القوى من معارضتها. ففي دمشق التقت القوى الفلسطينية العشرة المعارضة لعملية السلام، وتدارست الامر فيما بينها، واصدرت بيانات جماعية وفردية ادانت الاتفاق، واعلنت عن عزمها على بذل كل جهد ممكن لتعطيل تنفيذه ولاسقاطه. وعلى الجانب الاخر تداعت احزاب اليمين في اسرائيل الى اجتماع، اقسموا فيه الحفاظ على ارض اسرائيل التاريخية، وعلى حق اليهود في استيطان يهودا والسامرا. وقام المستوطنون في الضفة الغربية بحركات احتجاجية تجاوزوا فيها الاعراف والتقاليد الديمقراطية الاسرائيلية، وخرقوا القوانيين الرسمية وكان آخرها عبور بعضهم نهر الاردن. وبغض النظر ما يمكن ان تقوم به القوى الفلسطينية الرافضة لاتفاق طابا، فالواضح ان القوى اليمينية الاسرائيلية عاقدة العزم على تعطيل تنفيذ الاتفاق وانها لن تتوانى في مرحلة التحضير لانتخابات الكنيست عن القيام باعمال تقلص مضار الاتفاق عليها، وتحرج حكومة رابين، وتشل تنفيذ الاتفاق. اعتقد ان ما سيقوم به المعارضون من الطرفين سوف يساعد رابين وحكومته على التلاعب بنصوص الاتفاق والتلاعب بتوقيتاته الزمنية.
٣) لا حاجة لان يكون الانسان عبقريا حتى يكتشف ان تنفيذ اتفاق طابا مرهون، من الفه الى يائه، بمدى نجاح السلطة الفلسطينية في الاختبار الامني الجديد، والذي يعني السيطرة على المدن والقرى التي سوف تتسلمها، ومنع تحولها الى مراكز نشاط ضد الاسرائيليين في اسرائيل والضفة الغربية، بما في ذلك امن وسلامة المستوطنيين الذين يعلنون انهم سيعملون بكل السبل على افشال الاتفاق وتعطيل تنفيذه. صحيح ان العمليات التي نفذتها حركتي حماس والجهاد الاسلامي سابقا لم توقف المفاوضات، ولم تعطل التوصل الى اتفاق طابا، لكن الصحيح أيضا أن تلك العمليات كان لها تأثيرها على الزمن، واعطت للجانب الاسرائيلي ذرائع لتأجيل التوصل الى الاتفاق، ولفرض قيودا والتزامات امنية شديدة على الطرف الفلسطيني.
وبغض النظر عن الموقف من موضوع العمليات الخاصة( وهو لاشك بحاجة الى نقاش خاص) فالواضح ان التيار المسيطر في حركتي حماس والجهاد الاسلامي، وبعض الفصائل الفلسطينية الاخرى المعارضة لعملية السلام، ما زالت تعتبر هذا الاسلوب من العمل وسيلة فعالة( ويبدو انه الوحيد في نظرها) للتعبير عن معارضتها لعملية السلام، ولافشال الاتفاقات. وفي سياق الحرص على تثبيت اتفاق طابا وتنفيذه، تخطأ السلطة الفلسطينية ان هي خضعت على هذا الصعيد لابتزازات الجنرال رابين ومؤسسته العسكرية، وان هي وافقت على ربط التنفيذ بالمتطلبات الامنية الاسرائيلية، فمتطلبات أمن الاسرائيليين لها أول، ولكن لا آخر ولا حدود لها.
٤) التدقيق بمسار مفاوضات طابا يبين ان المفاوض الفلسطيني خضع لابتزازات رابين وبيريز، وتعرض لضغوطات أمريكية شديدة، الزمته على انتهاج خط تفاوضي يقوم على "عدم التوصل الى الاتفاق على عدد من النقاط، خير من تثبيت عدد من النصوص السيئة" ولهذ تم تاجيل الاتفاق على العديد من النقاط الاساسية، وتوافق الطرفان على بحثها في مفاوضات لاحقة، منها وضعية الحرم الابراهيمي الشريف، والسيطرة على المياه الجوفية في الضفة الغربية، والترتيبات الامنية التفصيلية في المنطقة ب، وقضايا المعتقلين المتهمين بقتل اسرائيليين. ان انتزاع الحقوق الفلسطينية في هذه القضايا الحساسة يتطلب ملاحقتها واصرار على متابعة التفاوض حولها.وتجربة تطبيق بروتوكولات القاهرة اكدت ان الجانب الاسرائيلي يفرض الامر الواقع في التعامل مع كل القضايا المؤجلة، فهذا حصل بشأن مساحة اريحا، ومنطقة المواصي على شاطئ غزة، والممر الآمن بين الضفة الغربية وغزة، والسيطرة على المعابر، ووجود شرطي فلسطيني على جسر اللنبي..الخ..
٥) واضح ان اتفاق طابا تم تفصيله على مقاس رابين وقادة حزب العمل في معركة الانتخابات القادمة. لقد قسم رابين الانسحاب من المناطق المأهولة الى ثلاث مراحل، ووقت تنفيذ المرحلة الثالثة وهي الاشد حساسية الى ما بعد الانتهاء من انتخابات الكنيست . وابقى توقيت تنفيذ المرحلة الثانية مفتوحا على كل الاحتمالات بما في ذلك امكانية عدم الالتزام بتنفيذها، اذا كانت ذلك يفيده ويفيد حزبه في المعركه الانتخابية، وقال امام الكنيت "نلتزم بتنفيذ الاتفاق فقط اذا التزم الفلسطينيون بتنفيذ كل بنوده بحذافيرها". اعتقد ان النص في الاتفاق على ربط التنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق طابا بالغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني سيضعف موقف الجانب الفلسطيني في المعركة التي سوف تخاض بعد ستة شهور حول الموضوع. وان اخضاع اتفاق طابا لتقلبات رياح الانتخابات الاسرائيلية يعني أنه كلما اقترب الاسرائيليون من موعد الانتخابات كلما اضطر رابين الى الابطاء في تنفيذ بنود الاتفاق، والى تحريف بعضها، واعطاء بعضها الاخر تفسيراته الخاصة اذا كان ذلك يساعده كسب بعض الاصوات الانتخابية.
وتخطا القيادة الفلسطينية ان هي اعتقدت ان تنفيذ اتفاق طابا سوف يسير في خط سهل ومستقيم وتخطأ اكثر ان هي اعتقدت ان الحشد الكبير من التواقيع على الاتفاق كفيل بالزام رابين بتنفيذه بدقة وامانة واخلاص. فالاسابيع والشهور القليلة القادمة كفيله باظهار ان من وقع على الاتفاق لن يستطيع الادلاء بشهاداته .

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:50 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

في٣٠ اكتوبر الماضي مرت الذكرى الرابعة ل "مؤتمر مدريد لصنع السلام في منطقة الشرق الاوسط " فقبل اربع سنوات نجح وزير خارجية الولايات المتحدة السابق (بيكر) في اخراج العرب والاسرائيليين من خنادق القتال التي تمترسوا فيها ٤٥عاما. وجرهم بطريقه دبلوماسية الى العاصمة الاسبانية (مدريد). والزمهم الجلوس خلف طاولات المفاوضات وجها لوجها، للبحث في مبادرة امريكية جديدة اطلقها في ٦ آذار١٩٩١ رئيس الولايات المتحدة الامريكية السابق (بوش) نصت على: صنع السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الاوسط، وتسوية الصراع العربي الاسرائيلي على اساس قرارات الامم المتحدة٢٤٢و٣٣٨، والارض مقابل السلام، وضمان الامن والاعتراف العربي باسرائيل، وضمان الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني.
واذا كان الثنائي بوش- بيكر لم يستطيعا متابعة مبادرتهما ولم يتمكنا -كافراد- من قطف ثمارها، فالتاريخ سوف يسجل لهما دورهما في إيصال المنطقة إلى المرحلة الجديدة التي تعيشها الان. وعلى كل حال لم ينكر الرئيس كلينتون ووزير خارجيته كريستوفر، دورالثنائي بوش-بيكر في التوصل الى الاتفاقات الفلسطينية والاردنية الاسرائيلية التي تم الاحتفال بالتوقيع عليها في حديقة البيت. ولا يمكن لأي باحث موضوعي في مسار عملية السلام الجارية بين العرب والاسرائيليين تجاهل دورهما، وتجاهل قيمة التقاطهما للحظة التاريخية المناسبة(انتهاء الحرب الباردة، الانتفاضة، وحرب الخليج) ونجاحهما في وضع قطارالسلام الشرق أوسطي على سكته التي عبدت في مدريد، وفي حشر جميع الأطراف في عرباته والزامهم البقاء فيها، وتجنيبه المنزلقات المعقدة التي واجهته خلال العام الأول من مسيرته الوعرة والمعقدة.
وبيكر الإنسان العادي مدير الأعمال حالياً، هو وحده القادر على الإجابة على الاسئلة التالية : هل كان بيكر الوزير واثقاً من نجاح مبادرته، ومن وصول العملية التي بدأها إلى الاتفاقات التي توصلت لها حتى الان؟ أم أن شكوكاً معينة ساورته عند الانطلاق وخلال مسيرة المفاوضات التي رعاها خمسة عشر شهرا؟ وهل كان يتصور قبل اربع سنوات ان تصل اوضاع منطقة الشرق الاوسط، والعلاقات العربية الاسرائيلية الى ما هي عليه الان ؟
وبصرف النظر الجواب، وعن المدى الذي قطعته عملية السلام باتجاه تحقيق اهدافها، وعن المواقف المؤيدة او المعارضة لها، فالثابت ان مؤتمر مدريد كان ولا زال نقطة البداية والانطلاق لكل الذي تعيشه المنطقة الان، فالعملية تحركت من هناك، واحدثت خلال حركتها تغيرات جوهرية في حياة اهلها، وهزت اوضاع الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي بقوة.
وعملية بهذا الحجم من التاثير تستحق بعد اربع سنوات، أن يقوم الباحثون والمفكرون العرب ومن ضمنهم الفلسطينيون، افرادا ومؤسسات، بمراجعتها بصورة موضوعية ومعمقة. والتوقف امام نتائجها، واستشراق آفاقها المستقبلية، واستخلاص الدروس المستفادة منها. واظنهم يخطئون اذا تصرفوا تجاه مؤتمر مدريد كما تتصرف الفراشات اتجاه الشرنقة التي تخرج منها ولا تعود اليها. واذا كانت المصلحة الوطنية الفلسطينية والمصالح العربية المشتركة تفرض على الجميع جعل هذه الذكرى مناسبة لمراجعة مواقفهم منها وتدقيق حساباتهم فيها، والبحث عن قواسم المشتركة، فرؤية الحقائق التالية والاقرار بها يساعد في ذلك:
١) قبل انعقاد مؤتمر مدريد اختلف العرب حول وظيفته واهدافه وحول تقدير نتائج المشاركة فيه. وطرحت في حينه في الساحتين العربية والفلسطينية اسئلة متعددة منها: هل سيتمكن مؤتمر مدريد من النجاح ومن التوصل الى نتائج ملموسة؟ وهل يمكن للمفاوضات مع شامير ان تستمر ؟ أم أن مصيرها سيكون كمصير المحاولات الدولية الكثيرة التي سبقتها؟
قبل مدريد وقبل سنتين او ثلاث سنوات، وقبل التوصل الى المعاهدة الاردنية الاسرائيلية والى اتفاقات طابا والقاهرة واسلو كان لهذه الاسئلة ما يبررها، اما الان فيفترض ان لا تكون مطروحة. فالمفاوضات تواصلت وقلبت أوضاع المنطقة رأسا على عقب، وخلقت حقائق جديدة على الارض كان بعضها حتى فترة قريبة ضربا من الخيال. بعضها جاء في صالح العرب وبعضها يحمل مخاطر جدية على مستقبلهم. ويفترض ان لا يكون هناك خلاف على ان جميع الاطراف باتوا اسرى لها، وأن الاستمرار فيها اصبح الخيار الوحيد عند الاردنيين والفلسطينيين، واظنه صار كذلك بالنسبة للبنانيين والسوريين. واكت وقائع الحياة ان اساليب الاعاقة والعرقلة والتعطيل التي استخدمتها المعارضة لم تنجح في تحقيق غاياتها، واظنها غير مجدية في المرحلة اللاحقة، وتفرض اعادة النظر فيها .
٢) لا شك أن استمرار العملية وتواصل المفاوضات مدة اربع سنوات كاملة، وتوصلها الى عدد من الاتفاقات مكنها من مراكمة قوة دفع ذاتية لم تتمكن أي من المحاولات الامريكية او الدولية السابقة من مراكمتها. فكل المبادرات التي سبقت مؤتمر مدريد لم تعمر سوى أسابيع قليلة وبعضها عمر اياما معدودة( باستثناء مفاوضات كامب ديفيد). صحيح أن قوة الدفع الذاتية لم تبلغ مستوى يمكن العملية من الوصول الى الاهداف النهائية الكبرى التي حددها مهندسها (بيكر) الا أن من الخطأ تجاهل قيمة التطور الذي وقع على اهداف الاطراف من المشاركة فيها، وتجاهل أثر ذلك على المفاوضات اللاحقة. فالجانب الاسرائيلي ذهب في عهد الليكود الى مدريد وفي ذهنه تحاشي التصادم مع الادارة الامريكية، وانهاء الانتفاضة، وتسريع هجرة اليهود من الاتحاد السوفيتي واستيعابهم، والعمل على تعطيل وتخريب العملية من داخلها. اما الان فالعملية تحولت عند حزب العمل الى استراتيجية متكاملة، يشتق منها سياساته الخارجية والداخلية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويتصرف على اساس انها وسيلته الرئيسية الى تطبيع العلاقات مع الدول العربية. وذات الشيء ينطبق على الاطراف العربية المشاركة فيها. فكلهم تجاوزوا حالة التردد والتحفظ التي طغت على مواقفهم في العامين الاولين من المفاوضات. واصبحت استمرارية المشاركة في عملية البحث عن صنع السلام في المنطقة ركنا اساسيا في سياساتهم وعلاقاتهم الداخلية والاقليمية والدولية. ويستطيع كل من يدقق في مسار المفاوضات ملاحظة انه بدخول م ت ف على خط المفاوضات مباشرة، وتشكيل السلطة الفلسطينية امتلكت العملية قوة دفع اضافية هائلة اظنها تكفي لاستمرارها على المسار الفلسطيني الاسرائيلي بضع سنوات اخرى.
ولعل انعقاد مؤتمر التنمية الاقتصادية في الشرق لاوسط العام الماضي في الدار البيضاء، وانعقاد القمة الامريكية، المصرية، الاردنية، الفلسطينية،الاسرائيلية اواخر شهر ايلول الماضي في واشنطن، وانعقاد مؤتمر عمان الاقتصادي هذه الايام وبهذا الحشد الدولي الكبير، تظهر نوعية الطاقة الذاتية والدولية التي صارت تحرك عملية السلام، وتبين المنحى الرئيسي الذي ستسير فيه المفاوضات العربية الاسرائيلية خلال السنوات القادمة.
٣) لا يستطيع أي من اصحاب وجهات النظر المتباينة حول عملية السلام الادعاء بان نتائج العملية ووقائع الحياة اكدت صحة وجهة نظرة كاملة، او الجزم بان مسيراتها اللاحقة ونتيجتها النهائية سوف تؤكدها وتفند سواها. فمراجعة المواقف تؤكد ان المعارضين بالغوا في تقدير مساوئ المشاركة في عملية السلام، ويبالغون الان في تقدير مخاطر ومساوئ الاتفاقات التي تم التوصل لها، وبالمقابل بالغ المؤيدون في تقدير طبيعة المفاوضات ونتائج المشاركة فيها، وطبيعة دور الراعي الامريكي، وكثير منهم يبالغ الان في تجميل الاوضاع وتجميل فوائد الاتفاقات التي تم التوصل لها، ويقلل من الاخطار الاستراتيجية التي تحملها في ثناياها.
واذا كان ليس بامكان المعارضون لعملية السلام الاستمرار في تعاملهم معها وكأنها لم تحقق شيئا على الاطلاق سوى السلبيات ، فالمؤيدون لها لا يستطيعون الجزم بان وصول قطار السلام الذي انطلق من مدريد ووصل محطات اوسلو، القاهرة، وادي عربة، وطابا، قادر على الوصول الى محطته النهائية. أي انهاء الصراع العربي الاسرائيلي، وصنع السلام (وليس التسوية) العادل والشامل والدائم في المنطقة، وفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الشعوب العربية وشعب اسرائيل. فالوصول الى هذه المحطة يتطلب تغيير جذري في التفكير الاسرائيلي، ويتطلب الانسحاب من الجولان، ومن جنوب لبنان، والانسحاب الكامل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وازالة المستوطنيين والمستوطنات منهما، وحل قضية اللاجئين حلا عادلا ووفقا لقرارات الشرعية الدولية. والتوقف عن اعتبار مدينة القدس بشقيها الغربي والشرقي عاصمة اسرائيل الابدية، والاقرار بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيرة بنفسة، وفي اقامة دولته المستقلة.
ومن البداهة القول ان الوصول الى اتفاقات اولية مرحلية وجزئية وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين عدد من الانظمة العربية والحكومة الاسرائيلية لا يعني الوصول الى السلام الشامل والعادل والدائم، ولا يعني ايضا زوال رواسب العداء والشك الذي غرسته علاقات المرحلة الطويلة الماضية في الذاكرة الفلسطينية والعربية وفي الذاكرة الاسرائيلية. فمسحها وزوال آثارها يحتاج الى وقت طويل وجهد كبير. وتسريع زوالها من الذاكرة الفلسطينية بالتحديد يحتاج الى اعتراف اسرائيلي وبريطاني بالمسؤولية بنسبة أو بأخرى عن الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني خلال النصف الاخير من هذا القرن. والى إعتراف دولي وأمريكي على وجه الخوص بالمسؤلية عن استمرار العذاب الفلسطيني قرابة نصف قرن من الزمن. ومن البداهة القول ايضا ان عدم معالجة القضايا الاساسية المذكورة اعلاه يسكّن القضية، ويخدّر الصراع لفترة، ويبقي ما تحقق على المسارين الفلسطيني والاردني عرضة للمراوحة في ذات المكان. وقد يقود على المدى الطويل الى تآكله وتراجعها وانتهاء مفعوله.
٤) وفي سياق الحديث عن مراجعة الحسابات اعتقد ان على الجميع الاقرار بان عبور القيادة الفلسطينية ومعها الغالبية الساحقة من كوادر م. ت. ف. المدنية والعسكرية الى غزة واريحا وبقية مناطق الضفة الغربية، وتشكيل السلطة الوطنية هناك، وتعامل العالم مع هذه السلطة باعتبارها القيادة الرسمية للشعب الفلسطيني، قد نقلت مركز ثقل الحركة الوطنية الفلسطينية، ومركز القرار الفلسطيني من الخارج الى الداخل، وحررتهما الى حد كبير من التدخلات العربية الرسمية المتنوعة، واوجدت هيكلا لكيان سياسي فلسطيني على الارض.
واذا كان الانتقال والتحرر ووجود الكيان السياسي تعتبر موضوعيا انجازات وطنية، فان على المفكرين الفلسطينيين معالجة المعضلات الموضوعية التي رافقتهما واهمها: تقييد علاقة السلطة الفلسطينية مع اسرائيل بعدد من الاتفاقات، وتنامي التدخل الاسرائيلي في بناء اسس هذا الكيان، وتدخل الدول المانحة وبخاصة الامريكي في صياغة القرارالفلسطيني. وضمور دور م. ت.ف. الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني، وتعرضها كمؤسسة للتآكل والاهتراء، في وقت ما زال نصف الشعب الفلسطيني يعيش خارج وطنه، وما زالت قضايا الارض والمياه واللاجئين والنازحين والمستوطنات والقدس والحدود بدون حلول .
وفي الذكرى الرابعة لانعقاد مؤتمر مدريد يجب القول بصوت مرتفع لكل الاطراف العربية التي شاركت فيه: ان تفرقكم وغياب التنسيق فيما بينكم الحق اضرارا بالقضايا العربية العادلة، واضعف مواقفكم التفاوضية. ومكّن الجانب الاسرائيلي من دفع العملية نحو الابتعاد كثيرا عن الاسس والقواعد التي قامت عليها في مدريد. وجعل المفاوضات تسير منذ التوقيع على اتفاق اوسلو وعلى المعاهدة الاردنية الاسرائيلية بدون تدخل مباشراو مراقبة جدية من قبل الراعيين. ومكن الراعي الامريكي من حصر دوره في امرين الاول ممارسة الضغط المادي والمعنوي على الاطراف العربية، ودفعها باتجاه التجاوب مع المواقف الاسرائيلية والاقتراب منها. والثاني قطف ثمار الاتفاقات وتوظيفها في توسيع مصالحه في المنطقة وعلى المستوى الدولي، وفي خدمة مصالحه الحزبية الداخلية، ودون أي مقابل يقدمه للاطراف العربية.
ولعل اخطر الامور واسوأها بالنسبة الجانب العربي هو تحويل ذكرى مدريد الى مناسبة لتصفية الحسابات، وتبادل الاتهامات، والدخول في مبارزة نظرية حول من كان موقفه صائبا ومن كان موقفه خاطئا، فمثل هذا الجدل يضر بالجميع ولايفيد القضية في شيء.

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:46 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

لاسيما وان موافقة نتنياهو على الاتفاق الجديد وبخاصة الجدول الزمني للانسحاب من الضفة الغربية (يهودا والسامرا) يتناقض مع كل مواقفه السابقة ومواقف الليكود الرسمية والعلنية من اتفاق اوسلو. فما قام به نتنياهو عملية انقلابية على عقيدته وعلى شركائه في الحكم. وهذا الانقلاب احدث تغييرا نوعيا في تقييم معظم القوى والمفكرين والمحللين السياسيين لمواقف الليكود ومستقبل عملية السلام في عهد نتنياهو. الا ان ظروف وملابسات وقوعه وقصر الفترة الزمنية التي تفصلنا عن تاريخه تجعل من الصعب الحسم الان هل هو انقلاب استراتيجي تاريخي أم تكتيكي مؤقت ومحدود النتائج والآثار؟ اما تنفيذ عملية الانسحاب بسرعة من ٨٠% من مدينة الخليل واختزال الزمن المقرر فاعتقد انها وحدها لا تكفي لاعتمادها كمقياس لاطلاق احكام نهائية وجازمة
بعد فوز الليكود في الانتخابات برز في الساحة الفلسطينية والعربية وداخل اسرائيل تقيمان متناقضان لموقف نتنياهو من عملية السلام. الاول قال: نتنياهو في السلطة يختلف عن نتنياهو في المعارضة. وان عملية السلام سوف تتواصل في عهدة وتحقق مزيدا من التقدم. واستشهد اصحابة باتفاقات كمب ديفيد وقرار الليكود بالانسحاب من سيناء. اما اصحاب الرأي الآخر وكنت واحدا منهم فقالوا : لا تقدم جوهري في عملية السلام طيلة عهد الليكود، وان صحراء سيناء ليست يهودا والسامرا التي يعتبرهما الليكود وكل اطراف الائتلاف الحاكم جزء من ارض اسرائيل، واستشهد اصحابه بمواقف احزاب التكتل الحاكم الرافضة لاتفاقات اوسلو. وكان لكل منهما حججه النظرية القوية المستمدة من التاريخ ومن تجارب عملية سابقة.
وجاء اتفاق الخليل بكل ما يحتويه من نواقص وسلبيات او ايجابيات على الوضع الفلسطيني ليرجح الى حد ما صوابية الرأي الاول. وليؤكد ان الانجازات العملية لعملية السلام، وقوة الدفع الذاتية التي راكمتها على امتداد خمس سنوات اقوى من النوايا والرغبات الذاتية النابعة من العقيدة القديمة الجامدة التي يتبناها اليمين الاسرائيلي. وان قوة الدفع الدولية وبخاصة الامريكية جاهزة للتحرك في الوقت الضروري لمنع فشل وانهيار عملية السلام. وان فعلها في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة مؤثر على "اسرائيل الليكودية" لدرجة ارغامها على التخلي عن طموحاتها غير الواقعية وعن بعض جوانب معتقداتها. فالليكود الذي عرفناه سابقا يرفض بقوة اتفاقات اوسلو ويرفض بعنف فكرة الانسحاب من الضفة الغربية باعتبارها يهودا والسامرا لم يعد موجودا حتى لو ماطل وأخر تنفيذ ما وقع علية، وادعى بانه لم يتخلى عن معتقداته وانه ينفذ "مكرها" اتفاقات رسمية سيئة ورثها عن حكومة حزب العمل. فاليوم الذي وقع فيه نتنياهو على بروتوكول اعادة الانتشار في الخليل ووافق على الانسحاب من مساحات رئيسية من اراضي الضفة الغربية وفق جدول زمني محدد مكفول امريكيا ومصريا واردنيا، هو تاريخ صعودة الى قطار اوسلو من محطة الخليل مدينة اباء وانبياء الفلسطينيين والاسرائيليين، وهو تاريخ قبوله بالسير على الطريق المرسوم له حتى لو كانت خطواته بطيئة وثقيلة. ونتنياهو يعرف اكثر من سواه ان شروط الرحلة في قطار اوسلو ومن محطة الخليل تختلف نوعيا عن تلك التي جربها في قطار مدريد. فرحلة اوسلو تأسست على اساس انهاء الاحتلال الصهيوني للاراضي الفلسطينية وانهاء الاستعمار الاسرائيلي للشعب الفلسطيني. وهي بصرف النظر عن النوايا والرغبات الذاتية تقود تدريجبا الى تكريس الانفصال بين الشعبين والارضين. ويعرف ايضا ان ركاب قطار اوسلو ـ م . ت . ف ـ هم الذين رفض هو وشامير صعودهم من محطة مدريد. وعندما كشف صعودهم في اسلو، نزل هو وكل اركان اليمين الى الشوارع واقسموا بالحفاظ على يهودا والسامرا كجزء من ارض اسرائيل، واتهموا رابين بالخيانة الوطنية وبالتنازل عن ارض اسرائيل التاريخية وتسببوا بصورة او اخرى في اغتياله. وبين اتفاق "الخليل" ايضا ان الليكودي نتياهو يختلف عن قادته الليكوديين السابقين امثال بيغن وشامير. وانه يمزج بين متانة العقيدة الايدلوجية والانتهازية السياسية، وقابل للتعامل مع المواقف المبنية على الايدلوجيا على اساس براجماتي. ولعل مواقف شامير خلال فترة حكمه من الضغوط الخارجية وبخاصة الامريكية تبين الفرق بين تكوين الاثنين، وبين الفرق بين التكوين المبني على الايدلوجية الجامدة الصلبة، والتكوين القائم على هذا النوع من المزيج. فالكل يتذكر كيف واجه شامير ضغوط الادارة الامريكية في عهد بوش ـ بيكر على اسرائيل لوقف الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة خلال مفاوضات مدريد ـ واشنطن. فرغم معرفته بانه قد يخسر ضمانات القروض الامريكية لاسرائيل والتي كانت لا غنى عنها للحكومة الاسرائيلية لاستيعاب المهاجرين الجدد الا انه رفض بصلابة وعنا الاستجابةلطلب الادارة الامريكية ورفض الخضوع لضغوطها. صحيح انه دفع ثمن ذلك غاليا في الانتخابات كلنه آثر المحافظة على مواقفه الايدلوجية على كسب ود الراعي الامركي.*** واتفاق الخليل يكفي نتنياهو من الان ولشهور طويلة وبامكانه استثماره جيدا مع الجمهورالاسرائيلي المعارض والمتحفظ على عملية السلام مع الفلسطينيين، وايضا مع قوى السلام وجمهورها. فبامكانه القول للاتجاه الاول ان الحكم الذاتي الذي اعطاه للفلسطينيين في طابا، اقل من الذي وافق عليه بيغن في اتفاقات كامب ديفيد عام ١٩٧٨، بامكانه القول للعالم ان اتفاق الخليل يؤكد ان عملية السلام مع الفلسطينيين وهي بألف خير..*ثالثا/ وفي سياق البحث في النتائج البعيدة لاتفاق الخليل فالواضح انه هز الفكر الصهيوني المتطرف، الذي يتعامل مع اراضي الضفة الغربية باعتبارها أرض الميعاد. وجعل مصير المستوطنيين والمستوطنات قضية صراعية بين المستوطنيين والاحزاب اليمينية المتطرفة وبين الائتلاف الحاكم وداخله ايضا. وتعرف القيادات الاسرائيلية يمينها ويسارها ان تنفيذ هذا الاتفاق وتفاعلاته اللاحقة، سوف يفرض آجلا او عاجلا على اسرائيل رسم حدودها الدولية مع جيرانها بما في ذلك الكيان الفلسطيني المجاور لها. وأن تنفيذه يفصل بين الشعبين والكيانين. ويخلق أمرا واقعا يقود مع الزمن الى التخلي عن فكرة اسرائيل الكبرى، ويوجه ضربة صميمية لعقيدة الليكود وكل الاحزاب الدينية واليمينية الاخر،ويقفل الطريق امام العقلية التوسعية التي تحكمت في السياسة الاسرائيلية منذ قيامها وحتى الان. ولعل هذا الادراك هو الذي يفسر حالة الهستيريا التي يعيشها المستوطنون وكل الاحزاب اليمنية الاسرائيلية الان.لاسيما وانها تعرف ان خيار الحرب كطريق لتحقيق الاهداف الوطنية لم يعد واردا ناهيك عن فشله في السنوات الطويلة السابقة

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:41 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

اشغلت قضية الخليل وما ربط بها من قضايا اخرى اهل المنطقة والعديد من حكومات العالم فترة طويلة. وأظن ان اسم هذه المدينة التاريخية سوف يبقى يتردد في الصحافة العربية والعالمية رغم الاتفاق الذي وقعه الطرفان حولها. ويدور الآن جدل ونقاش في الاوساط القيادة السياسة الفلسطينية حول تقييم طبيعة موافقة نتنياهو على اتفاق "الخليل" ومدى التزامه بتنفيذ ما وقع عليه. وحول انعكاس الاتفاق والموافقة عليه على مسيرة السلام ومستقبل الحكومة الاسرائيلية وعلى الخارطة الحزبية في اسرائيل. فهناك من يقول بان ما قام به نتنياهو خطوة تكتيكية هدفها امتصاص الضغوط الدولية والعربية التي تعرض لها، والتخلص من الضغوط الامريكية، ومن الكمين الذي نصبه له بيريز حين اجل تنفيذ بعض بنود اتفاق طابا. وان نتنياهو انحنى مؤقتا امام العاصفة، وتراجع في التعامل مع الفلسطينيين خطوة للوراء لترتيب اوضاعه والتقدم خطوتان الى الامام في علاقته مع العرب والامريكان.
والواضح ان هذا النقاش الحيوي والهام مرشح للتواصل وللاحتدام اكثر فاكثر في الاسابيع والشهور القليلة القادمة في صفوف المفكرين والمحللين السياسيين الفلسطينيين والعرب والاسرائيليين. لاسيما وان هناك اجماع على ان طريق الاتفاق الجديد مليء بالصعوبات والعراقيل. وان اكثر الفلسطينيين تفاؤلا يقرون ان تنفيذه لن يسير في خط مستقيم. على كل حال ما يمكن قوله الآن هو ان كل تسوية او اتفاق من النوع الذي نتحدث عنه يجلب معه اسئلة كثيرة وآراء متباية. ويجعل الحوار حوله والتباين بشأن تقيمه أمران طبيعيان تماما. والحكم بشكل حاسم على التحول الذي طرأ على مواقف نتنياهو ومواقف أغلبية كبيرة في حزبه يبقى من الان وحتى تنفيذ المرحلة الثالثة من الانسحابات سابق لأوانه. واذا كانت المفاوضات حول القضايا المؤجلة، والالتزام بتنفيذ ما اتفق عليه هما مواد الامتحان الكفيل باظهار درجة تكيف نتنياهو مع طريق اوسلو ومع متطلبات عملية السلام، فمن الآن يمكن الجزم بان تنفيذ الاتفاق الجديد لن يمر بهدوء وسلام لاسباب عديدة ابرزها:
اولا/ الاتفاق مليء بالثغرات الخطيرة
ابقى الاتفاق العديد من المسائل الجوهرية معلقة بانتظار جولات جديدة من المفاوضات، منها فتح الممر الآمن بين الضفة والقطاع، وتشغيل مطار غزة ومينائها واطلاق سراح المعتقلين. وحدد فترة طويلة "١٨ شهر" للانسحاب من ارياف الضفة الغربية. ولم يحدد مساحات الانسحاب في كل مرحلة. وجعل التنفيذ عبارة عن شراكة عمل بين الطرفين. وربط دفع الجانب الاسرائيلي للاستحقاقات المطلوبة منه بتنفيذ ما يجب تنفيذه من قبل الجانب الفلسطيني. ولا احد يضمن بان المفاوضات حول القضايا المؤجلة سوف تنتهي بنجاح. ولا احد يضمن التزام الليكود بتواريخ مراحل الانسحاب المحددة فالتجربة العملية مع حزب العمل بعد اتفاق اوسلو أكدت ان توصل الاسرائيليين الى اتفاقات رسمية مع الفلسطينيين شيء والالتزام الدقيق والامين بتنفيذها شيء آخر. ولا اظن ان الليكود سوف يكون اكثر وفاء من حزب العمل للاتفاقات مع الفلسطينيين
ربطها بالحل النهائي. عجل في تحديد البدء بمفاوضات الحل النهائي وهذا ليس تعبير عن صدق نوايا بل لربط بعض الامور الانتقالية بالنهائية
يتيح الاتفاق لاصحابه فرصة المماطلة والتلاعب في التنفيذ اذا ارادوا. واعتقد ان اصرار الجانب الاسرائيلي على تاجيل البت ببعض القضايا الجوهرية والاصرار على هذا الترابط ليس بريئا على الاطلاق. وان نتنياهو اعطى نفسه فترة عام ونصف العام تقريبا لتنفيذ الانسحاب من الارياف الفلسطيني، ليبقي لنفسه خط رجعه يستطيع عبره التراجع عن توقيعه، وتعطيل تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة منه او الاخيرة على الاقل اذا اقتضت مصالحه ذلك،. وأظنه لن يعجز عن خلق الذرائع والمبررات اللازمة لذلك اذا اراد التعطيل. وهذه الفترة الطويلة تبقى الاتفاق عرضة للتاثر بالاحداث وتفسح المجال لاعدائه من الطرفين تحضير اوضاعهم الذاتية وتوحيد جهودهم وطاقاتهم والعمل على تعطيلة.
ثانيا/ المستوطنون واهل الخليل غير راضين بالحل
التدقيق في الحل الذي حمله الاتفاق لاهل الخليل وللمستوطنيين فيها، وفي الواقع الجديد الذي خلقه في المدينة، يبين انه قسم الى مدينتين ( hebrone ١ و hebrone ٢ )، واحدة فلسطينية كبيرة تضم ١٨٠ الف مواطن فلسطيني واخرى اسرائيلية صغيرة تضم قرابة ٤٠٠ مستوطن وعشرين الف فلسطيني. والتجول في المدينة "المقسمة امنيا والموحدة اداريا" يلاحظ ان الاحتلال العسكري لم ينتهي منها بل كثف من تواجد قواته في قلبها. وان الحل لم ينهي التداخل الحاصل في مواقع الطرفين على خلاف باقي مدن الضفة الغربية. وابقى الحرم الابراهيمي تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة. والطرفان غير راضيان عن الحل، والعلاقة بينهما عدائية ومتوترة جدا. واذا كان اهل الخليل عبروا ويعبرون عن تحفظهم على الاتفاق بهدوء وبطريقتهم الخاصة، فالمستوطنون اعلنوا الحداد بسببه واقاموا طقوسها اليهودية المعروفة، واعتبروه يوما اسود في تاريخ الحركة الصهيونية واسرائيل. وهم من العنصريين المتطرفين الحاقدين الذين لا افق لتغيير قناعاتهم او لاي تفاهم او تعايش معهم، ولا يخفون تصميمهم على افشاله في الخليل وخارجها. يقابله موقف حاسم "للخلايلة" بان لا سلام ولا استقرار ولا أمن في المدينة بدون خروج المستوطنيين الحاليين. ويبدون استعدادا حقيقيا لتقبل وجود اليهود الاصليين اصحاب البيوت اليهودية المهجورة من خمسين عام. باختصار يمكن القول ان الاتفاق ابقى الوضع في مدينة الخليل على حافة الانفجار من الان ولاشعار آخر.
ثالثا/ موافقة حكومة نتنياهو تمت بالاكراه
عندما جلس نتنياهو على كرسي رئاسة الوزراء اعتقد انه لم يكن يتصور بأنه سيضطر بعد نصف سنة على التوقيع على وثيقة معناها الحقيقي "مهما كان تفسيره لها" الاعتراف الرسمي بسيادة فلسطينية ما غربي نهر الاردن. او انه سيضطر على القيام بعملية اقناع شاقة لاعضاء حزبه وقادة احزاب الائتلاف الحاكم ان لا بديل عن اتفاق اوسلو ـ طابا، وعن تنفيذ ما لم ينفذ منه. ويمكن القول ان موافقة نتنياهو وغالبية وزراء حكومته واركان حزبه على الانسحاب من مناطق ب و ج في الضفة الغربية لم تكن وليدة قناعات راسخة بالحل الاستراتيجي الذي يكرسه اي "الفصل بين الشعبين والارضين"، وتحويل فكرة الاحتفاظ بيهودا والسامرا كجزء من ارض اسرائيل الى احلام تنتمي للماضي، من الآن ولاشعار آخر. مثلها مثل احلام اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى عكا ويافا وحيفا واللد والرملة ..الخ من المدن والقرى الفلسطينية التي شردوا منها عام ١٩٤٧ ـ ١٩٤٨. والظاهر ان التحولات الفكرية والسياسية "ان كان هناك تحولات حقيقية" عند نتنياهو وكل من ايد الاتفاق من اليمين الاسرائيلي ما زالت جنينية وفي بداياتها. وليس عسيرا التراجع عنها واجهاظها من قبل حاملها لاسباب كامنة في نفسه، او من قبل اعدائها داخل وخارج الائتلاف الحاكم ومن قبل كل المتضررين منها وبخاصة المستوطنين الذين يعدون العدة لمقاومتها على كل الصعد وفي كل المجالات.
رابعا/ موافقة قيادة م ت ف تمت على مضض
بالمقابل يمكن القول ان موافقة عرفات وقيادة م ت ف على هذا الاتفاق الناقص لم تكن ايضا وليدة قناعات بانه التنفيذ الدقيق للاتفاقات التي وقعت سابقا مع حكومة العمل. او انه يلبي الحقوق الوطنية الفلسطينية في الخليل وارياف الضفة الغربية كما نصت عليها الاتفاقات. ولا اكشف سرا اذا قلت ان الموافقة الفلسطينية على الاتفاق الجديد حصلت في اطار مرحلة الاهداف الفلسطينية، ومرحلة كل مرحلة منها وفقا لموازين القوى وللظروف المحيطة بالموقف الفلسطيني. وحصلت ايضا في اطار المنهج الواقعي الذي انتهجته منذ التوقيع على اتفاق اوسلو والذي يقول: خذ اقصى ما تستطيع من الحقوق دون اغلاق الطريق على الحقوق الاخرى. وراكم ما استطعت من المكاسب الصغيرة والكبيرة واعمل على صيانتها وحمايتها. وتابع النضال والمطالبة ببقية الحقوق دون ملل او تراخي او استهتار حتى قيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين حلا عادلا. والتجربه العملية لتعامل الاسرائيليين مع الاتفاقات التي وقعوها حتى الان مع الفلسطينيين تؤكد ان انتهاء معركة صياغة الاتفاق تعني بدأ معركة تقليص سلبياته وتطوير ايجابياته، وتثبيته وتنفيذه كما هو دون نقصان، وهي دائما أصعب وأقسى من صياغته واخراجه الى حيز الوجود .
خامسا/ الضمانات الامريكية ليست ضمانه للحقوق
التدقيق في نصوص الاتفاق يبين انها لم تؤمن آلية محددة يلجأ لها الطرفان للتحكيم اذا اخل احدهما بالتزامته. والواضح ان كلاهما يشك في نوايا الطرف الاخر، وكلاهما اراد من الراعي الامريكي ضمانة بان يتم الالتزام بتنفيذ ما اتفق عليه. ومن هذا المنطلق تمت صياغة رسائل الضمانات الامريكية. اعتقد ان كلا الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي يدركان ان الضمانات الامريكية مطاطة وغير ملزمة من الناحية القانونية لاي منهما. واذا كان من الخطأ التقليل من قيمتها الادبية والمعنوية بخاصة للطرف الضعيف، الا ان المفاوض الفلسطيني يرتكب خطأ جسيما اذا اعتمد عليها في تحصيل حقوقه المنصوص عليها في الاتفاق. فالتجربة الفلسطينية مع ضمانات الادارة الامريكية لحقوقهم مرة. ولعل رسائل الضمانات الامريكية التي قدمت للجانب الفلسطيني قبل خروج القوات الفلسطينية من بيروت عام ١٩٨٢، وعلى ابواب انعقاد مؤتمر مدريد، وما تلاهما من اعمال اسرائيلية مخالفة لهما (مجازر صبرا وشاتيلا، الاستمرار في الاستيطان، مطمطة المرحلة الانتقالية حتى الان، والمماطلة الاسرائيلية في تنفيذ اتفاقات اوسلو وطابا..الخ شواهد حية في الذاكرة الفلسطينية على مفعول الضمانات الامريكية وقيمتها عند الجانب الاسرائيلي. وبجانب ذلك لعل من الفيد للمفاوض الفلسطيني ايضا استذكار مواقف الوسيط الامريكي خلال المفاوضات. حيث لم يبدي حماسا للموقف الفلسطيني الذي اصر على الجدول الزمني لمراحل الانسحاب الثلاث، بل ابدى انزعاجه الشديد منها. وكان مستعدا للاكتفاء بالاتفاق حول الخليل فقط. وكانت الاداره الامريكية تعتبره وحده انجازا كبيرا للفلسطينيين. ثم من الواضح ومن الطبيعي ان ينال المسار السوري الاسرائيلي قسطا كبيرا من الجهود الامريكية في الفترة القادمة فعملية السلام بدون تقدمو على هذا المسار او بدون على الاقل تخديرها بعودة الطرفين الى عرف المفاوضات تبقى عرضة للانتكاس. وقد تجد الادارة الامريكية نفسها في وضع تتساهل فيه مع نتنياهو في تنفيذ الاتفاق الفلسطيني مقابل قبول نتنياهو بتقديم تسهيلات لتحريك المفاوضات على المسار السوري تحريك المفاوضات وليس التوصل الى اتفاق. وقد تجد نفسها ذريع خلاصتها مراعاة اوضاع نتنياهو وتقدير ظروفه الداخلية واوضاعه مع حزبه ومع المتطرفين.
سادسا/الترتيبات الامنية وحدها لا تكفي
وان لا الامن الفلسطيني ولا الاسرائيلي ولا التعاون المشترك بينهما بامكانه ضمان منع وقوع احداث دموية فيها. واجهزة الامن الاسرائيلية تقول ان وقوع مثل هذه الاحداث اصبحت مسألة وقت وليس اكثر. واظن انها محقة في تقديراتها. وان السيناريو القادم سيكون عملية ينفذها مستوطن "مجنون" من الخليل او خارجها ضد العرب في الخليل او خارجها. كما ومن غير المستبعد ان نسمع في الشهور القادمة عن محاولة اغتيال او اكثر لنتنياهو، فالفكر الذي افرز ايغال عمير قاتل رابين ما زال قادرا على فرز ايغال عمير ثاني وثالث. ولعل الضمانة الوحيدة لمنع وقوع مثل هذه السيناريو هو اتخاذ نتنياهو موقفا حازما من المستوطنيين وليس تدليلهم والتهاون معهم كما فعل رابين. وافهامهم بصراحة ان ثمن اي عمل دموي سوف يكون كبيرا. والواضح ان ترحيل المستوطنيين من مدينة الخليل الى مكان آخر يساعد في ذلك، وينهي احدى بؤر التوتر الملتهبة، وكلما تم الاسراع في نقلهم كلما كان افضل للطرفين ولعلاقاتهما المستقبلية ولعملية السلام وتقدمها. الا ان هذه الخطوات بعيدة تماما عن تفكير نتنياهو واركان حزبه واعضاء حكومته.
سابعا/ اعتقد ان لا خلاف على ان اعداء الاتفاقات الفلسطينية الاسرائيلية من اولها وحتى آخرها كثيرون في صفوف الشعبين، وعلى المستوى الاقليمي، وان لديهم قدرات يجب ان لا يستهان بها. ومن البديهي القول ايضا انه عندما يكون هناك نزاع كبير، يجري العمل على حله ـ من حجم النزاع الفلسطيني الاسرائيلي يكون هناك مستفيدون ومتضررون، وكلما اقترب المتنازعون من الحلول اسرع المتضررون نحو التوحد ورص الصفوف والتلاقي لوضع الخطط المشتركة، وتقسيم الادوار والواجبات فيما بينهم لتعطيل الحلول الضارة بمصالحهم. ولعل ما قام به المتطرفون البيض في جنوب افريقيا بعد الاتفاق على انهاء الميز العنصري، وما قام به الجيش الفرنسي السري على أرض الجزائر بعد اتفاقية ايفيان الاولى والثانية، والمجزة البشعة التي ارتكبها المستوطن المجرم غولدشتاين في الحرم الابراهيمي الشريف بعد التوقيع على اتفاق القاهرة (شباط ١٩٩٤)، والمحاولة التي قام بها فريدمان في الخليل مؤخرا وايغال عمير قاتل رابين شواهد على ذلك.
ثامنا/ المفاوضات اللاحقة هي الاعقد
واظن ان لا احد يضمن باننا لن نشاهد نتنياهو في الاسابيع القليلة القادمة يشجع الاستمرار في مصادرة الاراضي، ويشجع الاستيطان في الضفة الغربية، ويهدم البيوت العربية في القدس. ويطالب الفلسطينيين بمطالب تعجيزية ويماطل في تنفيذ بعض حقوقهم الواردة في الاتفاق وقد يقفزعن بعضها ايضا. ولا احد يضمن بان المفاوضات الاحقة حول تشغيل الممر الامن والمطار والميناء واطلاق سراح المعتقلين ستمر كلها بيسر وبسهولة. واظن ان تاجيل البت بها لم يكن حسنة لجه الله ووجه الفلسطينيين، ولا شك ان تأخير التوصل الاتفاق حولها لم يكن عبثا
ولهذا يمكن القول ان الاتفاق الجديد لم ولن ينهي التوتر بين الطرفين. وان حالة انعدام الثقة بينهما ما زالت قائمة حتى لو اكثر كل منهما مدح الآخر. وقد يكون تطبيق الاتفاق الجديد عنصرا جديدا مثيرا للاشكالات بينهما

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:37 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

 
بصرف النظر عن رأي المؤيدين والمعارضين للاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي الجديد، وعن تعرج مسار تنفيذه ـ كما هو متوقع له ـ فتاريخ توقيعه لا يقل اهمية عن التواريخ البارزة الاخرى التي ادخلتها عملية السلام في التاريخ الفلسطيني الحديث، وفي اجندة العلاقات الفلسطينية العربية ـ الاسرائيلية. وانه بالرغم عن العقبات الكبيرة الطبيعة او التي قد تفتعل لاعاقة التنفيذ، والشكوك الواسعة التي تحيط بالالتزام الاسرائيلي الدقيق والامين، وبوفاء الراعي الامريكي بضماناته، فسيكون له ما بعده من نتائج وآثار على حياة الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي وحياة شعوب الشرق الاوسط ككل. اما تفاعلاته اللاحقة فستترك لفترة طويلة بصمات واضحة على مستقبل القضية الفلسطينية، ومستقبل مسيرة السلام الفلسطينية العربية ـ الاسرائيلية، وداخل المجتمعين الفلسطيني والاسرائيلي، وبخاصة في الاوضاع الحزبية والسياسية والاجتماعية والامنية داخل اسرائيل. ولعل الصراعات الحقيقية والحادة التي تفجرت فور توقيعه بالاحرف الاولى داخل الحكومة الاسرائيلية وفي صفوف حزب الليكود والاحزاب اليمينية الاخرى، وردود الفعل السلبية العنيفة عند المستوطنيين عليه اولى هذه البصمات، ومؤشرات على منحى تفاعلاته وانواعها.
وقبل الدخول في تقيم بروتوكول اعادة الانتشار في مدينة الخليل وبقية مناطق الضفة الغربية ونتائجه على الوضع الفلسطيني اعتقد ان المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني ومستقبل الديمقراطية على الساحة الفلسطينية تفرض القول ان على جميع اطراف الحركة الوطنية الفلسطينية التعامل مع هذا الاتفاق وكل الاتفاقات التي تم التوصل لها بصورة موضوعية وواقعية. فالاتفاق نتاج موازين القوى الراهنة والظروف والاوضاع الدولية المحيطة بالصراع العربي الاسرائيلي وبالقضية الفلسطينية وبالسلطة الوطنية وقيادة م ت ف . وسلفا يمكن القول بان الحديث عن الغائه واسقاطه حديث غير واقعي وغير مفيد وطنيا ويلحق اذى جماهيرا باصحابه. فالمواطن الفلسطيني العادي لن يدقق كثيرا في نصوص الاتفاق الجديد كما تفعل القوى السياسية. بل سيتوقف مطولا أمام النتائج العملية التي سيتركها على حياته اليومية. وسيراقب نتائجه على امنه الاجتماعي، وعلى لقمة عيشه. ولن يقبل السير في مظاهرات ترفع شعارات من نوع "لا للاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي الجديد"، "ولا للتنازلات التي تضمنها الاتفاق" فهذه الشعارات تعني بالنسبة له بقاء قهر الاحتلال. وهو يرى ويسمع يوميا ردود الافعال السلبية والعنيفة عليه داخل المجتمع الاسرائيلي وبخاصة في صفوف المستوطنيين المجاورين له والمنغصين عليه حياته وسارقي ارضه.
وفي سياق التقييم اظن ان لا مصلحة لاي طرف فلسطيني تجميله، واخفاء عيوبه ونواقصه. فأشد المتحمسين له يعرفون انه خطوة على طريق طويلة ومعقدة جدا، وانه استكمال جزئي لاطار اتفاق مرحلي في اطار عملية طويلة قطع منها خمس سنوات حتى الان. ولا يستطيعون انكار أنه دون طموحات الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ناهيك عن اللاجئين والنازحين وفاقدي التصاريح والهويات. وأنه جزّء ومرّحل الحقوق الفلسطينية مدة حدها الادنى ١٦ شهرا وبخاصة ما يتعلق بالانسحاب من الارياف الفلسطينية وبالسيادة الفلسطينية على الارض. وأجل تنفيذ قضايا جوهرية وحيوية لحياة الناس من نوع تنفيذ فتح الممر الآمن بين الضفة والقطاع، وفتح مطار غزة وميناءها. ولم يقطع الطريق على سياسة الاغلاق، ولم يحررالاسرى والمعتقلين القابعين في السجون الاسرائيلية منذ سنوات. ولا احد يستطيع ان يضمن التزام الجانب الاسرائيلي تنفيذه بدقة وامانة. فتجربة الاتفاقات الفلسطينية مع الاسرائيليين تؤكد انهم يتعاملون معها وفقا لقاعدة ليكودية عمالية مشتركة تقول لا تواريخ ولا نصوص مقدسة في الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين. اعتقد ان السلطة الفلسطينية واجهزة الاعلام الفلسطينية ترتكب اخطاء جسيمة حين تتردد من تسمية الامور باسمائها. فلا بد من القول صباح ومساء للشعب الفلسطيني وللعرب والعالم بان الاحتلال لم ينتهي، وانه ما زال يتحكم في معظم مناحي الحياة الفلسطينية، وان زواله كاملا يحتاج الى نضال شاق وعسير. وتخطئ أكثر ان هي اشاعت بعد العبور الى مدينة الخليل، او تصرفت بعد تنفيذ المرحلة الاولى من الانسحاب من القرى والبلدات وبعض مناطق الريف وكأن السلام قد تحقق. واذا تراخوا في ملاحقة كل الحقوق التي نص عليها الاتفاق ولم يستطيعوا تثبيتها، او أغمضوا عيونهم عن متابعة تحصيلها كاملة. فخلق مثل هذه الاجواء يؤدي الى تبديد بعض الحقوق، ويقود الى تعطيل وتأخير تنفيذ المراحل اللاحقة من الاتفاق، والتجربة اكبر برهان. لاسيما وأن نوايا اركان الحكومة الاسرائيلية ليست صافية وسيئة، كما أكدتها مواقفهم عند صياغة نصوص الاتفاق. وتفسيرات نتنياهو لاحقا لرسالة الضمانات الامريكية، واقواله بعد اقل من ٤٨ ساعة من التوقيع "اسرائيل وحدها هي التي سوف تقرر مستوى اعادة الانتشار في المرحلة الثالثة" ..الخ. كلها لا تبشر بالخير، وتؤكد ان تراجع نتنياهو لم يكن نتيجة تغيير نوعي في قناعاته بمقدار ما هي رضوخ لضغوط خارجية قوية. وليس عسيرا على كل من يريد البحث عن النواقص والثغرات في الاتفاق ان يضيف على ما ذكر اعلاه.
وبالمقابل لا يستطيع ألد أعداء الاتفاق تلبيسه تهمة اغلاق الطريق أمام الشعب الفلسطيني لمتابعة الصراع من أجل تحقيق حقوقه الوطنية الكثيرة المغتصبة. ويجب انصاف الحقيقة، فتأجيل بحث المسائل المؤجلة لا يعني التنازل عنها وضياعها، كما بينت تجارب اوسلو وطابا. واذا كان للجانب الاسرائيلي تفسيره ومفهومه الخاص لها، فللفلسطينيين ايضا تفسيرهم ومفهومهم لها، ولصنع السلام الحقيقي القابل للحياة استحقاقاته، وبدون دفعها مقدما او متاخرة تتحول العملية الجارية الى نوع من الهدنة او التسوية المؤقتة اوما يشبهها. صحيح ان الاتفاق لا يتضمن كل الحقوق الفلسطينية التي نصت عليها الاتفاقات السابقة، ولا يلبي الطموحات الفلسطينية وبخاصة طموحات اهل الخليل بالخلاص النهائي من وجود قوات الاحتلال ومن وجود المستوطنيين داخل مدينتهم، ولا طموحات اهل قطاع غزة بالوصول بسهولة وأمان الى الضفة الغربية، وطموحات المعتقلين بنيل الحرية والتحرر من الاسر..الخ . لكن الواقعية في تقييم الاتفاق تفرض الاقرار بأن الامنيات والرغبات الذاتية شيء وامكانية تحقيقها الان أو غدا شيء آخر. والتجربة العملية اكدت ان الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية دفعت ثمنا غاليا، نتيجة هيمنة النزعات الارادية وغياب الواقعية في الفكر السياسي العربي، وبسبب سياسية كل شيء او لاشي. وقراءة الاتفاق بموضوعية ومسؤولية وطنية تبين انه يدفع بالقضية الوطنية خطوات جديدة للامام ويحقق للشعب الفلسطيني مكاسب كثيرة اهمها:
اولا/ وفقا للمقولة السياسية القائلة بأن الأمور تقاس بنتائجها وبمدى تأثيرها على تحقيق الهدف الأساسي، يفرض ان لا يكون هناك خلاف على ان الاتفاق الجديد بنصوصة وتفاعلاته اللاحقة، يقوي نسبيا وضع الفلسطينيين فوق ارضهم، ويحسّنه على الصعيدين العربي والدولي وفي العلاقة مع الاسرائيليين. ويعزز موقع اهدافهم في إطار المساعي الهادفة الى تسوية الصراع العربي الاسرائيلي. ويقوي اوراقهم التفاوضية في المفاوضات اللاحقة سواء تلك المتعلقة بتنفيذ الاتفاقات التي وقعوها مع الاسرائيليين حتى الان، او تلك المتعلقة بالمرحلة النهائية. خاصة اذا وحدوا صفوفهم واحسنوا بناء وتطوير واستثمار ما يعطيه الاتفاق لهم. واجادوا ادارة الصراع في مرحلة ما بعد تراجع نتنياهو تكتيكيا عن مواقفه الايدلوجية. فتنفيذ المراحل الثلاث من الانسحاب واعادة الانتشار يؤدي الى جلاء اسرائيل تدريجيا عن معظم ارضي الضفة الغربية وتحرير غالبية سكانها الواقعين تحت سلطة الاحتلال حتى الان، وينقل أوضاعهم الى حالة جديدة وحياة أفضل، لا يمكن اطلاقا مقارنتها باوضاعهم القائمة الان في ظل الاحتلال، بدءا من ابسط الامور كحرية الحركة وانتهاء بالامور الاساسية الاخرى.
ثانيا/ ينهي الاتفاق ـ نظريا ـ مشروع الحكم الذاتي كسقف للحل النهائي، وفكرة ارض الميعاد. ويكرس عمليا وجود كيان فلسطيني متماسك يقوم على اجزاء واسعة من الارض، ويخلق سلطة فلسطينية تشمل سلطاتها كل سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، ولها كل مقومات الحكم، بما في ذلك مؤسساتها المدنية التنفيذية، والقضائية، والتشريعية والامنية القائدة والممسكة بكل مناحي حياه مليونين ونصف مليون انسان. وسينقل الوضع الفلسطيني برمته الى محطة جديد. ويعرض السلطة الفلسطينية الى اختبار حقيقي ويمتحن قدراتها على بناء وتشغيل مؤسسات المجتمع المدني. وسوف يظهر الحاجة اكثر فاكثر الى الديمقرطية في الحياة السياسية الفلسطينية. وسيدفع في المرحلة الاولى بقطاعات واسعة من السكان لاسباب متنوعة نحو الانحياز للسلطة وللحزب الحاكم. وقد يتسبب في زيادة التشرذم الحاصل في صفوف الفصائل والمنظمات الفلسطينية وبخاصة المعارضة لعملية السلام. ويعمق التناقضات القائمة بين مواقف جسمها التنظيمي داخل الضفة الغربية والقطاع، الذي يحاول التعامل مع الواقع، ومع الوضع الجديد الناشئ، وبين قياداتها الموجودة في الخارج المستمرة في رفض الاعتراف بالحقائق الجديدة، ورفض تكييف مواقفها وممارساتها مع متطلبات الوضع الجديد. وبالرغم من الملاحظات الكثيرة التي يمكن تسجيلها على هذا الكيان وبخاصة وحدته الجغرافية وامكاناته الاقتصادية، وعلى الدور الراهن لاجهزة السلطة المفعم بالاخطاء والنواقص والثغرات، فالواضح انه قابل للتحول بسرعة الى دولة مستقلة وذات سيادة.
ثالثا/ من الواضح ان السلطة الفلسطينية سوف تركز عملها في الفترة الاولى من تنفيذ الاتفاق على ضبط الامن بشقيه الداخلي والخارجي وفقا للاتفاق في مدينة الخليل والقرى والبلدات التي سيجلو عنها الاحتلال. ومنع الاطراف المعارضة لعملية السلام من القيام باي نشاط عسكري ضد اهداف اسرائيلية داخل اسرائيل او داخل الضفة الغربية، وسوف تتعامل مع المعارضة وفقا لسلوكها العملي ازاء هاتين المسألتين. ولن تضع اية عراقيل جدية امام نشاطها السياسي بما في ذلك النشاط العلني ضد عملية السلام وضد اوسلو وضد الاتفاق الجديد، وبذات الوقت لن تتورع عن اعتقال كل قيادات المعارضة اذا تجاوزت الحدود التي تسمح بها ضرورات تطبيق الاتفاق. اعتقد ان تجربة نتائج العمليات العسكرية على الاوضاع الفلسطينية تفرض على المعارضة الفلسطينية التوقف مطولا امام نتائج عملياتها العسكرية على اوضاعها وعلى علاقاتها مع الجمهور الفلسطيني الفلسطيني ومصالحه الوطنية الكبرى.
واذا كانت مقولة العبرة في التنفيذ تنطبق على هذا الاتفاق، وهي المقياس الصحيح لصدق النوايا الاسرائيلية، ولنزاهة وفعالية دور الراعي الامريكي. فاتفاق "الخليل" لن يعود بعد التوقيع عليه ملكاً خاصاً لمن صاغوه أو من وقعوه. وأظنه لن يكون بعد هذا التاريخ ملكاً لا للاسرائيليين ولا للفلسطينيين، بل سيصبح ملكاً للمجتمع الدولي وللقوى الدولية الكبرى، مثله مثل اتفاق اوسلو، وطابا وكل الاتفاقات الدولية. والجميع مسؤول عن التنفيذ، وعن تحويل الشكوك الفلسطينية والعربية في نوايا نتنياهو الى هواجس واوهام تنتمي للماضي وآلامه المرة، وعذاباته القاسية جدا جدا.

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:33 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

اولا/ دروس مستخلصة حول ادارة المفاوضات .
اسفرت جهود اللحظات الاخيرة التي بذلها اكثر من طرف دولي وعربي الى ايصال منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية للاعلان عند الساعة الثانية والربع من فجر يوم الاربعاء الخامس عشر من كانون الثاني ١٩٩٧ الموافق ٦رمضان، عن نهاية المفاوضات المارثونية التي استمرت ١٢٦ يوما "٩/٩/١٩٩٦ ـ ١٥/١/١٩٩٧". واختتامها بالتوقيع بالحرف الاولى في معبر الحدود الفلسطينية ـ الاسرئيلية " بيت حانون" على بروتوكول تنفيذ اعادة الانتشار في الخليل وفي بقية مناطق الضفة الغربية، وبدء مفاوضات الحل النهائي. وحدد كل طرف قضاياه الرئيسية التي يجب ان تتضمها رسائل الضمانات الامريكية الموجهة للطرفين. ويفرض ان تستكمل مراسم التوقيع النهائي على الاتفاق في غضون ايام قليلة.
وانطلاقا من رؤيتهم لاهمية نتائج الاتفاق على الاوضاع الاقليمية والدولية بارك بعيد التوقيع كل من الرئيس مبارك والملك حسين والرئيس كلينتون الاتفاق، خلال مكالمات هاتفية اجروها مع عرفات ونتنياهو. وتلاهم في تقديم التهاني عدد كبير من زعماء العالم. وبعد اقل من ٢٤ ساعة اقر الاجتماع المشترك لمجلس السلطة الفلسطينية واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الاتفاق، وذات الشيء فعلت الحكومة الاسرائيلية حيث اقرته بأغلبية احد عشر صواتا وعارضة سبعة وزراء، واقرته الكنيست باغلبية كبيرة بعدما صوتت احزاب المعارضة الى جانب الاتفاق. وبعد هذه الخطوات الدستورية شرعت القوات الاسرائيلية فجر يوم الجمعة ١٧/١/ ١٩٩٧ في الانسحاب من عدد من احياء مدينة الخليل، ودخلتها قوات فلسطينية من مختلف التشكيلات الامنية والعسكرية الفلسطينية. ويفترض اذا لم تقع مفاجئات، وهذا وارد، ان يواصل الطرفان في الايام والاسابيع القادمة تنفيذ بقية بنود الاتفاق، وان يواصلوا التفاوض مباشرة حول بقية المسائل التي لم ينتهي التفاوض حولها.
لاشك في ان نتنياهو نجح الى حد ما، بدعم واسناد امريكي، في فتح الاتفاق بصيغة او اخرى، ونجح في تأجيل بعض المستحقات الفلسطينية الهامة، وابرزها تاخير فتح الممر الآمن بين الضفة والقطاع، وتأخير تشغيل المطار، وأجل اطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات. وخلق سابقة في التعامل مع الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين، لا تقل خطورة عن التي خلقها رابين حين اعلن ان لا تواريخ مقدسة مع الفلسطينيين ونفذ في حينه ما اعلنه. اما الاتفاق ذاته فبعض نصوصه تتضمن في ثناياها الكثير من النواقص والثغرات والعيوب، وبخاصة تلك المتعلقة بمدينة الخليل، الا ان تنفيذه سوف يقود بالتدريج الى تعديل نوعي في ميزان القوى في الضفة الغربية لصالح السلطة الفلسطينية، ولصالح قيام الدولة المستقلة، ويعزز مواقعها في المفاوضات اللاحقة، وفي انتزاع مزيدا من الحقوق الفلسطينية المغتصبة.
وقبل الاستطراد في الحديث عن نتائج الاتفاق وتفاعلاته المباشرة والبعيدة المدى على الوضعين الفلسطيني والاسرائيلي اعتقد ان من الضروري، ولعله يكون مفيدا، التوقف امام بعض الدروس الاساسية المتعلقة بادارة المفاوضات والمستخلصة من هذه الجولة المارثونية من المحادثات. فهناك الكثير من العبر بالغة الاهمية للجانب الفلسطيني يمكن استخلاصها والاستفادة منها في متابعة تنفيذ ما اتفق عليه، وفي المفاوضات اللاحقة حول قضايا الحل النهائي والمقدر لها ان تبدأ يعد اسابيع قليلة. وفي هذا السياق يمكن القول:
ان اول هذه الدروس والعبر المستفادة هو ان التمسك بالمواقف وبالحقوق الوطنية، والتمترس وراء جمل وصياغات واضحة ومحددة منتج ومفيد. وان اعتماد هذا النهج في هذه الجولة المارثونية من المفاوضات لم يكن من باب ممارسة هوايات ورياضة ذهنية وفذلكة لغوية. بل كان بهدف تجنب النصوص حمّالة الاوجه، وعدم تكرار ما حصل في اتفاق طابا. وتحسين المواقف والمواقع الفلسطينية في الصراع اللاحق على الارض وداخل غرف المفاوضات. وانتزاع مزيد من الحقوق، وتثبيت ميزان قوى معين في النصوص لا يوفره الواقع الحالي والمنظور على الارض. وأكدت النتائج المثبتة في الاتفاق ان صبر وصمود المفاوض الفلسطيني اربعة شهور وتمترسه خلف النصوص التي تحفظ له حقوقه لم يكن عبثا، ولم تذهب جهوده هدرا. وان قضاء هذه الفترة الزمنية الطويلة في مناقشة بعض "التفاصيل" لم يؤدي الى ضياع وقت سدى كما اعتقد البعض. فتثبيت الجدول الزمني لاعادة الانتشار في الضفة الغربية بمراحله الثلاث مكسب هام جدا حتى لو لم يلتزم به نتنياهو لاحقا.
وثاني الدروس المستخلصة هو ان الصمود داخل غرف المفاوضات وخارجها، والتحلي بالهدوء وبطول النفس، والتسلح بالحقوق وبالحالة الشعبية في مقاومة الضغوط متعددة الجنسيات، والاصرار على التمسك بالمطالب الاساسية امر ممكن وضروري وصحيح ومنتج ايضا. فمن يقارن تصريحات نتنياهو وبقية المسؤولين في الحكومة الاسرائيلية في بداية تسلمهم السلطة وخلال المرحلة الاولى من المفاوضات بتصريحاتهم بعد الاتفاق يدرك بوضوح من الذي تغير وتراجع عن مواقفه. اما من يقارن برامج احزاب الائتلاف الحاكم واطروحاتهم الفكرية والسياسية بما اسفر عنه الاتفاق فيمكنه القول انها لم تصمد امام الوقائع التي خلقها اتفاق اوسلو، وتراجعت تحت ضغط الاصرار الفلسطيني على اخذ حقوقه، وضغط الموقف الدولي. وانها في طريقها على المدى الاستراتيجي اما للتكيف مع المتغيرات الدولية التي حصلت بعد انتهاء الحرب الباردة، او معاناة ما عانته الاحزاب الشيوعية في بلدان اوروبا الشرقية وبقية دول العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط سور برلين وتفكك حلف وارسو. ويخطأ من يعتقد ان قبول نتنياهو بهذه النتيجة، قد تم برغبة ذاتية ولا دور للعامل الفلسطيني في بدئه بالنزول عن الشجرة العالية التي صعد الى قمتها.
وثالث الدروس التي يمكن استخلاصها هو ان الرضوخ للضغوط الخارجية حتى لو كانت من العيار الامريكي الثقيل والمزعج والمخيف، ليس قدرا لا ارادة له، وليس قضاء لامفر منه، وليس بلاء لا يمكن مقاومته او تفاديه والوقاية منه وتقليص حجم اضراره. لقد مارس الراعي الامريكي ضغوطا متعددة على القيادة الفلسطينية كي تقدم تنازلات في عدة نقاط اساسية، وكان منحازا لجانب الموقف الاسرائيلي، كما عبر عنه مبعوثوه وكما يرويه ابوعمار وبعض المفاوضين. وكان المنسق الامريكي "دينس روس" ينسق مواقفه مع الجانب الاسرائيلي، ويغلّب على الدوام اعتبارات مراعاة المصالح الاسرائيلية على اعتبارات احترام دور الوساطة واحترام الاتفاقات الموقعة برعاية دولية ومن ضمنها الامريكية. ومسار المفاوضات ونتائجها اظهرت ان رفض الاستسلام والخضوع للمطالب الامريكية امر ممكن ومفيد ومنتج. واذا كان تجاهل الدور الامريكي او الاستهتار به يعتبر خطا جسيما فان الاستسلام له ولشروطه دون مقاومة كان يعني ارتكاب خطيئة كبرى. واثبت التجربة ان التسلح بالحقوق وادارة الصراع على طاولة المفاوضات بحنكة كفيلة بتلقي الصدمة وارباك الطرف الآخر، وقادرة على امتصاص اقوى واعنف موجات الضغوط الاسرائيلية والامريكية. فالنتيجة الملموسة كانت تراجع واشنطن ممثلة بدينس روس عن مواقف عديدة فور تراجع المفاوض الاسرائيلي، ولم تتوتر العلاقات مع الامريكان، ولم تصدر امريكا اوامرها للدول المانحة بوقف المساعدات للفلسطينيين، وللعرب بوقف دعم المطالب الفلسطينية .
اما الدرس الرابع والاكثر اهمية فيتلخص في حقيقة اساسية تكرر تأكيدها خلال ازمة المفاوضات الطويلة وهي ان الوضع الذاتي الفلسطيني ليس بالضعف الذي يتصورة البعض. وان القضية الفلسطينية بصورتها الجديدة في الوضع الدولي الجديد اثبتت انها مازالت نقطة الجذب ومحور الاستقطاب للوضع العربي. وفي لحظة تصور البعض انها تراجعت في سلم الاوليات، عادت لتؤكد انها قادرة على ان تسهم بشكل مؤثر وفعال في ضبط ايقاع التحرك العربي في طريق السلام وتطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية. واكتسب هذا التأثير قوة مضاعفة نتيجة الطابع الاستفزازي لسياسات حكومة الليكود، وكنتيجة ايضا لصدمة الوعي العربي بالمحصلة المحدودة لعملية السلام. وهذه القوة عبرت عن نفسها باوضح تجلياتها في المواقف المصرية والاردنية التي امدت المفاوض الفلسطيني بزخم كان له وزنه في الحسابات الاقليمية والدولية، وفي المفاوضات. وبينت المفاوضات ان الاستناد على الدور العربي بصيغة واخرى امر ممكن وله فوائد ونتائج ملموسة. وان اعتماد الثنائية الفلسطينية ـ الاسرائيلية التي افادت في عهد حزب العمل يضر في عهد الليكود، ويلحق خسائر معنوية ومادية كبيرة بالموقف الفلسطيني وتفقده بعض الزخم الاضافي والدعم المؤثر والفعال.
وآخرهذه العبر هي ان خوض المعركة فوق طاولة المفاوضات منتج ومثمر. ويمكن من خلاله انتزاع الكثير من الحقوق الفلسطينية بما فيها تحرير الشعب من نير الاحتلال وظلمه واسترداد اجزاء واسعة من الارض، والتقدم بخطوات ثابته نحو بناء الدولة الفلسطينية المستقلة. وانه في الظرف الاقليمي الدولي الراهن اكثر انتاجا من خوضها بالسلاح في ميادين القتال. واذا كانت مقولة "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة" و "الكفاح المسلح هو اقصر الطرق المؤدية الى تحرير فلسطينين" مفيدة وصحيحة في سنوات الستينات والسبعينات، فالواضح انها لا تصلح لمرحلة الوفاق الدولي. وان الاخذ بها في الظرف الفلسطيني العربي ـ الاسرائيلي الراهن ضار وغير منتج. فما تحرر وسيتحرر من الارض الفلسطينية بعد اتفاق الخليل لم يتمكن الكفاح المسلح الفلسطيني، ولا الحروب العربية الاسرائيلية من تحريرة. واظن انه ما كان له ان يتحرر لو لم يذهب الفلسطينيون الى مدريد عام ١٩٩١ ولم يدخلوا المفاوضات التي تغيرت شروطها. وفي هذا السياق اعتقد المصلحة الوطنية الفلسطينية تفرض في هذا الوقت بالذات على الفلسطينيين المعارضين لعملية السلام، ومن ما زالوا يؤمنون بالكفاح المسلح طريقا وحيدا او رئيسيا للتحرير ان لا يعطلوا تنفيذ هذا الاتفاق، وان لا يقدموا الذرائع للجانب للاسرائيلي لتأخير التنفيذ والتراجع عن التزاماته التي التزم بها
دروس عديدة قدمتها تجربة المفاوضات حول الخليل سنحتاجها في الايام والشهور القادمة كثيرا. واذا كان تجربة الخليل زادت خبرة المفاوض الفلسطيني واصبحت اغنى الان بعد هذا المارثون التفاوضي العسير فالطريق ما زال طويلا. وفي هذا السياق اعتقد ان المصلحة الوطنية والصدق مع النفس تفرض على كل المفاوضين الفلسطينيين وأركان السلطة الفلسطينية واعضاء اللجنة التنفيذية واجب اعادة تقييم مواقفهم وادوارهم في المفاوضات من خلال المقارنة بين مواقفهم وتقديراتهم الذاتية بما اسفرت عنه المفاوضات وبما تضمنه الاتفاق. واظن اني لا افشي سرا وطنيا اذا قلت بان نتائج المفاوضات وتراجع نتنياهو عن مواقفه فاقت تقديرات كثيرين. والسؤال هل سيستفيد البعض من هذه الدروس ويأخذ بها في متابعة تنفيذ الاتفاق وفي الجولات اللاحقة من المفاوضات حول الممر الامن والمطار والميناء والمعتقلين..الخ وحول قضايا الحل النهائي. وهل ستستفيد المعارضة الفلسطينية منها ومن كل الدروس الاخرى التي لم يجري رصدها في هذا المقال..؟

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:32 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

بعد التوقيع على اتفاق اوسلو اقدم المجرم روبنشتاين من مستوطنة كريات اربع، في منتصف شهر رمضان (شباط ١٩٩٤)، على ارتكاب جريمة بشعة بحق المصلين في الحرم الابراهيمي الشريف في الخليل راح ضحيتها عشرات المصلين الابرياء. وكان هدفه وقف تنفيذ اتفاق اوسلو، وتوطيد ركائز الاستيطان في مدينة الخليل وكل انحاء الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي حينه سمى رابين التطرف والتعصب العنصري بالجنون السياسي لكنه رفض مواجهته، وتعامل معه باعتباره طارئ ومحدود النتائج، ولم يتوقع ان يرتد عليه فدفع حياته ثمن ذلك. فبدلا من التوجه نحو معاقبة المستوطنين وطردهم من مدينة الخليل، عاقب اهل الخليل واستولى على قلب مدينتهم، وحشد المزيد من القوات العسكرية لقمع الفلسطينيين، وحماية المستوطنيين ولثبيتهم فيها. وبدلا من كشف المجرمين المخططين والمحرضين على ارتكاب المجزرة، غطى عليهم وقال "ان القاتل كان يعمل بمفرده ولم يكن له شريك، فحصنا الاسلحة ولم تكن هناك اية خرطوشة اطلقت من أي سلاح اخر". ومنذ ذلك التاريخ انتهج رابين وقادة حزب العمل سياسة مهادنه للمتطرفين الاسرائيليين بمختلف انتماءاتهم واتجاهاتم الفكرية والسياسية والتنظيميية. وتساهل معهم عندما احتلوا مزيدا من الاراضي الفلسطينية، وقطعوا الشوارع واغلقوا الطرقات في العديد من المدن الاسرائيلية احتجاجا على اتفاق طابا، واتهموه بالخيانة، ونعتوه بالمتخاذل في الدفاع عن ارض اسرائيل وشعبها، ودعوا الى قتله.

ولا اتجنى على احد اذا قلت ان رابين حكم على نفسه بالقتل منذ ذلك الحين. فالبحث الجدي في دوافع وجذور واهداف عملية اغتيال رابين يؤكد وجود ترابط بينها وبين مجزرة الحرم الابراهيمي الشريف. فالفكر العنصري الصهيوني المتطرف الذي قاد الى قتل رابين هو ذاته الذي انتج المجرم الفاشي "بطل" مجزرة الخليل. والعنصريون المتطرفون الذين خططوا لمجزرة الخليل هم انفسهم الذين حرضوا وخططوا لقتل رابين. اما المنفذون فغولدشتاين كان ضابط احتياط برتبة نقيب في الجيش وقاتل رابين ضابط سابق في الموساد. واذا كان هدف العملية الثانية هو وقف تنفيذ اتفاق طابا والحفاظ على الوجود الصهيوني في "يهودا والسامرا"، فهدف الاولى كان وقف تنفيذ اتفاق اوسلو وتقوية دعائم الاستيطان في الخليل وفي كل انحاء الضفة الغربية وقطاع غزة.

والتحقيق العادل في مقتل رابين يبين ايضا ان اللوبي الصهيوني في الكونغرس الامريكي بمواقفه الداعمة لمواقف القوى الاسرائيلية اليمينية المتطرفة والمتعارضة مع متطلبات صنع السلام الحقيقي يتحمل قسطا من المسؤولية في تشجيع عملية القتل. وذات الشئ ينطبق على مواقف زعماء الجالية اليهودية في امريكا، وكل زعماء الاحزاب اليمينية الاسرائيلية، ورئيس دولة اسرائيل عزرا وايزمن. فهم الذين دعموا الارهاب والتطرف، وحشوا راس القاتل ومن يقف خلفه بفكرة القتل، وقدموا لهم التبرير اللازم مسبقا. وحشوا مسدس القاتل بالرصاص ودفعوه للضغط على الزناد بكل برودة اعصاب.

لاشك في ان اغتيال رابين وجه ضربة قوية لاسس الديمقراطية التي قامت عليها دولة اسرائيل وكشف عن الظواهر الفاشية التي تنخر المجتمع الاسرائيلي. لقد وصف بعض المفكرين الاسرائيليين يوم اغتيال رابين ٤/١١/١٩٩٥ بانه يوم اسود في تاريخ اسرائيل وهذا الوصف صحيح ودقيق. ويمكن الاضافة عليه بانه يوم اسود في تاريخ الحركة الصهيونية، وسيبقى وصمة عار في جبين الفكر الصهيوني العنصري لسنوات طويلة قادمة، وسيكون له ما بعده من نتائج واثار داخل المجتمع الاسرائيلي. فرابين بماضيه وحاضره رمز من رموز دولة اسرائيل، ان لم يكن الرمز الابرز بعد هرتزل وبن غوريون. ورغم الاختلاف معه يمكن منحه بجدارة لقب البطل القومي للشعب الاسرائيلي. فهو من بناة دولة اسرائيل الاساسيين، وباني مؤسستها العسكرية والامنية، وصانع انتصاراتها على العرب. ويسجل له انه لم يتردد في تدمير مئات القرى الفلسطينيةعام ١٩٤٨ـ١٩٤٩، وتشريد مئات الالوف من الفلسطينيين، واحتلال اراضي عربية واسعة من اجل توطيد دعائمها.

وبغض النظر عن الدافع الحقيقي، الفكري او المادي، للقاتل، وعن الجهة التي اعلنت مسؤلياتها عن تنفيذ العملية، فمدلولات الحادث وابعاده السياسية تؤكد ان اغتيال رابين هو افراز من افرازات المجتمع الاسرائيلي الذي تربى على تمييز الذات عن اللآخرين، واباحة اضطهادهم واستعمارهم. ونتاج للتعباة العنصرية الفاشية التي شحن بها على مدى نصف قرن من الصراع مع العرب. وترجمة امينة ودقيقة لتوجهات ايدلوجية ولمواقف سياسية ترعرعت في عهد رابين، وتتبناها الان قوى وازنة في المجتمع الاسرائيلي. تبدا بالليكود وتمر بالمؤسسة العسكرية وتنتهي بغوش امونيم وحركة كاخ، وتنتهي بالتنظيم الوهمي الذي ينتمي له القاتل. وهذه القوى تحتل الان ما يقارب نصف مقاعد الكنيست. واذا كان بعض المفكرين الاسرائيليين ما زالوا يعتزون بالنظام الديمقراطي في اسرائيل، فاغتيال رابين، والتجربة الفرنسيين مع الجزائريين بعد اتفاقات ايفيان تؤكد ان ظواهر العنصرية والفاشية تبرز وتنمو في مراحل تاريخية معينة في أعرق الدول الديمقراطية. وان تشكل الحركات السرية وظواهر التمرد على النظام الديمقراطي تصاب بها اكبر الجيوش واكثرها انضباطية.

واغتيال رابين ممارسة مكشوفة للارهاب الفكري ضد انصار السلام وفكرهم، ومؤشر خطير على المدى الذي بلغه التطرف والتعصب داخل اسرائيل، وللمدى الممكن للمتضررين من السلام ان يندفعوا نحوه، وبخاصة المتعصبون لفكرة ارض الميعاد واستيطانها، والمناهضون للانسحاب من الضفة الغربية، ولكل الاتفاقات التي تم التوصل لها مع الفلسطينيين والاردنيين. فاغتيال رابين اعلان صريح من قبلهم للكفاح بالسلاح ضد التعايش مع العرب والفلسطينيين وضد انصار السلام في اسرائيل وفي المنطقة. وتخطئ كل القوى الدولية والاقليمية الساعية الى صنع السلام في المنطقة اذا اعتقدت ان قتل رابين هو اول وآخر عملية اغتيال ترتكب بحق عملية السلام وبحق اركانها، فالذين خططوا لقتل رابين لن يترددوا عن تكرار جريمتهم ضد آخرين، وبخاصة بعض القادة الفلسطينيين. لاسيما اذا تم التهاون معهم كما تهاون رابين وقادة حزب العمل مع المستوطنيين والقوى المتطرفة سابقا. ويخطئون اكثر اذا بسّطوا واستصغروا النتائج والانعكاسات السلبية لعملية اغتيال رابين. واذا كان من المتعذر الان تقدير كل نتائجها على عملية السلام ومستقبلها، فالثابت:

١) نجح المتطرفون الاسرائيليون اعداء السلام والتعايش مع العرب في توجيه ضربة استراتيجية لعملية السلام قد لا تظهر نتائجها خلال الفترة الشهور القليلة القادمة. فمقتل رابين حسم الشك باليقين فيما يتعلق بامكانية التوصل الى اتفاق على المسارين السسوري اللبناني، وصار مثل هذا الاتفاق مؤجل الى اشعار آخر، اقله من الان وحتى الانتهاء من الانتخابات الاسرائيلية والامريكية. لقد تردد رابين القوي داخل الحزب وفي الشارع الاسرائيلي في التقدم على هذين المسارين بسبب المعارضة القوية التي واجهها داخل حزب العمل وفي الشارع الاسرائيلي. وبسبب الاستحقاقات المطلوب دفعها اسرائيليا عليهما، واعتقد انه لن يكون بمقدور بيريز، الاقل قوة، معالجتهما خلال خلال الفترة الباقية من عام ١٩٩٥ وكل عام ١٩٩٦. واذا كانت الجهود الامريكية لم تفلح في عهد رابين في جمع السوريين والاسرائيليين من جديد خلف طاولة المفاوضات فالمرجح ان لا ينجحوا في ذلك بعد قتله، وحتى اذا نجحوا فمن غير المقدر ان يتوصلوا الى نتائج ملموسة في اتفاقات محددة.

٢) اعتقد ان الشق الاول من اتفاق طابا الذي تم توقيعه في البيت الابيض يوم ٢٨ ايلول الماضي والمتعلق بالانسحاب من المدن والقرى الفلسطينية سيتم تنفيذه وفقا للجدول الزمني الاسرائيلي. اما بشأن التوصل الى اتفاقات مع الفلسطينيين حول الشق الثاني من ذات الاتفاق أي اجراء الانتخابات، وتنصيب المجلس المنخب، والغاء ببنود الميثاق الوطني الفلسطيني والانسحاب من المنطقة ‏(جـ) فالمرجح ان تقع حولها خلافات تعطل التنفيذ وتعقد العلاقات بين الطرفين. لاسيما وان تنفيذ هذه القضايا سوف يتداخل بطبيعة الحال مع فترة الانتخابات الاسرائيلية. وسواء تم تبكيرها او جرت في موعدها الطبيعي، فخلال فترة الانتخابات سيكون بيريز وكل اركان الاتجاه المعتدل في قيادة حزب العمل بحاجة الى مجاراة المتشددين في قيادة الحزب وفي الشارع، حفاظا على وحدة الحزب ولكسب مزيد من الاصوات في الانتخابات .

٣) اما بشأن بامكانية التوصل الى اتفاق بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي حول قضايا الحل النهائي ( القدس، اللاجئين، عودة النازحين، الاستيطان، الحدود، الترتيبات الامنية النهائية، المياه، الخليل) فالواضح انها اصبحت الان اصعب واعقد بما لا يقاس فيما لو بقي رابين على قيد الحياة. فبغياب رابين فقدت اسرائيل الرجل القوي القادر على اتخاذ القرارات الكبيرة الصعبة وتامين الدعم الشعبي والبرلماني لقراراته. وفقد حزب العمل القائد المجمع حوله والمسلم بدوره الريادي. واذا كانت المصيبة التي ألمّت بحزب العمل تفرض على كل اتجاهاته التوحد خلال الشهور القادمة خلف قائد جديد، وحول قضايا وافق عليها رابين، فلن يكون سهلا على بيريز (الخليفة المرجح) الحفاظ على وحدة حزب العمل عندما تحين ساعة تقديم الاستحقاقات الكبرى المذكورة اعلاه، وغير المتفق عليها في حياة رابين. ولعل من المفيد القول ان الفكر الذي قتل رابين بسبب اتفاق طابا المتعلق بالانسحاب الجزئي من الضفة الغربية سيعمل بكل السبل على اغتيال كل من يفكر بالانسحاب من الجولان او بانهاء الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ناهيك عن عودة النازحين، وعن حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

اعتقد ان محاربة التطرف والعنصرية والفاشية في اسرائيل اصبحت مهمة حيوية وملحة للراي العام العالمي ولكل القوى المناهضة لهما. وصار مطلوبا من الجميع وقف كل اشكال المساندة المعنوية والمادية التي يتلقاها المتطرفون في اسرائيل من هذا البلد او ذاك بصورة رسمية او غير رسمية. ومصلحة صنع السلام والاستقرار في المنطقة، تفرض على الادارة الامريكية فرض حظر جدي على كل نشاط يؤدي الى دعم المستوطنيين وبقية المتطرفين في اسرائيل. وتفرض على كل القوى الدولية والاقليمية التي رعت وساندت عملية السلام خلال اربع سنوات التحرك بسرعة باتجاه مساعدة قوى السلام في اسرائيل على مجابهة الافكار العنصرية المتطرفة واعادة الامساك بزمام المبادرة من جديد. وشن اوسسع حملة فكرية وسياسية ضد اعداء السلام العادل، وفرض قيودا جدية علىالاستيطان، والحد من التصرفات العنجهية لكل المتطرفين وتجريدهم من اسلحتهم. وخوض معركة انتخابية ناجحة تحصل فيها على اغلبية كبيرة في الكنيست. وتنفيذ كل الاتفاقات التي وقعها رابين. فبقاء زمام المبادرة بيد العنصرين المتطرفين، قتلة رابين، ومرتكبي مجزرة الحرم الابراهيمي الشريف، اعداء السلام والتعايش بين العرب والاسرائيلين، يدفعهم الى المضي قدما في تنفيذ الحلقات اللاحقة من مشروعهم الفاشي الدموي الرهيب. وينذر بعواقب وخيمة على مجمل عملية السلام وعلى الاتفاقات التي تم التوصل لها وقد تطال المنطقة برمتها ويحول الصراع الى صراع ديني ويشعل حروب مقدسة يعاد فيها حشد القوى واصطفافها على اسس جديدة.

واذا كان رابين اخطأ وهادن العنصريين فهل سيتعلم بيريز وقادة حزب العمل وانصار حركة السلام من هذا الدرس البليغ. وهل سيتم التعامل اسرائيليا وفلسطينيا وعربيا ودوليا مع مقتل رابين باعتباره محطة حاسمة في تحديد مصير عملية السلام ؟

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:27 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

ثالثا/تقييم مسيرة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية خلال عام
ــ المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ابتعدت كليا عن الالتزام باتفاق اوسلو
ــ الراعي الامريكي يحرص على استمرار المفاوضات وفقا للمفهوم الاسرائيلي
ــ رابين استفرد بالمفاوض الفلسطيني وقتل روح اتفاق اوسلو وأكل بعض نصوصه الرئيسية
ــ السلطة الوطنية الفلسطينية تعثرت وارتبكت في ادارة المفاوضات مع الاسرائيليين
ــ مصادرة اراضي القدس هدفه وضع مستقبل المدينة خارج مفاوضات المرحلة النهائية

اثناء تثبيت الصيغة النهائية لاتفاق اوسلو، اكثر المفاوضون الاسرائيليون من الحديث عن حرص دولة اسرائيل على الالتزام الحرفي بالمواثيق والاتفاقات التي توقعها مع الاخرين. وأكثروا من اسئلتهم حول مدى التزام عرفات بما يوقع عليه. وخلال حفل التوقيع علىالاتفاق قال رابين وبيريز لبعض اركان القيادة الفلسطينية: "المعروف عن الاسرائيلي انه مفاوض متعب ومزعج خلال المفاوضات، لكنه مريح في التنفيذ. فهو يحترم توقيعه، ويحرص على الالتزام الكامل والدقيق بتنفيذ كل ما يوقع عليه..! وابديا مع الراعيين تخوفاتهما من عدم احترام عرفات لتوقيعه، ومن عدم قدرته على الالتزام بتنفيذ ما ورد في الاتفاق في التواريخ المتفق عليها . في حينها تبنى الراعي الامريكي المخاوف والشكوك الاسرائيلية. وافرد لها الرئيس كليننتون فقره خاصة في خطابه الذي ألقاه في حفل التوقيع يوم ١٣/٩/٩٣.اما المفاوضون الفلسطينيون فقد تبنوا تلك الاقوال، وصدق الكثير من اعضاء القيادة الفلسطينية تلك المواقف، وبنوا عليها الكثير من الحسابات الفلسطينية. وخلال حفل التوقيع الذي تم في حديقة البيت يوم ١٣/٩/١٩٩٣اعتقد كل الذين حضروا ذلك الاحتفال الدولي الضخم وشهدوا على التوقيع ان انفصال عربة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية عن باقي عربات قطار السلام الذي انطلق من مدريد في اكتوبر ١٩٩١ سوف يتيح لها حرية اوسع في الحركة ويزيد من سرعتها. واعتقدوا بناء على ما سمعوه من الفلسطينيين والاسرائيليين ان الطرفين سيلتزمان بتنفيذ كل ما ورد في اتفاق اوسلو بصورة دقيقة، ووفقا للتوقيتات الزمنية االتي نص عليها الاتفاق.
في حينها كان للشارع الفلسطيني وبخاصة أهل الارض المحتلة المكتويين بنار الاحتلال رأي آخر لخصوه بجملة واحدة "العبرة في التنفيذ" مشككين في نوايا اسرائيل. وبعد أسابيع قليلة جاءت وقائع الحياة لتؤكد عمق خبرة أهالي الضفة والقطاع بالاحتلال ولتبين دقة وصحة تقديراتهم. فبعد التوقيع على اتفاق اوسلو ظهرت في صفوف المؤسسة العسكرية الاسرائيلية حركة إحتجاج واسعة على الاتفاق، بعضها كان بسبب عدم اشراك الجيش في المفاوضات السرية التي تمت في اوسلو، وبعضها الاخر طال العديد من بنود الاتفاق. وهي نفس البنود المختلف حولها الان،(التوقيتات الزمنية للانسحاب من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية وخطة اعادة انتشار قوات جيش الدفاع في مواقع محددة يتفق عليها واجراء الانتخابات ). وفي حينها طرحت المؤسسة العسكرية حاجتها لفترة زمنية أطول من تلك المنصوص عليها في الاتفاق كي تتمكن من تنفيذ الانسحاب من المناطق المأهولة بالسكان، واعادة الانتشار دون الاضرار بأمن اسرائيل والاسرائيليين المقيمين في الضفة والقطاع (المستوطنيين) . واستجابة لمطالبها لم يتردد رابين في حينها في وضع نصوص اتفاق اوسلوعلى الرف. ولم يتوانى عن وضع المفاوض الفلسطيني امام احد خيارين اما الموافقة على الرؤيا الاسرائيلية والجدول الاسرائيلي لتنفيذ اتفاق اوسلو، بما في ذلك تقسيم مرحلة غزة واريحا الى مراحل، وتأجيل استلام المعابر، وتاجيل اطلاق سراح المعتقلين، والقفزعن التواجد الدولي ...الخ واما تاخير تنفيذ اتفاق اوسلو وتأخير الانسحاب من غزة واريحا، وبالتالي تأخيرعبور الشرطة الفلسطينية والسلطة الوطنية اليهما.
وبعد دخول قوات الشرطة الفلسطينية الى غزة واريحا وقبل شروع حماس والجهاد الاسلامي في تنفيذ عملياها العسكرية النوعية، وجهت المؤسسة العسكرية الاسرائيلية ضربات قوية لاتفاق اوسلو، وعطلت تنفيذ العديد من بنود بروتوكولات القاهرة. وظهرت داخلها اصوات مهمة، كان اعلاها واقواها صوت اهود براك رئيس الاركان والخليفة المنتظر لرابين، شككت في امكانية تحقيق الحد الادنى من الامن للمستوطنيين في حال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق اوسلو. ووضعت المؤسسة العسكرية، ورابين احد اركانها ومن بناتها الاساسيين، حكومة اسرائيل بين خيارين اما تأجيل تنفيذ الانسحاب وتاجيل اعادة الانتشار في الضفة الغربية، واما اعادة النظر في تواجدعدد من المستوطنات وفي حركة المستوطنيين على طرقات الضفة الغربية. ومنذ ذلك التاريخ لم تغيرالمؤسسة العسكرية رأيها، ووجدت في عمليات حماس والجهاد الاسلامي ذرائع ومبررات اضافية. وونجحت في تعطيل تنفيذ المرحلة الثانية منذ ذلك التاريخ وحتى الان.
ومراجعة مسيرة المفاوضات منذ التوقيع على بروتوكولات القاهرة ودخول الشرطة والسلطة الفلسطينية الى غزة واريحا تضعنا امام اللوحة التالية :
(ا) دور الاطراف الراعية والمساندة لعملية السلام
بالرغم من المفاجئة، رحبت كل الاطراف الراعية والمساندة لعملية السلام وللمفاوضات الفلسطينيةالاسرائيلية باتفاق اوسلو. واعتبرته اختراق حقيقي للجمود الذي كان يسيطرعلى المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية وعلى كل عملية السلام. واعلنت عن استعدادها لحماية الاتفاق ودعمة، وابدت تصميما على انجاحه وتمكينه من شق طريقة الى الحياة في منطقة الشرق الاوسط. وفي حينه سارعت الادارة الامريكية الى تصويره على انه اتفاق سلام شامل وكامل بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ودفعت الاعلام العالمي للتعامل معه على هذا الاساس. الا ان كل ذلك لم يغير المواقف والقناعات الفلسطينية، ولم يبدل مواقفهم الحذرة والانتظارية. وبقي التعامل الفلسطيني الرسمي والشعبي يقوم على اساس ان الاتفاق خطوة نوعية جديدة في العلاقات مع اسرائيل وهذه الخطوة او الخطوات مطروحة على الاختبار العملي والملموس . أما روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي في رعاية العملية السلمية، وشريكة الولايات المتحدة في ذلك، فقد سارعت للترحيب بهذا الانجاز رغم مفاجأتها بالاتفاق. وذكرت العالم بأنها أحد الراعيين لعملية السلام. ودعت دول العالم لدعم الاتفاق، كما شددت على ضرورة أن يكون الاتفاق على المسار الفلسطيني - الاسرائيلي مقدمة وعاملاً مساعداً على التقدم على المسارات العربية -الاسرائيلية الأخرى. وذات الشيء فعلت الدول الأوروبية والأفريقية والآسيوية. ويمكن القول أن الغالبية العظمى من دول العالم هنأت في حينها طرفي اتفاق أوسلو على هذا الانجاز الكبير ودعتهما الى متابعة جهودهما السلمية.وساندوا لاحقا قيام السلطة الوطنية، والتزموا بدعمها بالحدود التي ارادتها الادارة الامريكية. اما الدول العربية فقد انقسمت حول الموقف من الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي وانقسمت حول الموقف من السلطة الفلسطينية، وهناك الان من يدعمها و يساندها، وهناك من لا يقيم اية علاقة معها ويعمل على افشالها. ويمكن القول ان اتفاق اوسلو وقيام السلطة الفلسطينية اضافا مشكلات جديدة على المشكلات القائمة بين الدول العربية وبينها وبين منظمة التحرير، وهذه الاشكالات القديمة والحديثة تحول الان دون تضامنها مع بعضها البعض ومع السلطة الفلسطينية في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ العرب.
وبعد الانتهاء من احتفالات التوقيع على اتفاق اوسلو سارعت الادارة الامريكية للتحرك على أكثر من صعيد وفي اكثر من اتجاه ويمكن تلخيص موقفها ودورها منذ التوقيع على الاتفاق وحتى الان على النحو التالي :
١) رأت الادارة الأمريكية في الاتفاق اختراقا سياسيا كبيرا يفتح الآفاق لدفع كل عملية السلام خطوات كبيرة نحو الأمام. ورأت فيه قوة تدفع منطقة الشرق الأوسط نحو استقرار يضمن لها تعزيز نفوذها، وتوسيع مصالحها. ولهذا رحبت بالاتفاق، وأعلن الرئيس كلينتون يوم ٣٠ آب دعم الولايات المتحدة له. ودعا دول العالم الى مساندته بكل السبل والوسائل الممكنة، وتعهد ببذل كل جهد ممكن لحمايته من المتطرفين أعداء السلام.. وصورت الاتفاق على أنه اتفاق سلام، وأن اقطابه اقطاب سلام. وراحت الماكينة الاعلامية الأمريكية الضخمة تضخم الاتفاق والانجاز، وتجمل صورة م.ت.ف عامة. قبل الاتفاق بأيام كانت منظمة التحرير منظمة إرهابية متطرفة، لا تستطيع الولايات المتحدة إقامة أية علاقات معها. وكان ياسر عرفات إرهابيا لا تستطيع الادارة الأمريكية التعامل معه، ولا حتى السماح له بدخول الولايات المتحدة. بعد الاعلان، وبقدرة قادر، تغيرت الصورة ليس فقط في الولايات المتحدة بل في كل أنحاء العالم. وصارت المنظمة حركة مكافحة من أجل السلام. وأصبح عرفات بطل السلام يستحق الترشيح لنيل جائزة نوبل للسلام. وخلال أيام معدودة تقاطرت الصحافة العالمية، والوكالات من بقاع الأرض الى تونس، لتنقل الأخبار وتغطي الحدث من جهة، ولتجمل صورة المنظمة. فهذه هي "التعليمات التي تلقيناها" على حد قول كبار المراسلين الذين امتلأت بهم فنادق العاصمة التونسية. سياسياً ألحق الرئيس كلينتون ووزير خارجيته وارن كريستوفر تصريحاتهما المتحمسة والداعمة للاتفاق، بإجراء اتصالات تلفونية مباشرة مع العديد من زعماء المنطقة، وبعض رؤساء دول العالم. مشددين على ضرورة دعم الاتفاق وإسناده في مواجهة المتطرفين. وقصد الرئيس كلينتون إفهام رؤساء بعض الدول التي عارضت الاتفاق بأنه يرمي بثقله الشخصي خلف الاتفاق. وراحت الادارة تتحدث عن تغيير محتمل في سياستها الرسمية من منظمة التحرير، مشددة على ضرورة أن تظهر المنظمة التزامها بتنفيذ الاتفاق وأن تحترم تواقيعها. وبجانب النشاط الاعلامي والسياسي، ركز قسم الشرق الأوسط في الخارجيه الامريكيه جهوده مع أصحاب اتفاق اوسلوللاسراع في استكمال انجازالاعتراف المتبادل. ودفعوا باتجاه انجاز ترتيبات التوقيع على الاتفاق في واشنطن. لقد تعمدت الادارة الأمريكية الايحاء بأن الاتفاق تم برعايتها وقللت من الدور الذي قامت به النرويج. وراحت تتصرف باعتبارها صاحبة العرس وكاتبة عقد القران. فقد جاء الاتفاق في وقت كانت فيه الادارة الأمريكية في أمس الحاجة الى إنجاز ما في سياستها الخارجية، خاصة بعد إخفاقها في معالجة مشكلة البوسنة، وظهور اخطاء في سياستها في الصومال. وحيث كانت متهمة داخلياً ومن قبل حلفائها الأوروبيين بأنها إدارة ضعيفة مترددة وذات سياسة خارجية مرتبكة.واستندت الى الاتفاق وراحت تشجع الاردنيين والاسرائيليين على الاسراع في التوصل الى اتفاق فيما بينهما، وجندت طاقاتها وطاقات العديد من دول العالم في هذا الاتجاه.
٢) حرصت الادارة الامريكية على افهام جميع الاطراف الدولية بان توصل الفلسطينيون والاسرائيليون الى اتفاق بمعزل عن التدخل الامريكي المباشر لا يعني في مطلق الاحوال انتهاء تحكم الولايات المتحدة الامريكية بمسارالمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. وسارعت الى التحرك باتجاه تكريس استمرار تحكمها بمفردها في العملية وعدم السماح للاطراف الدولية الاخرى، بما في ذلك دول السوق الاوروبية المشتركة ومؤسسات الامم المتحدة، بأحداث أي تغيير في هذا المجال، وعدم الخروج عن الادوار التي تقررها لهم. ولتكريس ذلك وإرضاءً لمنظمة التحرير واستجابة لطلبها بضرورة توفيردعم اقتصادي للاتفاق سارع الوزير كريستوفر واركان الادارة الامريكية الى اجراء عدة اتصالات مع الدول الصناعية الكبرى ومع دول الخليج بهدف توفير دعم مالي واقتصادي للسلطة الفلسطينية الانتقالية التي ستقوم في غزة وأريحا، مؤكدين على ضرورة أن يلمس الناس في الضفة والقطاع تغييرات ايجابية في حياتهم اليومية ومن ضمنها تحسين اوضاعهم المعيشية. ونجحت في اكتوبر ١٩٩٣في عقد اجتماع دولي في واشنطن حضرة الوزير كريستوفر وما يقارب الاربعين وزيرا ومندوبا عن اكثر من اربعين دولة، اطلق علية اسم اجتماع الدول المانحة للمساعدات المالية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية(al donars). وبناءعلى ضغط امريكي خرج ذلك الاجتماع بقرار التزمت فيه الدول الحاضرة بتقديم دعم مالي للسلطة الفلسطينية-قبل قيامها- مقداره ملياران واربعماية الف دولارمقسمة على خمس سنوات، حصة الولايات المتحدة الامريكية فيها٥٠٠مليون دولار فقط.
٣) حافظت الادارة الامريكيةعلى ذات ذات المنهج الذي اتبعته في رعاية المفاوضات منذ اطلاق عملية السلام. ولم تحاول اقحام نفسها في دور مباشر واكتفت بحض م ت ف والحكومة الاسرائيلية على الاسراع في التقدم نحو التوصل الى اتفاق حول تنفيذ اتفاق اوسلو. وقبل وبعد التوصل الى بروتوكولات القاهرة، وخلال فترات تعثر المفاوضات حرصت الادارة الامريكية على افهام الجانب الفلسطيني بأن عليه ان يشطب من قاموسه ولغته كل حديث عن ضغط امريكي على اسرائيل. وافهامه ايضا انها تعتبرما قدمه رابين شيئا ليس بقليل وانه فاق تقديراتها. لقد جرب الفلسطينيون بعد اوسلو وبعد العبور الى غزة واريحا الاستنجاد اكثر من مرة براعيي عملية السلام وبخاصة الراعي الامريكي، وبالامم المتحدة، وبدول السوق الاوروبية المشتركة، الا ان جهودهم باءت بالفشل، وكان الجواب: ان من توصل مع الاسرائيليين الى اتفاق من حجم ونوع اتفاق اوسلو قادر على التوصل الى حلول للقضايا المختلف حولها، لا سيما وانها قضايا تفصيلية واصغر من اتفاق اوسلو واقل شئنا واقل تعقيدا. وفي كل مرة كانوا يتلقون النصائح بالتحلي بالصبر والاستمرار في المفاوضات. ومن الناحية العملية حافظت الادارة على التزاماتها بدعم الموقف الاسرائيلي في المحافل الدولية، وعطلت كل المحاولات الفلسطينية بالاستعانة بمجلس الامن الدولي. وكان آخرها استخدام حق النقض (الفيتو) بشان مصادرة اسرائيل للاراضي الفلسطينية في القدس .وبجانب ذلك مارست ضغوطا على الجانب الفلسطيني لقبول ما تعرضة اسرائيل، وتبنت وجهة النظر الاسرائيلية التي ربطت تنفيذ التزاماتها الواردة في الاتفاق بقدرة السلطة الفلسطينية على توفيرالامن للمستوطنيين وللمواطنيين الاسرائيليين في اسرائيل. ولم تتورع الادارة الامريكية عن استخدام المساعدات الاقتصادية كوسيلة للضغط على السلطة الفلسطينية حيث ربطت تقديمها في كثير من الاحيان بمدى التقدم في المفاوضات. ٤) بالاضافة للدعم المالي حرصت الادارة الامريكية على توفير الدعم والحماية السياسية للاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي وللسلطة الفلسطينية. وتعمد المسؤولون الامريكييون الاكثار من التصريحات الداعمة للسلطة الفلسطسنية في مواجهة من تسميهم ارهابيين ومتطرفين. واكثروا من اتصالاتهم العلنية وعلى اعلى المستويات مع السلطة الفلسطينية، بما في ذلك القيام بزيارات مباشرة لمناطق السلطة الوطنية(غزة واريحا).ويمكن القول ان كل المسؤوليين الامريكيين الذين زاروا المنطقة منذ اتفاق اوسلو وحتى الان وهم كثروا تعمدوا اللقاء مع رئيس واركان السلطة الفلسطينية ليحرضوهم ضد الارهاب.. وليمارسوا الضغط عليهم للاستمرار في المفاوضات وفقا للرؤيا الاسرائيلية، ولاتخاذ اجراءات عملية ضد المتطرفين حتى ولو كانت متعارضة تماما مع الاعراف والتقاليد الديمقراطية.

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در جمعه نوزدهم فروردین 1384ساعت 11:23 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

هل يكرر الراعي الأمريكي أخطاء الجولة التاسعة

لعل من المفيد على أبواب الجولة العاشرة من المفاوضات العربية الاسرائيلية استقراء الآفاق الواقعية لهذه الجولة، وتحاشي الوقوع في مطب المبالغات المتفائلة أو المتشائمة. وأظن أن الواقعيين الفلسطينيين بحاجة لعملية الاستقراء هذه أكثر من المشاركين الآخرين، ليوحدوا مسبقاً رؤياهم لها ومواقفهم، وليقللوا من التعارض والتناقض في التصريحات والبيانات، وليجنبوا الشارع الفلسطيني وأنصار قضيتهم كل أشكال البلبلة والارباك التي شهدناها قبل وخلال الجولة السابقة. وخيراً فعلت القيادة الفلسطينية هذه المرة حيث قررت المشاركة في الجولة العاشرة وأعفت الجمهور الفلسطيني بلبلة وارباكات انتظار نذهب، أو نقاطع، أو نعلق...
واذا كان لكل جولة من المفاوضات خصائصها وظروفها المميزة عن سواها، فالثابت أيضاً أن الجولة العاشرة من المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية تنعقد وهي محكومة بالمواقف والأجواء التي أفرزتها الجولة التاسعة، وأيضاً تحت تأثير الاوضاع والصدامات الجارية على أرضي الضفة والقطاع. ومن الطبيعي أن تكون مسودات اعلانات المباديء التي تقدم بها الوفدان الاسرائيلي (٦/٥) والفلسطيني (١٠/٥)، ومسودة مشروع البيان المشترك الذي تقدم به الراعي الأمريكي (١٢/٥) أوراق بحث في المسار الفلسطيني-الاسرائيلي طيلة أعمال الجولة المحددة بثلاث أسابيع. واذا جاز اعتبار تبادل الوفدين مسودات اعلانات المباديء، وموافقتهما على تطوير دور الراعي الأمريكي والارتقاء به الى مصاف الشريك الكامل بمثابة مؤشرات جدية لرغبة الطرفين والشريك في التوصل الى اتفاقات، ومحاولة جادة للتقرب من بلورة صياغات لهذه الاتفاقات، فالتدقيق في نصوص المسودات، وفي نص مشروع البيان المشترك يؤكد استمرار وجود عقبات كبرى وخلافات وتباينات جوهرية بين الطرفين تتعلق بالمفاهيم وليس فقط بالصياغات، وأن معالجة كل هذه الخلافات والوصول الى قواسم مشتركة بشأنها يحتاج الى المزيد والكثير من المناقشات قد تستهلك عدة جولات. فالتقدم الذي حصل في الجولة التاسعة في مجال صياغة ومفهوم الترابط بين المرحلتين الانتقالية والنهائية، وحول انطباق القرار ٢٤٢ على العملية ككل وتطبيقه في النهائية، وأيضاً حول مفهوم الوحدة الترابية للضفة والقطاع لا تكفي للتوصل الى اتفاقات، فقد ترافق مع هذا التقدم (عصلجات) قوية، وقابله عقبات وخلافات عميقة في المفاهيم وفي النصوص حول ١) تعريف وتحديد الأراضي التي ستخضع لسلطة الحكم الفلسطيني الانتقالي ٢) طبيعة الصلاحيات التي ستنقل للسلطة الفلسطينية الانتقالية ومدى شموليتها لحق التشريع للقرارات الاقتصادية واستخدامات الأرض والمياه وكل الثروات الطبيعية. ٣) وضع المستوطنين والمستوطنات خلال الفترة الانتقالية ونوعية القوانين التي ستطبق عليهم ومن سيطبقها. ٤) موقع القدس العربية أرضاً وسكاناً ومقدسات خلال المرحلة الانتقالية، وصيغة علاقتها بالحكم الانتقالي، ودور أهلها في بناء وانتخاب السلطة الانتقالية وتعريف حدودها البلدية. ٥) مفهوم الأمن الداخلي والخارجي وحدود مسؤوليات وصلاحيات كل من الشرطة والأمن الفلسطيني وكذلك الأمن والجيش الاسرائيلي.
وبجانب هذه الخلافات، فالمفاوضون الاسرائيليون والفلسطينيون يلتقون الآن في واشنطن والعملية مصابة بأمراض ضعف الثقة، وضعف مصداقية الراعي الشريك، واللف والدوران حول الذات. ولا شك أن انتهاء الجولة التاسعة دون التوصل الى اعلان المباديء الذي بشر به الراعي الأمريكي، ونودي على الناس بانتظاره أنعش هذه الأمراض. ولا نتجنى اذا قلنا أن ارتباك الراعي الأمريكي في الجولة الأخيرة وانكشاف نقاط ضعفه أثار العديد من التساؤلات حول قدرته على رعاية العملية دون انحياز وقدرته على قيادة السفينة والوصول بها الى بر الأمان. واذا كنا لسنا بصدد تقييم مجمل دور الراعي الأمريكي فلربما كان مفيد للمستقبل الاشارة الى عدد من الأخطاء الكبرى والرئيسية النافرة التي ارتكبها طاقم الخارجية في ادارتهم للجولة التاسعة. الخطأ الأول حين بسطوا الخلافات، وبالغوا في تحديد هدف الجولة وأعلنوه مسبقاً "التوصل الى اتفاق على اعلان مباديء حول السلام الفلسطيني الاسرائيلي"، وروجوا له على أعلى المستويات بما في ذلك الحديث عن لقاء الرئيس كلينتون مع رؤساء الوفود لمباركة الاتفاق، واعلان الوزير كريستوفر بنفسه بعد لقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة "ان خرقاً رئيسياً سيتحقق على المسارين الفلسطيني-الاسرائيلي والسوري-الاسرائيلي ولم يتحقق هذا الاختراق. أما الخطأ الثاني فهو تسرعهم في استدراك الخطأ الأول وتراجعهم بشكل مذهل وسريع عن هدف اعلان المباديء، وتقزيم دورهم بطرح مشروع بيان مشترك واضح أنه أعد على عجل وبشكل غير مدقق ومسلوق وبعدما يزيد على ٨ أشهر من المفاوضات، وفشلهم في تحقيق اتفاق حوله. ناسين أنه الورقة الرسمية الأولى التي تتقدم بها ادارتهم الجديدة، وأنها موضع رصد واختبار دولي. وأن الجميع جالسين في غرفة الترقب والانتظار. أما الخطأ الثالث فهو استهلاكهم السريع (خلال أيام) لدور الشريك الكامل وتقزيمه في مشروع فاشل والظهور بشكل مكشوف بأنه شريك كامل ومنحاز، عجز عن تأمين عقد اجتماع يمكنه ممارسة شراكه الكاملة. واذا كان إدراك الراعي بأن استمرار العملية واستعادة الثقة بها وحاجته الى انجاز ما في الشرق الاوسط يغطي به اخفاقه في البوسنة والهرسك هي التي دفعته الى التسرع وتبسيط الأمور فالواضح أن النتيجة جاءت عكس ما تمناه، وانطبق عليه المثل القائل "جاء يكحلها فعمى عينها"، ومن "أول غزواته كسر عصاته" ولا مبالغة في القول أن الانتصار الهام الذي حققه الوزير كريستوفر حين أعاد تشغيل وتحريك مولدات وعجلات عربة السلام بعد تعطلها أربع شهور كاملة قد استهلك بسرعة خارقة وسحب معه بعضاً من الرصيد، حيث تأزمت علاقته مع الطرف الفلسطيني، ومست مصداقيته مع باقي الأطراف حين تشاور مع الجانب الاسرائيلي ولم يراعي ما ورد في رسالة التطمينات التي أعطاها للفلسطينيين، وحيث عجز عن الايفاء ببعض الالتزامات الشفوية والخطية التي أعطيت للفلسطينيين ولوزراء خارجية مصر وسوريا والاردن ولبنان.
وأعتقد أن الراعي الأمريكي يدخل الجولة العاشرة وهو ملحوق وبحاجة ماسة للتعويض. فهل سينجح في ذلك؟ وهل من أفق لنتيجة ملموسة على المسار الفلسطيني-الاسرائيلي في هذه الجولة؟ بعدما حصل ما حصل في الجولة التاسعة. وفي أية اتجاهات ينبغي التركيز لتحقيق نتيجة مقبولة يجمع كل المشاركين والمراقبين للمفاوضات على ضرورتها وأهميتها في هذه الجولة بالذات؟
في سياق الاجابة على هذه الأسئلة أعتقد أننا لا نجازف في القول أن الامكانية متوفرة والظروف مهيأة للتوصل الى نتائج ملموسة في بعض المجالات، ومتوفرة لتحقيق تقدم محدود في مجالات أخرى، وذلك بالرغم من الصعوبات والخلافات العميقة بين الطرفين وبالرغم من تأزم علاقة الراعي الأمريكي مع الفلسطينيين. فسبر الأغوار الذي تم بين الطرفين على امتداد الفترة الطويلة الماضية وخاصة في الجولة الثامنة والتاسعة، والتدقيق في ما قيل شفوياً في الجولة الأخيرة وخاصة في اللجان الفرعية قبل تجميدها. وبعض ما تتضمنته الأوراق المتبادلة تؤكد وجود الكثير من النقاط المتفق أو شبه متفق عليها. وتصلح في حال تجميعها مع بعضها البعض وفرزها عن سواها كأساس لصياغة وثيقة سياسية، أو اعلان مباديء للسلام، تكون أساساً للمفاوضات اللاحقة ولبعض الخطوات العملية على الأرض. وأعتقد أن مناقشات ما يقارب العشرين شهراً من عمر عملية السلام كافية لاستخلاص أمرين أساسيين. الأول: تعذر امكانية وصول الطرفين الرئيسيين وحدهما الى اتفاقات أساسية فوق طاولة المفاوضات ومن خلال وفدين يزيد عددهما عن دزينتين من الأفراد. وأن لا مناص من تقدم الراعيين بمشروع موحد عادل ومنصف يحترم الشرعية الدولية وقراراتها، ويؤسس لتحقيق الأهداف الأساسية للمفاوضات أو فتح قنوات توصل منابع قرارات الوفدين بعضهما ببعض. وأعتقد أن هروب رابين من هذه الحقيقة ورفضه الاندفاع نحو فتح هذه القنوات يؤكد تردده، ويكشف عن تناقض في مواقفه. ورغبته في جميع الصيف والشتاء على سطح واحد وفي وقت واحد. فهو من جهة يطالب ويلح برفع مستوى المفاوضات ويسعى للقاء مع بعض الرؤساء ومن جهة أخرى يرفض أي لقاء مع رئيس اللجنة التنفيذية. يصر في المسار السوري على معرفة النتيجة النهائية للسلام ويرفض مجرد الاشارات لها مع الفلسطينيين ويصر على بقائها مفتوحة على كل الخيارات..
أما الأمر الثاني فهو أن الشروع في تنفيذ عدد من خطوات واجراءات بناء الثقة بين الطرفين ضرورة لا غنى عنها لانعاش العملية، ولتجديد دورتها الدموية، ولتعزيز الثقة بها، ولتأكيد مصداقية أطرافها، ولتأكيد حيادية رعاتها، وإظهار قدرتهم على لعب أدوار فاعلة ومنتجة يؤكدون من خلالها قيمة وضرورة حضورهم. فقد أكدت مجريات المفاوضات ترابط وتشابك هذه الخطوات والاجراءات بالقضايا الجوهرية المطروحة على جدول أعمال المفاوضات. وأعتقد أن من غير المفيد لا للمفاوضات ولا لمستقبل السلام ولا لدور الراعاة بل من الضار لدورهما الاستمرار في القفز عن قضايا مبدأية تتعلق بحقوق الانسان أو ربطها بمدى تقدم المفاوضات وزج المتفاوضين في دويخة وحزورة أيهما سبق الآخر في الحياة البيضة أم الدجاجة. فالحريص على تقدم المفاوضات والواقعي العملي في التعامل مع الحياة ينطلق من رؤية الترابط بين الدجاجة والبيض في صنع دور الحياة وفي استمرارها بانتظامهما.
فهل ستكون الجولة العاشرة محطة فاصلة للأخذ بالأمرين، أم أن وضع رابين غير ناضج للوصول الى اتفاق أولي واقعي مع الفلسطينيين وأن وضع الراعيين ضعيف ولا يساعدهما على طرح المبادرات؟ وهل سيكرر الراعي الأمريكي أخطاء الجولة التاسعة؟
وبما أن مدة الجولة ثلاثة اسابيع فقط فالانتظار لن يكون طويلاً،والجواب لن يتأخر..

عضو الامانة العامة المؤقتة
للاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:48 بعد از ظهر توسط حمید |



عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

القسم الثالث


بعد هذا العرض لمجريات المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية في مراحلها الثلاث، وبعد اظهار خصائص وميزات العملية التفاوضية ككل، لا بد من اجراء جردة شاملة للنتائج الاجمالية لجولات المفاوضات حتى الان. وتظهير انعكاساتها الملموسة المباشرة او اللاحقة على دول وشعوب المنطقة. قد يكون من السابق لاوانه اعطاء مواقف جازمة بشأن النتائج النهائية لعملية السلام وانعكاساتها وآثارها على المدى البعيد على أوضاع القوى المشاركة وعلى المنطقة ككل. لكن ذلك لا يعني بالضرورة تأجيل عملية رصد وتقييم نتائج العملية حتى نهاية المبارزات، فالشرط الأول (سنة) انتهى بتثبيت عدد من النقاط لصالح هذا الفريق أو ذاك. صحيح ان ما يرصد الان من نتائج وآثار يندرج تحت خانة انجازات اولية او انجازات قيد التثبيت النهائي، ولكن الصحيح ايضا ان بعضها الاخر تحول الىواقع معاش، وبعضها الى فعل وحركة مادية دخلت في حياة دول وشعوب المنطقة. من هذا المنطلق يمكن تقسيم النتائج والاثار الى نوعين: - أولا : نتائج وآثار عامة شملت الجميع. ثانيا : نتائج وانعكاسات العملية عند كل طرف من اطراف الصراع وخاصة الامريكي والاسرائيلي والفلسطيني.
أولا - نتائج عامة شملت معظم الاطراف:
١) تجمع مختلف القوى والاتجاهات السياسية العربية والفلسطينية، أن انطلاق وتواصل مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية قد وضع منطقة الشرق الاوسط على أبواب مرحلة جديدة تختلف نوعيا عن كل المراحل التي مرت بها. وفي هذا الاطار يمكن اعتبار مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط نقطة تحول فاصلة بين حقبة قديمة عاشتها المنطقة وأخرى جديدة لا زالت في طور التشكل والتكوين. ومسار حركة التاريخ يؤكد أن انتقال الشعوب من حقبة تاريخية الى أخرى نوعية جديدة يستوجب المرور في مرحلة أو مراحل انتقالية يتخللها جذب وصراع قد يطول وقد يقصر بين الماضي القديم فكرا وأدوات وبين الجديد القادم بفكرة والقادر على خلق ادواته وكل المستلزمات الضرورية لفرض الذات. وبغض النظر عن النتائج التي حققتها المفاوضات حتى الان، او تلك التي يمكن أن تحقق لاحقا، فالمؤكد أنها أغلقت ولاشعار آخر (سنوات) ملفات الحروب، وطوت ملفات حالة اللاحرب واللاسم التي بنيت عليهما الاستراتيجيات المتصارعة في المنطقة. وأن تواصل العملية حتى الان واحتمال تواصلها لفترة لاحقة، أرغم كل الاطراف او سيرغمها على تغيير استراتيجياتها الامنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، وعلى فتح ملفات جديدة لعلاقات جديدة حدها الادنى تجميد التفكير في حل الخلافات بالوسائل العسكرية، وقبول العيش ضمن حدود آمنة معترف بها. أما حدها الاقصى فقد يصل الى تطبيع العلاقات وسيادة نظم ومفاهيم وأشكال جديدة من التفاهم والتعاون والتعايش المشترك.
لا شك ان انهيار المعسكر الاشتراكي ونتائج حرب الخليج كان لها دورها في دفع المنطقة نحو هذه المرحلة الجديدة لكن انطلاق مفاوضات السلام وتواصلها كانت بمثابة الناقلة التي تحركت حاملة الجميع نحو الاتجاه الجديد ولولاها لبرزت احتمال الاندفاع باتجاهات مختلفة ومنها احتمال السكون والجمود لسنوات مديدة.
٢) اسهمت عملية السلام بفعالية في تنمية اتجاهات الفكر السياسي الواقعي في اسرائيل وعند الجانب الفلسطيني والعربي، وهي في حال تواصلها وتوصلها الى نتائج عملية ملموسة تلبي قسما من طموحات وتطلعات شعوب المنطقة، ستعزز أكثر فأكثر من قوة التيارات والاتجاهات السياسية الواقعية عند كل أطراف الصراع. وبالمقابل لا بد من القول ان النتيجة المؤكدة في حال تعثرها لفترات زمنية طويلة او فشلها في تحقيق كل او اقسام رئيسية من اهدافها ستؤدي الى اضعاف مميت للاتجاهات الواقعية، واحياء أكيد للتطرف والتعصب بكل اشكاله الديني والقومي في المنطقة ككل ومساعدته في السيطرة وتولي دفة قيادتها لسنوات طويلة، وزجها في صراعات دموية طائفية ودينية وعرقية يصعب التكهن بنتائجها منذ الان.
٣) مع انطلاق عملية السلام وتولي الاتجاهات الواقعية دفة القيادة، كان من الطبيعي ان تنشأ ردود أفعال وان يكون رد فعل القوى الاصولية الدينية والقومية استنفار طاقاتها الذاتية والعمل على توحيد صفوفها في مواجهة العملية ومواجهة الاتجاهات الواقعية ومحاولة عرقلة توجهاتها السياسية. ولعل ما تشهده الساحة الاسرائيلية والساحة الفلسطينية وبعض الساحات العربية الأخرى من استنفارات شاملة للقوى والاتجاهات المتطرفة والمحافظة والاصولية الدينية منها والقومية ليست سوى شواهد ملموسة على ذلك ومؤشرات واضحة للمنحى الذي يمكن ان تدفع فيه المنطقة في حال تعثر او فشل عملية السلام.
٤) من بداية انطلاقتها اصطدمت عملية السلام بوجود خمس شعوب في اربع كيانات متصارعة (فلسطينيون وسوريون واردنيون ولبنانيون واسرائيليون) على الوجود والحدود، فدفعت العملية بالمجتمع الدولي ودول المنطقة الاربع (سوريا، الاردن، لبنان، اسرائيل) نحو الاقرار بأن وجود الكيان الخامس للشعب الفلسطيني ضرورة لا غنى عنها. ومنذ انطلاقتها والصراع يدور ليس حول وجود هذا الكيان بل حول حدوده وحول طبيعته وطبيعة علاقاته مع جيرانه وحول حدود ممارسته للسيادة. وأظن اننا لا نتسرع اذا قلنا ان الاقرار بوجود هذا الكيان وترسيمه في المنطقة يفتح في المجال على المدى المتوسط والبعيد نحو اعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة. ان تصاعد الحديث عن كونفدرالية ثلاثية اردنية، فلسطينية، اسرائيلية وثنائية اردنية-فلسطينية ليس سوى نتيجة من نتائج العملية السياسية الجارية. وأعتقد أن تواصل المفاواضت وتوصلها الى نتائج ملموسة كفيل بتحويل هذا الحديث النظري الى واقع مادي ملموس بصيغة أو بأخرى.
٥) ان انتهاء حالة الحرب، واقفال وضع اللاحرب واللاسلم في المنطقة سيؤدي بشكل مباشر الى تراجع قضايا الصراع القومي والوطني ضد العدو الخارجي ممثلا باسرائيل عند العرب، والعرب عند اسرائيل. وتراجع هذا الصراع سيكون لصالح نمو الصراع الاجتماعي والطبقي داخل الكيانات الخمس ولكن بأشكال ومستويات متفاوتة داخل كل كيان.
ثانيا - نتائج وانعكاسات العملية على الاطراف:
أ) الراعي الامريكي:
لا شك ان تولي الادارة الامريكية مهمة الاشراف على العملية السلمية الجارية، جعلها طرفا رئيسيا في جني جزءا اساسيا من نتائجها، سواء أكانت هذه النتائج سلبية او ايجابية. وفي اطار تقييم النتائج التي حققتها الادارة الامريكية حتى الان من اطلاقها للعملية ومن قيادتها يمكن تثبيت :
* باطلاقها لمبادرة صنع السلام في المنطقة وتنظيمها لدور التجمعات الدولية فيها، عززت الادارة الامريكية دورها وموقعها القيادي المقرر للوضع الدولي، وأعطته صيغته الملموسة والعملية خاصة في علاقاتها مع اوروبا واليابان والصين. ويمكن القول ان تواصل عملية السلام الامريكية الجارية فترة عام كامل، كان بمثابة ترويض وتعويد للقوى الدولية على الانضباط في اطار نظام علاقات دولية تقوده الولايات المتحدة الامريكية بصورة منفردة. وان انضباط القوى الدولية والاقليمية في اطار العملية التفاوضية سنة كاملة والتزامها بالادوار التي رسمتها لها ادارة بوش عزز ولا شك من الهيبة والنفوذ الدولي للادارة الامريكية. وبما ان العملية السياسية الامريكية مرشحة للتواصل والاستمرار خمس سنوات كحد أدنى (مالم تقع تطورات مفاجئة)، فالثابت ان الشرق الاوسط ومفاوضات السلام ستبقى ميدانا رئيسيا تواصل فيه الادارة الامريكية مزيدا من الترويض والتعويد للقوى الدولية على الانضباط والالتزام بما تقرره لها وعند توصلها الى نتائج واتفاقات سيصبح الشرق الاوسط ميدانا دوليا تعرض فيه الولايات المتحدة الامريكية هيبتها وقدرتها. وتعزز فيه ومنه نفوذها. مثله مثل دول امريكا اللاتينية تقريبا.
* لا شك ان انتصار الولايات المتحدة الامريكية في حرب الخليج قد عزز من هيمنتها المباشرة على المنطقة، لكن المؤكد ايضا ان تواصل عملية السلام قد كرس اكثر فأكثر من هذه الهينمة. ويمكن القول ان نجاح المفاوضات وتوصلها الى حلول واتفاقات لقضايا الصراع في المنقطة وخاصة الفلسطيني الاسرائيلي سيزيد ويرسخ هذه الهيمنة ويثبت لها مرتكزاتها القوية. ويؤمن لها مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية لسنوات طويلة قادمة. فنجاح الادارة الامريكية في تسوية قضايا النزاع سوف يعني ارتباط دول المنطقة بالتزامات معينة اتجاه الولايات المتحدة الامريكية، وسوف يعني ايضا القبول بحضور عسكري وأمني على أراضي بعض دولها. ومثل هذا الحضور الميداني كان في الجولة السادسة من المفاوضات موضع تداول ومطلبا مجمعا عليه من معظم اطراف المفاوضات مع تفاوت محدود يتعلق بمواقع التموضع.
* تدرك الادارة الامريكية أن نجاح مبادرتها هو السبيل الى خلق استقرار دائم في المنطقة يؤمن لها ليس فقط مصالحها فيها بل وايضا امكانية توظيف كل ما فيها من طاقات اقتصادية وخاصة بترولها، وميزات استراتيجية (وخاصة موقعها) في خدمة استراتيجيتها الدولية على مدى زمني طويل في صراعها الاقتصادي مع القوى الاقتصادية الصاعدة دوليا (المانيا، واوروبا الموحدة، واليابان).
* وبالتدقيق في الوجه الاخر من النتائج اي السلبيات، فالواضح حتى الان ان مردود عملية السلام كان في محصلته الاجمالية ربحا صافيا للادارة الامريكية. ولم تلحق بها اية خسائر تذكر. وهذه النتيجة تحفزها ولا شك على التواصل والاستمرار في رعاية العملية التفاوضية لتواصل حصد مزيد من المكاسب والارباح. وتدرك الادارة الامريكية ان فشل مبادرتها سيكون له انعكاسات سلبية واسعة على صعيد مصالحها في المنطقة وفي اطار علاقاتها الدولية أيضا.
ب) نتائجها على الجانب الاسرائيلي:
اظهرت الانتخابات الاسرائيلية انقسام المجتمع الاسرائيلية على نفسه حول الموقف من عملية السلام ومن نتائجها المباشرةو اللاحقة. وحسب نتائج التصويت على برامج الاحزاب والمرشحين ظهر ان ما يقارب نصف المجتمع الاسرائيلية يرى ان نتيجتها النهائية الحاق خسائر استراتيجية باسرائيل تفوق الارباح التي قد تجنيها منها. وان ما يفوق النصف بقليل يرى عكس ذلك تماما. واذا كنا لسنا بصدد تقييم اي من الرأيين في اسرائيل ومنطلقات وحسابات كل منهما. فالواضح ان شامير دخل عملية السلام ولم يكن امامه معارضة حقيقية، فالمعارضة ممثلة بالعمل آنذاك، دعمته وأيدت المشاركة انطلاقا من قناعتها بايجابية مردودها. واي تقدم موضوعي للمشاركة الاسرائيلية في عملية السلام يثبت انها جنت وحصدت حتى الان النتائج التالية وفقا للترتيب الزمني:
١) دأبت الولايات المتحدة الامريكية على مدى سنوات طويلة على تشجيع الهجرة اليهودية الى اسرائيل. ومارست قبل اطلاق مبادرتها ضغوطا متنوعة على الاتحاد السوفياتي سابقا وروسيا لاحقا لتسهيل هجرة اليهود الى اسرائيل. ورغم ان هذا موقفا امريكيا قديما الا ان ما نالته هجرة اليهود الروس من رعاية واهتمام امريكي وتسهيلات روسية خلال المرحلة التمهيدية التي سبقت افتتاح مؤتمر السلام لم يكن مقطوع الصلة عن التحضيرات التي كان يجريها الوزير بيكر في تلك الفترة. فالكل يعرف ان اسرائيل لم توافق على مشاركة الاتحاد السوفياتي (سابقا) في رعاية مؤتمر السلام، الا بعدما أعاد علاقاته الديبلوماسية مع اسرائيل. وبعدما وافق على تسهيل هجرة اليهود بدفعات كبيرة ووافق على نظام الرحلات وعلى فتح خطوط النقل المباشر الذي طلبته اسرائيل. والكل يعرف ايضا ان الادارة الامريكية قدمت مساعدات مالية كبيرة، وساهمت بصورة مباشرة في تهجير اليهود الروس الى اسرائيل، والكل يتذكر القيود على الكوتا التي حددتها الادارة لاستقبال المهاجري السوفييت في اراضيها. ولم تتوقف المساعدة الامريكية في مجال الهجرة عند حدود الضغط على السوفيات بل استجابت من حيث المبدأ لطلب شامير بالحصول على عشرة مليار دولار ضمانات قروض لاستيعاب المهاجرين. ورغم الاشكال الذي وقع بين الطرفين حول هذا الموضوع الا انه مكسب حققته اسرائيل لاحقا كان لمشاركتها في مفاوضات السلام دورا فيه.
٢) قبل افتتاح مؤتمر السلام في مدريد اصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارا الغت بموجبه قرارا سابقا لها يدين الحركة الصهيونية ويشبهها بالعنصرية. واذا كان غير واضح لنا حتى الان الاسباب والدوافع الحقيقية التي دفعت الادارة الامريكية لاستصدار قرار الالغاء ذاك، فان توقيته قبل افتتاح مؤتمر مدريد، يدفعنا للقول انه كان بمثابة تقدمة او هدية قدمها بيكر لشامير تشجيعا له على المشاركة في عملية السلام. ومن حقنا الشك ايضا بان ذلك القرار جاء بناء على طلب مباشر من شامير ونتيجة لاستجابة امريكية لهذا الطلب. وبغض النظر عن ذلك كله يمكن اعتبار قرار الالغاء من الثمار التي جنتها اسرائيل بموافقتها على المشاركة في مؤتمر مدريد.
٣) أما المكسب الثالث فقد تمثل في اعتراف الهند وبعض الدول الافريقية والباكستان والصين والدول الاشتراكية (سابقا) اضافة للاتحاد السوفياتي وبعض الدول الاخرى باسرائيل وتبادل العلاقات الديبلوماسية معها. ولم يكن سرا على احد ما قامت به الادارة الامريكية على هذا الصعيد. كما لم يكن مخفيا ايضا ان شامير قد جعل من ممارسة الولايات المتحدة لهذا الدور شرطا من شروط مشاركته في عملية السلام. صحيح ان المتغيرات الدولية التي وقعت في تلك الفترة وخاصة انهيار المعسكر الاشتراكي قد ساهم في دفع بعض الدول الى اعادة النظر في علاقاتها بدول الشرق الاوسط، ولكن الصحيح ايضا ان رغبة الادارة الامريكية في انجاح مبادرتها، وفي ضمان مشاركة اسرائيل فيها دفعها الى انضاج هذه الثمرة وتقديمها هدية لاسرائيل.
٤) لا شك ان مشاركة كل الدول العربية (ما عدا ليبيا والعراق والسودان) يعتبر مكسبا رابعا كبيرا حقتته اسرائيل، فهذه اول مرة في تاريخ الصراع العربي-الاسرائيلي تجلس اسرائيل مع كل الاطراف العربية كوفود مستقلة تتفاوض معها من اجل (الصلح) وتطبيع العلاقات بمختلف اشكالها وانواعها. ان تقدم المفاوضات وتوصلها الى اتفاقات سيتيح لاسرائيل اقامة صلح دائم مع كل الدول العربية بما يعني قبولها رسميا كدولة من دول المنطقة ومشاركتها همومها وتتعاون معها في كل المجالات الممكنة وخاصة ما يتعلق منها بالتعاون الاقتصادي وقضايا البيئة والمياه. صحيح ان انسحاب اسرائيل من الضفةو القدس وغزة والجولان سوف يلحق باسرائيل بعضا من الخسائر الاقتصادية وتحديدا كل ما كانت ولا زالت تنهبه من الارض والاقتصاد والبشر في هذه المناطق ولكن الصحيح ايضا انها بتطبيع علاقاتها الاقتصادية مع جيرانها العرب سوف تجني اضعاف تلك الخسائر. فهي بتطورها الصناعي قد تكون قادرة على غزو الاسواق العربية، والاستفادة من الامكانات والطاقات المالية الكبيرة التي تملكها بعض الدول العربية. هذا الى جانب ما ستوفره من مبالغ كبيرة تنفقها عادة على قضايا الامن وصناعة واستيراد السلاح.
٥) وبالمقابل ستضطر اسرائيل الى دفع ثمن هذه المكاسب، وتدرك القيادة الاسرائيلية ان الوصول الى سلام او تسوية شاملة في المنطقة سيفرض عليها العيش في حدود معترف بها دوليا. بما يعني التخلي عن بعض الاحلام المبنية على أوهام تاريخية، منها فكرة اسرائيل الكبرى، وأرض اسرائيل التاريخية وانكار وجود الغير (الشعب الفلسطيني). وبما يعني ايضا انتهاء كل العقلية التوسعية العدوانية التي تحكمت في السياسة الاسرائيلية منذ ما قبل قيام دول اسرائيل وحتى الان. ولعل هذا الادراك هو الذي دفع شامير ليحول المفاوضات الى ساحة للمناورة وكسب الوقت على مدى ثمانية أشهر كاملة. ولا شك ان الائتلاف الحاكم -حزب العمل، ميرتس، شاس- سيواجه مشاكل مع المعارضة اليمينية ومتاعب (٢٥) ليست بسيطة في حال تقدم المفاوضات وعندما تحين ساعة دفع الاستحقاقات. فالتخلي عن أرض اسرائيل الكبرى، وعن المستوطنات والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ضريبة ستدفعها اسرائيل ثمنا للتسوية الشاملة آجلا او عاجلا. صحيح انها ضريبة مكلفة، لكن الصحيح ان بديلها مكلف أكثر بأضعاف مضاعفة. فالحروب ستتواصل، وحالة الكراهية والعداء لاسرائيل سوف تتعمق وتتجذر عند الفلسطينيين وعند العرب وبعض المسلمين أكثر فأكثر.
ويخطيء من يعتقد أن السلام الحقيقي والدائم يمكن أن يبنى قسرا، بفرضه على الفلسيطنيين والعرب. ان فرض حلول غير مقنعة وغير عادلة يؤدي الى تسويات مؤقتة، تهديء الصراع وتسكنه لفترة، لكنها تبقي النار متأججة تحت الرماد. وفي السياق ذاته من المفيد ان تعي قيادة حزب العمل والمتحالفين معها في الحكومة، بأن شعب فلسطين وقيادته قدموا الكثير من التضحيات من أجل السلام قبل الوصول الى طاولة المفاوضات بفترة زمنية طويلة. لقد أقروا في مبادرة السلام التي أطلقها المجلس الوطني الفلسطيني عام ٨٨ بحق اسرائيل في الوجود فوق الاقسام الاساسية من ارضهم، وقبلوا بالخضوع لفترة اختبار مدتها خمس سنين كاملة وان يكون حل قضيتهم على مرحلتين، كما قبلوا من اجل نجاح التحرك نحو السلام بالكثير من النواقص التي غابت عن الذكر في رسالة الدعوة. ويمكن القول اذا كانت القيادة الاسرائيلية مطالبة بدفع رسوم وضريبة السلام، فالشعب الفلسطيني دفعها مقدما لهم وللقيمين على عملية السلام.
ان الطريق الى السلام الدائم والشامل لا زال طويل وشاق وتسهيل الحركة عليه يتطلب من القيادة الاسرائيلية ومن راعي العملية تقديم ما عليهم لتعبيده وتمتين ارضيته. وهذا يفرض بالضرورة تصفية الماضي ومآسيه وذلك لا يمكن ان يتم الا باعتراف القيادة الاسرائيلية بمسؤوليتها عن الظلم التاريخي والجرائم الفظيعة التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني منذ عام ٤٨ وحتى الان. ان مطالبة القيادة الاسرائيلية بهذا الاعتراف حق مشروع للشعب الفلسطيني. ألم تطالب القيادات الاسرائيلية وقيادات اليهود في العالم دولة المانيا بالاعتراف بجرائمها التي ارتكبتهافي الاربعينات ضد اليهود. اننا ونحن نؤكد عدالة المطلب الاسرائيلي واليهودي العالمي من دولة المانيا، نعتقد أن من حقنا مطالبة اسرائيل بالاعتراف بعدالة مطلب الشعب الفلسطيني. وأعتقد ان مثل هذا المطلب الفلسطيني يفترض توجيهيه ايضا للحكومة البريطانية باعتبارها صاحبة وعد بلفور ١٩١٧ وباعتبارها دولة الانتداب على فلسطين منذ ذلك التاريخ وحتى قيام دولة اسرائيل والمسؤولة عن تهجير مئات الالوف من اللاجئين. وأظن ان اقدام الحكومة البريطانية على تقديم مثل هذا الاعتراف، قد يساعد القوى الاسرائيلية المؤمنة بالسلام العادل والدائم الارتقاء بمواقفها والتوجه نحو معالجة القضية من جذورها. لقد أظهرت نتائج الانتخابات الاسرائيلية تنامي الفكر السياسي الواقعي في اسرائيل بشكل بطيء ومحدود، واذا كان من الضروري عدم الوقوع في الاوهام حول قدرات القوى الواقعية الاسرائيلية، وحول مدى تطورها، فلا بد لهذه القوى ان تعي حجم وطبيعة القضايا الفكرية والسياسية والاخلاقية التي ستواجهها آجلا ام عاجلا. ومما لا شك فيه ايضا ان تواصل عملية السلام وتوصلها الى اتفاقات ملموسة، وتواصل الانتفاضة وتواصل الخط السياسي الواقعي الفلسطيني وتواصل الحوارات الفلسطينية-الاسرائيلية على مختلف المستويات ومن مختلف القطاعات الشعبية، اسهمت وتسهم اكثر فأكثر في تعميق الفكر الواقعي في اسرائيل. وفي افساح المجال لمناقشة كل القضايا الشائكة والمعقدة العالقة بين الطرفين. واظن ان بامكان قوى السلام الاسرائيلية ان تزيد من حركتها في صفوف الشارع الاسرائيلي متسلحة بما قدمه الفلسطينيون من اجل السلام وبما حققته عملية السلام من مكاسب لاسرائيل حتى الان، وما يمكن ان تحققه في ظل تعايش الشعبين في دولتين غير معاديتين لبعضهما البعض. واظهار ان السلام يجلب الامن والاستقرار، وهو خير للشعبين او اعتباره بالحد الادنى شر لا بد منه.
ج) نتائجها عند الجانب الفلسطيني
من الطبيعي ان لا يكون هناك تقييم فلسطيني موحد لنتائج عملية السلام. فالساحة الفلسطينية منقسمة على نفسها أصلا حول قضية المشاركة ذاتها. ورغم ذلك فهناك عددا من النتائج والاثار يفترض ان لا تكون موضع خلاف، خاصة بعدما أكدتها وقائع الحياة على الارض وفي العلاقات وبعدما تحولت من قضايا كانت موضع افتراض او احتمالات وتوقعات الى حقائق ذات وزن ولها ثقلها في كل التحركات السياسية الجارية. وقبل الدخول في مناقشة وعرض النتائج والانعكاسات العملية التفاوضية على الجانب الفلسطيني لا بد من التأكيد والتشديد سلفا على نقطتين:
١) لا شك ان هناك الكثير من الملاحظات والنواقص والثغرات في الاسس التي قامت عليها عملية السلام منها على سبيل المثال تقسيم الحل الى مرحلتين انتقالية ونهائية، ومنها عدم التزام اسرائيل بوقف الاستيطان وقفا كاملا خلال المفاوضات..الخ. لكن ما يجب تذكره ان موازين القوى التي كانت سائدة لحظة انطلاق المفاوضات، وكذلك الظروف العربية والدولية التي كانت تحيط بالقضية الفلسطينية وبمنظمة التحرير آنذاك. وكذلك الخيارات والبدائل المطروحة في حينها، وتذكر ان اعلان م.ت.ف عن موافقتها على المشاركة في عملية السلام جاء بعد بضعة اسابيع من اعلان سوريا وكل الدول العربية الاخرى عن قبولها بذلك. واكدت مجريات العملية السياسية ان النواقص الكثيرة والثغرات الواسعة قد أعاقت الجانب الفلسطيني على تحقيق مزيد من المكاسب والانجازات. وأكدت في الوقت ذاته أن هذه النواقص وتلك الثغرات لم تحل دون تحقيق بعض المكاسب والانجازات لشعبنا وقضيتنا وم.ت.ف وان الصبر والحكمة في المفاوضات كفيلان بردم الثغرات وسد النواقص التي احتوتها رسائل الدعوة والتطمينات.
٢) أكدت الوقائع ان قضايا الصراع العربي الاسرائيلي وجوهرها المسألة الفلسطينية هي اعقد القضايا الدولية على الاطلاق، وهي متشعبة ومتعددة الاوجه والمواضيع، عمرها يزيد على ٤٤ عاما، تخللها عدة حروب، تراكم خلالها احقاد وعداوات عميقة، واختلط الحق المشروع والمقر دوليا بالباطل المفروض واقعيا. ولهذا فان المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية كانت في عامها الاول بمثابة حرب شرسة وقاسية من اجل انتصار الحق الفلسطيني ودحض الباطل الاسرائيلي. ولم تقل في صعوبتها وآلامها عن الحروب العسكرية التي خاضها الشعب الفلسطيني خلال ربع القرن الاخير دفاعا عن الوجود وعن التمثيل وعدم السماح بضياع وتبديد الحقوق. انها "أم المعارك الفلسطينية" اذا جاز التعبير. ومن هذا المنطلق يمكن النظر الى العام الاول من مؤتمر مدريد بأنه كان جولة ساخنة من جولات هذه الحرب الطويلة والقاسية استعرض فيها كل طرف اسلحته وقواه الذاتية أمام خصمه وامام العالم أجمع. وفيها تمت ايضا عمليات استطلاع بالنيران (كما يقال عسكريا)، وخلال هذا الاستطلاع وقعت احتكاكات مباشرة واشتباكات محدودة كانت حصيلتها فلسطينيا على النحو التالي:
أولا) ثبت الشعب الفلسطيني حضوره، وملأ مقاعده بوفد من ابنائه جلسوا وجها لوجه مقابل عدوهم في محفل دولي اريد له ان يعالج قضية شعبهم وسواها من قضايا المنطقة. وهذه أول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والعربي يستطيع فيها الفلسطيني ان يفرض وجوده، وأن يمثل نفسه بنفسه. ولهذا يمكن القول ان المشاركة الفلسطينية نسفت والى الابد المقولة الصهيونية القائمة على انكار وجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني. ونسفت الى الابد الوصاية والبدائل العربية التى كان يجري فرضها عادة على التمثيل الفلسطيني في مثل هذه التحركات الدولية الحاسمة. واذا كانت الارادة الدولية مجمعة على جعل مؤتمر السلام محطة فاصلة لحل قضايا المنطقة واعادة ترتيب اوضاعها من جديد، فبالامكان القول ان الشعب الفلسطيني حجز مكانه في الترتيبات الجديدة وقطع الطريق على كل محاولة لشطبه واستثنائه. ولم يضيع الفرصة التاريخية، كما كان يحصل سابقا، بل التقطها في الوقت المناسب، وبطريقة ملائمة مكنته من اثبات وجوده وتكريس حضوره. ويخطيء كل من يقرأ استقبال الشعب الفلسطيني لوفده عندما عاد من مفاوضات مدريد كاستقبال الابطال ناشيء عن أوهام بانجازات سريعة، او تعبير عن تعب من الانتفاضة. ان القراءة الصحيحة هي التي تقول ان الشعب الفلسطيني يعرف أن طريق المفاوضات طويل وشائك، ولكنه ابتهج بالانجاز التاريخي الذي حققه بفرض وجوده وفرض تمثيله الخاص بعدما غيبا فترة تزيد على ال ٧٠ عاما. وانه عبر عن بهجته بحركة انتفاضية يعرف أنها (في ظروفه الخاصة) هي الافعل في ارباك العدو وفي مقاومة أعماله العدوانية.
ثانيا) نجح الوفد الفلسطيني في عرض قضية شعبه، وبين عدالتها. واستخدم في عرضه لغة العصر التي يفهمها عالم اليوم، واظهر الوجه الحضاري للشعب الفلسطيني، وقدرته على التعامل مع الواقع الدولي الجديد ومتطلباته. لم يستجد حلولا، لكنه بين أن استمرار غياب الحل العادل يضر بمصالح شعوب المنطقة وكل الشعوب المحبة للسلام. وبهذا نجح في ايصال رسالة شعبه الى الرأي العام العالمي وكل القوى المؤيدة للسلام، ووضع الجميع امام مسؤولياتهم بعدما جعل قضيته ذات الاولوية في المعالجة الدولية. وقدم لها حلولا واقعية تستند بالاساس الى الشرعية الدولية.
والمشاركة الفلسطينية مكنت الشعب الفلسطيني من توسيع وترسيخ جبهة اصدقائه، ومن كسب العديد من القوى المحايدة، وحيد بعض القوى التي كانت معادية او شبه معادية له، وجرد عدوه من بعض اسلحته ومواقعه وحشره في زاوية ضيقة بعدما افقده بعض اوراقه وخاصة ورقة تذرعه الدائم برفض العرب للمفاوضات المباشرة.
ثالثا) من خلال المشاركة في مؤتمر مدريد، وبحسن اداء الوفد لمهامه، تم تكريس وحدة الشعب، ووحدة القيادة ووحدة التمثيل واستقلاليته. صحيح ان المشاركة الفلسطينية تمثلت رسميا بوفد شخصيات وطنية من الداخل وفي اطار وفد مشترك اردني-فلسطيني، ولكن الصحيح ايضا ان الاعمى سياسيا وحده الذي لم ير ولم يستوعب وحدة الشعب ووحدة القيادة ووحدة التمثيل واستقلاليته في العملية كما تجسدت. فكل الاطراف المشاركة في المؤتمر وكل المتابعين للتحضيرات التي سبقته والمناقشات التي تخللته يعرفون ان م.ت.ف هي المفاوض الحقيقي ويعرفون ان الوفد الفلطسيني قد تشكل بقرار من قيادة م.ت.ف، وانها راعت في تشكيله كل خصوصيات الوضع الفلسطيني وان القدس والخارج لم تكن غائبة عن المشاركة العملية في اعمال المؤتمر. فالكل يعرف ان لجنة التوجيه جزء أساسي من مكونات الوفد، ولها مهام مباشرة في تخطيط وتوجيه الدور الفلسطيني في المفاوضات وانها تشكلت بموافقة قيادة م.ت.ف وبالاسماء، وهي تضم في عضويتها ممثلين عن القدس وعن الشتات. وانها هي ومعها مجموعة العمل التي شكلتها اللجنة التنفيذية من الخارج تقوم بدور همزة الوصل بين الوفد الفلسطيني والوفود العربيةو الاجنبية المشاركة في المؤتمر، والوصل مع القيادة الفلسطينية.
ولعل التدقيق في مدلولات لقاء مسؤولين امريكيين مع اعضاء من اللجنة الاستراتيجية ومع لجنة التوجيه، وكذلك متابعة ما قام ويقوم به الاخ نبيل شعث وفيصل الحسيني والاخت حنان عشراوي، وبقية اعضاء لجنة التوجيه واللجنة القيادية المتواجدة مع الوفد يبين طبيعة الدور التفاوضي القيادي العملي المسند من قيادة م.ت.ف لهذه اللجنة. وليس صعبا على كل من يريد رؤية الحقيقة ان يلمس الحضور الفلسطيني المستقل، والذي حرص الاخوة في الجانب الاردني على اظهاره باستمرار وفي كل المناسبات. والجميع يعرف ان المفاوضات الثنائية لفلطسينية-الاسرائيلية جزء من الاسس التي قام عليها المؤتمر. واصرار الوفد بصورة متواصلة على تكريس م.ت.ف كمرجعية وحيدة له، واصراره على اشهار ذلك في كل اللقاءات والمناسبات قطع الطريق على كل تفكير أو أوهام بخلق بدائل لمنظمة التحرير او بدائل لقيادتها الشرعية.
رابعا) لا شك ان المشاركة الفلسطينية في المؤتمر، والمواقف الواقعية والمسؤولة التي اتخذها الوفد والتي تمت الاشادة بها دوليا وعربيا، قد أعادت لمنظمة التحرير الفلسطينية مصداقيتها على المستوى الدولي، بعدما تشوهت صورتها ابان وبعد حرب الخليج. فالعالم اجمع يعرف ان المشاركة الفلطسينية تمت بقرار من قيادة م.ت.ف والكل يعرف ان المواقف التي اتخذها الوفد الفلسطيني خلال كل اعمال المؤتمر تمت بتوجيه مباشر من قيادة م.ت.ف وبعد مصادقتها على الاساسي منها وبقرارات رسمية بعضها معلن. وأن العديد من القرارات والنتائج التي تم تحقيقها ما كان لها ان ترى النور وان تبعث للحياة بدون قرارات رسمية ومعلنة من م.ت.ف. وان الوصول لاحقا لبعضها يتطلب مفاوضات مباشرة مع قيادة م.ت.ف. مثل الامن المتبادل وبعض المسائل المتعلقة ببناء الثقة، وانتهاء بقضية اللاجئين وسائر القضايا الجوهرية الاخرى. ولا يمكن لعاقل ان يتصور مثلا مطالبة اسرائيل للوفد الفلطسيني في المفاوضات بأن يتخذ قرار بتجميد او وقف العمليات العسكرية الفلسطينية الموجهة من الخارج او التي تتم في الداخل ضد الجيش والمنشآت الاقتصادية والعسكرية الاسرائيلية. فالكل يعرف ان جواب الوفد الفلسطيني سيكون مختصرا ومفيدا خلاصته ابحثوا هذا الامر وما شابهه مع المقاتلين والعسكريين الفلسطينيين وقيادتهم معروفة لكم وللجميع بأنها م.ت.ف. ولهذا يمكن القول اذا كانت المشاركة في مؤتمر مدريد قد اوجدت للشعب الفلسطيني مكانا رسميا في الخارطة الجديدة للشرق الاوسط، وأعطت قضيته زخما جديدا، فهي في الوقت نفسه حمت م.ت.ف من الشطب والتدمير وخلصتها من طوق العزلة والحصار الذي كان مفروضا عليها ومضروبا حولها. وأعطتها مصداقية دولية عالية، واظهرت قيادتها بأنها قادرة على تحمل مسؤولياتها الدولية عن صنع السلام. وبهذا عززت مكانتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
خامسا) فتحت المشاركة الفلسطينية في عملية السلام ميادين وقضايا جديدة للصراع مع العدو، وخلقت ظروفا افضل لمتابعة وتطوير اشكال النضال الاخرى التي يخوضها الشعب الفلسطيني منذ سنين طويلة.
وتمكنت الانتفاضة خلال جولات المفاوضات من تعريف العالم بأهدافها وبنضالاتها اليومية، وتحولت قضايا القتل والقمع والاعتقال والابعاد..الخ التي يمارسها جيش الاحتلال في مواجهة الانتفاضة من مسائل محلية الى قضايا سياسية دولية، تفرض نفسها على المفاوضات. وباتت تجد من يحملها الى العالم ومن يدافع عنها ويتضامن معها اكثر من السابق. ووفرت المشاركة الفلسطينية في المفاوضات حماية سياسية اوسع للانتفاضة، ووضعت قيودا اضافية على حركة البطش والارهاب الاسرائيلي، فبات الترانسفير الجماعي مثلا شبه مستحيل، والابعاد الفردي قضية دولية كبرى. وفتحت آفاقا دولية لتوفير مزيدا من الدعم الاقتصادي لشعب الانتفاضة. ودعم قضايا حقوق الانسان الفلسطيني.
سادسا) تكريس وجوه وشخصيات وطنية داخل الارض المحتلة باعتبارها امتدادا لقيادة م.ت.ف، وترافق ذلك مع توفر شيء من الحماية السياسية الدولية لهذه الشخصيات.
ان تكريس مثل هذا المكسب وتوسيعه يساعد ولا شك في الشروع الجدي في بناء بعض الاطر والمؤسسات الرسمية داخل الاراضي المحتلة. وفي هذا السياق فربما اصبحت اللحظة مناسبة الان لتسمية اعضاء المجلس الوطني واملاء شواغر ال ١٨٠ مقعدا المقررة للداخل ضمن عضوية المجلس. وأظن ان تسمية الاخوة أعضاء الوفد وفي لجنة التوجيه واللجنة القيادية والاخوة المستشارين الاعضاء في المجلس الوطني والمجلس المركزي أمرا يستحق التفكير فيه، والتدقيق في ردود فعل الاخرين عليه. وكذلك في فوائده وآثاره الايجابية على الصعيد الوطني.
سابعا) ركز المفاوض الفلسطيني على امتداد جلسات وجولات المفاوضات على قضية وقف وتجميد الاستيطان ويمكن القول انه نجح في تحويلها الى قضية دولية كبرى، حظيت باهتمام كل المشاركين في مؤتمر السلام. ووقفت قوى دولية الى جانب المطلب الفلسطيني العادل بشأن وقف وتجميد الاستيطان باعتباره عملا يعرقل السلام. واظن ان خروج الليكود من السلطة مكسبا آخر. ولا شك ان معركة القروض والاستيطان كانت سببا رئيسيا في ذلك. صحيح ان الجانب الفلسطيني بكل طاقاته وبراعته لم يستطع الزام اسرائيل بوقف او تجميد الاستيطان بشكل كامل، لكن اضطرار رابين الى الاعلان عن وقف بناء مستوطنات جديدة، وعن تجميد بناء سبعة آلاف وحدة سكنية كانت في طريقها للانشاء يعتبر مكسبا ما كان له ان يتحقق لو تمت مقاطعة عملية السلام. صحيح ان رابين سيواصل بناء أحد عشر ألف وحدة سكانية، ولكن الصحيح أيضا أن المفاوضات لا زالت متواصلة ومعركة الاستيطان لم تتوقف.
وأعتقد ان قيام سلطة فلسطينية انتقالية يسهل الى حد كبير خوض هذه المعركة وتحقيق انجاات مهمة فيها.
ثامنا) قبل افتتاح مؤتمر مدريد كانت الاوضاع العربية في أوج تفككها وكانت العلاقات في أوج توترها. ورغم استمرار هذا التفكك والضعف والتنافر العربي فالواضح ان عملية السلام، ودخول العرب فيها كانت عاملا مساعدا على عودة بعض الروح للتضامن العربي مع القضية الفلسطينية. لقد تبنى العرب المشاركين في عملية السلام موقفا من المتعدد والثنائي يقول بترابط التقدم بين المسارين وترابط الحل على الجبهات العربية كافة. وهذا ومعه ما صدر من مواقف وبيانات عن اجتماعات وزراء الخارجية الخماسي او السباعي تؤازر الموقف الفلسطيني يمكن اعتبارها مكاسب تحققت على ارضية المشاركة الفلسطينية في عملية السلام. واظن ان طريق المقاطعة كان سيقود حتما الى تعرضا لجانب الفلسطيني شعبنا ومنظمة الى ضغوط كبيرة نتائجها مدمرة ووخيمة.
تاسعا) ساهمت المشاركة الفلسطينية والسياسية الواقعية التي انتهجتها م.ت.ف في تمكين قوى السلام في اسرائيل من تعزيز مواقعها، وقدمت لها اسلحة فعالة للتعبير عن آرائها ومواقفها بكل صراحة ووضوح. ان وجود أربعة عشر عضوا في الكنيست من حزب اسرائيلي ينادون بدولتين لشعبين وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ويعترفون بالمنظمة كممثل شرعي لهذا الشعب يعتبر ولا شك مكسبا للقضية الفلسطينية، وتزداد قيمته اكثر فأكثر عند احتساب عدد المؤمنين بذات المواقف من حمائم حزب العمل. وعند التدقيق في الصراعات المحتدمة الان بين الاحزاب الاسرائيلية حول عملية السلام ومتطلباتها، وحول الموضوع لفلسطيني ارضا وشعبا ومستقبل العلاقات، تحققت على ارضية المشاركة الفلسطينية في عملية السلام.
عاشرا) الواضح ان المشاركة في عملية السلام احدثت انقساما داخليا، وتسببت في ازدياد التصدع في نسيج الوحدة الوطنية، رصيد الشعب على مدى عشرات السنين من النضال. وفي سياق فهم هذا الاثر والانعكاس السلبي لعملية السلام على الاوضاع الفلسطينية الداخلية اعتقد ان من الضروري التأكيد على ان وقوع خلاف وانقسام سياسي حول المشاركة في عملية السلام أمر طبيعي تماما، وتعبير عن حالة صحية يعيشها الفكر السياسي الفلسطيني. فالعملية السياسية ليست حدثا عاديا في تاريخ القضية الفلطسينية. بل هي عملية تاريخية، سوف تمس بنتائجها المصير الوطني برمته. وقضية من هذا المستوى تستحق ان يختلف الشعب الفلسطيني وان تختلف وتتباين قواه السياسية حولها ومن ألفها الى يائها.
الا ان تحميل العملية السياسية كل المسؤولية عن كل الخلافات الحاصلة في الساحة الفلطسينية وعن كل التصدعات الكثيرة الموجودة في بنيان الوحدة الوطنية امرا فيه الكثير من التجني المفتعل، وفيه القليل من الموضوعية في اطلاق الاحكام. فالمعروف ان الساحة الفلسطينية لم تشهد منذ منتصف السبعينات توافقا سياسيا. وحتى لا يعمم الموضوع، يمكن القول انها لم تشهد طيلة فترة الانتفاضة، قبل وبعد المبادرة الامريكية ومؤتمر السلام اي توافق سياسي مطلق. ولا أظن ان الساحة الفلسطينية ستشهد يوما ما مثل هذا التوافق. فالخلاف مع حماس ليس جديد، وهو قائم منذ الايام الاولى للانتفاضة، ولم تكن المشاركة في عملية السلام ومؤتمر مدريد اول خلاف جوهري يختلف حوله داخل صفوف م.ت.ف خلال فترة الانتفاضة. فقد سبقه خلاف حول الموقف من القرار ٢٤٢ وحول الموقف من اعلان الاستقلال ومن مبادرة السلام الفلسطينية. وكذلك الخلاف حول النقاط العشر المصرية وحول النقاط الخمس التي طرحها الوزير بيكر. موضوعيا يجب الاعتراف ان الخلاف الحاصل حاليا هو الاشد، وان نتائجه قد تكون اكثر خطورة خاصة اذا واصلت القوى المعارضة السير في الطريق الذي بدأت تسير فيه وتحديدا منذ وقوع الاشتباكات المسلحة بين حركة حماس وحركة فتح في قطاع غزة. ومنذ خرج الخلاف السياسي عن منحاه الديمقراطي ودخل في دهاليز الاتهامات، وسراديب الارهاب الفكري والجسدي احيانا. وايضا مع بدء دخول قوى عربية واسلامية(٢٦) على خطوط الخلافات الفلسطينية الداخلية وشروعها في تغذية هذه الخلافات وفي دفع العلاقات الوطنية نحو اتجاهات ومسارات لا ديمقراطية. لقد اكدت تجارب الحركة الوطنية الفلسطينية على مدى ربع القرن الاخير ان كل الخلافات الفلسطينية واشدها تعقيدا يسهل حلها ومعالجتها طالما بقيت فلسطينية الاساس وفلسطينية الدوافع والمنطلقات. واكدت في الوقت نفسه ان ابسط القضايا الخلافية واصغرها يمكن ان تتحول الى متاريس اسمنتية يصعب اختراقها اذا كانت لها صلات وابعاد عربية.
وفي سياق الحديث عن دور عملية السلام في تأجيج الصراعات الفلسطينية الداخلية، لعل من الضروري الاشارة الى أن قرار المشاركة في مؤتمر السلام تم اتخاذه في الاطر التشريعية الفلسطينية، وفقا للأصول الرسمية وبطريقة ديمقراطية. فالكل يعرف ان المجلس الوطني وضع اساسا وضوابطا للمشاركة في عملية السلام، وكلف اللجنة التنفيذية بمتابعة الجهود والاتصالات مع القوى والاطراف المعنية من أجل تأمين هذه الاسس وتلك الضوابط، وبذات الوقت كلف المجلس الوطني صلاحية البت النهائي للمجلس المركزي(٢٧) في ضوء نتائج الاتصالات التي تجريها ل.ت. وفي ضوء المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني. ولاحقا وبتاريخ ١٨/١٠/٢٩ عقد المجلس المركزي اجتماعه بالنصاب القانوني الكامل، وبحضور الشيخ عبد الحميد السائح رئيس المجلس الوطني والاخ ابو عمار رئيس اللجنة التنفيذية، ودرس نتائج الجهود التي بذلتها ل.ت واتخذ في ضوء تقديره للمصلحة الوطنية العليا قرارا صريحا لا لبس فيه بالمشاركة في العملية السياسية(٢٨). حيث صوت مع القرار ٥٤ عضوا، وصوت ضده ١٦ عضوا.
وبنتيجة هذا التصويت تمت المشاركة في مؤتمر مدريد، وبرز في الساحة الفلطسينية اتجاهان اقلية تعارض واغلبية تقود العملية مسترشدة بالقرار. ان الاعراف والتقاليد الديمقراطية الفلسطينية، تعطي للاقلية كما جرت العادة حقها في المشاركة في القيادة اليومية، مع احتفاظها في الوقت نفسه بحقها في التعبير عن رأيها وعن وجهة نظرها في كل القضايا السياسية والتنظيمية اليومية. وتفرض عليها في الوقت نفسه عدم القيام بكل ما من شأنه عرقلة او تعطيل قدرة الاغلبية على تنفيذ قرارات المؤسسة التشريعية.
وفي سياق المحاججة بين الاقلية والاغلبية طرحت مؤخرا فكرة اجراء استفتاء للشعب الفلسطيني(٢٩) حول اي اتفاق يتم التوصل له بين الوفد الفلسطيني والوفد الاسرائيلي. ان طرح مثل هذه الافكار يساعد على ابقاء الصراع بين الاتجاهين ضمن دائرة الديمقراطية. ولا أظن ان فلسطينيا واحدا يرفض اشراك شعبه مباشرة في تقرير نتيجة مصيرية مثل الاتفاق مع اسرائيل (أي اتفاق). وحتى تأخذ هذه الفكرة مداها وتتحول من قضية وشعار يستخدم لتأجيج الصراع فلا بد من مناقشتها ضمن الاطر الشرعية للمنظمة، لأن مطلب الاستفتاء له موجباته، ومنه تشتق العديد من الاسئلة الاسياسية الكبرى. منها: هل نقبل باجراء استفتاء يشرف عليه جيش الاحتلال؟ وهل يمكن استفتاء كل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؟ واذا تعذر اجراء الاستفتاء في الخارج هل نقبل نتيجة استفتاء الداخل..الخ من الاسئلة التي تحتاج الى قرارات مسؤولة تتخذها المؤسسات التشريعية الفلطسينية. وتحتاج الى توحيد الجهود لانتزاع القرارات الدولية الممكنة والقادرة على تهيئة افضل الظروف لشعبنا ليدلي برأيه بكل حرية وديمقراطية، وبعيدا عن كل اشكال القهر والابتزاز.
لا شك ان الخلاف والتباين حول عملية السلام سيزداد كلما تقدمت المفاوضات. ولا مبالغة ف يالقول ان الديمقراطية الفلسطينية والفكر السياسي الفلسطيني مقدمان في الاشهر القليلة القادمة على اختبار مصيري. شروط النجاح فيه متوفرة. في بناء معادلة تقوم على وضع المصلحة الوطنية فوق أية اعتبارات أخرى. وتمكن المعارضة الفلسطينية من التعبير عن رأيها بكل السبل والوسائل الديمقراطية. والحفاظ على المكاسب والانجازات التي تحققت حتى الان والعمل على تنميتها بغض النظر عن رأي المعارضة فيها. ومواصلة التعاطي الايجابي مع عملية السلام وفقا لقرارات الشرعية الفلسطينية.
بعد هذا الاستعراض الاجمالي لنتائج وانعكاسات عملية السلام على ثلاثة اطراف رئيسية فيها (الادارة الامريكية والفلسطينيين واسرائيل) يتبين انها جميعا حققت حتى الان مكاسب وحصدت نتائج ايجابية من مشاركتها في العملية، رافقتها بعض التفاعلات الداخلية التي تحمل في طياتها عددا من المؤشرات السلبية لم تصل في حدتها الى مستوى التأثير على مسار عملية السلام ككل او على استمرار مشاركة اي من الاطراف فيها. ويمكن القول ايضا ان كل هذه الانجازات والمكاسب معرضة للتبخر السريع والاندثار وان قوة ثباتها واستقرارها وتطورها وتوليد مزيد من القناعات بقيمتها واهميتها عند هذا الطرف او ذاك ضمانته الوحيدة هو عدم العودة الى الوراء. وتحقيق مزيد من التقدم الجدي في المفاوضات. والوصول الى اتفاقات عادلة متوازنة وخالية من قاهر ومقهور.
فهل ستتمكن عملية السلام بخصائصها وميزاتها التي لا زالت تملكها، وبنتائجها التي توزعت على المشاركين فيها، وبما كرسته في جولاتها الستة السابقة، من دخول عامها الثاني بذات الزخم الذي بدأت فيه من مدريد؟؟. أم أنها شاخت في عامها الاول؟ ولا آفاق مستقبلية لها..؟. لا شك ان الجولة السابعة ستحمل بعض الاجابات الاولية على كل هذه الاسئلة المطروحة. وحتى ذلك الحين سنحاول في القسم الاخير (الرابع) من هذه الدراسة استشفاف بعض الافاق المستقبلية لمؤتمر السلام.

القسم الرابع

الآفاق المستقبلية
في الاقسام الثلاث السابقة استعرضنا ميزات وخصائص العملية، ومسيرة المفاوضات في ست جولات، ونتائجها وانعكاساتها على الاطراف الرئيسية فيها. واستكمالا لعملية المراجعة والتقييم لا بد من محاولة استشفاف الآفاق المستقبلية القريبة لهذه العملية. ومن ضمنها مدلولات توقيت الجولة السابعة قبل الانتخابات الامريكية.
وأعتقد أن التباين الحاصل الان في صفوف الباحثين والمفكرين والسياسيين الفلسطينيين والعرب والاسرائيليين والمهتمين بشؤون المنطقة حول آفاق ومستقبل المفاوضات امر طبيعي وموضوعي. فالمعروف ان حمولة قطار السلام الشرق اوسطي ثقيلة ومتنوعة الصنوف والاشكال بما في ذلك قضايا قابلة للاشتعال وبعضها قابل للانفجار. والمعروف ان طريقه طويل جدا ومعقد وانه يسير وسط حقول من الالغام. وهذه القراءة لمستقبل عملية السلام تستند الى الوقائع والظروف والمعطيات القائمة حاليا، وهي حتما عرضة لنسبة من الخطأ والصواب وتندرج في باب التقديرات، وتتأثر بكل تطور دراماتيكي قد يقع هنا او هناك. ورغم التقدير باستبعاد مثل هذه التطورات، الا ان الشرق يبقى مسرحا وميدانا للمفاجئات. وعدم القدرة على الوصول الى تحديد دقيق وكامل لكل النتائج وللمستقبل النهائي للمفاوضات لا يعني اتخاذ موقف سلبي مسبق من المشاركة فيها، او تبني مقاطعتها او الدفع باتجاه تعليقها بانتظار الحصول على guaranty. فالمفاوضات ميدان مساومات. والمفاوضات ساحة صراع وميدان قتال والدخول فيها من عدمه يتم بناء على حسابات عملية دقيقة ومجردة من العواطف للظروف المحيطة لحظة اتخاذ القرار. اما نتائج المفاوضات فتقررها ولا شك موازين القوى وبراعة المفاوض في استخدام حججه واوراق قوته، وايضا قدرته على عزل خصمه، وتحييد ما يمكن تحييده من اعدائه وخصومه، وتوسيع جبهة حلفائه.
واستنادا للتحليل والتقييم الوارد في الاقسام الاولى من هذه الدراسة يمكن تثبيت ما يلي:
أولا - المفاوضات قابلة للتواصل:
قبل مغادرتهم واشنطن يوم ٢٤ /٩ /٩٢ اتفق رؤساء الوفود الاسرائيلية والفلسطينية والسورية واللبنانية والاردنية مع الراعي الامريكي على العودة يوم ٢١ اكتوبر الحالي لعقد الجولة السابعة من المفاوضات، وحددوا مدتها الزمنية بشهر تقريبا. وبغض النظر عن الذي اقترح وحدد هذا التاريخ فالواضح ان الموعد يسبق الانتخابات الامريكية باسبوعين تقريبا، والجولة ستتواصل اسبوعين بعدها. فهل لهذا التوقيت علاقة بالانتخابات الامريكية؟ أم ان له مدلالوت اخرى تتصل برغبة الاطراف في تواصل المفاوضات؟ لا شك ان التوقيت ليس بريء من تهمة الاستخدام في الانتخابات، لكنه في الوقت نفسه، يأتي منسجما مع المعطيات الدولية والاقليمية المحيطة بعملية السلام والتي تدفع باتجاه تواصل المفاوات وعدم توقفها في كل الظروف وكل الاحوال.
واذا كان القرار بعقد الجولة السابعة يضمن تواصل المفاوضات حتى اواخر تموز ٩٢ ، فالمعطيات الدولية والاقليمية تشير الى ان افق تواصلها مدة عامها الثاني مفتوحا على مصراعيه.
فنتائج الجولة السادسة لم تكن سلبية في مجال تواصل المفاوضات، بل انها اظهرت رغبة كل الاطراف في الاستمرار في التفاوض وتأكيدا حدد موعد جولتها الجديدة في وقت سيكون الراعي الاساسي في أوج انشغاله في قضاياه الداخلية. وكل الوفود غادرت واشنطن وهي تحمل في حقائبها ملفات فيها مشاريع واوراق عمل تحتاج الى دراسات معمقة. وبغض النظر عن امكانية التوصل الى نتائج محددة في الجولة السابعة بين هذا الطرف او ذاك او بين كل الاطراف، فالواضح والمؤكد ان ملفات الجولة القادمة سوف تكون بحاجة لوقت طويل والى جولات اخرى ثامنة وتاسعة وعاشرة قبل اختتام مناقشاتها ومناقشة ملحقاتها وتوابعها.
وبتمعن مواقف ومصالح الاطراف الدولية والاقليمية والراعي الاساسي من مسألة تواصل المفاوضات يتبين:
١) من قراءة الوضع الدولي بعد عام من بدء المفاوضات يمكن القول ان الاجماع الدولي حول دعم مسيرة السلام في الشرق الاوسط لا زال قائما كما كان عند انطلاق المسيرة. ولا يلاحظ لا فتور في الموقف ولا بروز منافسين او مشاغبين دوليين، ولا متضررين دوليين من تواصل عملية السلام في الشرق الاوسط، او من نتائجها التي تحققت حتى الان او تلك التي يمكن تحقيقها في العام القادم. فالملاحظ عكس ذلك، اذ يلمس حرص كل القوى الدولية على تواصل العملية، وعلى تقدمها. ويلحظ دفعها المتواصل للاطراف المتفاوضة نحو التقدم في المفاوضات ونحو التوصل الى اتفاقات. فالدول المشاركة في المتعدد الاطراف والبالغ عددها اربعين دولة تقريبا ابدت على امتداد العام الماضي، وفي الاجتماعات الاخيرة لبعض اللجان حرصا متزايدا على تواصل المفاوضات وعلى تقدمها.
٢) اذا كانت دوافع ومحفزات الادارة لاطلاق مبادرتها نحو صنع السلام في الشرق الاوسط ورعايتها لها هي تأمين مصالحها الاستراتيجية لسنوات طويلة قادمة من خلال خلق استقرار دائم او شبه دائم فيها، فهذه المصالح ما زالت قائمة والمهمة لم تنجز بعد وبحاجة الى مزيد من المتابعة للاستكمال. ولعل الاستخلاص الرئيسي الذي توصلت له الادارة الامريكية بعد عام من المفاوضات هو ان الطريق سالكة امام مبادرتها، وان الظروف ناضجة لتحقيق مزيدا من التقدم والنجاح. ولم يظهر حتى الان سببا واحدا يدفع الادارة الامريكية للتراجع عن مبادرتها وعن رعايتها للعملية بل ان كل ما ظهر خلال عام يشجعها ويحفزها على مواصلة دورها. وفي هذا السياق لعل من الضروري البت بمسألة تأثر مسار العملية بنتائج الانتخابات الامريكية. صحيح ان وصول المفاوضات الى اتفاقات ما قبل الانتخابات الامريكية يعزز الموقف الانتخابي للرئيس بوش، لكن الخبراء في الشؤون الامريكية يجمعون تقريبا على ان اهتمامات الناخب الامريكي تتركز الان حول قضايا أخرى غير السياسة الخارجية، وان نسبة ضئيلة لا تتعدى ٣ % يعيرون السياسة الخارجية اهتماما عند التصويت. ولهذا أظن ان من الخطأ ربط توقيت الجولة السابعة للمفاوضات بتوقيت الانتخابات الامريكية فقط.
أما بشأن التقدير القائل بأن سقوط بوش في الانتخابات ونجاح منافسة الديمقراطي فيها، سيؤثر على تواصل المفاوضات وعلى مدى الاهتمام الامريكي بها، فأظن ان مثل هذا التقدير يسقط من الاعتبار ان الادارة الامريكية تعمل وفقا لاستراتيجية تقوم على تخطيط بعيد المدى بما يضمن لها مصالحها الاستراتيجية ولا أظن أن خروج الجمهوريين من البيت الابيض ودخول الديمقراطيين اليه سيؤدي الى تغير جوهري في الاستراتيجية الامريكية في المفاوضات. ان أقصى ما يمكن ان يتركه مثل هذا التغيير ان حصل هو تخفيف زخم الدفع الامريكي للعملية لفترة زمنية قصيرة لا تتجاوز بضعة أشهر قليلة (فترة التسليم والاستلام). فلا البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي ولا مواقفه السابقة تدلل على عدم اهتمام هذا الحزب بقضايا الصراع في المنطقة. وبغض النظر عما ينقل لقيادة المنظمة من هذا الزعيم او ذاك من الزعماء الديمقراطيين حول درجة اهتمام الديمقراطيين بحل قضايا الصراع في المنطقة، فالمعروف ان اتفاقات كامب ديفيد تمت في عهد الرئيس الديمقراطي السابق كارتر.
٣) صحيح ان تواصل المفاوضات وتقدمها ليس مرهونا بالموقف الامريكي او مواقف الاطراف الدولية الاخرى المشاركة فيها فقط، وان مواقف اطراف الصراع المباشر حاسمة في ذلك، ولكن الصحيح ايضا ان كل هذه القوى الاقليمية ليست في وضع يمكنها من التصادم المباشر لا مع الادارة الامريكية ولا مع القوى الدولية الاخرى. ولم يبد أي منها حتى الان موقفا يفهم منه رغبة في قطع او تعليق او تجميد المفاوضات. ومن المعروف ان الوضع الاسرائيلي الجديد قام ونشأ على أنقاض سلفه، الذي تصادم مع الادارة واصطدم مع الانتفاضة ومع الواقعية السياسية الفلسطينية، وبغض النظر عن صدق نوايا القيادة الاسرائيلية الجديدة (العمل)، فمواقفها المعلنة وسلوكها العملية في الجولة السادسة، (الاولى) التي شاركت فيها، توحي ولو ظاهريا بأنها راغبة في تواصل المفاوضات وفي التوصل الى نتائج ملموسة. وبغض النظر عن النوايا، فالواضح ان مصير حزب العمل، ومستقبل الائتلاف الحكومي في اسرائيل، ورابين نفسه، بات مربوطا ومرهونا الى حد كبير بمسار المفاوضات الفلسطينية والعربية-الاسرائيلية. ففشل المفاوضات وانهيارها يعني عند الناخب الاسرائيلي فشل البرامج التي على أساسها انتخب رابين وكتلة حزب العمل، وذات الشيء ينطبق على ميرتس. اما الاطراف العربية فالمعروف ان بعضها دخل المفاوضات تجنبا للصدام مع الراعي الامريكي واستراتيجيته الشرق أوسطية، وتجنب التصادم مع الرأي العام العالمي المنادي بالسلام في الشرق الاوسط، ومع الاطراف الدولية الاخرى الداعمة والمشاركة في المسيرة. وان بعضها الاخر دخلها على امل انتزاع بعضا من حقوقه المغتصبة عبر ايجاد نقاط تقاطع بين مصالحه الوطنية بأهدافها المباشرة مع استراتيجية الادارة الامريكية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. والواضح ان الادارة الامريكية قد نجحت حتى الان في تطويق الاطراف المعنية بالصراع المباشر، واحاطتهم بظروف، ووضعتهم في اوضاع يصعب على اي منهم التمرد عليها او الانسحاب منها، وأجدت أيضا الكثير من المشجعات والمحفزات لكل الاطراف كي يستمروا في المفاوضات، بما في ذلك امل تحقيق بعض المكاسب، وتحقيق بعض المطالب والاهداف، سواء من خلال المقايضات، او من جيوب الاخرين المساعدين من أوروبيين ويابانيين وكنديين وامريكيين.
ثانيا - المفاوضات طويلة جدا ومعقدة:
لعل من المفيد تحت هذا العنوان استذكار بعض المواقف الفلسطينية والعربية والدولية التي سادت عشية افتتاح مؤتمر مدريد. حيث ظهر في حينها تقديران متناقضان. الاول بسط الامور، وصغر الصعوبات وتصور ان هناك مشروعا امريكيا متكاملا تفصيليا معد سلفا وسيفرض على كل الاطراف. وتوقع نتائج وحلول سريعة، وتنبأ بوصول الاطراف الى اتفاقات هامة خلال فترة عام من المفاوضات. أما الرأي الاخر فقد مضى بعيدا في تشاؤمه لدرجة انه لم يستطع رؤية المتغيرات الدولية والظروف النوعية التي احاطت بالمحاولة الامريكية الجديدة. واستخدم مقياس قديم لحساب اوزان نوعية جديدة. وتوقع فشل المفاوضات بعد جولة او جولتين منها وبعد الانتهاء من "احتفالات ومهرجانات" مدريد، ولم يستطع تصور استمرارها مدة عام كامل.
والان وبعد ٦ جولات من لمفاوضات، وفي ضوء ما قدم من مشاريع واوراق، وما ظهر فيها من مفاهيم وافكار متباينة ومتعاكسة حول الاهداف التي حددها راعي المؤتمر في رسالة الدعوة وحول سبل تنفيذها لا يمكن الفرار من الاقرار بأن المفاوضات ستكون طويلة جدا، وشائكة ومعقدة. وسوف تمتد سنوات وسوف تتخللها توترات وتشنجات متبادلة، حادة جدا. وعلى كل حال يستطيع من يدقق في رسالة الدعوة وكتب التطمينات ان يتلمس بوضوح ان مهندس العملية (الوزير بيكر) لم يخدع أي من الاطراف المشاركة في العملية بغض النظر عن موقفها فيها وعن صفة دخولها لها. فقد نصت رسالة الدعوة على أن المفاوضات على المسار الفلسطيني الاسرائيلي سوف تستغرق خمس سنوات. هذا اذا لم يلجأ اي من الاطراف الى تضييع بعضا من الوقت الطويل او القصير كما فعل شامير.
صحيح ان قضايا الخلاف على المحور الفلسطيني-الاسرائيلي هي الاعقد والاصعب، لكن من غير الصحيح اطلاقا تبسيط وتصغير قضايا الخلاف على محاور المفاوضات الاخرى. فمعالجة قضايا الخلاف على محاور المفاوضات الاخرى. ان معالجة قضايا الارض والانسحابات والامن والمياه والتسليح وتشعباتها وبتطبيقاتها الميدانية، سيحتاج الى جولات طويلة من المفاوضات قد تستغرق في مجملها بضع سنوات. هذا اذا استثنينا قضايا تطبيع العلاقات ومستلزماتها. طبعا مع التمييز بين مسألة التوصل الى اتفاقات (ما) جزئية او شاملة وبين استكمال تطبيق وتنفيذ ما يتفق عليه على ارض الواقع. فقد تتمكن الاطراف المتفاوضة كلها او بعضها من التوصل الى اتفاقات (ما) في غضون شهر او بضعة شهور مثلا ولكن ذلك لا يعني توقف وانتهاء المفاوضات، فالتطبيق والتنفيذ الكلي قد يستغرق بضعة سنوات يتخللها مزيدا من المفاوضات. ولعل تجربة المفاوضات المصرية الاسرائيلية وتطبيق اتفاقات كامب ديفيد نموذجا لذلك. وفي ضوء ذلكه كله لا اظن اننا نستبق الامور ونجازف اذا استخلصنا ان دول وشعوب منطقة الشرق الاوسط سوف تعيش عامها القادم ٩٣ تحت وطأة المفاوضات وتحت وطأة تفاعلاتها وانعكاساتها التي تحملها معها في كل محطة من محطاتها القادمة.
ثالثا - تسويات وليس سلام شامل:
يجري الحديث في بعض الاوسط السياسية الفلسطينية والعربية حول النتيجة النهائية التي يمكن ان تتمخض عن عملية السلام مع افتراض انها سارت بصورة طبيعية ووفق التوقيتات الزمنية المحددة لها. وكثيرا ما يطرح سؤال هل العملية الجارية توصل الى تسويات مؤقتة او دائمة ام انها ستصنع السلام العادل والشامل والدائم بين الاسرائيليين والفلسطينيين والعرب الاخرين. وفي سياق البحث عن الجواب الاكثر موضوعية والارب الى الدقة والصواب يمكن القول ان الوصول الى تسوية شاملة لصراع معقد عمره نصف قرن من لزمن دار حول الوجود والحدود معا امرا شائكا وبالغ الصعوبة والتعقيد، خاصة وان هذا الصراع تخلله حروب ودمار وتهجير، تولد عنه احقاد واشكال متنوعة من الكراهية لا حصر ولا عد لها. وبنيت عليه ثقافات تشربها اكثر من جيل من هذا الطرف او ذاك. فاذا كانت التسوية الشاملة صعبة ومعقدة لهذا الحد، فلا شك ان السلام الحقيقي اصعب واعقد بعشرات المرات. وبلوغه يفرض بالضرورة العبور في العديد من الممرات والتوقف بالضرورة في الكثير من المحطات. وبدراسة موضوعية لاسس الدعوة وللقواعد التي قامت عليها المفاوضات وخاصة في المسار الفلسطيني الاسرائيلي يمكن القول انها توصل الى تسويات شاملة في احسن الاحوال. أما السلام العادل فله قواعده ومرتكزاته التفاوضية مختلفة تماما.
التسوية يمكن فرضها فرضا، كما يمكن الوصول لها بالتراضي عبر تنازلات متبادلة ومساومات متنوعة. كما يمكن التفاوض حولها من اوضاع غير متكافئة، وعلى قواعد واسس مجحفة لاحد الطرفين، كالتي وردت في رسالة الدعوة، وتجري على اساسها المفاوضات في واشنطن. اما السلام الحقيقي الشامل والدائم فلا يمكن ان يقوم الا بعد تصفية كاملة للماضي ومآسيه، وان تتم التصفية من مواقفع متكافئة بين الطرفين. لا يشعر اي منهما بانه مكره على تقديم هذا التنازل او ذاك. او انه مضطر لقبول حل ما لا يلبي حقوقه في حدودها الدنيا عملا بالحكمة القائلة "شيء قليل افضل من لا شيء".
تعرف القيادة الاسرائيلية، ويعرف الراعي الامريكي ان لفلسطينيين قبلوا الدخول في عملية البحث عن السلام في الشرق الاوسط على اسس غير مرضية لهم، وفي ظروف غير متكافئة مع عدوهم. ولهذا فهم مقتنعون أنهم متوجهون ال تسوية ما. وهي من الان وبعد خمس سنوات لن تكون ملبية لحقوقهم الوطنية حسب قناعتهم. وهم منذ الان لا يخدون احدا، كما لا يخدعون انفسهم. يؤمنون بالسلام العادل ولاشامل والدائم ولكنهم لا يعتقدون ان المفاوضات الجارية باسسها وبالاساليب المتبعة فيها هي التي ستوصل لسلامهم المنشود. يؤمنون انها قد توصل الى تسوية شاملة تفتح نافذة او باب على السلام المنشود. والذي يتطلب جهودا جبارة من الطرفين وصراع قاسي مع الذات ومع الاخرين.
اما بشأن التسوية او التسويات المحتملة كنتيجة للمفاوضات الجارية، فقراءة الاوراق والافكار التي تبادلها الوفود في الجولة السادسة تشير الى ان الوصول الى تسويات جزئية او مرحلية في مسار المفاوضات السورية الاسرائيلية، واللبنانية الاسرائيلية امرا ممكن التحقيق خلال فترة زمنية قصيرة. وربما نشهد مقدماته الاولية والعملية في الجولة القادمة من المفاوضات. فالاوراق السورية والاسرائيلية تؤهل الطرفان للتوصل الى اعلان مباديء الذي تقدم به الوفد السوري في بداية الجولة السادسة يصلح كاساس للبحث والنقاش كما قال ايتمار رابينوفيتش. وبشيء من التدخل المباشر من الراعيين يمكن تحويله من اساس للمفاوضات الى اتفاق مباديء تحكم مسار المفاوضات الاسرائيلية السورية في الشهور وفي الجولات اللاحقة. أما مفاوضات المسار الفلسطيني الاسرائيلي والاردني الاسرائيلي التي بقيت متعثرة على الاول، وشبه متعثرة على الثاني، فيمكن لها ان تشهد في الجولة السابعة بعض (الحلحلة). لا بل تسريع حركتها وتلحيقها بالمستوى الذي بلغته المفاوضات السورية الاسرائيلية، شريطة ان يتخلى المفاوض الاسرائيلي عن مناوراته وتكتيكه الذي سلكه في الجولة الاخيرة من لمفاوضات. وان يعيد النظر في مشروعه للحكم الانتقالي الفلسطيني المؤقت الذي قدمه في الجولة الاخيرة من المفاوضات والذي تفصله مسافة كبيرة عن نتائج المباحثات المصرية الاسرائيلية التي جرت عام ٨٠ - ٨١ حول الحكم الانتقالي الفلسطيني كما لخصها صول لينوفيتش في تقرير خاص رفعه للرئيس ريغان(٣٠).
واذا كان من غير المنطقي مطالبة رابين بكشف اوراقه دفعة واحدة ووضعها على طاولة المفاوضات فمن غير المعقول وغير المنطقي ان يبدأ رابين بأقل من الذي ورد في قرارات مؤتمر حزب العمل وبأقل مما صرح به شخصيا، واقل مما تم التوصل له قبل أكثر من عشر سنين. ولعل من لمفيد التأكيد على ان محاولة خلق تناقضات وتعارضات فلسطينية-عربية او استثمار اي تقدم على اي من المحاور العربية للضغط على المفاوض الفلسطيني وابتزازه، لا تخدم الهدف الذي من أجله انطلقت المفاوضات، لا بل قد يكون مردوده عكسيا ويولد العديد من ردود الفعل ويخلق بعض الانعكاسات السلبية على مواقف القوى الواقعية وعلى علاقاتها مع جمهورها المؤيد والدائم للسلام وبالمقابل اعتقد أن كل محاولة لاستثمار التقدم الجزئي او الواسع على هذا المحور العربي او ذاك باتجاه احداث تغيير جوهري في اساس العملية سيؤدي الى ضياع مزيد من الوقت الذي يمكن توظيفه في التقدم على المسار الفلسطيني الاسرائيلي وفي التوصل الى اعلان مباديء واتفاقات اولية او كاملة. واعتقد ان الجانب الفلسطيني مطالب بالتعامل مع ٣٠ اكتوبر كموعد للوصول الى اتفاق حول ترتبيات نقل السلطة باعتباره قضية جوهرية لا تقل عن سواها من القضايا الاساسية المطروحة على النقاش. ومن حقه مطالبة الراعي الامريكي ومطالبة الجانب الاسرئيلي الالتزام بهذا التاريخ المثبت في رسالة الدعوة وكتاب التطمينات.
بعد هذا العرض لخصائص وميزات عملية السلام، ولمسيرتها خلال عام، ونتائجها ومستقبلها ارى ان من الضروري التأكيد على ان المصالح العليا للشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة تفرض التعامل مع مؤتمر السلام باعتباره ساحة من ساحات الصراع، والتعامل مع المفاوضات باعتبارها شكلا من اشكال النضال ليست بديلة اطلاقا للاشكال الاخرى والتي يجب الاستمرار فيها وتطويرها وتصعيدها قدر الامكان خلال وعلى امتداد فترة المفاوضات. فكل ساحات النضال تكمل بعضها البعض، وكل اشكال النضال تساند وتتم وتعزز بعضها البعض. وكلها تعزز وتقوي الموقف التفاوضي الفلسطيني والعربي، وتقوي وتسند الموقف والموقع التفاوضي للوفود العربية في مواجهة المفاوض الاسرائيلي. ولعل تعامل الاطراف العربية مع المفاوضات على قاعدة المثل العربي الشهير "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" يعطي لعملية السلام موقعها وحجمها الطبيعي في مسيرة النضال القومي والوطني الفلسطيني الطويلة من اجل استرداد الحقوق الوطنية والقومية المستلبة. ومن أجل تقدم مستقبلا افضل للشعوب العربية ومن اجل السلام العالمي. والترجمة العملية لهذا القول المأثور في مجال المفاوضات تعني تحديد الاولويات الفلسطينية والعربية التي ينبغي التركيز عليها في الجولة القادمة من المفاوضات وما سيليها ضمن اطار استراتيجية شاملة مبنية على حسابات دقيقة لموازين القوى في هذه المرحلة، وعلى قراءة متأنية وواقعية للمرحلة الجديدة التي دخلها النظام الدولي.
وتعني أيضا تحضير وتجهيز الاوضاع الذاتية الفلسطينية والعربية، على المستوى الرسمي والشعبي وتوظيفها في خدمة المصالح الاستراتيجية العليا للشعب الفلسطيني والشعوب العربية ومنع تحولها الى منطلق لصراعات داخلية عبثية مدمرة. ولعل التمسك بالديمقراطية كناظم وحيد لهذه العلاقات مهما تباينت الآراء هو الطريق الوحيد القادر على استيعاب الجميع في مسيرة العمل من اجل تقدم وازدهار الاوضاع العربية كافة. ان احترام الرأي والرأي الآخر هو الخطوة الاولى في المسيرة نحو بناء الديمقراطية الحقيقية والتي لا غنى الان ومستقبلا.

تونس ٦ /١٠ /٩٢
ممدوح نوفل
عضو المجلس المركزي الفلسطيني
عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية /التجديد/

¹
المصادر

-رسالة الدعوة لمؤتمر مدريد
-رسالة التطمينات الامريكية للطرف الفلسطيني.
-رسالة التطمينات الامريكية لاسرائيل
-رسالة الدعوة الامريكية لجولة واشنطن الاولى.
-مشروع ال P.S.G.A الفلسطيني الاساسي
-مشروع ال I.S.G.A الاسرائيلي.
-مشاريع الأجندة الفلسطينية التي تقدم بها الوفد
-مشاريع الاجندات الاسرائيلية التي تقدم بها الوفد
-مذكرات الوفد الفلسطيني حول الاستيطان
-مذكرات الوفد الفلسطيني حول حقوق الانسان
-المشروع الفلسطيني "اطار اتفاق حول المرحلة الانتقالية"
-مشروع اسرائيلي "تصور حول المرحلة الانتقالية"
-تقرير المبعوث الامريكي "صول لينوفيتش" لمباحثات الحكم الذاتي المصرية-الاسرائيلية
-المذكرة الاسرائيلية المقدمة للوفد السوري.
-مذكرة الوفد السوري المقدمة للوفد الاسرائيلي
-وثائق الدورة العشرين للمجلس الوطني الفلسطيني
-قرارات المجلس المركزي الفلسطيني

ـــــــــــــــــــ
الهوامش :
ـــــــــــــــــــ
(١) نصت رسالة الدعوة على الاهداف النهائية التالية: This process"
offers the promise of ending decqdes of conforntation and conflict
and the hope of a lasting peace (١m/pc,٨)".
اما رسالة التطمينات الامريكي التي قدمت للجانب الفلسطيني فقد نصت على:
Compreshensive, just and lasging peace (LA,١)
(٢) تضمنت رسالة الدعوة ورسالة التطمينات التوقيتات التالية:
Negotiations will be conducted in phases *
Direct bilateral negotiations will begin four days after the *
opening of the conference
Those parties who wish to attend multilateral negotiations *
will convence two weeks after the opening of the conference
* These talks will be conducted with the objective of reaching
agreement within one uear.
(٣) قبل انعقاد مؤتمر مدريد قام الوزير بيكر بزيارات لدول المنطقة اسفرت تلك الزيارات عن صياغة رسالة دعوة موحدة Invitation لكل الاطراف وتقديم رسائل تطمينات Letters of assuranses امريكية قدمت للوفد الفلسطيني واخرى لاسرائيل وثالثة للاردن ورابعة لسوريا كما تم تحديد موعد بدء مؤتمر السلام ومكانه وميكانيزم العمل في الثنائي والمتعدد.
(٤) حاولت الادارة الامريكية التفرد بحل مشكلة الشرق الاوسط وقدمت عدة مبادرات منها مشروع روجرز في كانون اول ٦٩، كامب ديفيد ٧٨ ، مبادرة ريغان في ايلول ٨٢ ، نقاط بيكر الخمس ٨٩ ، وآخرها مبادرة بوش ٦ آذار ٩١.
(٥) These parties who wish to attend multilateral negotiations will convene two weeks .... IM/PC٣
(٦) سيكون المؤتمر برعاية مشتركة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وستكون المجموعة الاوروبية مشاركة في المؤتمر (رتط٩). هذه العملية سوف تسير بمسارين من خلال المفاوضات المباشرة بين اسرائيل والدول العربية واسرائيل والفلسطينيين(رتط).
(٧) لا يجب أن تعود مدينة القدس منقسمة مرة أخرى ووضعها النهائي يجب ان يتم تحديده في المفاوضات (رتط).
- ولهذا لا نعترف بضم اسرائيل للقدس الشرقية او توسيع حدودها البلدية(رتط).
(٨) وهكذا فان الفلسطينيين احرار في المناقشة من أجل اي نتيجة يعتقدون أنها الافضل بالنسبة لتحقيق متطلباتهم وستقبل الولايات المتحدة اي نتيجة يتفق عليها الاطراف وانسجاما مع السياسة الامريكية القائمة منذ زمن بعيد فاننا لا نستثني الكونفدرالية كنتيجة ممكنة للمفاوضات حول الوضع النهائي (رتط).
(٩) راجع قرار المجلس الوطني الفلسطيني في ٢٨ /٩ /٩١ وقرار المجلس المركزي في ١٨/١٠ /٩١
(١٠) القيادة الفلسطينية هيئة غير رسمية تضم عادة في اجتماعاتها الأمناء العامون للفصائل+عددا من أعضاء المكاتب السياسية للفصائل، عددا من أعضاء المجلس المركزي، أعضاء اللجنة التنفيذية. وهي بمثابة "المطبخ السياسي الموسع".
(١١) لجنة متابعة المفاوضات شكلت بقرار من ل.ت تضم عددا من أعضاء ل.ت وعددا من ممثلي الفصائل المشاركة في المفاوضات. مهمتها متابعة كل المسائل المتعلقة بالمفاوضات وبعمل الوفد. وهي همزة الوصل بين اللجنة التنفيذية والوفد المفاوض، وصلاحياتها محصورة في حدود توجيه عمل الوفد وفقا لتوجهات الهيئات القيادية وخاصة توجهات ل.ت.
(١٢) تم تشكيل لجنة قيادة للمفاوضات الثنائية وأخرى للمتعدد الأطراف. مهمتها التواجد مع الوفود بصورة دائمة وتوجيه عملها في اطار التوجهات المحددة من قبل اللجنة العليا للمفاوضات وهي مرجعيتهما.
(١٣) راجع رسالة الدعوة الى مؤتمر مدريد.
(١٤) The Co-sponsors ore committed to making this process sucead
(١٥) أصدرت ل.ت بيانا بتاريخ ٩/٣ /٢٩ رحبت فيه بمبادرة الرئيس بوش
(١٦) اتخذت القيادة الفلسطينية قرارا بالاجماع بالموافقة على لقاء وفد الداخل مع الوزير بيكر.
(١٧) راجع رسالة الدعوة لمؤتمر مدريد.
(١٨) راجع رسالة التطمينات الامريكية للجانب الفلسطيني.
(١٩) راجع مشروع ال PISGA الذي تقدم به الوفد الفلسطيني في يناير ٩٢.
(٢٠) لم تخل جولة من الجولات من مذكرات رسمية قدمها الوفد الفلسطيني للراعي الامريكي حول اما خرق اسرائيل لرسالة الدعوة في قضايا الاستيطان وحقوق الانسان، أو لتوضيح موقفه من قضية ما.
(٢١) على أبواب الجولة الاولى/واشنطن وجهت الادارة الامريكية رسائل الى كل الاطراف تتضمن اقتراحات محددة بشأن جدول الاعمال وأساليب البحث. وفي حينها احتجت اسرائيل على الرسائل واعتبرتها تدخلا في المفاضات وأخرت سفر وفدها الى واشنطن بضعة أيام.
(٢٢) راجع جريدة الدستور الاردنية ٤ /١٠ /٩٢
(٢٣)في الجولة السادسة تقدم الوفد الفلسطيني بمشروع اجندة جديدة ومشروع اتفاق اطار للمرحلة الانتقالية الا انها لم تناقش.
(٢٤) خلال زيارته لواشنطن طرح رابين جدول زمني محدد حول الاتفاق على المرحلة الانتقالية والانتخابات.
(٢٥) تحت شعار "أرض اسرائيل الواحدة" عقدت الاحزاب والقوى اليمينية المعارضة لأي انسحاب اسرائيل من الجولان او الضفة والقطاع اجتماعا وحدت فيه صفوفها وانتخبت شارون سكرتيرا.
(٢٦) بتاريخ ١٧ /٩ /٩٢ أصدرت عشر منظمات فلسطينية بيانا مشتركا ضد عملية السلام، وشكلت لجنة متابعة دائمة. وذلك اثر اجتماع عقد في دمشق وبعد سلسلة لقاءات عقدت بين وفد ايراني والمنظمات المذكورة. وتفيد المعلومات أنهم اتفقوا على توحيد صفوفهم بتمويل ايراني واسناد سياسي سوري.
(٢٧) يؤكد المجلس ان المساعي لعقد مؤتمر السلام تتطلب مواصلة العمل مع الاطراف الاخرى لتحقيق الاسس التالية:
١) استناد مؤتمر السلام الى القرارين ٢٤٢ و ٣٣٨ التي تكفل الانسحاب الاسرائيلي وتحقيق مبدأ الارض مقابل السلام.
٢) اعتبار القدس جزءا لا يتجزأ من الاراضي الفلسطينية المحتلة.
٣) وقف الاستيطان.
٤) حق م.ت.ف في تسمية الوفد من الداخل والخارج بما في ذلك القدس.
٥) تنسيق المواقف العربية بما يضمن الحل الشامل.
٦) ضمان ترابط مراحل الحل .
"ان المجلس الوطني يكلف ل.ت بالاستمرار في الجهود الجارية لتوفير أفضل الشروط التي تكفل نجاح عملية السلام وفق قرارات المجلس المركزي. على أن ترفع النتائج الى المجلس المركزي لاتخاذ القرار النهائي في ضوء المصلحة الوطنية العليا لشعبنا". قرارات المجلس - البيان السياسي الختامي.
(٢٨) "التعامل الايجابي مع العملية السياسية من خلال مؤتمر السلام المزمع عقده. ويقرر المشاركة في المؤتمر بوفد فلسطيني-اردني مشترك على اساس مستقل ومتكافيء. والتمسك خلال مجمل العملية السياسية بالاهداف والاسس التي حددها المجلس الوطني الفلسطيني".
(٢٩) في بيانها المشترك طرحت المنظمات العشرة مطلبين الأول وقف المفاوضات والثاني اجراء استفتاء للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. القيادة الفلسطينية سمعت بالاقتراح من خلال وكالات الانباء. هذا ولم يتقدم أصحاب الاقتراح بأية افكار او آليات تتعلق بالتنفيذ والتحرك من أجله.
(٣٠) في ١٤ يناير ٨١ قدم المبعوث الرئاسي الامريكي صول لينوفتيش تقريرا للبيت الابيض لخص فيه مجموع نقاط الاتفاق والخلاف بين الاسرائيليين والمصريين كمحصلة لمناقشات دامت ما يقارب الثلاث سنوات حول الحكم الذاتي الفلسطيني الانتقالي.٢

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:47 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

من الآن ولسنوات طويلة سيبقى الاتفاق الفلسطيني-الاسرائيلي موضع جدل ونقاش في الأوساط السياسية الفلسطينية والعربية. وسيعود الناس لتشريحه وتقييمه عند كل منعطف حاد تواجهه المفاوضات، وعند كل خطوة جديدة تتقدمها للأمام. وانطلاقاً من المقولة السياسية القائلة بأن الأمور تقاس بنتائجها وبمدى تأثيرها على تحقيق الهدف الأساسي، فإن تقييم الاتفاق الفلسطيني-الاسرائيلي الآن عملية ليست هينة. فالاتفاق لم يبلغ من العمر الزمني سوى أيام، وتقييم الكائنات الحية يبقى ناقصاً ومجزوءاً اذا لم يتابعها طيلة مراحل حياتها. صحيح أن الاتفاق ولد بشكل طبيعي وبإشراف دولي خاص، وأنه موجود في مناخ يساعده على البقاء على قيد الحياة لكن من يستقصي أوضاعه ويبحث عن أحواله يجده موضوع تحت الحراسة والرعاية المشددة لأنه ظهر للناس ليجد من يهدده بالقتل والاغتيال. لا شك أن الظروف والأوضاع الاقليمية والدولية القائمة الآن والمرئية لفترة طويلة لاحقة قادرة على حمايته وعلى توفير كل سبل الحياة له وتمكنه من النمو بتسارع شديد، ومن فرض ذاته على وقائع حياة الفلسطينيين والاسرائيليين وكل أهل المنطقة. وبغض النظر عن الموقف الرافض أو المؤيد له أو المتحفظ عليه، لعل من مصلحة الجميع عدم الوقوع في الأوهام وعدم المبالغة في القدرات الذاتية، وخاصة تلك الهادفة الى قتله الآن. فالاتفاق نتاج موازين قوى دولية واقليمية ومحلية فلسطينية واسرائيلية، وهو على كل حال لم يعد ملكاً خاصاً لمن صاغوه أو من صادقوا عليه، وأظنه لم يعد ملكاً لا للاسرائيليين ولا للفلسطينيين، بل أصبح ملكاً للمجتمع الدولي عامة وللقوى الدولية الكبرى خاصة. وبما أن الاتفاق الفلسطيني-الاسرائيلي هو اتفاق على إطار للمفاوضات اللاحقة، وليس اتفاقية نهائية فلعل قراءته بالجملة هو الاسلوب الأنسب للتحري عما يعطيه للفلسطينيين والتعرف ما اذا كان يقربهم من الهدف الذي حددوه لأنفسهم عند دخولهم المفاوضات. وكل قراءة هادئة وموضوعية للاتفاق توصل الى :
أولاً - بالتأكيد لم يتمكن الجانب الفلسطيني تضمين إعلان المباديء كل النصوص والصياغات التي كان يريدها، وذات الشيء ينطبق على الجانب الاسرائيلي. فالوارد فيه هو القاسم المشترك الذي أمكن التوصل له بين طرفين عدوين. وأعتقد أن إنصاف الحقيقة يفرض القول أن الاتفاق لا يتضمن أي نص يقطع الطريق أمام المفاوض الفلسطيني لمتابعة الصراع من أجل تحقيق ما لم يستطع تثبيته في الاتفاق. فما لم يستطع انتزاعه أحاله للمفاوضات اللاحقة (القدس، اللاجئين، المستوطنات، الترتيبات الأمنية، الحدود، العلاقة والتعاون مع الجيران). والمفاوضات اللاحقة حددت بدقة بداياتها ونهاياتها، وثبت الاتفاق ترابط المرحلتين و"أنهما جزء لا يتجزأ من عملية واحدة". وتأجيل بحث هذه الأمور لا يتعارض مع الهدف الفلسطيني المحدد بإقامة الدولة المستقلة على كل أراضي الضفة والقطاع والقدس وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين حلاً عادلاً على أساس قرارات الشرعية الدولية". لا سيما وأن الاتفاق نص على "أن مفاوضات الوضع النهائي ستقود الى تنفيذ قراري مجلس الأمن رقم ٢٤٢ و٣٣٨". ونص هاذان القراران يشير بوضوح الى الانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلت عام ٦٧، وتحقيق حل عادل لمشكلة اللاجئين، وقيام علاقات سلام بين الجانبين وضمن حدود آمنة ومعترف بها. لا شك أن للجانب الاسرائيلي تفسيره الخاص للأراضي والحدود ولكن للفلسطينيين تفسيرهم أيضاً، وأعتقد أن القيادة الاسرائيلية وراعيي عملية السلام يعرفون في قرارة أنفسهم أنهم لن يجدوا فلسطينياً واحداً يوقع معهم اتفاقاً يعطي الاسرائيليين أراضي من الأراضي التي احتلت عام ١٩٦٧.
ثانياً - واضح أن الجان بالفلسطيني لم يستطع انتزاع حقه في السيادة الكاملة على أرضه، لكنه بالمقابل لم يتنازل عنه للطرف الآخر، ولم يعطه أي حرف أو كلمة يمكنه الاستناد اليها في المفاوضات اللاحقة ليطالب بها. ولم يتوقف المفاوض الفلسطيني عند هذا الحد، بل أخذ ما يساعده في المفاوضات اللاحقة على انتزاع هذا الحق كاملاً وغير منقوص. فالقرار ٢٤٢ يقرر بأن الضفة الغربية والقطاع أراضي محتلة، والقانون الدولي لا يمنح المحتل أي شكل من أشكال السيادة. وأعتقد أن نص الاتفاق على "أن نطاق سلطة المجلس الفلسطيني الانتقالي المنتخب ستغطي أرض الضفة والقطاع" سلاح آخر حصل عليه المفاوض الفلسطيني وبإمكانه استخدامه في المفاوضات اللاحقة. وذات الشيء ينطبق أيضاً على الانسحاب الكامل من غزة وأريحا وعلى النص القائل "ينظر الجانبان الى الضفة والقطاع كوحدة اقليمية واحدة، وأن وحدة وسلامة أراضيها يجب حمايتها خلال المرحلة الانتقالية". وأعتقد أن وجود نص على "حل الادارة المدنية وانسحاب الحكومة العسكرية" واستلام المجلس الفلسطيني الانتقالي لعدد من السلطات ووجود قوة شرطة فلسطينية وقيام سلطات فلسطينية "للأراضي، والمياه، والكهرباء، والضرائب والبيئة..الخ" عوامل مساعدة تصب في صالح انتزاع السيادة وليس العكس. واذا كان الجانب الاسرائيلي لم يسلم حتى الآن بالسيادة الفلسطينية على الأراضي فهو يعرف أن من المستحيل بقائها أراضي سائبة لا سيادة لأحد عليها. وأعتقد أن اعترافه بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني مقدمة طبيعية ومنطقية للاقرار بسيادة هذا الممثل على الأراضي التي يمتلكها الشعب الذي تمثله. وأظن أن ذلك كله يقرب الوصول الى هدف الاستقلال الكامل.
ثالثاً - وفقاً لنصوص الاتفاق فإن تسليم الجانب الاسرائيلي بحق المرحلين (النازحين) الذين غادروا ديارهم منذ ٥ حزيران ٦٧ بالعودة مكسب كبير. وأعتقد أنه لا خلاف حول ذلك. لا سيما وأن عددهم يتراوح ما بين ٧٥٠-٩٠٠ ألف مواطن. وعودة هذا العدد ولو بالتقسيط وعلى مدى خمس سنوات أظنها تسهل انتزاع السيادة على الأرض، وتقصر أمد وجود أي شكل من أشكال الاحتلال، وتحاصر الاستيطان. واذا كانت رغبة القيادة الاسرائيلية في تجنب الوصول الى دولة ثنائية القومية كان من أحد العوامل الاساسية التي ضغطت عليها للتقدم نحو صنع السلام، فدخول هذه الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين يفترض أن يدفع الاسرائيليين للتسريع في المسير باتجاه السلام. وأظن أن الحكومة الاسرائيلية تعرف تماماً أن السلام العادل والشامل والدائم لا يمكن تحقيقه قبل أن يحقق الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وبناء دولته المستقلة. ويمكن القول أيضاً أن موافقة الحكومة الاسرائيلية على دخول بضعة آلاف من الشباب الفلسطينيين لتشكيل شرطة فلسطينية قوية يصب في ذات الاتجاه.
رابعاً - يعرف الجميع أن الحكومة الاسرائيلية الحالية والحكومة السابقة كانت ولا زالت تعتبر القدس خطاً أحمر وبقي المفاوض الاسرائيلي عامين تقريباً يرفض بصورة قاطعة أي حديث في هذا الموضوع. إن موافقة الحكومة الاسرائيلية في الاتفاق على مشاركة أهل القدس في الانتخابات، وعلى إدراج موضوعها كنقطة مستقلة على جدول أعمال المفاوضات النهائية، وموافقتها على أن سكان القدس مشمولين في السلطات المبكرة التي سوف يتسلمها المجلس الفلسطيني الانتقالي المنتخب؛ كلها خطوات تراجعية صغيرة تشير الى إقرار الحكومة الاسرائيلية ضمنياً بمكانة القدس عند الجميع. وهذه الخطوات التراجعية الصغيرة يمكن للمفاوض الفلسطيني البناء عليها لاحقاً. واذا كانت الحكومة الاسرائيلية تعتبر القدس جزء من اسرائيل فقرار ٢٤٢ الذي سينفذ في المرحلة النهائية يعتبرها جزءاً من أراضي الضفة الغربية المحتلة. والعالم أجمع يعتبرها كذلك بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية. ولا أظن أن رابين يجهل المكانة الخاصة التي تحظى بها القدس عند الفلسطينيين والعرب والمسلمين. وأظنه يدرك أن السلام والتعايش بين الجانبين لا يمكنه أن يتحقق مع بقاء الاقرار بضمها من جانب واحد. وأعتقد أن من يوافق على تقديم ما سبق ذكره في هذا المقال يعرف أنه سيجد نفسه مضطراً للدخول لاحقاً في بحث جدي مع الجانب الفلسطيني لايجاد مخرج لموضوع القدس والوصول الى حل يرضي الطرفين.
خامساً - أظن أن لا خلاف مع الاسرائيليين حكومة وأحزاب أن قضية اللاحئين الفلسطينين هي جوهر القضية الفلطسينية، وأن عدم حلها يعني بقاء الصراع قائماً، وبقاء السلام مؤجلاً الى إشعار آخر. فهل من مصلحة رابين بقاء هذه العقدة بدون حل؟ وهل القوى الدولية الراغبة، وفقاً لمصالحها، في صنع السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ستقبل إقفال ملف السلام عند حدود هذا الاتفاق وقبل حل جوهر الصراع. الجواب المنطقي يقول أن اسرائيل وكل الحريصين على صنع السلام والاستقرار في المنطقة سيباشرون الضغط على م.ت.ف ويلاحقونها من أجل الوصول الى حل لقضية اللاجئين. ولهذا يمكن اعتبار تأجيل بحث موضوع اللاجئين والقدس والاستيطان نقطة قوة بيد المفاوض الفلسطيني وليس نقطة ضعف. وأعتقد أن الدخول في بحثها بعد إنجاز الخطوات المذكورة أعلاه يعني بحثها في ظروف فلسطينية أفضل تساعد على الحصول على حلول أفضل، لا سيما وأن حقوقهم محفوظة في القرار ٢٤٢ الذي يجب أن ينفذ في المرحلة النهائية.
بعد هذا العرض والتقييم الاجمالي للاتفاق الفلسطيني على إعلان مباديء للمفاوضات، يجدر القول أن ما تحقق فيه تعزيز لموقع المفاوض الفلسطيني في المفاوضات اللاحقة، وفيه تحسين لموقع القضية الفلسطينية في إطار الصراع الجاري. ولعله من البديهي القول أن كل ذلك قابل للزيادة، كما هو قابل للمراوحة في ذات المكان وحتى للنقصان. والزيادة أو المراوحة أو النقصان لم تعد رهن بالعوامل الدولية والاقليمية الخارجية وإنما الأساس فيها هو مدى قدرة الفلسطينيين على النجاح في هذا الامتحان العسير. والنجاح متوفر وممكن شرط وضع المصالح الوطنية العليا فوق كل الاعتبارات الأخرى، والالتزام بالديمقراطية كأساس لمعالجة الخلافات، وإحداث نقلة نوعية وتغيير جذري في أساليب العمل وفي الأدوات.. فهل سيجتاز الفلسطينيون الامتحان بنجاح؟ وهل سيستطيعون استثمار التعديل البسيط الذي أحدثه الاتفاق على ميزان القوى في المرحلة الثانية من المفاوضات؟؟ الجميع يراقب وينتظر.. والجواب قادم من غزة وأريحا.

ممدوح نوفل

+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:41 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

في ١١ أيار الجاري بدأت الجولة الثانية من مؤتمر السلام بشقه المتعدد الأطراف في صيغة لجان عمل خصصت للتنمية الاقتصادية واللاجئين وضبط التسليح والمياه والبيئة. ويفترض ان تتواصل أعمال اللجان حتى أواخر الشهر الجاري وتختتم في لشبونة يوم ٥/٢٧ باجتماع لجنة التوجيه Steering Commitee.

تمهيدا للجولة خاضعت م.ت.ف مفاوضات عسيرة مباشرة وغير مباشرة مع راعيي المؤتمر والدول المستضيفة لعمل اللجان بهدف تحسين شروط المشاركة الفلسطينية وتشكيل لجنة خاصة بالقدس وللتفاهم حول آلية عمل اللجان. وبالمحصلة ثبتت مشاركتها في كل اللجان ما عدا لجنة التسليح التي اقتصرت مشاركتنا فيها على تقديم مقترحاتنا وآرائنا من خلال الوفود المشاركة بما في ذلك الامريكي. وأجل موضوع تشكيل لجنة خاصة بالقدس. وأن تكون من الخارج والداخل في لجنتي التنمية الاقتصادية واللاجئين. وأن تقتصر (حاليا) في لجنة التوجيه والبيئة والمياه على الداخل فقط وفي اطار الوفد الاردني-الفلسطيني المشترك.

ومن المعروف أن سوريا ومعها لبنان قاطعت المتعدد في جولته الأولى وفي هذه الجولة أيضا، وذلك لاعتبارات خاصة بهما. أما اسرائيل فقد قاطعت أعمال لجنتي التنمية الاقتصادية واللاجئين بسبب اشراك ممثلين عن الخارج (اللاجئين) فيهما. علما بأنها كانت مصرة على وجود هذا الشق من مؤتمر السلام، وعلى بدء أعماله بموازاة المفاوضات الثنائية.

ان منطلقات ودوافع المشاركة الفلسطينية في المتعدد الأطراف لا تختلف عن تلك التي على أساسها تمت المشاركة في مؤتمر مدريد في اكتوبر ١٩٩١. ولم يحدث تبدل نوعي عليها او على موازين القوى تدفعنا الى مراجعة المواقف أو التراجع عن رسالة الدعوة وعن الاتفاق الاردني-الفلسطيني الذي نص على المتعدد. وما وقع منذ ذلك التاريخ وحتى الان يؤكد صحة وسلامة التوجه. فالمفاوضات المتعددة الأطراف ساحة من ساحات النضال وليست بديلا عنها أو عن أي شكل من اشكال النضال الأخرى، بل مكملة لها وتتمم بعضها بعضا. وهي ميدانا دوليا واسعا لعرض خلفيات وأبعاد القضية الفلسطينية ولاحياء وبعث الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، ومناسبة لاظهار وحدة شعبنا في الداخل والخارج وتكريس وحدانية التمثيل في اطار م.ت.ف، واحياء كل قرارات الشرعية الدولية التي نصت على هذه الحقوق وخاصة القرارات ١٨١ و١٩٤ و٢٤٢ و٢٣٧ و٣٣٨. وهي أيضا فرصة مناسبة لوضع الرأي العام العالمي المنادي بالسلام وممثلي ما يقارب ٤٠ دولة عربية وأجنبية مشاركة (الأسماء مرفقة) أمام مسوؤلياتهم اتجاه قرارات الشرعية الدولية هذه، وتجاه حقوق الانسان الفلسطيني، وتعريفهم بحجم الجريمة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني بالسكوت على تمادي اسرائيل وتحديها لهم ولارادة المجتمع الدولي على مدى ما يقارب ال ٤٥ عاما. وهذا ما حرصت مجموعات العمل الفلسطينية على القيام به في اللجان التي عقدت اجتماعاتها حتى الان، وهو ما ستقوم به بقية المجموعات خلال الأيام والأسابيع القادمة عندما تعقد بقية اللجان أعمالها وخاصة لجنة التوجيه.

لقد توجهت وفودنا الى اجتماعات لجان العمل مستندة الى قرارات مجلسنا المركزي والى دعم وتأييد شعبنا لها، توجهت وهي تحمل معها كل الملفات والوثائق وتوجهات العمل المساعدة لتحقيق الأهداف التالية:
١) تسييس عمل اللجان ومواضيع البحث وربطها بجذر المشكلة وحرمان الشعب الفلسطيني من حق تقرير المصير وبناء دولته المستقلة والعودة الى وطنه، واستمرار الاحتلال.
٢) ربط أي تقدم في المتعدد بالتقدم الملموس في المفاوضات الثنائية الفلسطينية-الاسرائيلية، وخاصة وقف الاستيطان وتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة وقيام سلطة الحكم الانتقالي المنتخبة. وكذلك ربط أعمال اللجان بعضها ببعض خاصة بموضوع اللاجئين.
٣) العمل على استكمال تحسين شكل التمثيل الفلسطيني باشراك الخارج في لجان التوجيه والبيئة والمياه والتسليح، وخصوصا بعدما كسر مبدأ استبعاد الخارج من المشاركة المباشرة في لجنتي اللاجئين والتنمية الاقتصادية.
٤) فضح جرائم الاحتلال في كل مجالات عمل اللجان (اللاجئين، التنمية الاقتصادية، المياه، البيئة..) منذ عام ١٩٤٨ بما في ذلك ممارسات جيش الاحتلال منذ عام ١٩٦٧ وحتى الآن.
٥) العمل على تأجيل تشكيل لجان فرعية في كل المواضيع حتى لا تفقد عملية التسييس قيمتها.
٦) العمل على رفع مستوى التنسيق مع الوفود العربية الأخرى خاصة بعدما تعذر ذلك على المستويات الأخرى قبل الجولة، والاسترشاد بما ورد في الرسالة التي وجهها الأخ رئيس دولة فلسطين للملوك والرؤساء العرب قبل بدء أعمال اللجان. والحرص على تطوير علاقة العمل بين المجموعات الفلسطينية والاردنية وفقا لنصوص الاتفاق الاردني-الفلسطيني المشترك الخاص بالمشاركة في عملية السلام.
٧) توثيق العلاقة مع وفود الدول الأجنبية الأخرى المشاركة في اللجان وفي مقدمتها دول السوق الاوروبية المشتركة واليابان وكندا، وحثها على تحمل مسؤولياتها ازاء نجاح عملية السلام بالضغط على اسرائيل وارغامها على الخضوع لارادة المجتمع الدولي ولقرارات الشرعية الدولية.

ورغم أن المهمة الرئيسية لهذه الجولة هي عرض الأطراف المشاركة لمواقفها وتقديم أوراق العمل الأولية حول المواضيع المطروحة، ورغم أن الأعمال الفعلية للمتعدد لم تبدأ بعد، والمشاركة الفلسطينية لم تتجاوز الجولة الواحدة، فالواضح أن المشاركة الفلسطينية في أعمال لجان المتعدد قد حققت بعض النتائج الايجابية والهامة رغم كونها لا زالت نظرية وغير مترجمة في خطوات عملية.
- أولى هذه النتائج ما تحقق في مجال التعريف بالمزيد من الحقائق التاريخية والوقائع الراهنة للقضية الفلسطينية وازالة بعض التشويهات التي ألحقتها الحركة الصهيونية بها. وقد أكدت وقائع الاتصالات والمداولات التي أجرتها وفودنا في مختلف لجان العمل مع القوى المشاركة خطأ الاعتقاد بأن العالم على دراية تامة بكل أبعاد وخلفيات وتاريخ القضية الفلسطينية بجوانبها المتعددة والمتنوعة، أو على علم بما يرتكب من جرائم يومية بحق الشعب الفلسطيني على يد قوات الاحتلال، او بالظروف القاسية التي يعيشها اللاجئون في الخارج. وبينت اجتماعات كل اللجان حاجة العالم، بما في ذلك المشاركون، للمعلومات الشاملة والأرقام الدقيقة حول القضايا المطروحة للبحث.

- وثانيها، تجديد اعتراف الادارة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وبقية الدول المشاركة بالقرار ١٩٤ والقرار ٢٣٧ واللذين ينصان على حق العودة للاجئين في عام ١٩٤٨ والنازحين عام ١٩٦٧. ورغم الاستدراك الأمريكي حول زمان ومكان بحث قضية اللاجئين وسبل تنفيذ القرارات المتعلقة بها، الا أن هذا الاستدراك وما قد يليه من استدراكات أو توضيحات لاحقة لا تقلل من قيمة تجديد الاعتراف الدولي بالقرار، ومن أثر ذلك على مجرى عملية المفاوضات الثنائية والمتعددة الاطراف. ان نفض الغبار عن هذا القرار (كما قال رئيس مجموعة العمل الفلسطينية لموضوع اللاجئين) يعطي للمفاوض الفلسطيني ورقة تفاوضية هامة، تساعده على تعزيز وتقوية مواقفه التفاوضية في مواجهة المفاوض الاسرائيلي في كل مراحل ومجالات المفاوضات.

- وثالث هذه النتائج، وضع اسرائيل في مواجهة العالم وابراز حقيقة موقفها المعادي للسلام الشامل والعادل والدائم، بمقاطعة لجنتين من لجان المؤتمر. وهذا يزيد من عزلتها الدولية ويعرضها لضغوط سياسية واقتصادية حتى من أقرب حلفائها.

ان موقف اسرائيل من القرار ١٩٤ يتصادم جذريا مع الموقف الامريكي والاوروبي، وهذا يتيح للطرف الفلسطيني زج اسرائيل في اشتباك ثاني مع الادارة الامريكية والاوروبيين ومع الشرعية الدولية بعد اشتباكها الأول حول الاستيطان وضمانات القروض. ومن شأنه أيضا أن يفجر مزيدا من الخلافات بين الاحزاب والقوى الاسرائيلية حول علاقات اسرائيل بدول العالم وخاصة مع الادارة الامريكية، وحول الموقف من عملية السلام.

- أما رابعها فهو تعزيز المكانة السياسية والتمثيلية لمنظمة التحرير على الصعيدين العربي والدولي. فالمفاوضات التمهيدية حول أعمال اللجان تمت مع ممثلين فلسطينيين من الخارج والداخل، بعضهم أعضاء في هيئات قيادية فلسطينية رسمية وغير رسمية. والكل يعرف أن م.ت.ف هي التي شكلت مجموعات العمل، هذا الى جانب تواجد أعضاء قياديين في المنظمة في أماكن الاجتماعات، وتضمين كل الكلمات الفلسطينية التي ألقيت في كل اللجان بالثوابت الفلسطينية وخاصة الحق في الدولة والعودة وتقرير المصير، وم.ت.ف ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ووحدة الشعب والقضية.
- وتفيد المعلومات والتقارير وردود الفعل الأولية التي وصلت حتى الان من مجموعات العمل الفلسطينية الى اللجنة العليا للمفاوضات بأن الكلمات التي ألقيت في لجان اللاجئين والتنمية الاقتصادية والمياه قد حظيت باهتمام جميع الدول المشاركة دون استثناء، وأعرب الكثيرون عن تقديرهم وتثمينهم لها ولما تضمنته من آراء جديرة بالبحث والنقاش. وفي كل أماكن اجتماعات اللجان نالت الوفود الفلسطينية اهتماما واحتراما خاصا من الدول الراعية ومن وفود الدول المشاركة، وخاصة الدول المشاركة في لجنة التوجيه، حيث جرى التداول مع وفودنا حول سير أعمال اللجان وكيفية تناولها للمواضيع. وكذلك حول اجتماع لجنة التوجيه في لشبونة يوم ٢٧ أيار الجاري. وحول الجولة الثالثة للمتعدد.
هذا وقد عقدت وفودنا لقاءات خاصة مع معظم الوفود المشاركة، كما بادرت وشاركت في عقد لقاءات خاصة لمجموعات العمل العربية والتي أظهرت دعمها للمواقف الفلسطينية وأبدت استعدادات عالية لتبني مواقفنا وأهدافنا.

ان ما قامت به مجموعات العمل الفلسطينية في مختلف اللجان وما أبرزت من كفاءة والتزام، يستحق التقدير. وان دعم واسناد وفودنا في الجولات اللاحقة مهمة تستحق ان تبذل من أجلها مزيد من الجهود. وهذا يتطلب من الآن:
١) تكثيف الاتصالات مع الاطراف المشاركة في المتعدد ومتابعة ما تم بحثه مع كل طرف بما في ذلك تبادل الوثائق والمعلومات، وما يتعلق بالعلاقة مع م.ت.ف، وأيضا بدعم أهلنا تحت الاحتلال.
٢) المبادرة الى اجراء احصاءات أولية لأبرز الكفاءات الفلسطينية في مجالات التنمية الاقتصادية، المياه، البيئة، التسليح، اللاجئين، القانون الدولي، وتزويدنا بها. فمجموعات عملنا في هذه المجالات يمكنها الاستفادة من كل الخبرات الفلسطينية المتوفرة وكل من موقعه.
٣) تزويدنا بتقارير حول ردود الفعل الشعبية والقوى الفلسطينية والمحلية حول المشاركة الفلسطينية.

الى أمام

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=463&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:30 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

١) المشاركة بين المعارضة والتأييد:
في ١١ أيار الجاري بدأت الجولة الثانية من مؤتمر السلام بشقه المتعدد الأطراف، وفي صيغة لجان عمل خصصت للتنمية الاقتصادية واللاجئين وضبط التسليح والمياه والبيئة. ويفترض أن تتواصل أعمال اللجان حتى اواخر الشهر الجاري، وان تختتم الجولة في لشبونة باجتماع لجنة التوجيه هناك يوم ٢٧ ايار. وتمهيدا للمشاركة في هذه الجولة خاضت م.ت.ف مفاوضات عسيرة مباشرة وغير مباشرة مع الراعي الامريكي والدول المستضيفة للجان العمل على امل تحسين شروط واسس المشاركة الفلسطينية. وبالمحصلة ثبتت المشاركة في كل اللجان ما عدا لجنة التسليح، وان تكون من الخارج والداخل في لجنتي التنمية الاقتصادية واللاجئين، وان تقتصر (حاليا) في لجنة التوجيه steering commitee ولجنتي المياه والبيئة بوفود من الداخل فقط، وتحت مظلة الوفد الاردني الفلسطيني المشترك.

ومن المعروف ان سوريا ومعها لبنان قاطعت المؤتمر في جولته الاولى وهذه الجولة ايضا. اما اسرائيل فقد قاطعت اعمال لجنتي التنمية الاقتصادية واللاجئين بسبب اشراك ممثلين عن اللاجئين (الخارج) فيهما علما بانها هي صاحبة الاقتراح لهذا الشق من مؤتمر السلام.
وبالرغم من القرار الواضح والصريح الذي اتخذه المجلس المركزي في دورته الاخيرة بالمشاركة في مؤتمر السلام بشقيه الثنائي والمتعدد الاطراف، فلا زال الجدل يدور حول صحة وسلامة هذا القرار. وهذا امرا ليس مستغربا، لأنه جزء من تقاليد الحياة السياسية الفلسطينية. وقرار المجلس المركزي أخذ بالاغلبية (٥٤ مقابل ١٦)، ومع ترسيمه المشاركة ثبت انقساما سياسيا، ورسم وجود اتجاهين سياسيين، من الطبيعي ان يحاول كل منهما ابراز وجهة نظره وتأكيد صحتها.

ولعل المقاطعة السورية واللبنانية تمثل هي الاخرى عاملا منشطا لمثل هذا الجدل وربما لما هو اكثر من ذلك، واثارة لمزيد من الاسئلة، منها مثلا هل كان بالامكان عقد المؤتمر لو غاب الفلسطينيون الى جانب سوريا ولبنان؟ أو لم يكن من الافضل ربط الموقف الفلسطيني بموقف سوريا ولبنان ريثما يتم الاقرار بمشاركة م.ت.ف رسميا ويتم تحقيق تقدم حقيقي في المفاوضات الثنائية؟، وما قيمة المتعدد اذا غابت عنه سوريا ولبنان وغابت اسرائيل عن لجنتين من لجانه الاساسية (اللاجئين، التنمية الاقتصادية)؟؟.. الخ من الاسئلة المنطقية.

قبل الدخول في الاجابة على هذه الاسئلة لعل الضروري توضيح بعد الالتباسات التي حاول البعض اثارتها حول قراري المجلس الوطني والمجلس المركزي في دورتيهما السابقتين. فالمعروف أن المجلس الوطني حدد الاسس والاطار والاهداف للمشاركة الفلسطينية، وفوض المجلس المركزي في حينها باتخاذ القرار في ضوء نتائج الجهود والاتصالات التي كلف اللجنة التنفيذية ببذلها. أما القرار فقد نص على: "التعامل الايجابي مع العملية السياسية الجارية من خلال مؤتمر السلام المزمع عقده، ويقرر المشاركة في المؤتمر بوفد فلسطيني اردني مشترك على اساس مستقل ومتكافيء، والتمسك خلال مجمل العملية السياسية بالاهداف والاسس التي حددها المجلس الوطني الفلسطيني".
ان التدقيق في النص المذكور اعلاه يبين ان قرار المشاركة في المتعدد الاطراف اتخذ في اكتوبر الماضي، حيث قرر المجلس المركزي (المشاركة في المؤتمر). مؤتمر السلام كما هو معروف وكما نصت رسائل الدعوة قام على ركيزتين-ثنائيات+متعددة الاطراف. ويمكن القول ان الزوابع التي اثيرت قبل الدورة الاخيرة للمجلس المركزي كانت ضربا من الديماغوجية لها وظيفة حزبية تضليلية وليس أكثر.
وفي هذا السياق مفيد التذكير ايضا ان الاتفاق الاردني الفلسطيني المشترك، تضمن نصا صريحا بالمشاركة في المؤتمر المتعدد الاطراف بوفد اردني فلسطيني مشترك. وهذا الاتفاق نال في اكتوبر الماضي اجماع المجلس المركزي. ومنذ ذلك التاريخ وحتى الان لم يسمع صوت فلسطيني يطالب بالغاء هذا الاتفاق. وخيرا فعل تيار الواقعية في هذه الدورة، حيث أصر على ان يكون نص القرار واضحا ومباشرا، لا لبس ولا غموض فيه. وهو في موقفه هذا استند بالتأكيد الى سلامة موقف الوفد، وحسن ادارته للمفاوضات، وللنتائج الايجابية التي حققتها القضية والمنظمة من المشاركة في عملية السلام.
وفي اطار الحوار حول المشاركة في المتعدد، يمكن القول ان وقوع خلافات حول الموضوع امرا طبيعيا وتعبير عن حالة صحية يعيشها الفكر السياسي الفلسطيني. فلا أحد يستطيع الادعاء بأنه يملك الحقيقة المطلقة حول الموضوع، أو الرؤيا الكاملة لكل الطريق الذي ستسير فيه المفاوضات المتعددة الاطراف و المواضيع او للنتائج النهائية التي سترسوا عليها خاصة وان تقرير هذه الامور رهين بمواقف ما يقارب ال ٤٠ دولة عربية واجنبية. لكن الوقاع تؤكد ان الدوافع والعوامل والظروف التي دفعت م.ت.ف للمشاركة في مؤتمر السلام في اكتوبر الماضي، لا زالت قائمة ولم يحدث اي تبدل نوعي عليها، او على موازين القوى، تدفع الى مراجعة القرار. وما وقع منذ ذلك التاريخ وحتى الان يؤكد صحة وسلامة القرار وليس العكس.
لقد دخل الفلسطينيون مؤتمر مدريد وما تلاه من جولات المفاوضات، والقلق والخوف يلف بعضهم على وحدة الداخل والخارج، وعلى استقلالية التمثيل الفلسطيني، ومن خلق بديل فلسطيني لمنظمة التحرير. ولكنهم خرجوا من الجولة الخامسة من المفاوضات الثنائية التي عقدت في واشنطن وهم مطمئنون على وحدة الشعب، خاصة بعدما لمسوا وحدة القضية في كل اطروحات ومواقف الوفد، وخرجوا متيقنين ايضا، أن صيغة المشترك مظلة لم تستطع حجب التمثيل الفلسطيني وان الشريك في المشترك لا يرغب في ذلك ولا في تحمل تبعات الحل نيابة عن الفلسطينيين انفسهم.
ولا نظن أن احدا يستطيع انكار ان المشاركة اعادت القضية الى واجهة القضايا الدولية التي تتطلب ايجاد حل لها بعدما جرت محاولات طمسها وتغييبها، وبعدما تحولت بفعل حرب الخليج وانهيار المعسكر الاشتراكي الى قضية دولية فرعية. كما لا يمكن انكار ان المشاركة في عملية السلام ساهمت في فك بعض عقد الطوق والحصار العربي والدولي الذي ضرب حول م.ت.ف خلال ازمة الخليج. أو انكار الاشتباك المحدود الذي وقع بين الادارة الامريكية واسرائيل حول ضمانات القروض، وكذلك تفجر بعض الخلافات بين الاحزاب والقوى الاسرائيلية. فهل ستتكرر الأمور بشأن المخاوف الحالية من المشاركة في المتعدد؟.
أما بشأن بعض التساؤلات الأخرى المطروحة، لعله من المفيد التذكير بالجهود الكبيرة التي بذلتها قيادة م.ت.ف مع كل العرب دون استثناء قبل وبعد افتتاح مؤتمر مدريد، من اجل الوصول الى موقف عربي موحد حول مجمل عملية السلام. والكل يعرف أن أقصى ما تم التوصل له هو التنسيق بين الوفود اثناء جلسات المفاوضات، وعقد بعض اللقاءات الرباعية بصورة متقطعة. ومفيد التذكير ايضا بان الوفد الفلسطيني بقي في الفندق في موسكو عند افتتاح الجولة الاولى للمتعدد وغابت سوريا ولبنان ولم تتعطل اعمال المؤتمر، ولم تقاطع لا الدول العربية ولا الدول الاخرى اعمال جلساته. وقرار القيادة الفلسطينية بالمشاركة في الجولة الثانية من المتعدد اتخذ بعدما فشل اجتماع مجلس الجامعة العربية في اتخاذ قرار موحد حول الموضوع وبعدما احبطت كل الجهود التي بذلت لعقد اجتماع سباعي عربي على هامش اعماله.
صحيح ان حالة التفكك والانقسام التي يعيشها الوضع العربي منذ حرب الخليج وحتى الان وغياب التنسيق الفعلي بين الاطراف العربية المشاركة في عملية السلام تزيد من خطر عدم الترابط بين الثنائي والمتعدد، ولكن الصحيح ايضا ان امكانية درء هذا الخطر من داخل العملية وبالعلاقة المباشرة بين الوفود العربية اكثر امكانية من مناشدة الوفود العربية من بعيد ومن خارج قاعات المؤتمر. وأفضل بما لا يقاس من الاشتباط معها ومع ما يزيد على ثلاثين دولة منها خمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن.
ولا مبالغة في القول ان مقاطعة اسرائيل لأعمال لجنتي التنمية الاقتصادية واللاجئين يوفر فرصا لخلق مواقف دولية متنامية ضد سياسة اسرائيل، والقرار الفلسطيني بالمشاركة رغم كل النواقص والثغرات في أسس العملية وقواعد التمثيل الفلسطيني فيها يوسع من هذه الفرص ومن امكانية استثمارها وعكس ذلك صحيح تماما.
ولعل المصلحة الوطنية الفلسطينية تفرض القول، طالما أن القرار الفلسطيني بالمشاركة قد اتخذ بالاغلبية، والمشاركة العملية وقعت، فان خوض هذه المعركة بنجاح وتحقيق مكاسب للقضية تفرض على كل القوى الفلسطينية التفكير واشغال الذهن وتبعئة الطاقات باتجاه كيفية تحقيق ذلك. وكل ما عدا ذلك ليس سوى تبديد للجهود وتضييع للفرص.
وهذا القول لا يعني أن تتخلى المعارضة عن معارضتها وانما ان توفق بين حقها في التعبير عن رأيها وبين واجبها في تسهيل عمل الاغلبية طالما ان الجميع ملتزم بقرارات المؤسسة التشريعية وهدفه انتصار القضية.

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=462&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:27 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

بعد تعذر الوصول الى اتفاق حول المكان والزمان، تقدمت الادارة الامريكية باقتراح لحل الاشكال، وبات شبه مؤكد ان تعقد الجولة الخامسة من المفاوضات الثنائية مرة اخرى في واشنطن في الاسبوع الاخير من الشهر الجاري.
ومن الان وحتى ذلك التاريخ، لا ندري ما هي المفاجأة التي يخبئيها شامير على ابواب هذه الجولة للوفد الفلسطيني والوفود العربية الاخرى. كل ما نتوقعه وتعودنا عليه هو ان القيادة الاسرائيلية لم تترك اي من الجولات السابقة تمر دون محاولة استفزاز وتعكير مزاج الوفد الفلسطيني والقيادة الموجهة لعمله. فالكل يتذكر افتعال تأخر الوفد الاسرائيلي عن موعد الجولة الاولى في واشنطن ومحاولة ابعاد مجموعة من المناضلين على ابواب الجولة الثانية، وتعمد تصعيد حدة التوتر في الجنوب اللبناني واغتيال الشيخ عباس الموسوي زعيم حزب الله اللبناني، واعادة واعتقال عضوين من القاطرة الداعمة التي رافقت الوفد الفلسطيني في الجولة الثالثة.
ولهذا فاننا نعتقد أن لا الوفد الفلسطيني ولا الوفود العربية الاخرى تفاجأ بأية استفزازات سمجة قد تقوم بها القيادة الاسرائيلية خلال الاسابيع الثلاث القادمة. فالكل يعرف أن هذه الاستفزازات ليست سوى جزء من حرب نفسية مدروسة، ومحاولات مكشوفة هدفها التأثير على الوضع المعنوي للمفاوض الفلسطيني والعربي، ودفعهم فرادى او جماعات الى مواقف انفعالية.

لا شك أن شامير يفكر جديا على ابواب الجولة الخامسة من المفاوضات في كيفية تخريب عملية السلام ليس فقط للرد المباشر على الموقف الامريكي من مسالة ربط ضمانات القروض بوقف الاستيطان، بل وللخلاص اذا امكن من مؤتمر السلام باعتباره اساس البلية، والذي سبب له هذه المشكلة بابعاده الثلاث وعلى ابواب الانتخابات. فهي من جهة تمثل ازمة جدية في العلاقة الامريكية الاسرائيلية (الحليف الاستراتيجي)، والخضوع للشروط الامريكية بوقف الاستيطان يعني من جهة ثانية التخلي عن ركن اساسي من اركان عقيدة الليكود، ويعرف شامير ان التخلي عن هذا الركن (الاستيطان) يضعضع وحدة تكتله المتضعضع اصلا، والاخطر من ذلك أنه يمهد لانهاء الموجود من المستوطنات ورحيل المستوطنين المقيمين فيها الان، والى الانسحاب من الضفة والقطاع حسب تعبيرهم. اما الوجه الثالث فيتمثل في عدم الحصول على المال المطلوب والضروري لاستيعاب المهاجريم ولتدعيم الاقتصاد الاسرائيلي. ولعلنا لا نسيء التقدير اذا قلنا ان شامير الحريص علان على تطبيق المثل القائل "الباب الذي يأتيك منه الريح سده واستريح" حريص في الوقت ذاته، وبشكل ادق على ان لا يتحمل المسؤولية بشكل مكشوف عن افشال مؤترم السلام في شقيه الثنائي والمتعدد الاطراف، تجنبا للمضاعفات السلبية الداخلية والخارجية ويعتقد ان لديه الكثير من الاوراق التي يمكنه استخدامها، خارج وداخل غرف المفاوضات لتعطيل تقدم عملية السلام من خلال محاولة فركشة الجولة الخامسة من المفاوضات الثنائية ومحاولة فركشة اجتماعات لجان المؤتمر المتعدد الاطراف. ولعل عجزه عن الدخول في مواجهة مباشرة مع الادارة الامريكية يدفعه لأن يبني رهانه الاساسي على ورقة الضغط على المفاوض الفلسطيني والعربي لايصاله الى حالة من اليأس والقرف من المفاوضات، ودفعه بالتالي نحو اخذ المبادرة بمقاطعة الجولة الخامسة مثلا او مقاطعة اعمال لجان المتعدد الاطراف التي تقرر عقدها في شهر أيار القادم، ويتمنى شامير ان تصل ردة الفعل الفلسطيني الى مستوى الانسحاب النهائي من المفاوضات.

واذا كانت مجريات الصراع قبل وخلال كل جولة من الجولات السابقة قد اكدت ان وعي الوفوع العربية لهذا النمط من المناورات والتكتيكات الاسرائيلية مكنها ليس فقط من احباطها بل واستغلالها في اضعاف الموقف التفاوضي الاسرائيلي، فاننا نعتقد ان انكشاف نوايا شامير التخريبية للجولة القادمة سوف تمكن الوفود العربية بالاستناد الى خبرتها المتراكمة من استثمار المأزق الحرج الذي يجتازه المفاوض الاسرائيلي الان، بسبب اقتراب موعد الانتخابات الاسرائيلية او بسبب الاشتباك الاسرائيلي-الامريكي المحدود الجاري حول ضمانات القروض وحول تسريب اسرائيل وبيعها للتكنولوجيا المتطورة.

نحو هجوم في الموقف التفاوضي:
وفي هذا السياق فاننا نعتقد أن المصحلة الفلسطينية والعربية تتطلب من الاجتماع الرباعي العربي (سوريا، لبنان، الاردن، م.ت.ف) المنوي عقده في لبنان على مستوى وزراء الخارجية في مطلع نيسان، ان يقرر تعزيز التنسيق بين الوفود الاربعة في اطار تنسيق عربي اشمل واوسع على قاعدة المشاركة في اعمال لجان المؤتمر المتعدد الاطراف، والذهاب الى الجولة الخامسة من المفاوضات الثنائية بمواقف قادرة على كسب الرأي العام العالمي وتوسيع جبهة الاصدقاء والمتفهمين لعدالة القضية الفلسطينية وعدالة القضايا العربية الاخرى، وهي مناسبة لتأكيد واظهار الحرص الفلسطيني والعربي على تواصل المفاوضات ونجاح عملية السلام. فبمثل هذه المواقف الايجابية يمكن للوفود العربية مراكمة رصيد دولي يعزز مواقفها في الجولات القادمة من المفاوضات آخذين بعين الاعتبار المتغيرات الدولية، والميل المتنامي نحو صنع سلام عادل ودائم وشامل في منطقة الشرق الاوسط، ونحو تعزيز احترام قرارات الشرعية الدولية.

ونظن ان تواصل المواقف الايجابية والواقعية الفلسطينية والعربية هي التي تجعل من قضية السلام ورقة اساسية في الانتخابات الاسرائيلية القادمة وهي التي بامكانها تعزيز مواقع الاتجاهات الواقعية الاسرائيلية، وتلك الاقل عدوانية اتجاه عملية السلام. ونعتقد ان من الخطأ ان يتصور الجانب الفلسطيني او العربي ان تعليقه أو تطرفه في المفاوضات او تدخله المباشر في الانتخابات الاسرائيلية يضعف مواقع القوى الاسرائيلية المتطرفة. فالتدخل العربي المباشر قد يستفز الناخب الاسرائيلي ويدفعه الى اتخاذ مواقف معاكسة لرغبات وامنيات اعداؤه العرب. كما ومن المفيد التذكير بان انطلاق عملية السلام كان بمثابة رافعة قوية لحركة قوى السلام الاسرائيلية، وان تضعضع الاوضاع الداخلية لتكتل الليكود بدأ مع بداية المفاوضات وتعمق أكثر فأكثر عندما اضطر المفاوض الاسرائيلي الى التعاطي مع متطلبات المفاوضات وفقا لما ورد في أسس الدعوة لها.
واذا كان من المهم عدم الوقوع في اوهام حول ما يمكن تحقيقه في المفاوضات من الان وحتى الانتهاء من الانتخابات الاسرائيلية، فلعل الاكثر اهمية هو عدم بناء اية احلام او اوهام حول نتائج الانتخابات الاسرائيلية بغض النظر عمن سيفوز فيها.
ونعتقد أن مأزق القيادة الاسرائيلية واقتراب موعد الانتخابات الاسرائيلية هي فرصة توجب البحث عن أفضل المواقف التكتيكية الفلسطينية والعربية لاستثمارها في خدمة المواقف التفاوضية في الجولة القادمة او الجولات اللاحقة لها، ولعل الحرص على المشاركة في الجولة الخامسة وفي اعمال لجان المتعدد الاطراف، ودخول الوفود العربية الى هذه اللقاءات بنفس تفاوضي ايجابي وهجومي هو الاسلوب الافضل والاقدر على تعزيز النضال من اجل انتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية والعربية العادلة والمشروعة.
وفي هذا السياق وتمهيدا للجولة الخامسة من المفاوضات الثنائية فاننا نعتقد ان الوفد الفلسطيني مطالب بتهيئة اوضاعه الذاتية للدخول في مناقشة القضايا الجوهرية، وعدم تمكين المفاوض الاسرائيلي الهروب من ذلك أو اغراق المفاوضات مرة اخرى في قضايا اجرائية خاصة بعد ان قدم الوفدان الفلسطيني والاسرائيلي كل الاوراق الاساسية المتعلقة بالمرحلة الانتقالية وبناء سلطة الحكم الذاتي الانتقالي. ان دخول الوفد الفلسطيني في مناقشة جادة لقضايا المرحلة الانتقالية هو الذي يؤسس ارضية تفاوضية ثابتة تلزم المفاوض الاسرائيلي على مواصلة التفاوض بشأنها في الجولات اللاحقة بغض النظر عن نتائج الانتخابات الاسرائيلية ومن يفوز فيها، وبمثل هذا الموقف يمكن قطع الطريق على كل من سيحاول استغلال الانتقادات الامريكية غير المحقة والمنحازة التي وجهت في تصريحات رسمية وعلنية للموقف الفلسطيني في نهاية الجولة الثالثة من مفاوضات واشنطن.
ولعل من البديهي القول أن الدخول في مناقشة ترتيبات نقل السلطة خلال المرحلة الانتقالية وفقا لما ورد في صيغة الدعوة لمؤتمر السلام، لا تعني اغفال او اهمال موضوع وقف الاستيطان، بل تعني مواصلة بحثه وطرحه ولكن من مداخل اخرى كثيرة متوفرة في القضايا المتعلقة بسلطات الحكم الذاتي الانتقالي.
ولعل من الضروري التفكير عند رسم تكتيك التفاوض الفلسطيني للجولة الخامسة في كيفية ابقاء الخلاف الامريكي الاسرائيلي حول مسألة ضمانات القروض والاستيطان طافيا على سطح بحر المفاوضات، والتعامل مع هذا الخلاف باعتباره خلاف حقيقي يمكن استثماره في المرحلة الاولى من المعركة الفلسطينية الطويلة ضد الاستيطان.
وفي اطار التحضير للجولة الخامسة من المفاوضات نعتقد أن من المفيد الشروع فورا في شن حملة سياسية واعلامية وديبلوماسية حول حق ابناء الشعب الفلسطيني في اجراء انتخابات حرة ونزيهة لاختيار ممثليهم في اعلى سلطة تشريعية وتنفيذية للحكم الذاتي الانتقالي. لا شك أن مبادرة الوفد الفلسطيني وتقديمه في الجولة الثالثة مشروعا متكاملا حول الانتخابات لم يكن مناورة تكتيكية آنية بل تعبير عن الطموح المشروع للشعب الفلسطيني في بناء سلطته الذاتية الانتقالية بصورة ديمقراطية، ونظن أن طرح هذا المطلب الفلسطيني المحق قبل وخلال المفاوضات قادر على حشد تأييد دولي حوله، وقد يساهم في حشر المفاوض الاسرائيلي واظهار زيف ادعاءات القيادة الاسرائيلية وتبجحها بالديمقراطية. وقد يؤدي في حال ابرازه وتسليط الاضواء عليه الى زج اسرائيل في صراعات مع العديد من القوى الدولية المؤمنة حقا بالديمقراطية.
وبالتدقيق في القضايا الكبرى المطروحة على أكتاف قيادة وأعضاء الوفد الفلسطيني في هذه الجولة من المفاوضات، يتبين لنا حجم التقصير الذي يمكن أن يرتكب في حاله تركه وحده يخوض الصراع من اجل انتصارها، بالاستناد فقط الى قواه الذاتية وخبراته وطاقاته التفاوضية. لا شك ان ميادين خوض معركة وقف الاستيطان، وتكريس الحق الفلسطيني في الانتخابات، وفرض المفهوم الفلسطيني لحكم الذات الانتقالي كثيرة ومتنوعة ومن الخطأ حصرها بما يمكن تحقيقه فوق طاولة المفاوضات، وكسبها يتطلب كما نتصور تعبئة وحشد كل الطاقات والخبرات الفكرية والسياسية والنضالية خلف الوفد المفاوض. وفي هذا السياق فانن انعتقد ان تعزيز وتصليب الوحدة الوطنية الفلسطينية وحدة كل قوى الشعب وارسائها على اسس ديمقراطية صحيحة، تنظم العلاقة بين القيادة والمعارضة مسألة في غاية الاهمية في هذا الوقت بالذات من اجل تهيئة افضل الظروف الوطنية امام الوفد الفلسطيني، وتمكينه من الدخول الى قاعة المفاوضات مدعوما بموقف وطني موحد. هذا الى جانب ضروراتها لتهيئة الاوضاع الفلسطينية لمواجهة موجة القمع والارهاب الشرسة التي يتوقع ان يتعرض لها شعبنا في الشهور الثلاث القادمة، شهور حمى المزاودات الانتخابية الاسرائيلية. وعلنا لا نخطيء التقدير اذا قلنا ان الديمقراطية التي شرعت الخلاف السياسي حول مؤتمر السلام لم تعفي احدا من المسؤولية الوطنية اتجاه تعزيز الموقف التفاوضي الفلسطيني في مواجهة المواقف الاسرائيلي. ونظن أن النضال من أحل احداث تعديل جدي في ميزان القوى مع الاعداء مهمة كبرى تستحق أن تتوحد حولها كل القوى الوطنية الفلسطينية. ومما لا شك فيه ان حماية الانتفاضة، وتفعيل حركتها النضالية في مواجهة الاحتلال هي الطريق الموصل لهذا الهدف، وهي في الوقت ذاته القوة الكبيرة التي يمكنها تقديم اقوى واهم اسناد للوفد الفلسطيني والوفود العربية الاخرى في جولة المفاوضات الخامسة وما سوف يليها من جولات صراع لاحقة.


تونس

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=459&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:23 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

القسم الثاني

مسيرة المفاوضات في الجولات السابقة
أولا - م.ت.ف ودورها في المفاوضات:
لعل من الضروري قبل الدخول في البحث في استراتيجيات التفاوض التي اتبعتها الاطراف منذ بدء عملية السلام وحتى الان التأكيد على أن المفاوض الفعلي عن الطرف الفلسطيني كان ولا زال م.ت.ف. ولا نذيع سرا اذا قلنا أن قيادة م.ت.ف اشرفت على كل جلسات المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، وقبلها المفاوضات التمهيدية الامريكية الفلسطينية من ألفها الى يائها. وهي بالتالي المسؤولة راهنا ولاحقا وتاريخيا عن كل النتائج التي سوف تسفر عنها المفاوضات، وعن كل خطط واستراتيجيات التفاوض التي عمل بموجبها الوفد الفلسطيني الى مفاوضات السلام منذ الجولة الاولى وحتى الان.
فبيكر يعرف وشامير كان يعرف ان كل اللقاءات التمهيدية الفلسطينية الامريكية التي تمت في مرحلة المفاوضات التمهيدية تمت بموافقة م.ت.ف وان كل ما تمخض عن تلك المفاوضات من رسالة الدعوة مرورا برسالة التطمينات وصولا الى تشكيل وفد مدريد تم بقرارات رسمية من قيادة م.ت.ف. ولا نظن أننا بحاجة لتوكيد هذه الحقيقة باستحضار شواهدها المتعددة والمتنوعة بدءا من سفر الوفد من مدريد مرتين الى تونس والجزائر خلال فترة أعمال المؤتمر والتي لم تتجاوز الاسبوع وصولا الى آخر زيارة علنية قام بها بتاريخ ١٠ ايلول الجاري د. حيدر عبد الشافي الى تونس مع عدد من اعضاء الوفد حيث شاركوا في اجتماعات رسمية للقيادة الفلسطينية وعادوا الى واشنطن حاملين معهم توجيهات محددة من القيادة الفلسطينية. وفي هذا السياق تجدر الاشارة الى أن موقف الراعي الامريكي من هذه المسألة قد تراوح بين الموافقة الصامتة، والتشيجع في بعض الاحيان، وتقديم التغطية اللازمة لها وبين محاولة فرملتها واعتبارها عملا لا يساعد في تقدم عملية السلام، كما ورد في تصريح ناطق رسمي امريكي تعليقا على لقاء الوفد بصورة علنية ومصورة مع رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في عمان بتاريخ .... اما شامير فقد تعامل مع المسألة وفقا للشكليات القانونية. ولم يشأ أن يجعل منها قضية تفجيرية. وأغلب الظن أن موقفه هذا كان نتيجة للتدخلات الامريكية واستجابة لطلبها.
ونظرا لخصوصية دور م.ت.ف في المفاوضات من المفيد القول ايضا ان القيادة الاسرائيلية السابقة والحالية تعرف ان عددا من اعضاء الوفد الرسميين هم اعضاء قياديين في فصائل اساسية في م.ت.ف (حركة فتح، الجبهة الديمقراطية/التجديد، حزب الشعب الفلسطيني/الشيوعي سابقا). ولفهم مسار الموقف التفاوضي الفلسطيني لربما كان ضروريا توضيح آلية وميكانيزم العلاقة بين الوفد والقيادة الفلسطينية، وايضا الكيفية التي ادارت بها م.ت.ف المفاوضات.
قبل سفره الى مدريد طالب الوفد الفلسطيني قيادة م.ت.ف اصدار قرارات رسمية وكتب تكليف رسمية لكل عضو من اعضاء الوفد. انطلاقا من فهمهم لطبيعة المهمة الموكلة لهم، وشعورهم بثقل المسؤوليةعنها. أما قيادة م.ت.ف فقد تعاملت مع المفاوضات باعتبارها (معركة مصيرية وحاسمة) أصعب واخطر من كل المعارك السابقة التي خاضها شعب فلسطين. وانطلاقا من هذا الفهم حرصت قيادة م.ت.ف على العودة الى المؤسسات التشريعية (مجلس وطني، مجلس مركزي) لاتخاذ القرارات الاساسية. كما حرصت ايضا على عقد العديد من الاجتماعات الموسعة للقيادة الفلسطينية (١٠) لمناقشة مسار المفاوضات. وشكلت لجنة عليا لمتابعة المفاوضات (١١) بصورة يومية ودائمة. كما شكلت لجان(١٢) قيادية تشرف على عمل الوفود في مواقع التفاوض وتنظم صلتها مع اللجنة العليا للمفاوضات. ومن خلال هذا التنظيم تمكنت قيادة م.ت.ف من احكام اشرافها وقيادتها المباشرة لكل العملية التفاوضية بما في ذلك تقرير أدق وأصغر التعديلات في خطط وأوراق التفاوض.
ثانيا - تقييم المفاوضات في مراحلها الثلاث:
بمراجعة وثائق المفاوضات الاسرائيلية العربية والفلسطينية الاسرائيلية يتبين انها مرت في ثلاث مراحل اساسية. الاولى يمكن وصفها بالتمهيدية وهي تلك التي تمت بصورة غير مباشرة وعبر الوسيط الامريكي بيكر. ويمكن تأريخها من أول جولة قام بها الوزير بيكر لدول المنطقة وحتى افتتاح مؤتمر السلام في مدريد في ٣٠ اكتوبر ٩١. أما المرحلة الثانية فيمكن وصفها بمرحلة حوار الطرشان، عقدت خلالها الوفود العربية الاسرائيلية والفلسطينية الاسرائيلي خمس جولات كاملة من المفاوضات دون نتيجة ملموسة تذكر. ويمكن تثبيت تاريخها منذ ما بعد افتتاح مؤتمر مدريد وحتى الانتخابات الاسرائيلية وخروج الليكود من الحكم. اما المرحلة الثالثة فهي التي بدأت مع صعود حزب العمل بزعامة رابين للسلطة وبدء دخول الاطراف في المفاوضات الجدية.
وبدراسة مواقف الاطراف في المراحل الثلاث يتبين ان لكل مرحلة منها سماتها وميزاتها الخاصة التي اكتسبتها من المنطلقات والاهداف الخاصة التي حددتها الاطراف لذاتها، وسعت لتحقيقها عبر خطط واستراتيجيات تفاوضية خاصة بالمرحلة. وفي هذا الاطار يمكن رصد سلوك ومواقف الاطراف في كل مرحلة من المراحل الثلاث على النحو التالي:
أ- المرحلة التمهيدية (الأولى):
١. الموقف الامريكي: ليس سهلا الاجابة الان على سؤال هل كان الوزير بيكر واثقا من نجاح مبادرته في جمع الاطراف على مائدة المفاوضات مدة عام كامل؟ ام ان شكوكا معينة ساورته خلال تحركاته التمهيدية؟. وبغض النظر عن الجواب فالمؤكد لنا ان الجهود التمهيدية التي بذلها الوزير بيكر قد أسست لعملية سلام سارت في مساريها اللذين حددا لها، وعقدت جولاتها بتواصل وانتظام وحسب التوقيتات الامنية التي حددت لها. ولا مغامرة في القول أنها قابلة للتواصل والتعمير فترة أطول. وبمراجعة مواقف الادارة الامريكية في تلك المرحلة يمكن تسجيل التالي:
- كان الهم الاساسي والهدف الرئيسي للوزير بيكر هو ايصال واستدراج كل اطراف الصراع الى غرف وطاولات المفاوضات، مراهنا على Process العملية ذاتها في تطوير وتقريب المواقف المتنافرة للاطراف. ورغم تقديمه لنفسه كوسيط أمين الا أنه لم يتورع من اجل هذا الهدف في الضغط على الطرف الضعيف (الفلسطيني) وارغامه على تقديم التنازلات. ألزمه بحضور ناقص عن الاخرين واعتباره جزء من وفد مشترك اردني فلسطيني. وفرض عليه الدخول في مفاوضات هدفها الوصول الى حل على مرحلتين الاولى تدوم سنتين والثانية تدوم ثلاث سنوات من المفاوضات. وفي المرحلة الاولى لا تبحث مسألة القدس، ولا يشارك ممثلين عنها على طاولات المفاوضات..الخ من الشروط والاسس المجحفة(١٣) التي تضمنتها رسالة الدعوة وكل ذلك بهدف اقناع شامير واستدراجه الى طاولة المفاوضات.
- منذ البداية حرص الوزير بيكر على افهام كافة الاطراف بأنه ليس مسموحا لأحد سواه التحكم في مسار العملية، وثبت في وثائقها الاساسية ما يؤكد ضرورة امتناع المشاركين عن القيام بأية اعمال خلال المفاوضات تؤثر على سيرها او على نتائجها النهائية. وفي نص آخر ألزم نفسه بانجاح العملية(١٤). وثبت نيته وحددها بصورة رسمية وحاسمة (نيتنا ونية الاتحاد السوفياتي في لعب دور القوة الدافعة في هذه العملية لمساعدة الاطراف على التقدم في اتجاه سلام شامل رتط). ولعل مشاركة الرئيس بوش شخصيا مع الوزير بيكر والرئيس السوفياتي (السابق) ميخائيل غورباتشوف كان بمثابة رسالة تأكيد من الادارة الامريكية على التزامها بهذا الدور المسؤول عن توجيه عملية السلام.
صحيح ان الوزير بيكر لم يستطع فرض حضور الادارة الامريكية على طاولة المفاوضات كما كان حاصلا في المفاوضات المصرية الاسرائيلية في كامب ديفيد، لكن مسار المفاوضات اكد ان غياب الراعي الامريكي عن طاولة المفاوضات لم يقلل من دوره في التأثير فيها.
٢. الموقف الاسرائيلي: عندما أطلق الرئيس بوش مبادرته في ٦/٣/٩١ وبدأ الوزير بيكر حركته كانت اسرائيل من الناحية الاستراتيجية في أفضل الاوضاع والمواقف الامنية والسياسية وفي مجال الطاقة البشرية. فأعدائها العرب مهزومين ومنهكين من حرب الخليج، مفككين متصارعين فيما بينهم. وخصمها حليف أعدائها (الاتحاد السوفياتي) يعيش حالة تفكك وانهيار دراماتيكي. ومئات الالوف من لمهاجرين الروس والاثيوبيين ينتظرون رحلات اساطيل الطيران للرحيل الى اسرائيل. ولذا يمكن القول ان شامير لم يكن في وارد المشاركة ناهيك عن المبادرة في التحرك نحو صنع سلام لا مع العرب ولا مع الفلسطينيين. ولهذا استقبل شامير مبادرة الرئيس بوش والزيارات الاولى للوزير بيكر بكثير من البرودة والفتور. واستغل تلك اللقاءات للحصول على ثمن سكوته ابان حرب الخليج وثمن الاذى الذي ألحقه صدام بهيبة وسمعة اسرائيل.. وبوضعها المعنوي، مركزا على مسألة هجرة اليهود السوفيات ودور الولايات المتحدة في نقلهم وفي تأمين مستلزمات حياتهم في اسرائيل. ولم يبخل الوزير بيكر في التجاوب مع طلبات شامير، ليس فقط لاستدراجه للدخول في عملية السلام بل باعتبار ذلك جزءا من التزامات الادارة الامريكية تجاه اسرائيل حليفها الاستراتيجي في المنطقة. اما ازاء موضوع المفاوضات فقد انتهج شامير منذ البداية سياسة تقوم على وضع العرب والفلسطينيين امام احد خيارين اما الخضوع والرضوخ لشروطه والدخول في المفاوضات وفقا لاسس وقواعد يرضى عنها، او رفض المشاركة وافشال محاولة الوزير بيكر مع تحمل نتائج وتبعات ذلك. وأغلب الظن انه كان يفضل دفع العرب نحو الخيار الثاني عملا بالحكمة القائلة "الباب الذي يجلب الريح سده واستريح".
وبمراجعة رسالة الدعوة وكتاب التطمينات الامريكية الذي قدمه الوزير بيكر يمكن القول ان شامير حصل على ما يريد، وانتزع أقصى قدر ممكن من الشروط (ورد ذكر بعضها سابقا) بما في ذلك تقليص دور أوروبا الى أبعد حد ممكن، واستبعاد دور الامم المتحدة كليا. ووعود امريكية بالعمل على دفع بعض الدول الاساسية لاعادة علاقاتها الديبلوماسية مع اسرائيل مثل الصين والهند وسواها. ولعل قول شامير نفسه بعد فشله في الانتخابات الاسرائيلية (لو نجح الليكود في الانتخابات لاستمرت مفاوضات الحكم الذاتي عشر سنين وتم خلالها توطين مليون مهاجر يهودي في الضفةو القدس والقطاع) يكشف بوضوح حقيقة موقف شامير خلال المرحلة المفاوضات التمهيدية وما تلاها من مراحل لاحقة.
٣) الموقف الفلسطيني في المفاوضات التمهيدية:
مع بداية المفاوضات وعلى العكس من شامير، ابدى الجانب الفلسطيني موقفا ايجابيا من رغبة الادارة الامريكية حل قضايا المنطقة وفي الوصول الى استقرار دائم فيها. فقد رحبت م.ت.ف رسميا بمبادرة الرئيس بوش(١٥). ورغم التباين الفلسطيني الداخلي حول اللقاء مع الوزير بيكر الا أن تعليمات القيادة (١٦) الفلسطينية للاخوة المعنيين داخل الاراضي المحتلة كانت ايجابية، حملت الموافقة على اللقاء ومعها الموقف المطلوب طرحه على الوزير بيكر. وقبل اللقاء كان الجانب الفلطسيني يدرك أنه الطرف الأضعف بين كل الاطراف المطلوبة للمشاركة في عملية السلام التي دعت لها الادارة الامريكية. لكنه كان يعرف في الوقت ذاته ان لا مصلحة لعدوه في الدخول في عملية السلام. وكان يلمس ويرى ضخامة خطر سرطان الاستيطان خاصة بعدما فشل في اقناع الاتحاد السوفياتي (سابقا) بوقفها او الحد منها. وكان يرى بعينيه ويلمس بيده حالة التفكك العربي وتراجع الدفاع عن القضية الفلسطينية. في ظل هذا الوعي والادراك دخل الجانب الفلسطيني المفاوضات التمهيدية، واستجمع كل اوراق قوته للتقليل من تأثير نقاطه الضعيفة على موقفه التفاوضي في تلك الفترة. استرجع وأحيا ورقة قرارات الشرعية الدولية وتمسك بها وطالب الادارة الامريكية وكل المجتمع الدولي بتنفيذ قرارات الامم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وخاصة القرارين ٢٤٢ و ٣٣٨. وطالبها بالكيل بمكيال واحد لا مكيالين في التعامل مع قرارات الشرعية الدولية مستفيدا من "الدفاع الباسل" والتنفيذ الشجاع الذي أبدته الادارة الامريكية في الدفاع عن القرارات التي أصدرها مجلس الامن ضد العراق.
والى جانب ورقة الشرعية الدولية أبرز الجانب الفلسطيني ورقة عدالة قضيته، وورقة الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني على مدى نصف قرن من الزمن تحت بصر وسمع الادارة الامريكية وكل دول العالم. واستثمر بصورة جيدة ارتفاع وتيرة الحديث الدولي بضرورة الدفاع عن الديمقراطية وعن حقوق الانسان، وطالب كل المدافعين عنها او المنادين بذلك بأن يقوموا بالحد الأدنى من واجباتهم في مواجهة الارهاب الفاشي الاسرائيلي الذي يمارسه جيش الاحتلال ضد الاطفال والشيوخ والنساء. وأن يبذلوا كل جهد ممكن ومستطاع لمساعدة الشعب الفلسطيني في انتزاع حقوقه مثله مثل بقية بني الانسان. والى جانب هاتين الورقتين حول الطرف الفلسطيني رغبة الادارة الامريكية في الوصول الى استقرار دائم في المنطقة الى ورقة قوة استثمرها في مفاوضاته مع الوزير بيكر. موضحا له ان مفتاح الامن والسلام والاستقرار في المنطقة هو حل القضية الفلطسينية حلا عادلا ودائما وشاملا. مبينا وبالوقائع القريبة والبعيدة ان الحلول الاخرى لن تكون سوى مسكنات مؤقتة لاتنهي آلام شعوب المنطقة ولا تصنع الاستقرار. ولم ينسى الجانب الفلسطيني اشهار سيف الانتفاضة وتواصلها شهور وسنوات طويلة، مستثمرا هذه الورقة القوية وبقية الاوراق المذكورة في انتزاع ما يمكن انتزاعه من أسس وشروط تخدم موقفه في المفاوضات. وأيضا رفض قبول كل ما يمس حقوقه وأهدافه المباشرة أو اللاحقة، أو يؤثر سلبا على مسيرته النضالية الراهنة او اللاحقة من أجل الوصول لها. أي مالم يستطع أخذه الآن تعليق البت به وتأجيل بحثه لفترة لاحقة. مع الاحتفاظ بكامل الحقوق ومن ضمنها حق المطالبة اللاحقة بها.
حقا لقد خاض المفاوضون الفلسطينيون معركة التمهيد لمؤتمر السلام ببسالة، واظهروا جانبا كبيرا من الكفاءة، وكانوا محامين أقوياء لقضية محقة وعادلة. ومن باب ذكر الحقيقة والانصاف يسجل لهم أنهم استطاعوا تعريف الوزير بيكر بكثير من أبعاد وحقائق قضيتهم التي لم يكن على اطلاع كامل عليها. واستخلصوا بتواضع درسا مفاده يخطيء كل من يعتقد أن العالم على اطلاع ومعرفة كاملة بأبعاد وجذور القضية الفلسطينية بما في ذلك أعلى المستويات المقررة. وان جهودا جبارة لا بد من بذلها من قبل أصحاب القضية أنفسهم لتعريف العالم بعدالة قضيتهم. وتجدر الاشارة ايضا الى أن أية نواقص أو ثغرات قد تبرز اليوم أو غدا في أسس الدعوة وقواعدها كما وردت في رسالة الدعوة وكتاب التطمينات لا يتحمل مسؤوليتها المفاوضون الذين التقوا الوزير بيكر وانما قيادة م.ت.ف. فكل المفاوضات التمهيدية تمت باشراف مباشر من قبلها وكل الأوراق والمستندات استلمت بعد موافقتها عليها.
وفي اطار الحديث عن ما تمكن مفاوضوا المرحلة التمهيدية من تثبيته وما عجزوا عن تثبيته يمكن ادراج التالي: اضطروا للقبول بأن يكون الحل على مرحلتين(١٧)، لكنهم ثبتوا ترابطهما وتكاملهما. قبلوا مكرهين بالعمل ضمن صيغة الوفد المشترك، لكنهم ثبتوا حقهم في تسمية الوفد دون تدخل من أحد وثبتوا أيضا مسارا فلسطينيا مستقلا. قبلوا أن تسير العملية في مسارين ثنائي ومتعدد الأطراف لكنهم ثبتوا ترابط وتكامل مسيرة المسارين من بداية العملية وحتى نهايتها. قبلوا سلطة انتقالية، مؤقتة لكنهم ثبتوا انتخابها وثبتوا حقهم (في السيطرة على قراراتهم السياسية والاقتصادية وغيرها من القرارات التي تمس حياتهم ومصيرهم رتط). لم يستطيعوا انتزاع موقفا واضحا بوقف الاستيطان خلال المفاوضات(١٨) لكنهم ثبتوا موقفا أمريكيا يعتبر الاستيطان عملا يعرقل مسيرة السلام، وموقفا امريكيا يقول بأنها ضد قيام أي طرف بأعمال تؤثر على النتيجة النهائية للمفاوضات.
ب- المرحلة الثانية : حوار الطرشان
١) الموقف الاسرائيلي:
بعد سقوطه في الانتخابات كشف شامير بكل وضوح عن السر والاسباب التي جعلت خمس جولات من المفاوضات تبقى تراوح في مكانها، ووصولها في نهاية الجولة الخامسة الى طريق مسدود. حيث قال شامير لجريدة معاريف انه كان يخطط لأن تستمر مفاوضات الحكم الذاتي عشر سنين، ويخطط لاسكان مليون مهاجر في اراضي الضفة والقطاع خلال ذات الفترة. وربما كان يخطط أيضا لتهجير مليون فلسطيني وهذا ما لم يفصح عنه. ومن باب الامانة لا بد من تقديم شهادة لروبنشتاين (رئيس الوفد الاسرائيلي في المفاوضات مع الوفد الفلسطيني والوفد الاردني) بأنه كان ناجحا بل وبارعا في ترجمة نوايا شامير داخل غرف المفاوضات، وتقديم شهادة اخرى ايضا للسيد يوسي بن أهارون رئيس الوفد الاسرائيلي (السابق) في المفاوضات مع الوفد السوري بأنه لم يكن اقل براعة ونجاح من زميله روبنشتاين. وفي سياق ترجمته الامينة لنوايا ورغبات شامير استحضر روبنشتاين كل خبراته التفاوضية العريقة وخاصة تلك التي اكتسبها في كامبد ديفيد واستنفر كل ملكاته وبراعته باتجاه:
- دفع المفاوض الفلسطيني والمفاوض الاردني الى الانسحاب من العملية وتحمل مسؤولية ذلك امام راعيي المؤتمر وامام الرأي العام العالمي المنادي بالسلام العادل في الشرق الاوسط، وأمام كل الاطراف المشاركة في المفاوضات. وفي محاولته تحقيق هذا الهدف لم يتورع روبنشتاين الخروج عن اللياقة وعن أصول الحديث في المفاوضات، بل وحاول التواقح في الكلام أكثر من مرة وفي أكثر من جولة على أمل استفزاز المفاوض الفلسطيني والاردني ودفعهما للوقوح في فخ الانسحاب او تعليق المفاوضات. وفي السياق ذاته أبدع واكثر روبنشتاين من تقديم الاوراق والمشاريع الشكلية التي لا تتضمن الحد الاقصى في الموقف الاسرائيلي وحسب بل وبلغة استفزازية وعنجهية وبمضامين لا تترك مجالا للحور والنقاش. ولا أظن أن من الضروري مراجعة تلك الاوراق التي تقدم بها روبنشتاين في الجولات السابقة بعدما أصبحت جزءا من أرشيف تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وشاهدا على رفض حزب الليكود للسلام. ولدفش المفاوض الفلسطيني نحو اليأس والاحباط والخروج من المفاوضات تعمد روبنشتاين التطاول على أسس الدعوة وقواعدها المثبتة في رسالة رسمية. فسر بعض نصوصها الواضحة وفقا لمزاجه وبصورة لا تمت للمنطق بصلة. وحاول في أكثر من جلسة وجولة أن يظهر عجز الراعي عن التدخل. ولعل اغراق الجولة الاولى والثانية من المفاوضات في مناقشات عقيمة حول وجود مسار فلسطيني مستقل خير نموذج على كل ذلك.
- بعد فشله في دفش الوفد الفلسطيني والاردني نحو الانسحاب واصل روبنشتاين تكتيكه واضاف عليه اساليب وتكيكات جديدة نجحت في تضييع الوقت وقتله. وفي هذا السياق اكثر من ثرثرته واطال خطبه الخالية من كل شيء له علاقة بالمفاوضات. تفنن في اغراق المفاوضات في قضايا فقهية وتاريخية، أجاد النطنطة وعطل كل محاولة لتركيز البحث والنقاط حول اية قضية محددة. وبهذا الاسلوب نجح في قضم تسع شهور كاملة من المفاوضات وفي أكل خمس جولات كاملة من المفاوضات وابقاها تدور في حلقة مفرغة وحولها الى مفاوضات من اجل المفاوضات.
- ومع محاولاته دفع المفاوضين الفلسطينيين والاردنيين الى الخروج والانسحاب من العملية، ومحاولات قتل الوقت حرص المفاوض الاسرائيلي في كل جولات المرحلة الثانية على اظهار التزامه وتمسكه برسائل الدعوة والتطمينات المقدمة لاسرائيل. وحرص اكثر على كسب ود ورضى الراعي الامريكي والظهور بمظهر الجاد في المفاوضات والحريص على دفعها خطوات الى الامام. الا أن فجاجة مواقفه ولا موضوعيتها لم تساعده في اخفاء نواياه الحقيقية في شل وتعطيل المفاوضات. وبسبب من جموده العقائدي وتحجر مواقفه التفاوضية لم يستطع المفاوض الاسرائيلي في أواخر هذه المرحلة من المفاوضات التكيف او الانسجام مع نصوص الدعوة وبعض الاسس الواردة فيها. ولم يستطع ايضا قبول بعض آراء ومقترحات الراعي الامريكي، مما أدى الى اضطراره على مقاطعة لجنتين من لجان المؤتمر المتعدد الاطراف، والى التصادم المكشوف مع الراعي الامريكي حول مسألة الاستيطان وضمانات القروض.
٢) الموقف الفلسطيني في المرحلة الثانية:
لعل من الضروري قبل مراجعة الموقف الفلسطيني في هذه المرحلة الاشارة الى مسألتين ربما كان لهما بعض الاثر على الموقف التفاوضي الفلسطيني:
أ. ان المفاوض الفلسطيني دخل المفاوضات المباشرة مع عدوه وهو لا يملك أية خبرة تفاوضية سابقة. ولا يستند الى أي تراث فلسطيني في مجال المفاوضات. فتاريخ الشعب الفلسطيني يخلو من ذلك، فقد حرم الفلسطينيين على امتداد سبعين عاما من الصراع مع الحركة الصهيونية من بناء كيانهم المستقل ولم تسمح لهم الدول العربية لا تمثيل انفسهم ولا مفاوضة عدوهم، فاوضوا نيابة عنهم وقرروا بدون وكالة منهم.
ب. دخل المفاوضات وهو مدرك للغبن الكبير الذي ألحقته رسالة الدعوة بتمثيله. وهو شاعر ايضا بأنه يدخلها ليواجه المحقق والسجان الذي لا زال يعتقل شعبه. فهو يفاوض والاحتلال يطارده ويضايقه وقائم فوق ارضه. ولعل ابرز ما تميز به الموقف التفاوضي الفلسطيني في هذه المرحلة:
- مواجهة المواقف الاسرائيلية المتطرفة والمتعنتة بمواقف مشابهة بل واكثر تطرفا وتعنتا منها في بعض الاحيان مما أظهره في الجولة الاولى والثانية من مفاوضات واشنطن بأنه الاكثر خروجا على رسالة الدعوة وعلى اسس مؤتمر السلام. خاصة عندما رفض الدخول الى قاعة المافوضات لمجرد احساسه بمحاولة روبنشتاين المس بالمسار الفلسطيني-الاسرائيلي. تمترس في ممرات مبنى وزارة الخارجية الامريكية في محاولة لتثبيت الوفد الفلسطيني كوفد مستقل عن الوفد الاردني الفلسطيني المشترك. ولتثبيت المسار الفلسطيني-الاسرائيلي كمسار مستقل تماما عن المسار الاردني الفلسطيني-الاسرائيلي.
- حرص على الاكثار من تقديم المشاريع والمقترحات ولم يكتف بطرح الحد الاقصى بل حرص على تضمينها كلها جميع الثوابت والاهداف (١٩) الفلسطينية بدءا من حق العودة وقرار التقسيم رقم ١٨١ لعام ٤٧ مرورا بالدولة المستقلة وانتهاء بال PISGA. ولم يتردد في وضع شروط مسبقة والمطالبة بتنفيذها قبل الدخول في اية مناقشات وخاصة بعدما قرأ المواقف المتطرفة والقصوى في الاوراق الاسرائيلية ولمس تهرب الجانب الاسرائيلي من الدخول في مفاوضات جدية.
- تسلح بالصبر والصمود في مواجهة الاستفزازات والابتزازات التي تعرض لها داخل وخارج غرف المفاوضات على الجسور عند الدخول والخروج. وأتقن الاستعانة براعي المؤتمر وطالبه بالايفاء بالتزاماته(٢٠) وبقي متمرسا خلف المواقف التي نصت عليها رسالة التطمينات الامريكية خاصة ما يتعلق منها بمسألة وقف الاستيطان وقضايا حقوق الانسان. ولعل أبرز ما تميز به الموقف التفاوضي الفلسطيني في هذه المرحلة هو الحرص على خوضه المعركة وكسب الرأي العام العالمي بكل أبعادها. وحرصه على ضبط ايقاع حركته داخل وخارج غرف المفاوضات وفقا لحركة الشارع الفلسطيني داخل وخارج الاراضي المحتلة.
- لم يستسلم لنصوص رسالة الدعوة الخاصة بعلاقته مع م.ت.ف وبقي يحاول اختراقها تحت شعار "ما لم تستطع تثبيته في النص افرضه في الواقع". حرص على حصر علاقته بالوفود العربية الاخرى في حدود التنسيق وتشدد في ابراز استقلالية موقفه واستقلالية قراره، فشارك في لجان المتعدد الاطراف رغم مقاطعة سوريا لها. وقلص دور الوفد المشترك الاردني الفلسطيني الى أبعد الحدود الممكنة.
٣) الموقف الامريكي في المرحلة الثانية:
بعد اجتياز المرحلة الاولى، ونجاح في جمع الاطراف حول طاولة المفاوضات، حرص الوزير بيكر على متابعة مفاوضات المرحلة الثانية بصورة شخصية ومباشرة، ولهذا جعل من واشنطن مقرا لجولاتها الخمس. ولعل دافعه في ذلك قناعته وادراكه بأن ما تأسس في المرحلة الاولى لا يوفر ضمانة كافية لتواصل العملية. وان امكانية تعرضها للانتكاس وحتى للانهيار لا زالت قائمة. لا سيما وانه كان "سيد العارفين" بأن معظم الاطراف المتورطة في الصراع المباشر وخاصة اسرائيل دخلت العملية شبه مكرهة. ويعرف أن بعضها لن يتورع عن تحين الفرصة للهروب منها اذا استطاع الى ذلك سبيلا.
وبمراجعة مسيرة المفاوضات في مرحلتها الثانية يمكن رصد الموقف الامريكي خلالها على النحو التالي:
- ركز جهوده باتجاه تواصل المفاوضات ومنع أي من الاطراف من الانسحاب او التجميد او التعليق. ولتحقيق هذا الهدف لجأ في كثير من الاحيان الى فرض مواعيد واماكن الجولات عندما وقعت خلافات حولها. وأظهر للاطراف كافة وباساليب وطرق متعددة بأن الانسحاب ممنوع، واستعان بضغط اصدقاء ها الطرف او ذاك عندما اضطر لذلك. هذا على الاقل وقع مع م.ت.ف. كما حرص على اظهار اصراره على تواصل العملية في مساراتها المحددة بأي ثمن وبمن حضر، ولهذا عقد المؤتمر المتعدد في الزمان والمكان المحدد له بالرغم من المقاطعة الكاملة لسوريا ولبنان. ومقاطعة اسرائيل للجنة التنمية الاقتصادية واللاجئين بسبب مشاركة الخارج الفلسطيني فيها.
- حرص على عدم لتدخل العلني والمباشر في المفاوضات، لكنه كان الغائب شكلا والحاضر فعلا في كل جلسة من جلساتها مؤمنا ذلك من خلال تكثيف اللقاءات الرسمية وغير الرسمية قبل وبعد الجلسات ومع كل الوفود. ويمكن القول ان الدعوة لجولة واشنطن الاولى(٢١) هي المرة الوحيدة التي تقدم فيها الجانب الامريكي بمقترحات خطية تفصيلية ومحددة. وكل ما عدا ذلك كان يقدم بطريقة غير رسمية وفي صورة آراء ونصائح شفوية في اللقاءات المتعددة والمتنوعة التي عقدها مع الاطراف. ولاستكمال الصورة عن موقف الادارة الامريكية وفهمها لكيفية التفاوض ولكيفية تناول الاطراف لقضايا الخلاف لا بد من القاء نظرة سريعة على بعض ما ورد من نصوص رسالة الدعوة لجولة واشنطن الاولى واعتقد ان التدقيق في نصوصها يساعد ايضا في فهم بعض ما يجري الان او قد يجري لاحقا على طاولة المفاوضات. فدعوة واشنطن كانت اقرب الى جداول اعمال مقترحة من الادارة الامريكية لكل مفاوضة من المفاوضات.
فحول تصنيف قضايا المفاوضات بين اسرائيل والوفد الفلسطيني الاردني المشترك نصت على (في المفاوضات بين اسرائيل والوفد الاردني الفلسطيني توجد مجموعتان متميزتان من القضايا تحتاج الى المناقشة د.واش) وفي نص آخر ورد (ان مصلحة جميع الاطراف خلق قوة دافعة لاثبات ان المباحثات الثنائية المباشرة بامكانها ان تباشر بالانكباب على القضايا الاكثر اهمية لكم د.واش). وبشأن تناول بعض القضايا في المفاوضات الاردنية الاسرائيلية اقترحت الدعوة (لقد قامت الاردن بتبليغنا وكذلك من المفترح تبليغ اسرائيل بأن هناك عددا من القضايا الحدودية غير المتعلقة بقرار مجلس الامن ٢٤٢ تحتاج الى المناقشة. نحن لا نرى ان سبب لعدم اثارة هذه القضايا مبكرا في المفاوضات لكي يتمكن الخبراء من مباشرة العمل لفحص مطالب كل طرف والخلفية التاريخية د.واش). وفي نص آخر قالت (تستطيع اسرائيل والاردن ان تبحث بشكل مجدي عددا من القضايا الثنائية الاخرى مثل طبيعة السلام، تسوية المشاكل المائية في خليج العقبة، الادارة المشتركة لمشاريع تطهير المياه الملوثة، الانتاج المشترك للبوتاس، السياحة، الطيران المدني وما شابه).
أما بشأن المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية وقضاياها فقد ورد في دعوة واشنطن (في هذه المفاوضات يوجد اتفاق مشترك على ان المرحلة الاولى ستركز على ترتيبات حكم الذات الانتقالية د.واش). ونصت في مكان آخر (فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالضفة وغزة فنحن ايضا نفهم ان الفلسطينيين سيتصدرون ولكن سيرافقهم اردنيون كجزء من الوفد الاردني الفلسطيني المشترك د.واش). وفي مكان آخر تقترح تجنب مناقشة مطولة لبعض القضايا (نحن نرتأي بأن كل من اسرائيل والفلسطينيين يجب ان يتفاديا بقدر المستطاع نقاشا مطولا حول مباديء من نوع مصدر السلطة وطبيعة سلطة الحكم الذاتي الانتقالي د.واش). وفي موقع آخر قدمت الادارة مقترحات محددة بما يمكن ان تبادر الاطراف لتقديمه وتبادله في المفاوضات حيث نصت (يمكن ان توافق اسرائيل والفلسطينيين على ان يقدم كل منهما في هذه الجلسة او الجلسة المقبلة نموذجا مقترحا لسلطة الحك الذاتي الانتقالية د.واش). ولم تكتف الادارة الامريكية بتقديم المقترحات والتصورات حول قضايا النقاش وطريقة تناولها، بل مضت الى ما هو ابعد من ذلك، فقدمت في دعوة واشنطن تقييما لدور الوفد الفلسطيني في مدريد ونصيحة مجانية (ان الاختراق الذي حققتموه في مدريد قبل عدة اسابيع لا يجب السماح بتبديده د.واش).
- على قاعدة رسالة الدعوة وكتب التطمينات التي قدمها لمختلف الاطراف، حاول الجانب الامريكي على امتداد المرحلة الثانية من المفاوضات اظهار شيئا من الحزم وبعضا من التوازن وعدم الانحياز لاي طرف من الاطراف. محتفظا لنفسه بزمام المبادرة، ولم يتورع عن اتخاذ مواقف رسمية وتوجيه ملاحظات نقدية رسمية وبصورة علنية لخرق هذا الطرف او ذاك لرسالة الدعوة، وعندما كان خرقه ذو تأثير على استمرار العملية وتواصل المفاوضات. فعل ذلك مع اسرائيل عندما صعدت وكثفت من عملية بناء المستوطنات. وفعله ايضا مع الجانب الفلسطيني عندما لاحظ انه يهتم ويدير مسائل الاعلام على حساب قضايا المفاوضات. وكررها عندما التقى الوفد الفلسطيني مع الرئيس ياسر عرفات بصورة رسمية وعلنية متلفزة.
من هذا العرض لمواقف الاطراف (الاسرائيلي والفلسطيني والامريكي) خلال المرحلة الثانية من المفاوضات يتبين ان هذه المرحلة انتهت دون حدوث اي تقدم حقيقي لا في المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ولا في المفاوضات الاخرى. ورغم ذلك لا يمكن القول بأن جولات المفاوضات الخمس التي عقدت خلالها كانت مضيعة للوقت، لأن من غير الصحيح تجاهل اثر تواصل المفاوضات ثمانية اشهر في تكريس العملية السياسية كجزء من حياة دول المنطقة. وكواقع قائم يضغط يوميا على الجميع ويلح في طلب العلاج. صحيح ان الوفد الفلسطينية والعربية والاسرائيلية غادرت واشنطن في نهاية المرحلة الثانية في ظل أجواء متوترة جدا، لكن الصحيح ايضا انهما غادرا وهما ملتزمان باللقاء من جديد. وكليهما يعرف انه (تورط) او دخل عن قناعة في عملية سياسية دولية كبيرة ليس سهلا عليه الانسحاب منها. ولا أظن أن أي تقييم موضوعي لمفاوضات المرحلة الثانية يمكنه القفز عن الاثار والنتائج المباشرة وغير المباشرة التي تركتها على دول وشعوب المنطقة (سنأتي على ذلك لاحقا)، او تجاهل دورها في التمهيد للمرحلة التي تلتها.
ج - المرحلة الثالثة (بدء الاشتباكات الاتفاوضية) The Engagement:
اذا كان سقوط شامير وفوز رابين في الانتخابات الاسرائيلية هو تاريخ بدء المرحلة الثانية من المفاوات العربية والفلسطينية-الاسرائيلية، فالحديث عن هذه المرحلة سيكون بالضرورة عن ١) ممهدات الجولة السادسة، ٢) وقائع ومجريات الجولة السادسة التي انتهت اعمالها منذ ايام قليلة.
١) مقدمات الجولة السادسة:
بغض النظر عن طبيعة وحجم الدور الامريكي في صنع التغيير الذي وقع في اسرائيل والذي ادى الى سقوط الليكود وفوز حزب العمل وميرتس، فالمؤكد ان الادارة الامريكية استقبلت هذا التغيير بارتياح كبير. وأظن ان لا جدال حول ان عملية السلام والموقف منها كانت في صلب المعركة الانتخابية في اسرائيل، وكان موضوع السلام مع العرب واحدا من ابرز القضايا التي على اساسها منح الناخب الاسرائيلي صوته لهذا الحزب او ذاك. وأظن أيضا أن لا جدال حول أن مسالة استيعاب المهاجرين الجدد، ومسألة ضمانات القروض الامريكية كانت هي الاخرى عنصرا حاسما من عناصر المعركة الانتخابية فحسب بل وعاملا مقررا في نتائج الانتخابات. وفي هذا السياق من غير الانصاف تجاهل دور الانتفاضة وتواصلها ما يقارب الخمس سنوات في احداث هذا التغيير في المجتمع الاسرائيلي. وذات الشيء ينطبق على السياسة الواقعية التي انتهجتها م.ت.ف والتي بدأت بمبادرة السلام الفلسطينية عام ٨٨، وانتهت في المشاركة بعملية السلام، اذ يمكن القول ان الانتفاضة هي صانعة مبادرة السلام الفلسطينية وهي قوة الدفع التي حركت السياسة الفلسطينية الواقعية خطوات الى الامام، ونضيف بأنه لولا المشاركة الفلسطينية في عملية السلام لما وقع خلاف امريكي اسرائيلي حول ضمانات القروض ولما نشأت مشكلة في اسرائيل اسمها الاستيطان واستيعاب المهاجرين الجدد.
والحديث عن مقدمات المرحلة الثانية يتطلب ايضا استكشاف فهم الادارة الامريكية واطراف الصراع لمدلولات التغيير الذي وقع في اسرائيل وأثره المتوقع على عملية السلام. فبعد ظهور نتائج الانتخابات في اسرائيل رحبت معظم الاطراف العربية والدولية المشاركة في عملية السلام بصورة او باخرى بالتغيير الذي وقع في اسرائيل، ورأت فيه دفعة قوية لعملية السلام، وبنت مواقفها المتفائلة (بافراط او بتحفظ) على ما ورد في قرارات المؤتمر الاخير لحزب العمل الذي عقد قبل الانتخابات وما صدر من مواقف وتصريحات علنية عن رابين نفسه وكل مرشحي حزب العمل وميرتس في الانتخابات. والتي أكدت بمجملها على التمسك بعملية السلام وعلى الرغبة في تحقيق تقدم جدي باتجاه صنع السلام مع العرب وفي حينها جرى تخصيص للفلسطينيين.
اما الادارة الامريكية راعية العملية السلمية، فقد رأت في التغيير فرصة نادرة لدفع مبادرتها خطوات كبيرة الى الامام. ووجدت في نزول شامير (الراكب المشاغب) وصعود رابين (المطيع لها) فرصة للانطلاق في قطار السلام بسرعة اكبر ووفق حساباتها للمسافات التي ينبغي قطعها في كل مرحلة من مراحل الرحلة الطويلة والشائكة. وفي ضوء هذا الفهم وهذه الرؤيا سارعت الادارة الامريكية لتجديد حركتها المباشرة مع اطراف الصراع في المنطقة، حيث قام الوزير بيكر في منتصف تموز بزيارة للمنطقة شملت الدول والاطراف الرئيسية المؤثرة في تحديد وجهة وسرعة مفاوضات السلام. ولم يكن هدف بيكر من الزيارة فقط الترحيب بانضمام رابين لعملية السلام او تهنئة رابين نفسه بالنجاح، وانما لدفع التطورات المحتملة وتركيزها في الاتجاهات التي تخدم رؤياها واهدافها وحساباتها الزمنية. ولمنع أي طرف كان من (اللغوصة) بدفع الامور في اتجاهات متعاكسة او متعارضة مع ذلك. ويستطيع كل من تابع وراقب المواقف والتصريحات الامريكية خلال تلك الزيارة ان يستخلص بأن الادارة الامريكية راغبة في تحقيق انجاز (ما) ملموس. والوصول الى اتفاقات (ما) خلال الفترة القصيرة القادمة. ولترتيب ذلك من زاويته العملية بادر بيكر في حينها الى الاعلان (بدون علم الطليان) عن انعقاد الجولة السادسة من المفاوضات في واشنطن وحدد تاريخها في ٢٤ اكتوبر الجاري. علما بأنه سبق للاطراف المتفاوضة وان اتفقت على روما كمكان بديل لواشنطن.
ولعل حديث الوزير بيكر في حينها مع اطراف الصراع ومن ضمنهم الوفد الفلسطيني الذي التقاه في القدس هو الذي دفع بالبعض للقول بأن بيكر يرغب في تحقيق انجازات ملموسة قبل ٣٠ اكتوبر. وظهر من حديثه بأن ما يطمح له في ضوء التغيير في اسرائيل لا يتوقف عند حدود المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية كما كان ظاهرا في حينها او كما نصت توقيتات رسالة الدعوة والتطمينات، وانما يطمح ايضا في التوصل الى اتفاقات جزئية (ما) على الجبهات العربية الاخرى وخاصة الجبهة السورية واللبنانية. فقد قال بيكر في أحد لقاءاته "احمل رسالة رسمية مطمئنة من رابين الى الرئيس الاسد.." وقال ايضا للوفد الفلسطيني الذي قابله في القدس "جهزوا اوضاعكم الذاتية، وجهزوا شعبكم لاستقبال اتفاقات عملية وملموسة خلال فترة قريبة".
ثم جاءت تصريحات رابين الايجابية حول المفاوضات ومفهومه لها، وضرورة ان تكون متواصلة لتعزز تفائل المتفائلين ولتثير مخاوف المعارضين لعملية السلام، وتبعها احاديثه الكثيرة عن عملية السلام وعن امكانية التوصل لاتفاقات ملموسة مع الفلسطينيين، ولم يتردد رابين من تحديد مواعيد زمنية للاتفاق حول سلطة الحكم الذاتي الانتقالية وحول الانتخابات وسواها. ولعل توقيت زيارته للولايات المتحدة الامريكية قبل بدء الجولة كان بمثابة الاشارة القاطعة عند البعض بأن الاتفاقات قادمة. وان رابين ذهب لطبخها في واشنطن.
٢) مجريات المفاوضات في الجولة السادسة:
في ظل هذه الظروف والمعطيات الايجابية الجديدة تحركت الوفود العربية الى واشنطن، وليس سرا القول ان الوفد الفلسطيني ذهب الى الجولة السادسة ومعه كل الملفات الضرورية لجولة شهر ك امل من المافوضات وأنه أخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات المتوقعة بما في ذلك امكانية تحقيق تقدم جدي وملموس حول بعض القضايا الجوهرية المطروحة على طاولة المفاوضات.
والان وبعد انتهاء الجولة السادسة من المفاوضات، يتردد في كل الاوساط السياسية السؤال التالي: هل أغلقت الجولة على لا شيء؟؟ وهل كانت نتيجتها مثل سابقاتها؟ . وفي مجال الاجابة على السؤال وفقا لما صدر عن الوفود ولما رشح من غرف المفاوضات يمكن رسم صورة أولية للجولة السادسة كبداية للمرحلة الثالثة من المفاوضات على النحو التالي:
أ - محور المفاوضات السورية الاسرائيلي:
بالرغم من التصريحات التي صدرت عن الوفدين وخاصة تصريح رئيس الوفد السوري، والذي اعلن فيها عن وصول المفاوضات السورية الاسرائيلية الى طريق شبه مسدود، وطالب الراعي الامريكي بالتدخل لانقاذها، الا أن ذلك لا ينفي أن تقدما نسبيا حصل في شكل ومضمون هذه المفاوضات. فاستبدال رئيس الوفد الاسرائيلي كان بمثابة أول اشارة بامكانية حدوث تغير في اسلوب وتكتيك التفاوض الاسرائيلي مع السوريين.
أما التقدم النسبي فهو ما ظهر في المواقف الجديدة التي تضمنتها الاوراق الرسمية التي تبادلها الطرفين. فالمعلومات المتوفرة تفيد أن الورقة الاسرائيلية نصت على (تقبل اسرائيل قرار مجلس الامن ٢٤٢ بجميع اجزائه كأساس لعلمية السلام الراهنة، وتعتبره ينطبق على مفاوضات السلام مع سوريا. وفي نفس الوقت لا نعتبر الغرض من المفاوضات هو مجرد التركيز على صيغ تطبيق قرار مجلس الامن ٢٤٢. ان موقفنا هو ان المفاوضات يجب ان تعكس الارادة السياسية لكلا الطرفين لعقد سلام بين دولتينا ولتحويل هذه النية السياسية الى معاهدة سلام مع الاستعداد لمناقشة كافة المواضيع والتصميم على تسوية كافة الخلافات في الرأي).
وفي موقع آخر نصت على (.. أن قرار ٢٤٢ يتضمن صياغة حول الاستيلاء على الارض بواسطة الحرب). وأضافت الورقة الاسرائيلية (من جهتنا نعتبر الوضع القائم في الجولان منسجما مع أعراف الشرعية الدولية الى حين التوصل الى اتفاقية..). أما بشأن موضوع الانسحاب فقد نصت الورقة الاسرائيلية على أن (مسألة الانسحاب من "أراضي" والتي تشكل جزء من القرار سنتعاطى معها كبند على جدول الاعمال عندما نناقش مسألة الحدود والأمن والمعترف بها بين سوريا واسرائيل كما ينص عليها القرار ذاته).
وحول مفهوم اسرائيل للحل تقول الورقة (من أجل ضمان أن السلام الذي سنتوصل اليه فيما بيننا سيكون قابلا للديمومة وسيدوم نؤكد أنه يجب ان يجسد في معاهدة تفصيلية قائمة بذاتها كخطوة كبرى في توجهنا المشترك نحو حالة من السلام الشامل في المنطقة).
وبتمعن النص يتبين طبيعة التغيير الذي طرأ على الموقف الاسرائيلي في هذه الجولة على هذا المحور من المفاوضات. فالمعروف ان سلوك ومواقف المفاوض الاسرائيلي في عهد شامير لم تتعدى حدود استفزاز الجانب السوري، فلم تكن الجولات الخمس السابقة سوى حوار الطرشان. أما الجولة السادسة فقد حملت مواقف اسرائيلية قابلة للبحث والنقاش وعروضا جدية تقوم على اساس بناء معاهدة سلام سورية-اسرائيلية وفق مبدأ "الارض مقابل السلام" المتضمن في القرار ٢٤٢ واقامة ترتيبات امنية دائمة تحمي الحدود وتصون الاتفاقات.
والتغيير النسبي في هذه الجولة على هذا الصعيد لم يقتصر على الموقف الاسرائيلي وانما شمل ايضا الموقف السوري. فالرد الرسمي السوري تجاوز موقف المباديء العامة التي طرحها الوفد الاسرائيلي، ودخل في صلب المواضيع وفصلها في مشروع تفصيلي متكامل وبآليات زمنية. واقترح ان تصدر في صيغة اعلان مباديء مشترك اسرائيلي سوري. ومشروع اعلان المباديء هذا يتكون من تسعة بنود يتحدث في بنده الاول عن هدف المفاوضات(٢٢) ويحدده باقامة سلام عادل وشامل في المنطقة على أساس القرار ٢٤٢. والبند الثاني يتحدث عن شمولية الحل والثالث عن الامن المتبادل. ولعل البند الخامس هو الاكثر وضوحا وتعبيرا عن مضمون التطور وصدق الموقف السوري هو القادر على كشف حقيقة المواقف الاسرائيلية، فهو يقترح آلية تنفيذ محددة ومتكاملة (يبدأ الطرفان محادثاتهما لبحث آلية وخطوات تنفيذ ٢٤٢ ضمن برنامج زمني محدد يراعي التزامات الطرفين..): "أ) الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الجولان السوري المحتل عام ٦٧، واخلاء وتفكيك كافة المستوطنات التي أقيمت في الاراضي السورية المحتلة منذ ذلك التاريخ".
ب) "اعلان انهاء حالة الحرب او الادعاء بوجود مثل هذه الحالة".
ج) اقرار الجانبين واحترامهما للسيادة والاستقلال السياسي والسلامة الاقليمية لكل منهما، ولحقهما المتكافيء هما وسائر تلك الدول في العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها وفقا للمباديء الشرعية الدولية".
وتقترح الورقة السورية انشاء مجموعات عمل تنفيذية وتدعو الى تشكيل لجان عسكرية ولجان فنية أخرى، والى تسجيل الاتفاق لدى الامم المتحدة كوثيقة رسمية. كما تضمنت الورقة السورية حديثا عن اقامة نقاط انذار الكترونية ومرابطة قوات من الامم المتحدة، أو امريكية وروسية في المناطق التي يتفق عليها في المفاوضات بين الطرفين.
ب - محور المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية:
ليس سرا القول أن الجانب الاسرائيلي في عهد شامير كان يتعامل مع الوفد اللبناني باعتباره ملحقا بالوفد السوري وأن من المستحيل تحقيق اي تقدم في المفاوضات مع لبنان ما لم يقع تقدم نوعي في المفاوضات السورية-الاسرائيلية. ورغم تبديل اسرائيل لرئيس طاقمها في المفاوضات مع سوريا، ورغم التطور في موقفها في المفاوضات مع سوريا الا ان هذا التطور لم يشمل النظرة الاسرائيلية للعلاقة مع الوفد اللبناني. فوثائق المفاوضات ومناقشاتها تؤكد استمرار اعتماد الوفد الاسرائيلي في عهد رابين على ذات التقييم للموقف والوضع التفاوضي اللبناني، حيث واصل الوفد الاسرائيلي التعامل مع الوفد اللبناني على ذات القاعدة السابقة. ومن ذات القاعدة، وبعد حصول التغير المذكور على محور المفاوضات الاسرائيلية-السورية كان من الطبيعي ان يقدم الجانب الاسرائيلي على (زحزحة) اولية للمفاوضات مع لبنان. صحيح ان الاوراق الاسرائيلية التي قدمت الى لبنان في هذه الجولة لم تحمل الكثير من التغيير، الا ان من الخطأ عدم اعتبار أنها لم تحمل أي جديد قياسا للجولات التي سبقتها. فاقتراح المفاوض الاسرائيلي في ورقة ١٤ /٩ /٩٢ تشكيل لجنة عسكرية مشتركة اسرائيلية-لبنانية تبحث في قضايا الامن، وموافقة اسرائيل في هذه الجولة على ان القرار ٤٢٥ يشكل (عنصرا) من عناصر السلام يشيران الى دخول عناصر جديدة على هذا المحور. وهي عناصر لا ترقى الى المستوى الذي وقع على محور المفاوضات السورية الاسرائيلية. وعلى كل الاحوال سيبقى هذا المحور مرتبطا بمجرى المفاوضات على المحور السوري-الاسرائيلي.
ج - محور المفاوضات الاردنية-الاسرائيلية:
تفيد المعلومات المتوفرة عن المفاوضات على هذا المحور بأن تطورا اجرائيا وتحسنا في "الاجواء" قد دخل على هذا المحور لا يشكل على أي حال تقدم ملموس. ولعل السبب في اقتصاره على جوانب اجرائية وشكلية يعود في جزء منه الى الترابط والتشابك التنظيمي والموضوعي للمفاوضات الاردنية-الاسرائيلية مع المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية من جهة والى طبيعة القضايا المطروحة في المفاوضات بين الطرفين. وهي اذا استثنينا احتلال اسرائيل لبعض مساحات من الاراضي الاردنية في مناطق الاغوار الجنوبية والشمالية فبقية المسائل تنتمي الى قضايا الحل النهائي والى المسار الثاني من المفاوضات اي المتعدد الاطراف. ولذا فان اتفاق الطرفان على تشكيل فرق عمل فنية تبحث في قضايا الامن والمياه والبيئة والطاقة هو اتفاق اجرائي لا ينبغي قراءة أبعاد سياسية له الان، لكنه يحمل آفاق في حال وقوع تقدم جدي في المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية، ومرشح للمراوحة اذا بقيت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية تراوح في مكانها.
د - محور المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية:
بقيت المفاوضات على هذا المحور تعاني من التعثر بسبب تعنت الموقف الاسرائيلي. فالمشاريع والاوراق التي تقدم بها الطرف الاسرائيلي تختلف فقط في اللغة وفي بعض النصوص الشكلية عن تلك التي تقدم بها ذات الطرف في عهد شامير وخلال الجولات الخمس السابقة. ان تضمن الاوراق الاسرائيلية نصا يقول (بأن المرحلة الثانية تقوم على اساس القرار ٢٤٢) ونصوصا تقول ( بأن أعضاء المجلس الاداري ليسوا موظفين عند الحكم العسكري الاسرائيلي، وانهم سيكونون مسؤولين امام ناخبيهم، ويمارسون صلاحياتهم في نطاق ما يتفق عليه) يمكن اعتباره "زحزحة" شكلية في الموقف الاسرائيلي في مجال فهم بناء السلطة الانتقالية وصلاحياتها.
وبقراءة آخر الاوراق التي تقدم بها الوفد الفلسطيني (الاجندة، مشروع الاطار)(٢٣) يتبين انه أدخل تغييرا في اللغة والصياغة وابتعد عن الخطابية كما سعى الى تحويل المباديء والاهداف الى صياغات وتعبيرات تفاوضية ملموسة بدلا من ابقائها صياغات عامة. فالجانب الفلسطيني اعاد صياغة مشروع الاجندة والاطار قافزا عن العناوين الفرعية وبعض التفاصيل، كل ذلك بهدف الوصول الى اجندة مشتركة تمهيدا للدخول في مناقشة اعلان مباديء. لكن تكتيك المماطلة والمراوغة الذي سار عليه الوفد الاسرائيلي عطل امكانية الدخول في مفاوضات حول القضايا الجوهرية. وفي بداية الاسبوع الثالث من المفاوضات حاول الوفد الفلسطيني بعد اقرار الجانب الاسرائيلي انطباق قرار ٢٤٢ على الجبهة السورية، انتزاع موقفا مشابها، الا أن جهوده اصطدمت بتعنت اسرائيلي متسلح بنصوص رسالة الدعوة التي تشير الى انطباق ٢٤٢ على مؤتمر السلام ككل وعلى المرحلة النهائية في المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية.
هـ - محصلة الجولة الاولى من المرحلة الثالثة (السادسة):
بعد هذا العرض الموجز والسريع لأبرز مجريات مفاوضات الجولة السادسة ومواقف الاطراف خلالها، يمكن رصد حصيلة الجولة السادسة وآفاقها المستقبلية في النقاط الاساسية التالية:
١) بدء مفاوضات فعلية على محور واحد من المفاوضات وهو محور المفاوضات السورية الاسرائيلية، وحصر التغيير على المحورين الاردني واللبناني في قضايا اجرائية بحتة ومراوحة المفاوضات على المحور الاسرائيلي الفلسطيني. والتقدم الحاصل على المحور السوري لا يغطي قصوره وتعطله على المحور الفلسطيني او محدوديته وشكله في المحاور الاخرى.
٢) بالتدقيق في تكتيك المفاوض الاسرائيلي في هذه الجولة تظهر بوضوح محاولات المفاوض الاسرائيلي احداث شرخ في الموقف التفاوضي العربي. ومحاولة استخدام تقدم المفاوضات على المحور السوري للضغط على المحاور الأخرى، ولابتزاز الموقف التفاوضي للمفاوض الفلسطيني. على أمل ارغامه على القبول بمشاريعه التي طرحها على طاولة المفاوضات. كما ويظهر أيضا ان رابين يسعى للوصول الى اتفاقيات جزئية ومرحلية على الجبهات السورية واللبنانية وليس في وارد تسريع المفاوضات على الجبهة الفلسطينية وهذا يتعاكس مع كل ادعاءاته السابقة، ويظهر زيف وخداع أحاديثه وتصريحاته عن الجداول الزمنية(٢٤) حول الانتخابات الفلسطينية وحول نقل السلطة للفلسطينيين، وحول الحلول الشاملة مع الاطراف العربية الأخرى.
وبالتدقيق في الأوراق التي تقدم بها الوفد الاسرائيلي على المحور الفلسطيني يتبين أنها أقرب الى برنامج الليكود منها الى برنامج حزب العمل. وتذرع بعض أوساط حزب العمل بالاوضاع الداخلية في اسرائيل لا يفسر تراجع حزب العمل عن برنامجه وتباطؤ الحركة في المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية. وابقاء روبنشتاين على رأس الوفد الاسرائيلي والذي كان مترجما أمينا لسياسة شامير وفجا في سلوكه التفاوضي.
٣) أظهرت الجولة السادسة مثل سابقاتها فعالية دور الراعي الامريكي، وفعالية الميكانيزم وقوة الدفع الذاتي الذي راكمته المفاوضات عبر تواصلها، واستمراريتها عشر شهور كاملة. فوقائع المفاوضات (غير المعلنة) تؤكد ان اللقاءات الجانبية السرية والعلنية التي عقدها الراعي الامريكي مع مختلف الوفود كانت فاعلة وحاسمة في حل وتجاوز كثير من العقد والاشكالات التي برزت هنا او هناك. وهي القوة الخفية التي ساهمت في صنع كل تقدم صغير او كبير وقع على هذا المحور او ذاك. وتؤكد الوقائع ايضا ان لا غنى عن هذا الدور في كل عملية المفاوضات وكل مراحلها وايضا للوصول الى الاتفاقات الاولية او النهائية.
الا ان جهود الادارة الامريكية في الجولة لم تكن متناسبة مع ما طرحه الوزير خلال جولته في المنطقة والتي مهدت للجولة السادسة من المفاوضات. فالراغب في دفع الاطراف للتوصل الى تفاقات (كما فهم من بيكر في حينها) مطالب اما بتقديم مقترحات لحلول وسط او ممارسة ضغط جدي على الاطراف لدفعها للتقدم بهذا الاتجاه. فهل احجام الادارة في هذه الجولة عن القيام بمثل هذا الدور ناجم عن مغادرة بيكر لوزارة الخارجية الامريكية وانشغالها في الانتخابات؟ أم أنها اجلت مثل هذا الدور الى الجولة القادمة التي تحددت في ٢١ اكتوبر؟ أم أن درجة اهتمامها بالعملية السياسية تراجعت الى ما بعد نتائج الانتخابات.
اسئلة مطروحة ستظهر الاسابيع القادمة ملامح الاجابة عليها.
٤) ان المبالغة في التفاؤل التي رافقت ذهاب الوفود العربية الى واشنطن دفعت بهذه الوفود في بداية الجولة الى اصدار العديد من التصريحات حول ايجابيات الموقف الاسرائيلية وحول اقتراب الفرج. مما ساعد رابين على تكريس صورته الايجابية عند الراعي الامريكي وعند الاوربيين والرأي العام العالمي (وشهد شاهد من أهله). كما ساهمت تلك التصريحات في تقوية موقف المفاوض الاسرائيلي، وصعبت لاحقا على المفاوضين الفلسطينيين فضح ألاعيبه ومناوراته التي مارسها معهم.
٥) أكدت مفاوضات الجولة السادسة على أن معركة المفاوضات ستكون طويلة وشاقة، وأن ما تحقق هنا أو هناك لا يشكل الا بدايات استطلاعية لبدء المعركة. واذا كان من المبكر الان الحديث عن كل النتائج الاجمالية للجولة السادسة فالواضح أنها كانت أول جولة شهدت مفاوضات حقيقية على بعض الجبهات تشير بالاساس الى طبيعة التكتيك الاسرائيلي الساعي الى تفتيت الموقف العربي واستخدام تحسن علاقات اسرائيل مع الولايات المتحدة للضغط على الاطراف العربية مجتمعة وكل على حدة.
القسم الثالث

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=487&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:21 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

التدقيق في نص قرار المجلس المركزي في دورته الأخيرة يظهر أن الاعلان عن الموافقة على المشاركة في المؤتمر المتعدد الأطراف والمواضيع جاء بلغة صريحة ومباشرة، واختفت صيغ (اللعم) التي اشتهرت بها البيانات الفلسطينية، خاصة عندما تكون القضايا المطروحة كبيرة وجوهرية. والواضح ان اندفاع تيار الواقعية السياسية نحو القرار الواضح والمباشر، بالرغم من معرفته بكل النواقص والثغرات الخطيرة في أسس وأهداف المتعدد، وفي قواعد المشاركة الفلسطينية فيه، يعكس الثقة بصحة الموقف الذي تبناه قبل عام من الآن. وثقة الواقعيون بسلامة خطهم وموقفهم تراكمت تدريجيا عبر تواصل دعم واسناد الشعب الفلسطيني له، ومن الدروس المستفادة والخبرة الثمينة التي اكتسبت من تجربة جولات المفاوضات الثنائية، والجولة الاولى للمتعدد الاطراف التي عقدت في موسكو، وأيضا من النتائج السياسية والديبلوماسية والدعاوية التي تحققت في الساحات العربية والدولية ودون أن تضطر الى تقديم تنازلات جوهرية تلحق أذى بالقضية الوطنية بأي شكل من أشكال النضال الأخرى.

ان منطلقات ودواقع الواقعيون الفلسطينيون بشأن المشاركة في المتعدد الأطراف، لا تختلف عن تلك التي بنوا عليها مشاركتهم في المفاوضات الثنائية. فهم ينظروا الى طاولة المفاوضات باعتبارها ساحة من ساحات النضال، وليست بديلة عن اي شكل من اشكال النضال الاخرى، بل مكملة لها، وتتم بعضها بعضا. ويروا في المفاوضات المتعددة الاطراف ميدانا دوليا واسعا لعرض خلفيات وأبعاد قضيتهم وبعث الحقوق التاريخية لشعبهم وخاصة "حقه في دولة عربية الى جانب دولة اسرائيل" وحق اللاجئين في العودة الى وطنهم وممتلكاتهم، واحياء كل قرارات الشرعية الدولية التي نصت على هذه الحقوق وخاصة القرارات ١٨١ و ١٩٤ و٢٧٣. ووضع الرأي العام العالمي المنادي بالسلام وممثلي ما يقارب الاربعين دولة عربية ومن دول العالم الاخرى اما مسؤولياتهم تجاه قرارات الشرعية الدولية هذه، واتجاه حقوق الانسان الفلسطيني، وتعريفهم بحجم الذنب والتقصير الذي ارتكبوه بحق الشعب الفلسطيني بسكوتهم على تمادي اسرائيل وتحديها لهم ولارادة المجتمع الدولي على مدى ما يقارب ال ٤٥ عاما. هذا ما فعلته مجموعات العمل الفلسطينية في اللجان التي عقدت اجتماعاتها حتى الان (التنمية الاقتصادية+اللاجئين+ المياه) وهو ما ستقوم به بقية المجموعات خلال الايام والاسابيع القليلة القادمة عندما تعقد لجان البيئة و التوجيه Steering committee اجتماعاتها في طوكيو ولشبونة.

أكدت وقائع الاتصالات والمفاوضات في الثنائي والمتعدد الاطراف خطأ الاعتقاد بأن العالم على دراية تامة بكل ابعاد وخلفيات وتاريخ القضية الفلسطينية، أو على علم بما يرتكب من جرائم يومية بحق الشعب الفلسطيني على يد قوات الاحتلال. وبينت الاجتماعات التي عقدتها لجان المتعدد حتى الان حاجة العالم بما في ذلك المشاركون للمعلومات الشاملة والارقام الدقيقة حول القضايا المطروحة للبحث. لقد ذهبت مجموعات العمل الفلسطينية ومعها الملفات اللازمة لفضح الجرائم التي ارتكبت بحق اللاجئين الفلسطينيين على مدى ٤٥ عاما، من طرد وتشريد وحرمان من الهوية ومصادرة للاراضي والممتلكات، وعذابات العيش في المخيمات.. والكشف عن حجم سرقات اسرائيل للمياه والثروات الطبيعية الفلسطينية، وحجم تخريبها لبيئة الاراضي الفلسطينية المحتلة، واظهار قساوة وصعوبة الاوضاع والظروف الاقتصادية التي يعيشها اللاجئون ؟؟؟؟؟ الصادمون فوق أرضهم من جراء التهجير والتدمير المبرمج للاقتصاد الفلسطيني على يد سلطات وجيش الاحتلال.

لا شك أن المشاركة في أعمال لجان المتعدد الأطراف تحمل في طياتها مخاطر تسهيل تطبيع بعض جوانب العلاقات العربية الاسرائيلية قبل تحقيق تقدم جوهري في المفاوضات الثنائية، ولكن الصحيح أيضا أن المقاطعة او المبالغة في مثل هذه التخوفات قد تلحق اضرارا كبيرة بالقضية الفلسطينية. وتضيع بعض الفرص الثمينة لمحاكمة اسرائيل على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني. وقد تفقدها دعم واسناد بعض الاشقاء والاصدقاء. فالمبالغة في الحديث عن مخاطر التطبيع المبكر فيه الكثير من استسهال الأمور كما اعتقد ويتضمن مفهوما تبسيطيا للصراع العربي الاسرائيلي ولمواقف الدول من القضية الفلسطينية ومن الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية عامة والقدس خاصة. كما يتضمن شيئا من بقايا عدم الثقة بالذات ويستند الى نظرة جزئية لعملية السلام مستمدة من مرحلة ما قبل سقوط سور برلين وانتهاء الحرب الباردة.

ورغم ان الاعمال الجدية للمتعدد لم تبدأ بعد، والمشاركة الفلسطينية لم تتجاوز الجولة الواحدة، فالواضح ان المشاركة قد حققت بعض النتائج الايجابية الهامة رغم كونها لا زالت نظرية وغير ملموسة. أولى هذه الانجازات ما تحقق في مجال الدعاية والاعلام وتعريف العالم بالمزيد من الحقائق التاريخية والوقائع الراهنة للقضية الفلسطينية، وازالة بعضا من تشويهات الحركة الصهيونية لها.

وثانيا تجديد التزام الادارة الامريكية وبريطانيا وفرنسا بالقرار ١٩٤ رغم الاستدراك الامريكي حول زمان ومكان بحث هذا القرار، الا أن هذا الاستدراك وما قد يليه من استدراكات أخرى لا يقلل من قيمة تجديد الاعتراف الدولي بالقرار وما سيترتب عليه في مجرى عملية المفاوضات الثنائية الفلسطينية الاسرائيلية حول المرحلة الانتقالية او الحل النهائي او القضايا الاقليمية التي ستبحث في الجولات اللاحقة من المفاوضات متعددة الاطراف والمواضع. ان نفض الغبار من قبل راعيي المؤتمر عن هذا القرار (كما قال رئيس فريق مجموعة العمل الفلسطينية في لجنة اللاجئين) قد أعطى للمفاوض الفلسطيني ورقة تفاوضية هامة تساعده في تقوية مواقفه التفاوضية في مواجهة المفاوض الاسرائيلي في كل مراحل ومجالات المفاوضات.

وثالث هذه الانجازات هو وضع اسرائيل في مواجهة العالم، وظهور حقيقة مواقفها المعادية للسلام الشامل العادل والدائم، واضطرارها على مقاطعة اعمال لجنتين من لجان المؤتمر. ويستطيع كل مراقب لعلاقات اسرائيل بدول العالم أن يتلمس ببساطة تزايد عزلتها الدولية، وبدء تعرضها لضغوط سياسية واقتصادية (ضمانات القروض) حتى من أقرب وأعز حلفائها السابقين.

ان موقف اسرائيل من القرار ١٩٤ يتصادم مع الموقف الامريكي والاوروبي ويتعارض معه بصورة جذرية وهذا يتيح للطرف الفلسطيني والعربي زج اسرائيل في اشتباك ثاني مباشر مع الامريكيين والاوروبيين ومع الشرعية الدولية بعد اشتباكها معهم حول الاستيطان وضمانات القروض.

ورابع هذه النتائج يتمثل في تعزيز المكانة السياسية والتمثيلية لمنظمة التحرير وتحسين صورتها وعلاقاتها مع العديد من دول العالم، في الوقت الذي كانت معرضة فيه للشطب والتدمير بعد حرب الخليج.

ان الحوارات التمهيدية التي اجرتها الدول المشاركة في المتعدد مع م.ت.ف مباشرة، ومشاركة الخارج في لجنتين اساسيتين، وتواجد عضو ل.ت في اوتاوا خلال جلسات لجنة اللاجئين، تؤكد صحة الرؤيا التي تقول من خلال المشاركة يمكن ليس فقط ابعاد المخاطر بل وايضا تحسين اسس وشروط العملية.

واذا كان صحيحا التقدير بأن هدف المفاوضات الثنائية هو الوصول الى ترتيبات سلام ثنائية فلسطينية-اسرائيلية، واسرائيلية-اردنية، وسورية ولبنانية، وان هدف المتعدد الاطراف هو الوصول الى ترتيبات اقليمية اوسع، فالصحيح ايضا ان لا يغيب الشعب الفلسطيني عن مثل هذه الترتيبات وان لا يسمح باتمامها في غيابه وعلى حساب حقوقه ووجوده.

ان المشاركة الفلسطينية في عملية السلام بشقيها الثنائي والمتعدد الاطراف ساهمت ولا شك مساهمة فعالة في خلق ظروف نضالية تساعد بصورة افضل في التقدم ومتابعة النضال من اجل تحقيق الاهداف الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير وبناء دولته المستقلة. والواضح ان تواصل التعامل الايجابي مع مجمل عملية السلام، وحسن ادارة الصراع داخل وخارج غرف المفاوضات ضرورات لا غنى عنها لقطف ثمار هذه الظروف.

واذا كان الحذر وعدم التسرع والاستعجال وتجنب التبسيط، امورا ضرورية لتديد كل الاوهام الضارة التي قد تبنى حول سرعة قطار التسوية وحول المسافة الوعرة التي عليه ان يقطعها، فان عدم رؤية المتغيرات الدولية المتسارعة، وعدم رؤية الانجازات التي تحققت من المشاركة الفلسطينية في مؤتمر السلام تندرج تحت بند (عنزة ولو طارت).

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=461&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:18 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

تقييم المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية خلال عام
ميزاتها وخصائصها، مسيرتها، نتائجها، آفاقها اللاحقة

مقدمة: ٢٥/٩/١٩٩٢
في ٣٠ اكتوبر القادم تكمل عملية السلام العربية والفلسطينية- الاسرائيلية عامها الاول. وخلال هذا العام عقد المتفاوضون ٦ جولات من المفاوضات الثنائية والمتعددة الاطراف، وسابعتها ستعقد في ٢١ اكتوبر القادم. كما عقدت جولتان من المفاوضات المتعددة الاطراف. وبجانب ذلك كله وفي العام ذاته بذلت جهود مضنية وكبيرة، وعقدت لقاءات متعددة، وتمت اتصالات سرية وعلنية، شارك فيها الكثير من الدول والافراد على أعلى المستويات. وقبل وخلال جولات المفاوضات أعدت عشرات الدراسات والمشاريع، شارك فيها عشرات بل مئات من الباحثين والخبراء، وعدد غير قليل من مؤسسات الابحاث والدراسات. وهذا كله تم كما هو معروف في اطار البحث عن السلام في الشرق الاوسط على قاعدة المبادرة التي أطلقها الرئيس الامريكي بوش في آذار ٩١.
في هذه الدراسة سنحاول القيام بتقييم اجمالي للمفاوضات على امتداد عام، مركزين على المفاوضات الثنائية باعتبارها هي الاساس، وعلى دور الراعي الامريكي باعتباره صاحب وراعي المبادرة، وعلى مواقف طرفين من أطراف النزاع اسرائيل والفلسطينيين باعتبارهما قطبي الصراع. معتمدين في ذلك على ما توفر من وثائق ومعلومات عامة او خاصة تتعلق بالمفاوضات. آملين ان تتمكن الدراسة المساهمة في تقييم الجهد الضخم المبذول حتى الان. وان نقدم للقاريء صورة موضوعية عن واقع ومجريات المفاوضات. وان تساهم في رسم صورة أولية عن آفاقها ومستقبلها.. ولتسهيل ذلك فقد تم تقسيم الدراسة ألى أربعة أقسام: الأول يبحث في ميزات وخصائص العملية الحالية والثاني يبحث في مسيرة المفاوضات ومواقف الاطراف خلالها، والثالث: يتعلق بالنتائج التي اسفرت عنها، والرابع يستقريء آفاق العملية ومستقبلها.
وكمقدمة لذلك كله يمكن القول اذا كان من المتعذر الان استقراء كل النتائج التي ستتركها والمتغيرات التي ستحدثها مفاوضات السلام العربية-الاسرائيلية مستقبلا على اوضاع دول وشعوب المنطقة، وعلى نمط علاقات بعضها ببعض، فليس عسيرا على كل من تابعها وراقبها رؤية التفاعلات السياسية والفكرية والاجتماعية الاولية التي بدأت تحركها في في المنطقة منذ الان.
فالمعروف أن مؤتمر السلام بشقيه الثنائي والمتعدد الاطراف انطلق في ٣٠ اكتوبر ٩١ من مدريد آخذا على عاتقه معالجة كل أوضاع منطقة الشرق بعقدها التاريخية، وصراعاتها المستفحلة، وعلاقاتها العدائية المستحكمة. وسار بها برعاية أمريكية (وأمريكية روسية اسمية) نحو مرحلة جديدة تختلف في نظمها ومفاهيمها وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والامنية والفكرية والثقافية اختلافا جوهريا عن تلك المفاهيم والعلاقات التي سادت المنطقة مدى نصف قرن من الزمن.
ومنذ الافتتاح أثار مؤتمر السلام الكثير من التساؤلات. القليل منها وغير الحاسم، أجابت عليها جلسات المفاوضات التي عقدت حتى الان. أما الاسئلة الاخرى الهامة والمعقدة فلا زالت بدون اجابات شافية حاسمة. قبل عام من الان طرح في الساحة الفلطسينية والعربية والدولية سؤال هام، هل ستتواصل المفاوضات ؟ وهل سيتمكن مؤتمر السلام من تحقيق الاهداف التي حددت له في مبادرة بوش وفي رسالة الدعوة (١) ورسائل التطمينات أم أن مصير هذه المحاولة سيكون كسابقاتها؟. ومنذ ذلك التاريخ وحتى الان لا زال هذا السؤال مطروحا على كل المعنيين بعملية السلام.
في الاجابة على هذا السؤال انقسمت مواقف أهل المنطقة وكل المراقبين والمهتمين بقضايا الشرق الاوسط بين متفائل ومتشائم. ولم يخلو الامر من وجود بعض المتشائلين. والان وبعد مضي احدى عشر شهرا على بدء عملية السلام، لا زال الاختلاف والانقسام قائما، وبذات الحدة تقريبا مع تسجيل حركة تنقلات خفيفة بين الموقفين او الثلاثة مواقف. وبالتدقيق في مقومات ومستندات المواقف المتباينة، يتبين ان لكل منهما ما يبرره، ومعه من الحقائق والوقائع ما يلزم لدعم واسناد موقفه. ولعل عدم توصل المتفاوضين (حتى الان) الى اتفاقات ملموسة، وعدم ظهور الدخان الابيض فوق اي محور من محاور المفاوضات العربية الاسرائيلية الثنائيات منها او المتعددة الاطراف يساعد على بقاء مثل هذا الانقسام، ويمكن كلا من الموقفين المحافظة على وحدة وتماسك انصاره ومؤيديه، ويزيد من صعوبة اعطاء تقديرات حاسمة حول النتائج النهائية لمؤتمر السلام. وأظن ان كل محاولة للجزم منذ الان بصحة ودقة اي الموقفين والرأيين سيكون فيها شيئا من التسرع وكثير من الامنيات والرغبات الذاتية.
الا أن عدم القدرة على اصدار أحكاما جازمة حول قدرة مؤتمر السلام على وصول محطته النهائية وقطع كل المسافات الزمنية(٢) بتوقيتاتها المحددة، وتجاوز المنزلقات والمنعطفات الحادة الكامنة في طريقه الطويل، والمحافظة على استمرارية مشاركة كل الاطراف المعنية بالصراع وكل الاطراف الملتحقة للمساعدة ...الخ. فان كل ذلك لا يمس دقة الحكم القائل بان العملية التفاوضية الجارية تتمتع بسمات وميزات لم تتوفر لأي من المحاولات التي سبقتها. وانها بسبب هذه الميزات استطاعت الصمود حتى الان وضمنت لنفسها التواصل عاما كاملا، متخطية الكثير من الصعوبات وعمليات الاعاقة والعرقلة الطبيعية والمتعمدة التي تعرضت لها.

القسم الأول
خصائص وميزات العملية السياسية الحالية:
بتفحص عملية السلام الحالية يمكن رصد الخصائص والميزات التالية فيها:
١) غياب الاستقطاب والتجاذب السلبي الخارجي:
بانهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة اصبحت الولايات المتحدة الامريكية القوة المهيمنة على الوضع الدولي، وضمنت لنفسها افضلية في القرار الدولي واحتفظت لنفسها من تحديد أولويات التنفيذ. في ظل هذا الوضع أطلق الرئيس بوش مبادرته بتاريخ ٦ /٣/٩١ حول الشرق، محددا فيها معالم سياسة ادارته على النحو التالي: حل ازمة الشرق الاوسط على اساس قرارات الامم المتحدة ٢٤٢ و ٣٣٨، والارض مقابل السلام، الامن والاعتراف باسرائيل، الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.
وعلى هدى هذه التوجهات تحرك الوزير بيكر الى المنطقة وزار دولها في عدة جولات مكوكية(٣). ولم تواجه لا مبادرة الرئيس بوش ولا الجهود الميدانية للوزير بيكر اية منافسة من اية قوة دولية كما لم تواجه جهوده اية عرقلة او مشاغبة خارجية. بل انضم لها ودعمها الاتحاد السوفياتي (سابقا) ودول السوق الاوروبية المشتركة وبهذا تهيأ لهذه العملية وضعا دوليا لم يتهيأ لسواها من قبل. فكل المحاولات الامريكية(٤) السابقة التي طرحت لمعالجة قضية الشرق الاوسط كانت تصطدم دوما بقانون الاستقطاب والتجاذب المضاد الذي تحكم في العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط سور برلين وتوحد الالمانيتين. واذا كنا لسنا بصدد اجراء مراجعة شاملة لتأثيرات الحرب الباردة على القضية الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني، فلعل من المفيد تثبيت خلاصة رئيسية تقول اذا كان اغتصاب اسرائيل لمساحات واسعة من الاراضي الفلسطينية في عام ٤٧ وتهجير مئات الالوف من الفلسطينيين واحدة من افرازات الحرب العالمية الثانية، فاحتلال اسرائيل للضفة الغربية والجولان وجنوب لبنان وسيناء وتشريد مئات الالوف في عام ٦٧ وتحول اسرائيل الى قوة اقليمية كبرى وتغذيتها بمئات الالوف من المهاجرين وبكل صنوف المعدات الحربية الحديثة والفتاكة كانت هي الاخرى افرازا من افرازات الحرب الباردة.
٢) المشاركة الدولية الواسعة:
في نطاق سعيها لانجاح مبادرتها الجديدة، وبالاستناد لوضعها المقرر في السياسة الدولية، عملت الادارة الامريكية على زج كل الاطراف المعنية بصورة مباشرة وغير مباشرة بالصراع في المفاوضات المباشرة. حيث شاركت ولأول مرة دول المغرب العربي ودول مجلس التعاون الخليجي ومصر واليمن اضافة لسوريا ولبنان والاردن والفلطسينيين واسرائيل. كما اشركت العديد من دول العالم وتجمعاتها، السوق الاوروبية المشتركة والصين واليابان وكندا. وابتكر الوزير بيكر اطارا تفاوضيا جديدا "Multilateral" استوعب كل هذه الدول وحولها الى أطراف مشاركة في المفاوضات ومعنية بالتالي عن تواصلها ونجاجها. وبهذا وجدت الاطراف المعنية بالصراع المباشر نفسها محاصرة من كل الاتجاهات الدولية وواقعة تحت ضغط دولي كبير، لم يقتصر فعله وتأثيره في ارغامها على تجنب تحمل المسؤولية عن انهيار المفاوضات فحسب، بل وتعرض كل من حاول الاعاقة والتعطيل الى نقد وضغط دولي معنوي وسياسي شديد مقرونا بضغوطات اقتصادية. ومثل هذا حصل مع شامير ابان معركة ضمانات القروض، حين رفضت دول السوق الاوروبية واليابان تقديم اية ضمانات بديلا عن الضمانات الامريكية. وفي اطار اظهار اهتمام الادارة الامريكية بعملية السلام وحشد أوسع مشاركة دولية، شارك الرئيس بوش شخصيا في افتتاح مؤتمر مدريد ونجح بيكر في حشد عدد كبير من وزراء خارجية عدد من دول العالم بالاضافة للرئيس (السابق) غورباتشوف ورئيس وزراء البلد المضيف.
٣) نهوض العملية على أسس متينة:
في جولاته المكوكية التي سبقت افتتاح مؤتمر السلام نجح الوزير بيكر في ارساء مشروعه الكبير على أسس متينة، كفلت له حتى الان الثبات وعدم الانهيار واضافة بعض (المداميك) الجديدة اليه. فقد أقنع كل أطراف الصراع بجدية التحرك الامريكي وتصميمه على الانطلاق في العملية بشقيها وان المتعدد سيعقد بمن حضر(٥)، وأقنعها بان المشاركة في مؤتمر السلام ستكسبها كثيرا مقابل تضحيات وخسائر بسيطة لا تذكر. وأفهمها ان المقاطعة ثمنها كبير. أوجد مرجعية قانونية للعملية قرارات ٢٤٢ و ٣٣٨. وترك للاطراف حرية تفسيرها وفقا لمصالحها. أعطى للاطراف الحرية في التفاوض المباشر(٦)، وأوجد بذات الوقت رعاة للعملية Cosponsors لهم الحق في التدخل لدفع المفاوضات قدما للامام. حاول التجاوب مع الطلبات الاساسية للاطراف، ومالم يستطع تثبيته في رسالة الدعوة ثبته في رسائل التطمينات الامريكية التي اعطيت لكل الاطراف. استفاد من فشل بعض المحاولات السابقة ومن ضمنها فشل مبادرته التي أطلقها عام ٨٩، وفشل مبادرة الرئيس ريغان وكل ماسبقهما، فاعتمد اسلوب الغموض البناء، وتجنب اثارة القضايا الشائكة في المرحلة الاولى مثل القدس وألزم أو اقنع الاطراف بذلك. ركز على المصالح المباشرة والبعيدة للاطراف المشاركة والمساندة، واقنعها بالابتعاد عن المباديء والعقائد والشعارات. درس وحدد نقاط القوة ونقاط الضعف عند كل طرف واستخدمها بفعالية. استخدم اسلوب العصا والجزرة واشهر سيوفه عندما اضطر لذلك ورمى بثقل الادارة الامريكية فوق الجميع.
وفي نطاق هذا الاسلوب وتكيكاته وافق للفلسطينيون على (اختيار اعضاء وفدهم الذين لا يخضعون لفيتو من اي كان رتط). وأعطى لاسرائيل (لا يمكن الزام طرف بالجلوس مع أي أحد لا يريد الجلوس معه رتط). انتزع من الفلطسينين عدم مشاركة منظمة التحرير وبذات الوقت قال لهم اذهبوا وتشاوروا وقولوا ل م.ت.ف في تونس اذا سهلت نسهل واذا عقدت فستدفع الثمن. وترك الباب مفتوحا أمام مشاركة م.ت.ف في مفاوضات الحل النهائي. قال للفلسطينيين لا لأي تغيير في حدود بلدية القدس(٧). وقال واعطى للاسرائيليين القدس ستبقى موحدة). تجاوب مع رفض اسرائيل للدولة الفلسطينية المستقلة(٨)، وأعطى للفلسطينيين امكانية قيام كونفدرالية مع الاردن. الزم الفلسطينيين بالتفاوض في اطار الوفد المشترك الاردني الفلسطيني وبالمقابل اعطاهم مسارا مستقلا.
هذا وقد أكدت وقائع ومجريات المفاوضات مرونة ونجاعة هذه الاسس، وقدرتها على استيعاب التوترات والاشكالات التي تخللتها حتى الان. منها على سبيل المثال الاشكال الاول الذي تعرضت له المفاوضات حول مسألة الوفد الفلسطيني المستقل والوفد المشترك والمسار الفلسطيني الاسرائيلي وعلاقته بالوفد المشترك وبالمسار العربي الاسرائيلي. وذات الشيء ايضا عندما وقع اشكال حول مشاركة فلسطينيين من الخارج في لجان المتعدد الاطراف، وهو اشكال لا زال معلقا في بعض جوانبه حتى الان.
٤) انعدام الخيارات أمام الاطراف:
لا شك أن توقيت الادارة الامريكية واطلاقها لمبادرة صنع السلام في الشرق الاوسط جاءت بعد حسابات دقيقة للاوضاع والظروف المحيطة باطراف الصراع في المنطقة. فانهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه أنهى وجود طرف كان يطمح لمشاركتها في تقاسم النفوذ في المنطقة. وتحول الى طرف ضعيف جاهز لتسهيل سيطرتها عليها مقابل مساعدته على تجاوز حالته وتجنب الانهيار الشامل.
ومع انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفياتي انفتحت شهية شامير والليكود على استجلاب ملايين اليهود وتوطينهم في اسرائيل. ونمت احلامه باسرائيل الكبرى. وزادت حاجته للمساعدة الامريكية في نقل المهاجرين الجدد واستيعابهم. وخلال المفاوضات التمهيدية الاسرائيلية-الامريكية اخذ شامير كل الشروط والاسس التي طلبها مقابل مشاركته في عملية السلام. ولم يبقي له بيكر منفذا للتهرب من المشاركة في مؤتمر السلام. ولم يكتف شامير بما نصت عليه رسالة الدعوة فطالب بتأكيدات خطية تتضمن كل ماقيل له شفويا في المباحثات مع بيكر ونال ما يريد في رسالة التطمينات الامريكية الخاصة باسرائيل. أما الجانب العربي فقد جاء توقيت المبادرة الامريكية ودعي للمشاركة في عملية السلام وهو يمر في ظروف صعبة. فانهيار الاتحاد السوفياتي افقد سوريا ومنظمة التحرير قوة مساندة. وبانتهاء الحرب الباردة فقدت امكانية اللعب على تناقض مصالح الدول العظمى. وحرب الخليج انتهت بتعمق التفكك والانقسام العربي. وبروز الولايات المتحدة الامريكية كقوة ذات تواجد مباشر وكبير في المنطقة. وذات عصا غليظة لم تكتف بالتلويح بها بل استخدمتها.
في ظل هذه الظروف لم يكن امام سوريا ومعها لبنان سوى خيار الاستجابة للمطلب الامريكي والدخول في عملية السلام مبدية استعدادها للتكيف مع الوجهة الدولية الجديدة. واستعدادها للتعامل مع متطلباتها وتوجهاتها على صعيد المنطقة. ويمكن القول ان سوريا دخلت عملية السلام وامامها هدفين الاول محاولة ايجاد تقاطع بين مصلحتها في استعادة الجولان وتعزيز نفوذها في لبنان وبين مصالح الادارة الامريكية في صنع استقرار دائم في المنطقة يضمن لها مصالحها لسنوات طويلة. اما الهدف الثاني فهو التكيف مع متطلبات السياسية الامريكية في المنطقة وتجنب المعاقبة على مواقفها وسياستها السابقة شبه المنحازة للاتحاد السوفياتي قبل انهياره، وعلى امل شطب اسمها من قائمة الدول الارهابية في وقت اخذت المطاردة والمحاصرة تزداد ضد كل المتهمين بالارهاب وحتى لبعض المشتبه بهم.
ولم يكن الاردن في حالة أفضل من الحالة السورية. فحرب الخليج انتهت واصابع الاتهام الامريكية تشير له باعتباره طرفا متهما بمساندة نظام صدام ابان اجتياحه للكويت. وباعتباره طرفا رفض التجاوب والتفاعل مع السياسة الامريكية واعمالها العسكرية ضد العراق ورفض الانضمام للتحالف الدولي العربي الذي بنته الادارة الامريكية لهذا الغرض. وجاء دخوله لمؤتمر السلام في محاولة لفك العزلة السياسية وكسر الحصار الاقتصادي وكتعبير عن استعداده للانسجام مع المتغيرات الدولية وللتوجهات الامريكية الجديدة آخذا بعين الاعتبار وضعه الخاص والمعقد خاصة بعد وصول ما يقارب ٣٠٠ الف فلسطيني واردني هجروا من دول الخليج. وبعدما اصبح محاصرا سياسيا واقتصاديا من كل الجهات التي كانت تدعمه سابقا.
اما الجانب الفلسطيني فقد جاءته الدعوة للمشاركة في مؤتمر السلام وهو يمر في اصعب واعقد الظروف. فانهيار الاتحاد السوفياتي افقده الدعم والاسناد الذي كان يتلقاه. وحرب الخليج انتهت بتهجير مئات الالوف من الفلسطينيين من دول الخليج، وتوقف كل اشكال الدعم الاقتصادي الذي كانت تتلقاه المنظمة من دول الخليج او الذي كان يتلقاه ابناء الضفة والقطاع من الجالية الفلسطينية هناك. ناهيك عن الحصار السياسي الذي ضرب حول عنق م.ت.ف وتوتر علاقاتها مع العديد من الدول العربية. وكل ذلك جاء مترافقا مع هجرة يهودية واسعة ونمو جنوني في حركة الاستيطان التي اخذت تأكل ما تبقى من الارض.
في ظل هذه الاوضاع حاولت م.ت.ف جاهدة تحسين اسس وشروط المشاركة الفلسطينية، بما يضمن وحدة الشعب في الداخل والخارج، ويوقف سرطان الاستيطان، وأن تحسن من صيغة التمثيل، وبما يضمن مستقبلا وصول الشعب الفلسطيني لممارسة حقه في تقرير المصير. وتوجهت لمن استطاعت الوصول له من العرب على امل الوصول الى موقف عربي موحد أو على مستوى الاطراف المعنية مباشرة بالصراع وان تصل معها الى اتفاق بعدم الاعلان عن الموافقة علىا لمشاركة في مؤتمر السلام الا بعد انتهاء المباحثات التمهيدية الفلسطينية-الامريكية. وسعت لأن يتبنى بعضهم موضوع القدس بعدما تبين انه سيؤجل للمرحلة الانتقالية، الا ان جهودها اصطدمت بالمصالح الخاصة لكل طرف من اطراف العربية. وبالتمزق والانقسام العربي وتآكل الفكر القومي. ووجدت م.ت.ف نفسها امام احد خيارين لا ثالث لهما. اما القبول بالمشاركة وفقا للصيغة والاسس المجحفة أو الرفض وتحمل تبعات ونتائج ذلك.
وبعد بحث معمق داخل وخارج المؤسسات التشريعية والتنفيذية الفلسطينية، اختارت (٩) م.ت.ف المشاركة تجنبا لخسائر كبيرة مؤكدة، وأملا في تحقيق بعض المكاسب غير مؤكدة التحقيق. وعقدت العزم على النضال من داخل العملية مع التمسك بالثوابت وتحسين الموقف التفاوضي الفلسطيني بصورة تدريجية.
وبالتدقيق في ظروف انعقاد مؤتمر السلام، وفي انعدام الخيارات الاخرى امام الاطراف، يمكن القول ان ذات الظروف وذات الاوضاع بقيت تتحكم في مواقف القوى على امتداد الشهور العشرة الماضية من المفاوضات وهي ذاتها التي مثلت عامل ضغط على كل الاطراف للاستمرار في التفاوض، بالرغم من اصطدام المواقف وتعثرها وتحولها في فترة سابقة الى مفاوضات من أجل المفاوضات.
لقد حاول الجانب الفلسطيني اكثر من مرة التمرد على قواعد وأسس العملية وفكر في التعليق أو (قلب الطاولة) الا أن محاولاته وأفكاره تلك اصطدمت بانعدام البدائل والخيارات. وعاد للانضباط قابلا ببعض الانجازات الشكلية التي كانت تقدم لها كترضيات (كما سيتضح لاحقا عند الحديث عن مسار المفاوضات). ولم تتوقف محاولات التمرد على الجانب الفلسطيني وحده، فقد حاول شامير التمرد، وتصادم مع الراعي الامريكي حول الاستيطان، وهرب شامير نحو الناخب الاسرائيلي ونحو الكونغرس الامريكي والجالية اليهودية في الولايات المتحدة آملا في حماية تمرده وتدعيم مواقفه، فكانت النتيحجة خروجه وخروج حزبه من السلطة ومن العملية السياسية واستمرار المفاوضات. والان وبعد عشر شهور من المفاوضات يمكن القول أيضا أن عامل انعدام البدائل والخيارات قد تحول بفعل ميكانيزم العملية ذاتها، ليس فقط عاملا ضاغطا للاستمرار في المشاركة في المفاوضات، بل وايضا عامل يضغط باستمرار باتجاه تحقيق بعض التقدم والانجازات الملموسة حتى ولو كانت محدودة.
٥) مراكمة قوة دفع ذاتية:
لا شك أن استمرار العملية وتواصل المفاوضات مدة عام تقريبا، قد مكنها من امتلاك خاصية مراكمة قوة دفع ذاتية لم تتمكن أي من المحاولات الامريكية او الدولية السابقة من مراكمتها. فكل المبادرات التي سبقت مبادرة بوش-بيكر لم تعمر سوى أسابيع قليلة وبعضها ايام معدودة، باستثناء مفاوضات كامب ديفيد التي تواصلت عدة سنوات بعد توجهها نحو الحل الثنائي المصري-الاسرائيلي. فقوة الدفع الاولية الخارجية التي دفعت قطار مؤتمر السلام نجحت في تشغيل محركات ومولدات طاقته الذاتية. وبتشغيلها توفر للعملية طاقة اضافية. ومع تواصل الحركة وغياب الجذب السلبي تنامت هذه الطاقة أكثر فأكثر. صحيح أنها لم تبلغ حتى الان مستوى الاعتماد على الذات، بحكم عدم توصل الاطراف حتى الان الى اتفاقات رسمية أولية، الا أنه من الخطأ تجاهل قيمة وفعل التحول الذي حصل في مواقف معظم الاطراف المشاركة في المفاوضات وأثر ذلك على المسار الراهن واللاحق للمفاوضات. وبتفحص عناصر ومقومات قوة الدفع التي روكمت حتى الان يمكن تثبيت العناصر التالية:
- وقوع تحول في مواقف الاطراف من العملية وتبدل في نظرتها لها. فسقوط شامير ونزوله من قطار السلام وصعود رابين وحزب العمل بدلا منه يجسد بعضا من هذا التبدل الهام. والذي يعني في حده الأدنى نزول راكب أساسي (مشاغب) كان يسعى لعرقلة وتعطيل المسيرة وصعود راكب جديد يتحدث عن ضرورة مواصلة المسيرة وضرورة تقدمها، وهو مضطر بالحد الأدنى لأن يوازن بين أقواله وسلوكه العملي. ومثل هذا التوازن يضمن عدم المشاغبة على الحركة. ويمكن أيضا رصد أن التبدل في المواقف والنظرة قد طال الجانب الفلسطيني والاردني والسوري ومعه اللبناني. فبدراسة المشاريع التي تقدم بها الجانب الفلسطيني يمكن تلمس تنامي شعور فلسطيني وخاصة عند القيمين على عملية المفاوضات بامكانية ليس فقط تجنب خسائر محققة بل وامكانية فعلية لتحقيق بعض الانجازات في الاهداف الاولية الهامة، والتي قد تساهم في تحسين أوضاع وظروف الشعب الفلسطيني داخل الارض المحتلة، والتقليل من معاناته المتنوعة بسبب الاحتلال، وتحسين ظروف وامكانات متابعة النضال لاحقا من أجل الاهداف الاساسية. ومثل هذا التبدل في الموقف والنظرة للمفاوضات يسهم ولا شك في اعطاء العملية قوة دفع ذاتية اضافية، فهو يبدل ويغير الموقف الفلسطيني من عنصر كان يتحرك بفعل الضغط الخارجي الى عنصر تتوفر فيه مقومات الاندفاع الذاتي نحو القيام بحركة نشطة وفاعلة تدفع بالمسيرة خطوات الى الامام.
- تجاوز حالة التردد والتحفظ التي طغت على الجولات الاولى من المفاوضات. وأظن ان دخول الاطراف في مناقشات القضايا الجوهرية كما يجري الان في الجولة السادسة من المفاوضات، وتقديم المشاريع والمشاريع المضادة يعطي أيضا ميكانيزم وآلية عمل تسهم في خلق قوة دفع ذاتية متنامية باستمرار. وكل ذلك يعزز ولا شك قوة الدفع الخارجية والتي ستبقى بمثابة العنصر الحاسم في حركة عملية السلام الجارية ما لم تتوصل الاطراف الى اتفاقات ملموسة ومقبولة. وقادرة على تحويل الرغبة في السلام الى حركة وفعل ذاتي قوي يخفف من الاعتماد على الدفع الخارجي.
ـ بعد هذا التلخيص لخصائص العملية السياسية الجارية منذ عام ولتظهير ميزاتها عن سواها من العمليات والمحاولات التي سبقتها، يمكن القول انها تكمل بعضها البعض، وتشكل مجتمعة سورا قويا ومرتفعا يصعب على الاطراف المشاركة في المفاوضات والمعنية بالتوصل الى تسويات اختراقه او القفز عنه والفرار منه الى خارج حلبة الصراع. واعتقد أن صمود هذا السور (الخصائص) سنة كانت الاعقد والاصعب، يمكننا القول أن عبور المفاوضات ذكراها الاولى بنجاح شق الطريق ومهدها لتحيا عامها الثاني كاملا. وهي بخصائصها وميزاتها تعفي مثل هذا التقدير من الاتهام بأنه درب من الخيال.
ج

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=486&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:16 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

قبل ايام وفي ٣٠ اكتوبر الماضي اكملت المفاوضات العربية الاسرائيلية عامها الاول. عقدت خلاله الوفود العربية مع الوفود الاسرائيلية سبع جولات من المفاوضات الثنائية وجولتان من المفاوضات المتعددة الاطراف. ومن المعروف ان مؤتمر السلام بشقيه الثنائي والمتعدد انطلق قبل عام آخذا على عاتقه معالجة كل اوضاع المنطقة الشرق الاوسط بعقدها التاريخية وصراعاتها المستفحلة، وعلاقاتها العدائية المستحكمة، وسار بها برعاية امريكية فعلية، وامريكية روسية اسمية، نحو مرحلة جديدة تختلف في نظمها ومفاهيمها وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والامنية والفكرية والثقافية اختلافا نوعيا عن تلك المفاهيم والعلاقات التي سادت في المنطقة على مدى نصف قرن من الزمن.
ومنذ الافتتاح أثار مؤتمر السلام الكثير من الاسئلة. القليل منها وغير الحاسم أجابت عليها جلسات المفاوضات التي عقدت حتى الان. اما الاسئلة الاخرى الهامة والمعقدة فلا زالت بدون اجابات حاسمة شافية. واذا كان من المتعذر الان استقراء كل النتائج النهائية التي ستتركها وكل المتغيرات التي ستحدثها مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية على الاوضاع المستقبلية لدول وشعوب المنطقة، فليس صعبا على من تابعها وراقبها رؤية تفاعلاتها ونتائجها الاولية على اسرائيل، وعلى الشعب الفلسطيني داخل وخارج الارض المحتلة، وعلى الدول العربية المشاركة فيها.
ان وقائع المفاوضات ومجرياتها تؤكد صحة الرؤيا الفلسطينية والعربية التي اعتبرت المفاوضات ميدانا من ميادين الصراع ضد العدو لانتزاع الحقوق العربية وفي مقدمتها استعادة الاراضي العربية التي احتلت عام ٦٧ ، وتمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق اهدافه الوطنية المشروعة في العودة وتقرير المصير وبناء دولته المستقلة. صحيح ان المفاوضات لم توصل الاطراف العربية لاهدافها حتى الان، ولكن الصحيح ايضا انها لم تخسر شيئا ولم تقدم تنازلا واحدا يلحق الاذى بالمصالح العربية، أو يمس اشكال النضال الاخرى. ويسجل للوفود العربية عامة والوفد الفلسطيني خاصة انهم نجحوا في تحويل المفاوضات الى ساحة محاكمة دولية علنية للاحتلال وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني وضد المواطنين اللبنانيين والسوريين في الجولان وجنوب لبنان، ونجحوا في عرض قضايا شعوبهم وخاصة قضية الشعب الفلسطيني وبينوا عدالتها، وازالوا الكثير من التشويهات التي لحقت بها على مدى سنوات طويلة. وتمكنوا من ترسيخ وتوسيع جبهة الاصدقاء، وكسب مواقف العديد من القوى المحايدة، وحيدوا بعض القوى الدولية التي كانت منحازة لاسرائيل ومعادية للقضايا العربية. وتواصل المفاوضات عاما كاملا دون الوصول الى اية اتفاقات خير دليل على ان الوفود العربية لم تستجدي حلولا، لكنها بينت للعالم اجمع تطاول اسرائيل على قرارات الشرعية الدولية، وان استمرار غياب الحل العادل للصراع العربية-الاسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية، يلحق اضرارا فادحة بمصالح شعوب المنطقة، ومصالح كل الدول والشعوب المحبة للسلام.
ومن خلال المشاركة، وبحسن اداء الوفد الفلسطيني لوجباته تم تكريس وحدة الشعب ووحدة التمثيل الفلسطيني واستقلاليته وتم قطع الطريق على أوهام ومحاولات بعض القوى الدوليةو الاقليمية خلق بدائل لمنظمة التحرير او بدائل لقيادتها الشرعية.
وفي نهاية الوصلة الاولى من الجولة السابعة من المافوضات ابدع الدكتور حيدر عبد الشافي والوفد المرافق له، حين وضعوا الاعتداء الاسرائيلي الاخير على مخيم نهر البارد فوق طاولة المفاوضات، وحين ادخلوا ارواح الشهداء الى مبنى وزارة الخارجية الامريكية حيث تنعقد المفاوضات. ان طرح الدكتور حيدر مسألة الاعتداء على المخيمات الفلسطينية في لبنان، وتلاوة الفاتحة، وتوقيف المفاوضات خمس دقائق حدادا على أرواح الشهداء ليس سوى تأكيد على وحدة الشعب، ووحدة التمثيل، ووحدة القضية وترابط هموم وقضايا الشعب الفلسطيني من مخيم نهر البارد في لبنان الى عبسان في قطاع غزة. وهي رسالة واضحة لاسرائيل ولكل المجتمع الدولي بأن لا أمن واستقرار ولا سلام في المنطقة بدون الحل العادل لكل جوانب القضية الفلسطينية وفي مقدمتها قضية اللاجئين.
وبالمشاركة في عملية السلام تمكن الانتفاضة من تعريف العالم بأهدافها وبنضالاتها اليومية، وتحولت قضايا الاستيطان والقتل والقمع والاعتقال وقطع الاشجار..الخ التي يمارسها جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين من قضايا محلية الى قضايا سياسية دولية.
صحيح ان المفاوض الفلسطيني لم يستطع الزام اسرائيل بوقف او تجميد الاستيطان بشكل كامل لكن اضطرار رابين على الاعلان عن وقف بناء المستوطنات جديدة وعن تجميد سبعة الاف وحدة سكنية كانت قيد الانشاء يعتبر مكسبا اوليا يحتاج الى استكمال. وفي المعركة المفاوضات متواصلة. ولعل سقوط شامير وخروج الليكود من السلطة وتمكن قوى السلام في اسرائيل من التقدم خطوات الى الامام، وتحول القضية الفلسطينية الى قضية اساسية داخل المجتمع الاسرائيلي تعتبر هي الاخرى انجازات اولية ما كانت لها ان تتحقق لو لم تكن هناك مفاوضات، ولو لم تكن هناك مشاركة فلسطينية في عملية السلام. وذات الشيء يمكن قوله ايضا عن احياء حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة او التعويض ونفض الغبار عن القرار رقم ١٩٤ الخاص بهم وبقضيتهم العادلة.

والان وبعد عام على بدء المفاوضات العربية الاسرائيلية لا بد من تجديد القول ان الطريق طويل وشائك ومعقد. وان السير فيه يحتاج الى صبر ايوب الفلسطيني. وعدونا مفاوض صعب المراس. ولا بد من القول ايضا ان المكاسب والانجازات الهامة التي حققتها القضية الفلسطينية والقضايا العربية الاخرى لا زالت لم تلامس الاهداف الجوهرية للشعب الفلسطيني والشعوب العربية الاخرى، وانها لا زالت عرضة للتبخر والاندثار، فالمعركة في بدايتها وجولاتها القادمة هي الاصعب والاعقد. وحتى لا نحمل الوفد الفلسطيني والوفود العربية الاخرى ما يفوق طاقاتها، وحتى لا نكون مثل قوم موسى الذين قالوا له اذهب انت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون، لا بد من الاقرار بأن المفاوضات وكسب جولاتها اللاحقة مسؤولية عربية جماعية يتحملها الجميع، انظمة وقوى بغض النظر عن مواقفها المؤيدة او المعارضة لعملية السلام. ومقومات كسبها متوفرة. تكمن اولا في تعزيز الوحدة الوطنية داخل الاقطار العربية المشاركة في المعاوضات عامة وفي الساحة الفلطسينية خاصة. واذا كانت المعراضة للمفاوضات حق، فللمصالح الوطنية العليا واجبات تفرض حشد وتوظيف طاقات لجميع في مواجهة العدو الرئيسي، وعلى العقل العربي ان لا يعجز عن التوفيق بين حق المعارضة في التعبير عن آرائها وبين توجيه كل الجهود وتسخير كل الامكانات في خدمة المواقف العربية في المفاوضات وتعزيز الديمقراطية واحترام اسسها وقواعدها هي الطريقة الاساسية والوحيدة القادرة على تحديد الحقوق للجميع الى جانب الواجبات ومع الوحدة الوطنية تقف مهمة توحيد استراتيجيات المفاوضيت العرب وتمتين ترابط الحلول على كل الجبهات. واذا كانت تكتيكات المفاوض الاسرائيلي واضحة في سعيها لشق وحدة الوطقف العربي في المافوضات فالواجب القومي يفرض على الجميع اقفال الطريق امام هذه المناورات. وبالاضافة لهذا الواجب وذاك تبقى مهمة ادامة الانتفاضة وتوفير الحماية السياسية لها، وتمكين الشعب الفلسطيني من الصمود تحت الاحتلال مهمة فلسطينية وعربية يجب ان تكون على رأس سلم أولويات الجميع. فالانتفاضة ورقة قوية بيد المفاوض الفلسطيني وكل المفاوضين العربي الآخرين.
فبالموقف السياسي الواقعي والصحيح، وبالانتفاضة والوحدة الوطنيةو التضامن العربي وتنسيق المواقف في المافوضات نصون الحقوق الفلطسينية والعربية ونحقق الاهداف طال الطريق أم قصر. وعلى ابواب العام الثاني من المفاوضات تبرز اهمية تحضير الاوضاع الذاتية لمواجهة التطورات والتعايش مع كل ما سنتج خلاله عن المفاوضات.

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=483&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:14 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

١) نتائح وآثار عامة شملت كل الاطراف:

في ٣٠ اكتوبر الماضي اغلقت المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية ملفات عامها الاول. عقد المتفاوضون خلاله سبع جولات من المفاوضات الثنائية، وجولتان من المفاوضات المتعددة الاطراف. وخلال ذات العام بذلت جهودا دولية مضنية، وعقدت لقاءات متعددة وتمت اتصالات علنية وسرية، شارك فيها الكثير من الدول والشخصيات وعلى اعلى المستويات، وقبل وخلال جولات المفاوضات اعدت عشرات الدراسات والابحاث والمشاريع وشارك فيها عشرات بل مئات من الباحثين والخبراء من كل الاطراف، وعدد غير قليل من مؤسسات الدراسات والابحاث. وهذا كله تم كما هو معروف في اطار البحث عن السلام في الشرق الاوسط، وعلى قاعدة المبادرة التي أطلقها الرئيس بوش في ٦ آذار ٩١.
والان ومع بداية السنة الثانية وقبل فتح سجلات جديدة لا بد من اجراء جردة حساب كاملة لمردود العام الماضي، واستخراض ناتج الربح والخسارة عند كل الاطراف. وأن يتم التركيز على المفاوضات الثنائية باعتبارها هي الاساس. وعلى الراعي الامريكي باعتباره صاحب المبادرة، وعلى طرفين من اطراف الصراع اسرائيل+الفلسطينيين باعتبارهما قطبي الصراع.
والمعروف ان مؤتمر السلام بشقيه الثنائي والمتعدد انطلق من مدريد آخذا على عاتقه معالجة كل اوضاع منطقة الشرق الاوسط، بعقدها التاريخية، وصراعاتها المستفحلة، وعلاقاتها العدائية المستحكمة، وسار بها برعاية امريكية رسمية، وامريكية-روسية اسمية، نحو مرحلة جديدة تختلف في نظمها ومفاهيمها وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والامنية والفكرية والثقافية اختلافا جوهريا عن تلك المفاهيم والعلاقات التي سادت المنطقة مدى نصف قرن من الزمن.
ومنذ الافتتاح اثار مؤتمر السلام العديد من التساؤلات، القليل منها وغير الحاسم اجابت عليها جولات المفاوضات التي عقدت حتى الان. اما الاسئلة الاخرى الهامة والمعقدة فلا زالت بدون اجابات شافية حاسمة. ولعل ابرزها هل سيتمكن مؤتمر السلام من تحقيق الاهداف التي حددت له في مبادرة الرئيس بوش، وفي رسالة الدعوة ورسائل التطمينات؟. أم ان مصير هذه المحاولة سيكون كسابقاتها.
ورغم مضي عاما كاملا على انطلاق قطار السلام من مدريد لا زال الاختلاف قائما، وبذات الحدة تقريبا مع تسجيل بعض التناقلات الخفيفة بين الموقفين. ولعل عدم توصل اي من المتفاوضين حتى الان الى اتفاقات ملموسة وعدم ظهور الدخان الابيض فوق اي محور من محاور المفاوضات يساعد كلا الموقفين على المحافظة على وحدة وتماسك انصاره ومؤيديه. ويجعل الجزم منذ الان بصحة ودقة اي من الموقفين والرأيين سيكون فيه شيئا من التسرع وأقرب الى الامنيات والرغبات الذاتية. لا شك أن الاخفاق في الوصول الى اتفاق حول ترتيبات الحكم الانتقالي الفلسطيني قبل ٣٠ اكتوبر الماضي وفقا لما نصت عليه رسالة الدعوة وكتب التطمينات يزيد الشكوك في قدرة قطار السلام على قطع كل المسافة. ولعل اسراع راعيي المؤتمر في تحديد وقت بديل سقفه الزمني (قصير) يسهم في تبديد بعض هذه الشكوك. ومن حق الجانب الفلسطيني ان يعتبر ٣١ اكتوبر بداية المرحلة الانتقالية.

واذا كان من المتعذر الان استقراء كل النتائج النهائية التي ستتركها والمتغيرات التي ستحدثها المفاوضات السلام على اوضاع المنطقة ومستقبل دولها وشعوبها، فليس عسيرا على كل من تابعها وراقبها رؤية التفاعلات السياسية والفكرية والاجتماعية الاولية التي بدأت تحركها عند جميع الاطراف المشاركة فيها. وعدم القدرة على تثبيت النتائج النهائية والاثار النهائية لا يعني بالضرورة تأجيل عملية الرصد والتقييم حتى نهاية المبارزة. فالشوط الاول انتهى بتثبيت عدد من النقاط لصالح هذا الفريق او ذاك. صحيح ان ما يرصد الان من نتائج يندرج تحت خانة انجازات وآثار اولية او قيد الثبيت النهائي، ولكن الصحيح ايضا ان بعضها تحول الى واقع معاش، وبعضها الى فعل ملموس وحركة مادية دخلت حياة وشعوب ودول المنطقة. ومن هذا المنطلق يمكن تقسيم النتائج والاثار الى نوعين. أولا نتائج عامة شملت الجميع. وثانيا: نتائج خاصة بكل طرف من اطراف الصراع.


أولا - نتائج عامة شملت معظم الاطراف:
١) تجمع مختلف القوى والاتجاهات السياسية العربية والفلسطينية، أن انطلاق وتواصل مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية وضع منطقة الشرق الاوسط على أبواب مرحلة جديدة تختلف نوعيا عن كل المراحل التي مرت بها. وفي هذا الاطار يمكن اعتبار مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط نقطة تحول فاصلة بين حقبة قديمة عاشتها المنطقة وأخرى جديدة لا زالت في طور التشكل والتكوين. ومسار حركة التاريخ يؤكد أن انتقال الشعوب من حقبة تاريخية الى أخرى نوعية جديدة يستوجب المرور في مرحلة أو مراحل انتقالية يتخللها جذب وصراع قد يطول وقد يقصر بين الماضي القديم فكرا وأدوات وبين الجديد القادم بفكرة والقادر على خلق ادواته وكل المستلزمات الضرورية لفرض الذات. وبغض النظر عن النتائج التي حققتها المفاوضات حتى الان، او تلك التي يمكن أن تحقق لاحقا، فالمؤكد أنها أغلقت ولاشعار آخر (سنوات) ملفات الحروب، وطوت ملفات حالة اللاحرب واللاسم التي بنيت عليهما الاستراتيجيات المتصارعة في المنطقة. وأن تواصل العملية حتى الان واحتمال تواصلها لفترة لاحقة، أرغم كل الاطراف او سيرغمها على تغيير استراتيجياتها الامنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، وعلى فتح ملفات جديدة لعلاقات جديدة حدها الادنى تجميد التفكير في حل الخلافات بالوسائل العسكرية، وقبول العيش ضمن حدود آمنة معترف بها. أما حدها الاقصى فقد يصل الى تطبيع العلاقات وسيادة نظم ومفاهيم وأشكال جديدة من التفاهم والتعاون والتعايش المشترك.

لا شك ان انهيار المعسكر الاشتراكي ونتائج حرب الخليج كان لها دورها في دفع المنطقة نحو هذه المرحلة الجديدة لكن انطلاق مفاوضات السلام وتواصلها كانت بمثابة الناقلة التي تحركت حاملة الجميع نحو الاتجاه الجديد ولولاها لبرزت احتمال الاندفاع باتجاهات مختلفة ومنها احتمال السكون والجمود لسنوات مديدة.
٢) اسهمت عملية السلام بفعالية في تنمية اتجاهات الفكر السياسي الواقعي في اسرائيل وعند الجانب الفلسطيني والعربي، وهي في حال تواصلها وتوصلها الى نتائج عملية ملموسة تلبي قسما من طموحات وتطلعات شعوب المنطقة، وستعزز أكثر فأكثر من قوة التيارات والاتجاهات السياسية الواقعية عند كل أطراف الصراع. وبالمقابل لا بد من القول ان النتيجة المؤكدة في حال تعثرها لفترات زمنية طويلة او فشلها في تحقيق كل او اقسام رئيسية من اهدافها ستؤدي الى اضعاف مميت للاتجاهات الواقعية، واحياء أكيد للتطرف والتعصب بكل اشكاله الديني والقومي في المنطقة ككل وتساعده في السيطرة وتولي دفة قيادتها لسنوات طويلة، وزجها في صراعات دموية طائفية ودينية وعرقية يصعب التكهن بنتائجها منذ الان.
٣) مع انطلاق عملية السلام وتولي الاتجاهات الواقعية دفة القيادة، كان من الطبيعي ان تنشأ ردود أفعال وان يكون رد فعل القوى الاصولية الدينية والقومية استنفار طاقاتها الذاتية والعمل على توحيد صفوفها في مواجهة العملية ومواجهة الاتجاهات الواقعية ومحاولة عرقلة توجهاتها السياسية. ولعل ما تشهده الساحة الاسرائيلية والساحة الفلسطينية وبعض الساحات العربية الأخرى من استنفارات شاملة للقوى والاتجاهات المتطرفة والمحافظة والاصولية الدينية منها والقومية ليست سوى شواهد ملموسة على ذلك ومؤشرات واضحة للمنحى الذي يمكن ان تدفع فيه المنطقة في حال تعثر او فشل عملية السلام.
٤) من بداية انطلاقتها اصطدمت عملية السلام بوجود خمس شعوب في اربع كيانات متصارعة (فلسطينيون وسوريون واردنيون ولبنانيون واسرائيليون) على الوجود والحدود، فدفعت العملية بالمجتمع الدولي ودول المنطقة الاربع (سوريا، الاردن، لبنان، اسرائيل) نحو الاقرار بأن وجود الكيان الخامس للشعب الفلسطيني ضرورة لا غنى عنها. ومنذ انطلاقتها والصراع يدور ليس حول وجود هذا الكيان بل حول حدوده وحول طبيعته وطبيعة علاقاته مع جيرانه وحول حدود ممارسته للسيادة. وأظن اننا لا نتسرع اذا قلنا ان الاقرار بوجود هذا الكيان وترسيمه في المنطقة يفتح في المجال على المدى المتوسط والبعيد نحو اعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة. ان تصاعد الحديث عن كونفدرالية ثلاثية اردنية، فلسطينية، اسرائيلية وثنائية اردنية-فلسطينية ليس سوى نتيجة من نتائج العملية السياسية الجارية. وأعتقد أن تواصل المفاواضت وتوصلها الى نتائج ملموسة كفيل بعد عدة سنوات بتحويل هذا الحديث النظري الى واقع مادي ملموس بصيغة أو بأخرى.
٥) ان انتهاء حالة الحرب، واقفال وضع اللاحرب واللاسلم في المنطقة سيؤدي بشكل مباشر الى تراجع قضايا الصراع القومي والوطني ضد العدو الخارجي ممثلا باسرائيل عند العرب، والعرب عند اسرائيل. وتراجع هذا الصراع سيكون لصالح نمو الصراع الاجتماعي والطبقي داخل الكيانات الخمس ولكن بأشكال ومستويات متفاوتة داخل كل كيان.
٦) خلال عام من المفاوضات اصبحت توجهات التعايش والسلام جزءا اساسيا من مكونات السياسة الداخلية والخارجية لكل الاطراف الاساسية المشاركة فيها. وخلاله عبأت الاطراف شعوبها بهذه التوجهات، وقدمت لبعضها البعض الكثير من المشاريع والافكار، وخطت أمام العالم اجمع خطوات متفاوتة باتجاه بعضها البعض ولهذا كله يمكن القول ان الراعي الامريكي صاحب المبادرة، واسرائيل، والاردن وسوريا ولبنان والفلسطينيين باتوا أسرى عملية السلام مقيدين بسلاسلها التي قدموها لبعضهم البعض، ومحاطين بأسوار شائكة يصعب على اي منهم تجاوزها. ويعرفون ان فك القيود لا يتم الا بالتوصل الى نتائج واتفاقات طال الزمن ام قصر فالفشل ممنوع والانسحاب مرفوض.


ثانيا) نتائج المفاوضات أمريكيا واسرائيليا:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا شك ان تولي الادارة الامريكية مهمة الاشراف على العملية السلمية الجارية، جعلها طرفا رئيسيا في جني جزءا اساسيا من نتائجها، سواء أكانت هذه النتائج سلبية او ايجابية. وفي اطار تقييم النتائج التي حققتها الادارة الامريكية حتى الان من اطلاقها للعملية ومن قيادتها يمكن تثبيت :
أ- باطلاقها لمبادرة صنع السلام في المنطقة وتنظيمها لدور التجمعات الدولية فيها، عززت الادارة الامريكية دورها وموقعها القيادي المقرر للوضع الدولي، وأعطته صيغته الملموسة والعملية خاصة في علاقاتها مع اوروبا واليابان والصين. ويمكن القول ان تواصل عملية السلام الامريكية الجارية فترة عام كامل، كان بمثابة فترة ترويض وتعويد للقوى الدولية على الانضباط في اطار نظام علاقات دولية تقوده الولايات المتحدة الامريكية بصورة منفردة. وان انضباط القوى الدولية والاقليمية في اطار العملية التفاوضية سنة كاملة والتزامها بالادوار التي رسمتها لها ادارة بوش عزز ولا شك من الهيبة والنفوذ الدولي للادارة الامريكية. وبما ان العملية السياسية الامريكية مرشحة للتواصل والاستمرار خمس سنوات كحد أدنى (مالم تقع تطورات مفاجئة)، فالثابت ان الشرق الاوسط ومفاوضات السلام ستبقى ميدانا رئيسيا تواصل فيه الادارة الامريكية مزيدا من الترويض والتعويد للقوى الدولية على الانضباط والالتزام بما تقرره لها وعند توصلها الى نتائج واتفاقات سيصبح الشرق الاوسط ميدانا دوليا تعرض فيه الولايات المتحدة الامريكية هيبتها وقدرتها. وتعزز فيه ومنه نفوذها. مثله مثل دول امريكا اللاتينية تقريبا.
ب- صحيح ان انتصار الولايات المتحدة الامريكية في حرب الخليج قد عزز من هيمنتها المباشرة على المنطقة، لكن المؤكد ايضا ان تواصل عملية السلام قد كرس اكثر فأكثر من هذه الهينمة. ويمكن القول ان نجاح المفاوضات وتوصلها الى حلول واتفاقات لقضايا الصراع في المنقطة وخاصة الفلسطيني الاسرائيلي سيزيد ويرسخ هذه الهيمنة ويثبت لها مرتكزاتها القوية. ويؤمن لها مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية لسنوات طويلة قادمة. فنجاح الادارة الامريكية في تسوية قضايا النزاع سوف يعني ارتباط دول المنطقة بالتزامات معينة اتجاه الولايات المتحدة الامريكية، وسوف يعني ايضا القبول بحضور عسكري وأمني على أراضي بعض دولها. ومثل هذا الحضور الميداني كان في الجولات السادسة والسابعة من المفاوضات موضع تداول ومطلبا مجمعا عليه من معظم اطراف المفاوضات مع تفاوت محدود يتعلق بمواقع التموضع.
ج- تدرك الادارة الامريكية أن نجاح مبادرتها هو السبيل الى خلق استقرار دائم في المنطقة يؤمن لها ليس فقط مصالحها فيها بل وايضا امكانية توظيف كل ما فيها من طاقات اقتصادية وخاصة بترولها، وميزات استراتيجية (وخاصة موقعها) في خدمة استراتيجيتها الدولية على مدى زمني طويل في صراعها الاقتصادي مع القوى الاقتصادية الصاعدة دوليا (المانيا، واوروبا الموحدة، واليابان).
د- وبالتدقيق في الوجه الاخر من النتائج اي السلبيات، فالواضح حتى الان ان مردود عملية السلام كان في محصلته الاجمالية ربحا صافيا للادارة الامريكية. ولم تلحق بها اية خسائر تذكر. وهذه النتيجة تحفزها ولا شك على التواصل والاستمرار في رعاية العملية التفاوضية لتواصل حصد مزيد من المكاسب والارباح. وتدرك الادارة الامريكية ان فشل مبادرتها سيكون له انعكاسات سلبية واسعة على صعيد مصالحها في المنطقة وفي اطار علاقاتها الدولية أيضا.
و- لا شك ان عدم توصل اسرائيل والفلسطينيين الى اتفاق قبل ٣ اكتوبر حول ترتيبات نقل السلطة وحول انتخابات سلطة الحكم الانتقالي وفقا لما نصت عليه رسالة الدعوة والتطمينات يعتبر بمثابة هدف سجلته العقدة الفلسطينية-الاسرائيلية في شباك الراعي الامريكي. وان هذا الحدث يمس بصورة او بأخرى الوضع المعنوي للادارة الامريكية عند الاطراف الاقليمية والدولية لمشاركة في المفاوضات. لكن الصحيح ايضا ان ماراكمه الراعي الامريكي خلال عام من المفاوضات المتواصلة وبالتمعن في الاشواط التي قطعتها الاطراف في المفاوضات، وبمدى تقدم بعضها من بعض، يخفف من الاثار السلبية لهذا القصور، ويفسح المجال لتعويضه خلال الفترة القصيرة القادمة.
ويجعل هذا الحدث غير قادر على المس بالنتائج التي حققها الراعي الامريكي حتى الان، ويجعل من الهدف ما يشبه ضربة جزاء.

> ٣ < نتائجها على الجانب الاسرائيلي:
اظهرت الانتخابات الاسرائيلية انقسام المجتمع الاسرائيلية على نفسه حول الموقف من عملية السلام ومن نتائجها المباشرةو اللاحقة. وحسب نتائج التصويت على برامج الاحزاب والمرشحين ظهر ان ما يقارب نصف المجتمع الاسرائيلية يرى ان نتيجتها النهائية الحاق خسائر استراتيجية باسرائيل تفوق الارباح التي قد تجنيها منها. وان ما يفوق النصف بقليل يرى عكس ذلك تماما. واي تقييم موضوعي للمشاركة الاسرائيلية في عملية السلام يثبت انها جنت وحصدت حتى الان النتائج التالية:
- ان ما نالته هجرة اليهود الروس من رعاية واهتمام امريكي وتسهيلات روسية خلال المرحلة التمهيدية التي سبقت افتتاح مؤتمر السلام لم يكن مقطوع الصلة عن التحضيرات التي كان يجريها الوزير بيكر في تلك الفترة. فالكل يعرف ان اسرائيل لم توافق على مشاركة الاتحاد السوفياتي (سابقا) في رعاية مؤتمر السلام، الا بعدما وافق على تسهيل هجرة اليهود بدفعات كبيرة ووافق على نظام الرحلات وعلى فتح خطوط النقل المباشر الذي طلبته اسرائيل. والكل يعرف ايضا ان الادارة الامريكية قدمت مساعدات مالية كبيرة، وساهمت بصورة مباشرة في تهجير اليهود الروس الى اسرائيل، واستجابت من حيث المبدأ لطلب شامير بالحصول على عشرة مليار دولار ضمانات قروض لاستيعاب المهاجرين. ورغم الاشكال الذي وقع بين الطرفين حول هذا الموضوع الا انه مكسب حققته اسرائيل لاحقا كان لمشاركتها في مفاوضات السلام دورا اساسيا فيه.
- قبل افتتاح مؤتمر السلام في مدريد اصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارا الغت بموجبه قرارا سابقا لها يدين الحركة الصهيونية ويشبهها بالعنصرية. واذا كان غير واضح لنا حتى الان الاسباب والدوافع الحقيقية التي دفعت الادارة الامريكية لاستصدار قرار الالغاء ذاك، فان توقيته قبل افتتاح مؤتمر مدريد، يدفعنا للقول انه كان بمثابة تقدمة او هدية قدمها بيكر لشامير تشجيعا له على المشاركة في عملية السلام. ومن حقنا الشك ايضا بان ذلك القرار جاء بناء على طلب مباشر من شامير ونتيجة لاستجابة امريكية لهذا الطلب. ويمكن اعتباره من الثمار التي جنتها اسرائيل بموافقتها على المشاركة في مؤتمر مدريد.

- أما المكسب الثالث فقد تمثل في اعتراف الهند وبعض الدول الافريقية والباكستان والصين والدول الاشتراكية (سابقا) اضافة للاتحاد السوفياتي وبعض الدول الاخرى باسرائيل وتبادل العلاقات الديبلوماسية معها. ولم يكن مخفيا ان شامير قد جعل من ممارسة الولايات المتحدة لهذا الدور شرطا من شروط مشاركته في عملية السلام. صحيح ان المتغيرات الدولية التي وقعت في تلك الفترة وخاصة انهيار المعسكر الاشتراكي قد ساهم في دفع بعض الدول الى اعادة النظر في علاقاتها بدول الشرق الاوسط، ولكن الصحيح ايضا ان رغبة الادارة الامريكية في انجاح مبادرتها، وفي ضمان مشاركة اسرائيل فيها دفعها الى انضاج هذه الثمرة وتقديمها هدية لاسرائيل.
- لا شك ان مشاركة كل الدول العربية (ما عدا ليبيا والعراق والسودان) يعتبر مكسبا رابعا كبيرا حقتته اسرائيل، فهذه اول مرة في تاريخ الصراع العربي-الاسرائيلي تجلس اسرائيل مع كل الاطراف العربية كوفود مستقلة تتفاوض معها من اجل (الصلح) وتطبيع العلاقات بمختلف اشكالها وانواعها. ان تقدم المفاوضات وتوصلها الى اتفاقات سيتيح لاسرائيل اقامة صلح دائم مع كل الدول العربية بما يعني قبولها رسميا كدولة من دول المنطقة ومشاركتها همومها وتتعاون معها في كل المجالات الممكنة وخاصة ما يتعلق منها بالتعاون الاقتصادي وقضايا البيئة والمياه.

- وبالمقابل ستضطر اسرائيل الى دفع ثمن هذه المكاسب، وتدرك القيادة الاسرائيلية ان الوصول الى سلام او تسوية شاملة في المنطقة سيفرض عليها العيش في حدود معترف بها دوليا. بما يعني التخلي عن فكرة اسرائيل الكبرى، وأرض اسرائيل التاريخية. ولا شك ان الائتلاف الحاكم -حزب العمل، ميرتس، شاس- سيواجه مشاكل مع المعارضة اليمينية في حال تقدم المفاوضات وعندما تحين ساعة دفع الاستحقاقات. فالتخلي عن أرض اسرائيل الكبرى، وعن المستوطنات والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ضريبة ستدفعها اسرائيل ثمنا للتسوية الشاملة آجلا او عاجلا.

ويخطيء من يعتقد أن السلام الحقيقي والدائم يمكن أن يبنى قسرا، بفرضه على الفلسيطنيين والعرب. ان فرض حلول غير مقنعة وغير عادلة يؤدي الى تسويات مؤقتة، تهديء الصراع وتسكنه لفترة، لكنها تبقي النار متأججة تحت الرماد.

فالسلام الدائم والشامل يتطلب من القيادة الاسرائيلية ومن راعي العملية تقديم ما عليهم. وهذا يفرض تصفية الماضي ومآسيه وذلك لا يمكن ان يتم الا باعتراف القيادة الاسرائيلية بمسؤوليتها عن الظلم التاريخي والجرائم الفظيعة التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني منذ عام ٤٨ وحتى الان. ان مطالبة القيادة الاسرائيلية بهذا الاعتراف حق مشروع للشعب الفلسطيني. ألم تطالب القيادات الاسرائيلية وقيادات اليهود في العالم دولة المانيا بالاعتراف بجرائمها التي ارتكبتهافي الاربعينات ضد اليهود. اننا ونحن نؤكد عدالة المطلب الاسرائيلي واليهودي العالمي من دولة المانيا، نعتقد أن من حق الشعب الفلسطيني مطالبة اسرائيل بالاعتراف بعدالة مطلبه، وأعتقد ان مثل هذا المطلب الفلسطيني يفترض توجيهيه ايضا للحكومة البريطانية باعتبارها صاحبة وعد بلفور ١٩١٧ وباعتبارها دولة الانتداب على فلسطين منذ ذلك التاريخ وحتى قيام دولة اسرائيل والمسؤولة عن تهجير مئات الالوف من اللاجئين. وأظن ان اقدام الحكومة البريطانية على تقديم مثل هذا الاعتراف الان قد يساعد القوى الاسرائيلية المؤمنة بالسلام العادل والدائم الارتقاء بمواقفها والتوجه نحو معالجة القضية من جذورها.

٢) نتائجها عند الجانب الفلسطيني:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الطبيعي ان لا يكون هناك تقييم فلسطيني موحد لنتائج عملية السلام. فالساحة الفلسطينية منقسمة على نفسها أصلا حول قضية المشاركة ذاتها. ورغم ذلك فهناك عددا من النتائج والاثار يفترض ان لا تكون موضع خلاف، خاصة بعدما أكدتها وقائع الحياة على الارض وفي العلاقات. وقبل الدخول في عرض النتائج وانعكاسات العملية التفاوضية على الجانب الفلسطيني لا بد من التأكيد على أن هناك الكثير من النواقص في الاسس التي قامت عليها عملية السلام منها تقسيم الحل الى مرحلتين انتقالية ونهائية. وعدم التزام اسرائيل بوقف الاستيطان وقفا كاملا خلال المفاوضات. لكن يجب أن نتذكر موازين القوى التي كانت سائدة لحظة انطلاق المفاوضات، والظروف التي كانت تحيط بالقضية الفلسطينية وبمنظمة التحرير آنذاك. وكذلك الخيارات والبدائل المطروحة في حينها. وتذكر ان اعلان م.ت.ف عن موافقتها على المشاركة في عملية السلام جاء بعد بضعة اسابيع من اعلان سوريا وكل الدول العربية الاخرى عن قبولها بذلك. واكدت مجريات العملية السياسية ان النواقص والثغرات لم تحل دون تحقيق بعض المكاسب والانجازات لشعبنا وقضيتنا وم.ت.ف وان الصبر والحكمة في المفاوضات كفيلان بردم الثغرات وسد النواقص التي احتوتها رسائل الدعوة والتطمينات. ومن هذه الانجازات :

أولا) ثبت الشعب الفلسطيني حضوره، وملأ مقاعده بوفد من ابنائه جلسوا وجها لوجه مقابل عدوهم في محفل دولي اريد له ان يعالج قضية شعبهم وسواها من قضايا المنطقة. وهذه أول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والعربي يستطيع فيها الفلسطيني ان يفرض وجوده، وأن يمثل نفسه بنفسه. ولهذا يمكن القول ان المشاركة الفلسطينية نسفت والى الابد المقولة الصهيونية القائمة على انكار وجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني. ونسفت الى الابد الوصاية والبدائل العربية التى كان يجري فرضها عادة على التمثيل الفلسطيني. واذا كانت الارادة الدولية مجمعة على جعل مؤتمر السلام محطة فاصلة لحل قضايا المنطقة واعادة ترتيب اوضاعها من جديد، فبالامكان القول ان الشعب الفلسطيني حجز مكانه في الترتيبات الجديدة وقطع الطريق على كل محاولة لشطبه واستثنائه. ولم يضيع الفرصة التاريخية، كما كان يحصل سابقا.
ثانيا) نجح الوفد الفلسطيني في عرض قضية شعبه، وبين عدالتها. واستخدم في عرضه لغة العصر التي يفهمها عالم اليوم، واظهر الوجه الحضاري للشعب الفلسطيني، وقدرته على التعامل مع الواقع الدولي الجديد ومتطلباته. لم يستجد حلولا، لكنه بين أن استمرار غياب الحل العادل يضر بمصالح شعوب المنطقة وكل الشعوب المحبة للسلام. وبهذا نجح في ايصال رسالة شعبه الى الرأي العام العالمي وكل القوى المؤيدة للسلام، ووضع الجميع امام مسؤولياتهم بعدما جعل قضيته ذات الاولوية في المعالجة الدولية. وقدم لها حلولا واقعية تستند بالاساس الى الشرعية الدولية.
وبالمشاركة تمكن الشعب الفلسطيني من توسيع وترسيخ جبهة اصدقائه، ومن كسب العديد من القوى المحايدة، وحيد بعض القوى التي كانت معادية او شبه معادية له.
ثالثا) من خلال المشاركة في مؤتمر مدريد، وبحسن اداء الوفد لمهامه، تم تكريس وحدة الشعب، ووحدة القيادة ووحدة التمثيل واستقلاليته. صحيح ان المشاركة الفلسطينية تمثلت رسميا بوفد شخصيات وطنية من الداخل وفي اطار وفد مشترك اردني-فلسطيني، ولكن الصحيح ايضا أن الاطراف المشاركة في المؤتمر وكل المتابعين له يعرفون ان م.ت.ف هي المفاوض الحقيقي وان الوفد الفلسطيني قد تشكل بقرار من قيادة م.ت.ف. وليس صعبا على كل من يريد رؤية الحقيقة ان يلمس الحضور الفلسطيني المستقل، والذي حرص الجانب الاردني على اظهاره باستمرار. واصرار الوفد بصورة متواصلة على تكريس م.ت.ف كمرجعية وحيدة له، واشهاره ذلك في كل المناسبات قطع الطريق على كل تفكير أو أوهام بخلق بدائل لمنظمة التحرير.
رابعا) لا شك ان المشاركة الفلسطينية في المؤتمر، والمواقف الواقعية والمسؤولة التي اتخذها الوفد أعادت لمنظمة التحرير الفلسطينية مصداقيتها على المستوى الدولي، بعدما تشوهت صورتها ابان وبعد حرب الخليج. فالكل يعرف ان هذه المواقف تمت بتوجيه مباشر من قيادة م.ت.ف وبعد مصادقتها عليها. ولاحقا لا يمكن لعاقل ان يتصور مثلا مطالبة اسرائيل للوفد الفلطسيني بأن يتخذ قرار بتجميد او وقف العمليات العسكرية الفلسطينية الموجهة من الخارج او التي تتم في الداخل ضد الجيش والمنشآت الاقتصادية والعسكرية الاسرائيلية. فالكل يعرف ان جواب الوفد الفلسطيني سيكون مختصرا ومفيدا خلاصته ابحثوا هذا الامر وما شابهه مع المقاتلين والعسكريين الفلسطينيين وقيادتهم م.ت.ف. ولهذا يمكن القول ان المشاركة في مؤتمر مدريد حمت م.ت.ف من الشطب والتدمير وخلصتها من العزلة والحصار الذي كان مفروضا عليها واظهرت قيادتها بأنها قادرة على تحمل مسؤولياتها الدولية عن صنع السلام. وعززت مكانتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
خامسا) فتحت المشاركة الفلسطينية في عملية السلام ميادين وقضايا جديدة للصراع مع العدو، وخلقت ظروفا افضل لمتابعة وتطوير اشكال النضال الاخرى التي يخوضها الشعب الفلسطيني منذ سنين طويلة.
وتمكنت الانتفاضة خلال جولات المفاوضات من تعريف العالم بأهدافها وبنضالاتها اليومية، وتحولت قضايا القتل والقمع والاعتقال والابعاد..الخ التي يمارسها جيش الاحتلال في مواجهة الانتفاضة من مسائل محلية الى قضايا سياسية دولية، تفرض نفسها على المفاوضات. وباتت تجد من يحملها الى العالم ومن يدافع عنها ويتضامن معها اكثر من السابق. ووفرت المشاركة الفلسطينية في المفاوضات حماية سياسية اوسع للانتفاضة، ووضعت قيودا اضافية على حركة البطش والارهاب الاسرائيلي، فبات الترانسفير الجماعي مثلا شبه مستحيل، والابعاد الفردي قضية دولية كبرى. وفتحت آفاقا دولية لتوفير مزيدا من الدعم الاقتصادي لشعب الانتفاضة. ودعم قضايا حقوق الانسان الفلسطيني.
وتم تكريس وجوه وشخصيات وطنية داخل الارض المحتلة باعتبارها امتدادا لقيادة م.ت.ف، وترافق ذلك مع توفر شيء من الحماية السياسية الدولية لهذه الشخصيات.
ان تكريس مثل هذا المكسب وتوسيعه يساعد ولا شك في الشروع الجدي في بناء بعض الاطر والمؤسسات الرسمية داخل الاراضي المحتلة.
سادسا) تحولت قضية وقف وتجميد الاستيطان من قضية محلية الى قضية دولية كبرى، وحظيت باهتمام كل المشاركين في مؤتمر السلام. واظن ان خروج الليكود من السلطة مكسبا وان معركة القروض والاستيطان كانت سببا رئيسيا في ذلك. صحيح ان الجانب الفلسطيني بكل طاقاته وبراعته لم يستطع الزام اسرائيل بوقف او تجميد الاستيطان بشكل كامل، لكن اضطرار رابين الى الاعلان عن وقف بناء مستوطنات جديدة، وعن تجميد بناء سبعة آلاف وحدة سكنية كانت في طريقها للانشاء يعتبر مكسبا ما كان له ان يتحقق لو تمت مقاطعة عملية السلام. صحيح ان رابين سيواصل بناء أحد عشر ألف وحدة سكانية، ولكن الصحيح أيضا أن المفاوضات لا زالت متواصلة ومعركة الاستيطان لم تتوقف.
وقيام سلطة فلسطينية انتقالية يسهل الى حد كبير خوض هذه المعركة وتحقيق انجاات مهمة فيها.

سابعا) ساهمت المشاركة الفلسطينية والسياسية الواقعية التي انتهجتها م.ت.ف في تمكين قوى السلام في اسرائيل من تعزيز مواقعها، وقدمت لها اسلحة فعالة للتعبير عن آرائها. ان وجود اثنا عشر عضوا في الكنيست من حزب اسرائيلي ينادون بدولتين لشعبين وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ويعترفون بالمنظمة كممثل شرعي لهذا الشعب يعتبر ولا شك مكسبا للقضية الفلسطينية، وتزداد قيمته اكثر فأكثر عند احتساب عدد المؤمنين بذات المواقف من حمائم حزب العمل. والصراعات المحتدمة الان بين الاحزاب الاسرائيلية حول عملية السلام، وحول الموضوع لفلسطيني تمت على ارضية المشاركة الفلسطينية في عملية السلام.
ثامنا) الواضح ان المشاركة في عملية السلام تسببت في ازدياد التصدع في نسيج الوحدة الوطنية. وفي سياق فهم هذا الاثر والانعكاس السلبي من الضروري التأكيد على ان وقوع خلاف وانقسام حول المشاركة في عملية السلام أمر طبيعي، وتعبير عن حالة صحية يعيشها الفكر الفلسطيني. فالعملية السياسية حدثا في تاريخ القضية الفلسطينية، سوف تمس بنتائجها المصير الوطني برمته، يستحق أن تختلف وتتباين قواه السياسية حوله.
الا ان تحميل العملية السياسية كل المسؤولية عن كل الخلافات الحاصلة في الساحة الفلسطينية امرا فيه الكثير من التجني المفتعل، وفيه القليل من الموضوعية في اطلاق الاحكام. فالمعروف ان الساحة الفلسطينية لم تشهد منذ منتصف السبعينات توافقا سياسيا. ولم تشهد طيلة فترة الانتفاضة، قبل وبعد المبادرة الامريكية ومؤتمر السلام اي توافق سياسي. فالخلاف مع حماس قائم منذ الايام الاولى للانتفاضة، والخلافات مع بعض قوى المعارضة الاخرى حول الموقف من القرار ٢٤٢ وحول الموقف من اعلان الاستقلال ومن مبادرة السلام الفلسطينية، وحول النقاط العشر المصرية وحول النقاط الخمس التي طرحها الوزير بيكر موجودة قبل مؤتمر مدريد. موضوعيا يجب الاعتراف ان الخلاف الحاصل حاليا هو الاشد، وان نتائجه قد تكون اكثر خطورة خاصة اذا خرج عن منحاه الديمقراطي ودخل في دهاليز الاتهامات، وسراديب الارهاب الفكري والجسدي احيانا. وايضا في حال دخول قوى عربية واسلاميةعلى خطوط الخلافات. لقد اكدت تجارب الحركة الوطنية الفلسطينية على مدى ربع القرن الاخير ان كل الخلافات الفلسطينية واشدها تعقيدا يسهل حلها ومعالجتها طالما بقيت فلسطينية الاساس وفلسطينية الدوافع والمنطلقات. واكدت في الوقت نفسه ان ابسط القضايا الخلافية واصغرها يمكن ان تتحول الى متاريس اسمنتية يصعب اختراقها اذا كانت لها صلات وابعاد عربية.

لا شك ان الخلاف والتباين حول عملية السلام سيزداد كلما تقدمت المفاوضات. ولا مبالغة في القول ان الديمقراطية الفلسطينية والفكر السياسي الفلسطيني مقدمان في الاشهر القليلة القادمة على اختبار مصيري. شروط النجاح فيه متوفرة. في بناء معادلة تقوم على وضع المصلحة الوطنية فوق أية اعتبارات أخرى. وتمكن المعارضة الفلسطينية من التعبير عن رأيها بكل السبل والوسائل الديمقراطية. والحفاظ على المكاسب والانجازات التي تحققت حتى الان والعمل على تنميتها. ومواصلة التعاطي الايجابي مع عملية السلام وفقا لقرارات الشرعية الفلسطينية. هل سينجح في ذلك؟.

ممدوح نوفل


http://www.mnofal.ps/articles/?nb=484&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 9:0 بعد از ظهر توسط حمید |

الاهرام

عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

مع انتهاء الحرب الباردة، وانهيار منظومة البلدا الاشتراكية، وتفكك الاتحاد السوفياتي، دخل العالم بأسره مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، حيث تراجعت سمتها الاساسية التي كانت سائدة في العقود الاربعة او الخمس الماضية والتي كانت تقوم على نظام القطبين. وأخذ يحل مكانها نظام دولي جديد لازال في طور التشكل والتكوين.
واذا كان من المبكر ومن الصعب التنبؤ بالصيغة المستقبلية النهائية التي سيرسوا عليها النظام الدولي الجديد، فالواضح الآن أنه في طوره الراهن، وخلال مسار تشكله يضغط على كل التجمعات الاقليمية باتجاه اعادة تشكيل بعضها، وتغيير الاسس التي بني عليها البعض الآخر، ودفعها نحو نوع من الاستقرار.. كل ذلك بهدف تسهيل جذبها واحكام ربطها بالقطب الأقوى راهنا (الولايات المتحدة). ومن الطبيعي أن يعكس هذا التطور النوعي نفسه بحركته الراهنة على مناطق الصراع في العالم، ومن البديهي أن تكون نتائجه المباشرة أكثر وضوحا وملموسية في مواقع الصراع الساخنة، خاصة تلك التي كانت موضع تجاذب القطبين سابقا، كالشرق الاوسط وافغانستان وكموديا وجنوب أفريقيا. ونظرا لخصوصيته الاقتصادية (نفط+سوق استهلاك) وطبيعة مشاكله المعقدة، حظي الشرق الاوسط باهتمام امريكي خاص، تميز عن سواه من المناطق الاخرى في العالم، بوقوع حرب طاحنة فيه والقاء الادارة الامريكية بثقلها السياسي والديبلوماسي نحو قضاياه، فقام وزير الخارجية الامريكي بزيارته ثمان مرات خلال أقل من ثمانية أشهر، وحضر الرئيس الأمريكي حفل افتتاح مؤتمر السلام الذي عقد من أجله في مدريد، كما تميز بدعوة كل الدول الفاعلة في العالم للمشاركة في أعمال المؤتمر الثاني المتعدد الاطراف الذي تقرر انعقاده في نهاية الشهر القادم في موسكو.
وفي ضوء ذلك يمكن القول أن تقييم العملية التفاوضية، الفلسطينية والعربية الاسرائيلية الجارية واللاحقة يجب أن لا تخرج من اطار القراءة للوضع الدولي الجديد ومسار حركته المرئية والمباشرة. ونعتقد في هذا السياق أن الجانب الفلسطيني والعربي أحسنا صنعا عندما انتهجا سياسة واقعية باتخاذ القرار في المشاركة في العملية التفاوضية رغم وجود العديد من النواقص في أسسها. فبمجرد قبول المشاركة بات في متناول الجانب الفلسطيني والعربي، كما نعتقد، ورقتان أساسيتان من أوراق التفاوض، الأولى ورقة الوضع الدولي وضغطه المتزايد مع انتهاء الحرب الباردة باتجاه حل قضايا الصراع العربي والفلسطيني-الاسرائيلي على أساس قرارات الشرعية الدولية. أما الورقة الثانية فهي تلمس الرأي العام العالمي والقوى المناضلة من أجل السلام لرغبة الجانب العربي والفلسطيني في صنع سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الاوسط. فهاتان الورقتان بقيتا طيلة الفترة الماضية بيد القيادة الاسرائيلية، حيث لعبت بورقة الحرب الباردة ونجحت في الهروب من تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار ٢٤٢ الذي يلزمها بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها عام ٦٧. وبذات الورقة غطت اسرائيل سياستها العدوانية التوسعية التي مارستها طيلة ربع قرن ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى حيث أعطت نفسها (وبغطاء أحد القطبين) دور الشرطي الحارس لمصالح لمعسكر الرأسمالي. وفي ظل تلك الظروف نجحت اسرائيل في تضليل الرأي العام الأمريكي والاوروبي والظهور بمظهر البلد الديمقراطي الداعي للسلام، وسط تجمع من الديكتاتوريات المتخلفة الرافضة للسلام، واستفادت في عمليتها التضليلية في تلك الفترة من المواقف العربية والفلسطينية التي كانت تقوم على رفض المفاوضات المباشرة مع اسرائيل.
والى جانب هاتان الورقتان يدخل المفاوض الفلسطيني والعربي قاعة المفاوضات وبيده ورقة عدالة قضاياه مسندة بنصوص قرارات الشرعية الدولية ومواثيقها وفي مقدمتها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للامم المتحدة التي تقر له بحقوقه في أرضه وفي سيادته عليها. فالقرار ٢٤٢ و٣٣٨ يؤكدان على انسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها عام ٦٧، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين بصورة عادلة، وضمان أمن جميع دول المنطقة. كما وأن اتفاقية جنيف الرابعة تجعل الاستيطان وكل ما قامت به اسرائيل من تغييرات على الاراضي العربية المحتلة اجراءات باطلة في نظر القانون الدولي. ونعتقد أن ليس بامكان اسرائيل اقناع العالم بتفسيراتها الخاصة لهذه القرارات، وخاصة فيما يتعلق بالانسحاب من الضفة الغربية والقدس والقطاع وهضبة الجولان وجنوب لبنان.
ويستطيع المفاوض الفلسطيني الاستفادة من بعض نصوص اتفاقيات كامب ديفيد والاستعانة بالعديد من القرارات الاخرى التي صدرت عن مجلس الامن والهيئات الدولية الاخرى القديم منها مثل قرار ١٩٤ الخاص بموضوع اللاجئين، أو ماصدر على امتداد ربع القرن الاخير.
والى جانب قرارات الشرعية الدولي يمتلك المفاوض الفلسطيني والعربي التزامات أمريكية واضحة بالعمل على حل قضايا الصراع العربي والفلسطيني-الاسرائيلي وفقا لمفهوم امريكي جرى تحديده بدقة متناهية في خطاب الرئيس بوش يوم ٦ /آذار/١٩٩١، وفي رسائل التطمينات التي قدمها الجانب الأمريكي للجانب العربي والفلسطيني، وفي نص رسالة الدعوة الى مؤتمر مدريد، ورسالة الدعوة الى جولة المفاوضات التي عقدت مؤخرا في واشنطن. وبالتدقيق في هذا المفهوم يتبين أنه أقرب الى المفهوم العربي منه الى المفهوم الاسرائيلي. فهو يقوم على أساس مبادلة الارض بالسلام، وانسحاب اسرائيل من الاراضي العربية التي احتلت عام ٦٧، واعتبار الاستيطان عقبة في طريق السلام، ويعترف بالفلسطينيين كشعب "له الحق في السيطرة على قضاياه السياسية والاقتصادية وأية قرارات أخرى تؤثر على حياتهم ومصيرهم" (رسالة التطمينات فقرة ٥).
كما يمكن اعتبار المشاركة الدولية الواسعة والشاملة في المؤتمر المتعدد الاطراف ((Multilataral ورقة تفاوضية هامة بيد المفاوض الفلسطيني والعربي. ويمكن استثمارها في الضغط على اسرائيل لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومنعها من مواصلة التهرب من الالتزامات التي تفرضها عليها هذه القرارات. لا سيما وان مواقف الاطراف والدول المدعوة لهذا المؤتمر (دول السوق الاوروبية، اليابان، كندا، الصين) أقرب الى الموقف الفلسطيني، وأكثر تقدما من الموقف الامريكي، كما عبرت عن نفسها في بيان مدريد وفي العديد من المواقف الرسمية الأخرى.
وبامكان المفاوض الفلسطيني والعربي الاستفادة من وجود نوع من الانقسام السياسي داخل اسرائيل ومن وجود قوى تنادي بالسلام العادل وفقا لمفهوم متقارب مع المفهوم الفلسطيني (حركة السلام الان) وأخرى ليست بهذا القرب، الا أنها مع مبادلة الارض بالسلام، وضد مفهوم الليكود.
والى جانب ذلك كله يستند المفاوض الفلسطيني والعربي الى الموقف الشعبي داخل الاراضي المحتلة، المصمم على نيل الحرية والاستقلال. فالانتفاضة الباسلة المتواصلة منذ أكثر من أربع سنوات تعتبر من أهم الاوراق التي يمسك بها المفاوض الفلسطيني والعربي، هذا والى جانبها ورقة المقاومة الوطنية اللبنانية المناضلة ضد وجود قوات الاحتلال في جنوب لبنان، وورقة تمسك أهالي الجولان بعروبتهم. ان فشل الاحتلال على مدى ربع قرن من الزمن من ايجاد قوى فلسطينية او سورية تتعاون معه وتقبل السير في مخططاته تبقى عقبة كأداء في وجه جيش الاحتلال وفي مواجهة السياسة التوسعية الاسرائيلية. وان التزام الجماهير الفلسطينية داخل الضفة والقدس والقطاع والعربية في الجولان وجنوب لبنان بمواقف قياداتها السياسية ووفودها المفاوضة، يعطي للموقف التفاوضي الفلسطيني والعربي أرضية صلبة يمكنه الاستناد اليها في صراعه مع المفاوض الاسرائيلي مهما طال أمد هذا الصراع.
بعد هذا العرض لأوراق التفاوض العربية والفلسطينية، وقبل الانتقال لاستعراض اوراق التفاوض الاسرائيلية، نعتقد أنه من الضروري الاشارة الى نقاط الضعف الاساسية في الموقف التفاوضي الفلسطيني والعربي، والتي يمكن تجاوزها، وبتجاوزها تتعزز أوراقها التفاوضية.
لا شك أن غياب وحدة الموقف العربي من عملية السلام الجارية، وعدم امتلاك الوفود العربية المفاوضة لاستراتيجية تفاوض موحدة تمثل أخطر الثغرات في الموقف التفاوضي العربي، ويتوقع أن تزداد خطورة هذه الورقة طرديا مع كل تقدم تحرزه عملية السلام، وقد تؤدي في حال استمراره ليس فقط الى تفرد الجانب الاسرائيلي بالاطراف العربية طرفا طرفا، بل وايضا الى وقوع شرخ قومي، وصراعات عربية عربية، تترك آثارا مدمرة على الوضع والعلاقات العربية العربية لسنوات طويلة. ونظن أننا في غنى عن الاسترسال في الحديث عن مخاطر ومضار غياب الموقف العربي الموحد في ظل التطورات الدولية المتسارعة وخلال مرحلة المفاوضات، فهذه الثغرة تتحدث عن نفسها كل ساعة وفي كل المجالات.
والى جانب نقطة الضعف هذه، فاننا نعتقد أن تاريخ العلاقة المعقدة بين العرب والادارة الامريكية يمثل هو الاخر نقطة ضعف ثانية ستواجه المفاوض الفلسطيني والعربي خلال مراحل المفاوضات. وخطورة هذه الثغرة تمكن في الدور الحاسم للادارة الامريكية في العملية السياسية الجارية، وكذلك الموقع المقرر الذي تحتله راهنا على صعيد القرار الدولي.
ويمكن القول أن ضعف القدرة العسكرية العربية في مواجهة القدرة العسكرية الاسرائيلية، تمثل أيضا نقطة ضعف أخرى في الموقف التفاوضي العربية، يمكن للمفاوض الاسرائيلي استغلالها معنويا وماديا في المفاوضات، فهو يتصرف باعتبار أن ضعف الوضع العسكري العربي، يعفيه نفسيا وماديا من تسريع المفاوضات.
ونعتقد أن صورة النظام السياسي العربي المشوهة لدى الرأي العام الامريكي والاوروبي تعتبر هي الأخرى ثغرة تعيق حصول المفاوض العربي على دعم هذا الرأي بطاقاته القصوى. ان صور الديكتاتوريات العربية، وغياب الديمقراطية، هضم حقوق الانسان، وانعدام الحريات وبعض الممارسات الارهابية ..الخ وصورة انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي للنظام العربي، يعطي ولا شك للموقف الاسرائيلي ذرائع ومبررات لتعنتها في مواقفها خلال المفاوضات، وتفسح المجال لوجود قوى على المستوى الدولي وآذانا تصغي لهذه الاقوال وتتفاعل معها بغض النظر عن واقعية المواقف العربية في المفاوضات.
أما بشأن اوراق التفاوض الاسرائيلية، فاننا نعتقد أنها تتكون من:
١) أقواها على الاطلاق هو ما ورد ذكره من نقاط ضعف وثغرات في الموقف العربي.
٢) والى جانبها يمسك المفاوض الاسرائيلي بقوة بورقة احتلاله للاراض الفلسطينية والعربية والتي تجعله يواجه الوفود العربية والاطراف الدولية الاخرى من موقع قوة. وهذا الموقع يعطيه هامشا واسعا من المناورة والمساومة يتيح له رفع سقف مواقفه التفاوضية مع كل طرف من الاطراف العربية صاحبة الاراضي المحتلة.
٣) انفتاح باب الهجرة اليهودية على مصراعيه في العامين الاخيرين، ونجاح سياسة الاستيطان في ابتلاع ما يزيد عن ٥٠ % من أراضي الضفة الغربية وغزة وتوطين ما يقارب ١٥٠,٠٠٠ مستوطن، تمثل ولا شك عنصر قوة يضغط يوميا على المفاوض الفلسطيني خاصة والعربي عامة.
٤) لا يمكننا تجاهل العلاقة الاستراتيجية التاريخية الموثقة باتفاقات خطية بين الادارة الامريكية واسرائيل. فبفعل تاريخ طويل من التعاون المشترك الامريكي الاسرائيلي الرسمي (٤٥ سنة) استطاعت اسرائيل أن تبني لنفسها مواقع معنوية ومادية يؤثر بنسبة أو بأخرى على طبيعة القرار الامريكي وفي طريقة وسرعة اتخاذه. وما اعتماد الادارة الامريكية لسياسة المكيالين في الدفاع عن قرارات الشرعية الدولية الا واحدة من نتائج هذه العلاقة الاستراتيجية.
٥) وبالاستناد لهذا العنصر وعناصر القوة الاخرى، السابقة الذكر أو اللاحقة، استطاعت القيادة الاسرائيلية أن تملي بعض شروطها المتعلقة بأسس واطار ونوعية وشكل المشاركة في مؤتمر السلام، وبالاعتماد عليها ترسم كل مواقفها التفاوضية الاستراتيجية والتكتيكية وتتشبث بها، دون أن تخشى ردود فعل راعي او راعيي المؤتمر.
٦) نجاح الحركة الصهيونية في توحيد مواقف الجاليات اليهودية خلف الموقف الاسرائيلي، ونجاحها في تأطيرهم وتنظيمهم في مواقع اقامتهم خاصة في امريكا واوروبا الغربية والشرقية وحشد طاقاتهم وامكاناتهم لتقديم كل اشكال الدعم السياسي والمعنوي والمادي لاسرائيل. وقدرة الجالية اليهودية في الولايات المتحدة على التأثير في الرأي العام الامريكي وبالتالي التأثير على صناعة القرار الامريكي وخاصة ما يتعلق منه باسرائيل.
٧) نجاح الحركة الصهيونية والقيادة الاسرائيلية في التأثير على الرأي العام الغربي عامة وتضليله وكسب تعاطفه مع اسرائيل من خلال ابراز الوجه الديمقراطي للنظام السياسي في اسرائيل (التعددية، الانتخابات، الحريات الشخصية، استقلالية القضاء..الخ) واخفاء الوجه الآخر، العنصري غير الديمقراطي، والتغطية على كل صنوف الارهاب والقمع ومصادرة الحريات والاستيلاء على اراضي الغير بالقوة..الخ من الممارسات العنصرية ضد ما يزيد على ٧٥٠ الف فلسطيني يعيشون داخل اسرائيل، هذا بالاضافة لكل صنوف الممارسات الفاشية لسلطة وجيش الاحتلال ضد أبناء الشعب الفلسطيني في القدس والضفة والقطاع وابناء الشعب السوري واللبناني في الهضبة السورية وجنوب لبنان المحتل.
٨) التفوق العسكري الاسرائيل على الدول العربية واطمئنان القيادة الاسرائيلية الى تواصل العجز والضعف العربي، وضمان تفوقها باستمرار.
بعد هذا العرض لاوراق التفاوض العربية واوراق التفاوض الاسرائيلية، وبالتدقيق فيها يمكن القول أن عناصر القوة في الموقف العربي هي نقاط ضعف الموقف الاسرائيلي وعكس ذلك صحيح تماما. كما ويمكن الوصول الى استخلاص مؤداه أن الظروف والعوامل الدولية المحيطة بعملية السلام الجارية (تفاعلات انتهاء الحرب البادرة وبروز ميل متزايد نحو حماية قرارات الشرعية الدولية) تساعد الجانب الفلسطيني والعربي الان وفي المستقبل على تقليص نقاط ضعفه، وتنمية عناصر قوته وزيادة فعالية وتأثير الاوراق التفاوضية التي بحوزته، وذلك من خلال التخلص أولا وقبل كل شيء وبأسرع وقت ممكن من نقاط الضعف الناشئة عن عوامل ذاتية عربية صرفة محددة في بداية هذا المقال. وذلك بوضع المصلحة القومية فوق كل اعتبار آخر، ووضع استراتيجية عمل عربية يتم خلالها توزيع وتكامل الادوار وتنسيق العمل على الرئيسية وفقا للتصور التالي:
أولا / جبهة المفاوضات الثنائية والمؤتمر المتعدد الاطراف والمواضيع:
- تحلي الوفود العربية المفاوضة وموجهيها بالصبر وطول النفس، والتعامل بواقعية مع العملية التفاوضية باعتبارها عملية طويلة شائكة ومعقدة وسوف تستغرق عدة سنوات، المرئي منها على المحور الفلسطيني خمس سنوات كحد أدنى. والحرص على عدم الانجرار وراء الاستفزازات الاسرائيلية.
- ابراز الحرص العربي على تواصل المفاوضات وعلى بقاء الباب مفتوحا أمام فرص تحقيق السلام العادل، وانتهاج التكتيكات الكفيلة بكشف الموقف الاسرائيلي على حقيقته والهادف الى افشال العملية برمتها، وفضح مناوراتها وتكتيكاته التعطيلية أمام الرأي العام وأمام راعيي المؤتمر والاطراف الأخرى المشاركة فيه. وتجنب في كل الاحوال تحمل المسؤولية عن أي توقف للمفاوضات.
- اعتماد أسلوب مرحلة الاهداف، وانتهاج تكتيك يقوم على مراكمة الانجازات الصغيرة وتجميعها من جديد وتحويلها الى مواقع قوة يمكن الاستناد اليها في المفاوضات، والحرص في هذا السياق على ترابط مراحل الحل والتعامل بايجابية مع كل مقترح يصب في هذا الاتجاه يقدمه أي من الاطراف الدولية الاخرى المشاركة.
- الحرص على اتخاذ مواقف، وتقديم مقترحات واقعية تصون الحقوق، وتكون مفهومة لدى الرأي العام العالمي وعند الدول الراعية او المشاركة في المفاوضات. والتركيز دائما على القضايا المحقة والتي لا لبس في وضوح أحقيتها والتي تكاد تكون موضع اجماع دولي مثل قضية وقف الاستيطان والقضايا العملية المتعلقة ببناء الثقة وتلك التي لا غنى عنها لضمان سير المفاوضات.
- تنسيق عمل الوفود العربية المفاوضة، باعتبارها تخوض معركة موحدة على جبهة واحدة، تتكون من عدة محاور أساسية وربط أي تقدم على أي من المحاور بالتقدم بمستوى مقبول على المحاور الأخرى. وفي هذا الاطار تبرز ضرورة ربط انعقاد المؤتمر المتعدد الاطراف باحراز تقدم مقبول في الثنائيات، وبالحد الادنى ربط التوصل الى صيغ اتفاقات نهائية على جبهة المتعدد الاطراف والمواضيع بتقدم عملي مقبول على محاور المفاوضات الثنائية الفلسطينية والاردنية-الاسرائيلية، والسورية-الاسرائيلية، واللبنانية-الاسرائيلية.
- الحرص باستمرار على تفعيل دور راعيي المؤتمر في المفاوضات، وعلى ابقاء الادارة الامريكية أمام مسؤولياتها وتنشيط دورها في كل جولات ومراحل المفاوضات على قاعدة مواقفها الرسمية المعلنة، خطاب بوش في ٦ آذار ٩١، وخطاب الوزير بيكر في مؤتمر مدريد، وما ورد في رسائل التطمينات التي قدمتها الادارة الامريكية للاطراف العربية كأساس للمشاركة في المفاوضات، وايضا ما احتوته رسائل الدعوة الى مؤتمر مدريد، وجولة مباحثات واشنطن.
-تشجيع الدول الاوروبية واليابان وكندا والصين على دعم مسيرة السلام، وتحمل مسؤولياتها الدولية تجاه المحاولات الاسرائيلية لتعطيلها وتخريبها. والتعامل مع هذه الدول في اطار المتعدد الاطراف والمواضيع بايجابية وبما يمكنها من المساهمة المباشرة في صنع السلام العادل والشامل والدائم في المنطقة.
ثانيا / جبهة الوضع العربي وعلاقاته الدولية:
أ- المستوى السياسي
-مواصلة النهج الواقعي الذي تكرس في القدرة على التعامل الموضوعي مع المتغيرات الدولية وبرز في الموافقة على المشاركة في العملية السياسية، والذي أسقط صورة ومقولة رفض العرب سابقا للمفاوضات الثنائية المباشرة التي كانت تتذرع بها اسرائيل للهروب من السلام العادل ومن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية. وأبرز موقفا عربيا جديدا لقي تقدير واحترام كل الدول والقوى الحريصة على مشاهدة الاستقرار والسلام العادل والدائم يسود الشرق الاوسط.
- العمل باستمرار على تحسين الصورة الايجابية التي تشكلت عن الموقف الفلسطيني والعربي في مؤتمر مدريد ومباحثات واشنطن، وذلك من خلال مواصلة التعاطي الايجابي مع متطلبات تواصل عملية السلام، والحرص دائما على اطلاق المزيد من المبادرات السلمية والمقترحات الواقعية والايجابية والتي تصون الحقوق، وتساعد في نفس الوقت على توسيع التحالفات على جبهة المفاوضات، وحشد الدعم الدولي للموقف التفاوضي العربي والفلسطيني، وحشر الموقف الاسرائيلي وفضح نواياه الحقيقية في تعطيل عملية السلام.
- لتمسك بقرارات الشرعية واظهار الموقف العربي على أنه المدافع الأمين والملتزم بقرارات الامم المتحدة والحريص على تنفيذه هي وكل الاتفاقات الدولية مثل اتفاقيات نيف الرابعة وسواها.
- وضع خطة اعلامية عربية متكاملة موجهة للرأي العام العربي، قادرة على فضح تزوير حقائق لتاريخ الصراع العربي الاسرائيلي والفلسطيني الاسرائيلي الذي قامت به الحركة الصهيونية، وأيضا اظهار حقيقة المواقف العربية بشأن صنع السلام العادل في المنطقة والقائم على أساس العيش المشترك وضمان الامن لجميع دول وشعوب المنطقة ضمن حدود مرسومة معترف بها دوليا وحل مشاكل اللاجئين.
- السعي لتعزيز علاقات التعاون العربي-الاوروبي، وصولا الى تفاهم مشترك حول طبيعة السلام وأسسه ودور أوروبا في صنعه. والعمل على تشجيع اليابان وكندا والصين على أخذ مواقعهم في مؤتمر السلام المتعدد الاطراف وتفعيل أدوارهم فيه. ويمكن للعرب في هذا الاطار استثمار امكاناتهم الاقتصادية الكبيرة والعلاقات الخاصة لهذه الدولة او مجموعة الدول مع هذه الدول والتكتلات الدولية المنخرطة فيها.
ب- على مستوى الوضع الذاتي
- وضع المصلحة القومية العليا فوق اية اعتبارات أخرى، والعمل على اعادة توحيد الموقف وتوحيد الصف العربي الرسمي على اسس تكفل المصالحة الوطنية للجميع وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتمنع وقوع كل ما يمس أمن وسلامة الجميع، وترسي أسسا واضحة وملزمة لحل أية خلافات قد تبرز بين الدول العربية. وتأسس للشروع من جديد في عمل عربي موحد ومنسق يضمن حماية المصالح العربية، وانتزاع الحقوق الوطنية والقومية في العملية التفاوضية الجارية، ويضمن كذلك حماية الذات العربية، ويجنبها كل اشكال الخضات والصراعات التي تحملها معها رياح وعواصف المتغيرات الجارية بتسارع على الساحة الدولية. ولعل الدعوة لعقد قمة عربية شاملة، او الى لقاء عربي يضم الاطراف المشاركة في عملية السلام، مع تغليب العقل على العواطف والقفز فوق الجراح الوطنية والذاتية التي لحقت بهذا الطرف او ذاك ابان حرب الخليج وبعدها، تشكل نقطة انطلاق جديدة في تنظيم العلاقات العربية-العربية، وعلاقات العرب مع دول العالم.
- العمل على تعزيز الوحدة الوطنية داخل كل بلد عربي، وحشد طاقاته خلف وفده المشارك في المفاوضات. وذلك من خلال تعزيز الديمقراطية في العلاقة بين النظام الحاكم والقوى السياسية المعارضة، بما يعط لكل طرف حقوقه، مع ضمان التزام الجميع بالواجب الوطني المشترك وبأسس الديمقراطية. ولعل تعزيز الحياة البرلمانية، والانتهاء من نظام الحزب الواحد، واطلاق الحريات السياسية والاجتماعية، والغاء مظاهر الفردية والديكتاتورية، وتشجيع اقامة لجان حقوق الانسان في البلدان العربية واحترام آرائها..الخ تسهم في تغيير صورة النظام العربي في نظر الرأي العام الغربي، وتسقط المقولة الاسرائيلية بأنها البلد الديمقراطي الوحيد في المنطقة تعيش وسط غابة من الديكتاتوريات والنظم الفردية العربية.
- تحرر الاطراف العربية المشاركة في مؤتمر السلام من عقدة الشعور بالاجحاف بسبب الشروط والاسس التي على أساسها بني المؤتمر وتمت المشاركة فيه. وأيضا من الشعور بضعف أوراق التفاوض التي تمتلكها، وان انعدام الخيارات الأخرى هو الدافع الوحيد الذي ألزمها على الدخول في العملية السياسية الجارية. فمثل هذه المواقف تندرج كما نعتقد في مرحلة ما قبل انعقاد مؤتمر مدريد وقبل بدء المفاوضات، حيث أثبتت مجريات الصراع على طاولة المفاوضات وفي الممرات أنها قراءة أحادية الجانب لاسس العملية السياسية. عدا عن كونها لا تسهم في تعبئة وحشد طاقات الشعوب العربية في معركة لمفاوضات ودعم الوفود المفاوضة. كما أنها لا تسهم في تعزيز ثقة المفاوض العربي بقدراته وبأوراقه التفاوضية وتضعه في جو نفسي مضغوط يعطل قدرته على اطلاق المبادرات وانتهاج التكتيكات السليمة المساعدة له في كسب المعركة في المفاوضات.
- العمل على دعم الانتفاضة الفلسطينية الباسلة، ودعم صمود الجماهير الفلسطينية والعربية الصامدة في الاراضي العربية والفلسطينية المحتلة، وذلك من خلال تقديم كل اشكال الدعم المادي والمعنوي لها. ولعل اعادة احياء اللجان العربية لدعم الانتفاضة وبعث روح عملية فيها يسهم في تمتين وتصليب هذه الورقة التفاوضية الهامة والرئيسية ويزيد من فعلها وتأثيرها ليس فقط على طاولة المفاوضات بل وأيضا في تغيير موازين القوى داخل الارض المحتلة وفي صفوف الرأي العام العالمي.
- العمل على تعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية على المستوى العربي والدولي باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وترسيخ قناعة عربية تقوم على أن اي اضعاف للمنظمة هو اضعاف لأوراق التفاوض العربية، ويخطيء من يعتقد أن نجاح مسيرة السلام، ومعالجة ما تتضمنه من قضايا فلسطينية مثل قضية اللاجئين، أو رسم الحدود بين دول المنطقة، أو حل مشاكل المياه او القضايا العسكرية، ممكن بمعزل عن دور منظمة التحرير.
- ونعتقد أن كسب معركة السلام الجارية، يتوقف على حسن استخدام المفاوض العربي لأوراقه، وأيضا والى حد كبير، على كسب موقف الشرعية الدولية، وكسب الرأي العام العالمي وخاصة المؤثر منه في قرار الدول الكبرى. وان نسبة تحقيق هذا المكسب مرهونة بعوامل متعددة ولعل الدور الاعلامي النشط يمثل عاملا رئيسيا فيها. ونعتقد أن تشكيل لجنة اعلامية عربية تضم ممثلين عن الاطراف المشاركة في عملية السلام، ورصد الامكانات اللازمة لها يسهم في تعريف العالم بعدالة القضية العربية ومشروعية مطالب الوفود المفاوضة.
- حشد طاقات الجاليات العربية في بلدان المهاجر الاوروبية والامريكية وتنظيم صفوفها بما يمكنها من المساهمة الفعالة في نقل رسالة السلام العربية الى الرأي العام في البلدان التي تقيم فيها، وخلق شيء من التوازن، في الفعل والتأثير السياسي، مع الدور الذي تقوم به الجاليات اليهودية بقيادة الحركة الصهيونية في عدد من دول العالم.
ثالثا / محور العمل على الساحة الأمريكية
من الواضح أن حجم ونوعية المتغيرات التي شهدها العالم خلال العامين الأخيرين هي من الضخامة لدرجة يصعب التكهن بتأثيراتها في المدى المتوسط و البعيد على النظام الدولي، وخاصة مصير ومستقبل الدول والشعوب الصغيرة والقفثرة، وتلك المتعددة القوميات والديانات. لكن الظاهر والملموس منها هو تبوؤ الولايات المتحدة الامريكية موقعا حاسما ومتميزا في النظام الدولي الجديد، وفي تحديد مسار العلاقات الدولية ومستقبلها، وفي حل النزاعات والصراعات القديمة أو المستجدة بين الدول. وانطلاقا من المصلحة الوطنية الفلسطينية، ومصالح الشعوب العربية الأخرى فاننا نعتقد أن هذه التطورات تفرض بالضرورة اعادة النظر عربيا في العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية، واعادة تنظيمها على اساس توازن المصالح، وتحريرها من كل القيود الايديولوجية التي كانت تؤثر فيها، والتحرر أيضا من كل عقد ورواسب ماضيها المأزوم. ونظن أن انتهاء الحرب الباردة، وتبخر عملية الاستقطاب الدولي، وحجم مصالح الولايات المتحدة في منطقتنا العربية ترسي أساسا لاعادة تنظيم العلاقات العربية-الامريكية على أسسها الجديدة.
بعد اقلاع قطار التسوية السياسية لقضايا المنطقة من محطته الاولى تحت الاشراف المباشر للادارة الامريكية يتطلب التعامل فلسطينيا وعربيا مع الساحة الامريكية (سلطة ورأي عام) باعتبارها محورا اساسيا في محاور العمل والنشاط الفلسطيني والعربي، واحداث تغيير نوعي في النظرة السابقة لتلك الساحة وفي أساليب وطرق العمل التي كانت معتمدة سابقا، بما يضمن بالحد الادنى تحييد الموقف الامريكي وجعله يتعامل مع قضايا المنطقة بمكيال واحد لا مكيالين. ولعل ذلك يتطلب:
- العم لعلى توسيع صف الجمهور الامريكي الداعي الى اقامة سلام عادل وشامل ودائم في المنطقة على اساس قرارات الشرعية الدولية ومواثيقها الدولية.
-القيام بحملة اعلامية منظمة تستهدف تعريف الجمهور الامريكي بعدالة القضايا العربية، وبالمواقف العربية من مسألة السلام وبالمبادرات التي قدمتها من أجل ذلك، وايضا بمواقف الوفود العربية المفاوضة، وكشف عملية العربية للشعب الامريكي، واستثمار علاقاتها العامة والخاصة
- تنظيم وضع الجالية العربية في الولايات المتحدة وتفعيل مؤسساتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، باتجاه أخذ دورها في شرح المواقف العربية للشعب الامريكي، واستثمار علاقاتها العامة والخاصة مع الحركات والمؤسسات والاحاب والتجمعات والشخصيات الامريكية الفاعلة في المجتمع. والعمل على توطيد العلاقات مع حركة السلام الآن.
- مواصلة التعاطي الايجابي مع الدور الامريكي في عملية السلام الجارية الان، وتجنب كل ما من شأنه ان يقود الى تصادم مباشر مع مواقفها والبحث دائما عن قواسم مشتركة بين الموقف الامريكي والموقف العربي بما لا يمس الثوابت الوطنية وخاصة مسألة الانسحاب الاسرائيلي من كل الاراضي العربية المحتلة ومسألة السيادة على الارض. وحثها باستمرار على تحمل مسؤولياتها والوفاء بالتزاماتها التي قدمتها للاطراف العربية في رسائل التطمينات، وفي المواقف الرسمية المعلنة في أكثر من مناسبة وفي وثائق أخرى.
- انطلاقا من كون مواقف الادارة الامريكية من مسألة الانسحاب، والسيادة، والمستوطنات، أقرب الى الموقف العربي منه الى الموقف الاسرائيلي، فلعل ذلك يفسح المجال للعمل عربيا باتجاه الوصول الى تفاهم مشترك حول مسار العملية وحول نتائجها النهائية، وتنسيق المواقف والمقترحات في كل جولة من جولات الحوار.
- العمل على تجنب التصادم العلني والمباشر في المحافل الدولية وعلى الارض مع مواقف الادارة الامريكية بشأن القضايا الدولية والاقليمية، والبحث دائما عن قواسم مشتركة توفق ما بين الموقفين، لا سيما وأن نتائج مثل هذا التصادم معروفة سلفا، على الاقل في هذه المرحلة. ولعل نتائج التصويت في الجمعية العامة للامم المتحدة حول الموقف من الصهيونية مؤشرا على ذلك.
- استثمار العلاقات الاقتصادية والتجارية الامريكية-العربية وتوظيفها قدر الامكان في خدمة القضايا السياسية العربية، ولا سيما وان العديد من الشركات الصناعية والتجارية الامريكية ليست بعيدة عن التأثير في توجيه وصنع القرار السياسي الامريكي.
- العمل على استثمار العلاقات الخاصة التي تربط الولايات المتحدة مع عدد من الدول العربية (مصر، السعودية، والمغرب...) باتجاه مالجة أية تأزمات أمريكية عربية، وباتجاه تقريب الموقف الامريكي من المواقف العربية في المفاوضات الجارية ونصرة الحق العربي كما تقره الشرعية الدولية.
رابعا / العمل على المحور الاسرائيلي:
يستطيع كل مدقق في المنطلقات الايديولوجية لسياسة الليكود ومصالحه الخاصة، الوصول الى استخلاص بأنه من المتعذر الوصول الى سلام عادل وشامل ودائم مع القيادة الاسرائيلية الحالية بدون تدخل ضاغط من راعيي المؤتمر وخاصة ضغط الولايات المتحدة، أو وقوع تحولات نوعية في القناعات السياسية داخل المجتمع الاسرائيلي ووصول أغلبيته (أكثر من ٥١ %) الى قناعة بأن السلام العادل والشامل والدائم هو في مصلحة اسرائيل شعبا ودولة. ولعل قبول الليكود دخول العملية السلمية بوجود مسار فلسطيني اسرائيلي، وكذلك القرارات والتوجهات السياسية التي صدرت عن المؤتمر الاخير لحزب العمل، وعوة الروح من جديد لقوى حركة السلام الان مؤشرات أولية ودليلا على أن حصول مثل هذه التحولات النوعية باتجاه الواقعية السياسية أمرا ليس مستحيلا. ولا شك أن تواصل الانتفاضة، وتفاعلات التطورات الدولية، وخاصة صعود البحث عن الذات القومية، وانتهاء الحرب الباردة، وتواصل العملية التفاوضية سوف تسهمفي خلق مزيدا من القناعات عند الشعب الاسرائيلي بضرورة حل الصراع العربي الاسرائيلي والفلسطيني الاسرائيلي والوصول الى سلام وتعايش بين شعوب المنطقة.
الا ان هذا لا يعني بقاء الدور والفعل الفلسطيني والعربي مجمدا بانتظار نتائج ما سيحققه الزمن، بل لا بد كما نعتقد من فعل عربي موحد ومنسق يسرع في وقوع مثل هذه التحولات. ونظن أن كسب معركة السلام الدائرة الآن، تتطلب اعتبار هذه المهمة بمثابة أحد محاور العمل الرئيسية للقوى الواقعية العربية الحاكمة وغير الحاكمة. ولعل مبادرتها باتجاه شن هجوم سلام منظم على المجتمع الاسرائيلي وفتح أسوار القلعة الاسرائيلية المغلقة من داخلها يسهم في تسريع وقوع التحولات الاسرائيلية نحو الواقعية السياسية. وفي هذا السياق لربما كانت التوجهات التالية مدخلا للشروع في انجاز هذه المهمة:
١) عقد ندوة فكرية عربية تبحث وتدقق في هذه المهمة، امكاناتها، مداخلها، اسسها، وتحدد الفواصل والتخوم بين التطبيع الضار، وبين التفاعل الذي تفرضه المصلحة العربية. وكيفية الاستفادة مثلا من العلاقات المصرية الاسرائيلية القائمة الآن.
٢) وضع خطة اعلامية عربية متكاملة قادرة على اختراق الأسوار الحديدية التي تبنيها القيادة الاسرائيلية حول الرأي العام الاسرائيلي، وتعريف المواطن هناك بحقائق الصراع العربي والفلسطيني الاسرائيلي، وتضعه أولا بأول في صورة المواقف العربية على طاولة المفاوضات.
٣) توجيه المزيد من فعاليات الانتفاضة باتجاه مخاطبة المجتمع الاسرائيلي مباشرة. فقد أثبتت مجريات الاحداث أن مسيرات اغصان الزيتون أوقعت جيش الاحتلال والقيادة الاسرائيلية في حالة من الارتباك، ونقلت رسالة السلام الفلسطينية الى قلب المجتمع الاسرائيلي والرأي العام العالمي.
٤) نعتقد أن بامكان مؤسسات م.ت.ف ومنظماتها الشعبية الاسهام في هذا المجال، وكذلك العديد من القوى العربية. فالمعروف أن اكثر من نصف سكان اسرائيل هم من اليهود الشرقيين وغالبيتهم من اصول عربية، وهذا يساعد ولا شك في تحديد ما يمكن أن يقوم به كل طرف من اطراف حركة التحرر الوطني العربي، وفي ايجاد المداخل لذلك. ولعل الوقت مناسبا الان لشن حملة اعلامية واسعة ضد قرار الكنيست الاسرائيلي العنصري الذي يحظر على الاسرائيليين الاتصال واللقاء مع قوى م.ت.ف.
٥) العمل على تطوير العلاقة مع قوى السلام في اسرائيل وتفعيل دور اللجان والمؤسسات الفلسطينية العاملة داخل الاراضي المحتلة في هذا المجال، ولعل دخول عدد من القوى العربية على هذا الخط يسهم أيضا في تسريع التحولات داخل اسرائيل، ويساعد في الضغط على القيادة الاسرائيلية وارغامها على العمل بصدق وجدية من اجل صنع السلام العادل والشامل والدائم بين الشعبين.
بعد هذا العرض لمحاور عمل الجانب العربية، فاننا نعتقد أن الشروع في انجاز ما ورد ذكره من مهام على كل محور من المحاور، يسهم بفعالية في تعزيز وتقوية أوراق التفاوض العربية. وعكس ذلك صحيح تماما.
فهل ستبقى القوى العربية، الحاكمة أو غير الحاكمة، بانتظار ما يفعله القدر وما يصنعه الزمن ؟؟، أم أنها ستفيق من غفوتها العميقة وتنطلق نحو العمل...
السؤال مطروح على الجميع برسم الجواب !!!

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=491&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 8:37 بعد از ظهر توسط حمید |


عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية والعربية مع اسرائيل
 

في ٣٠ تشرين الأول/ أكتوبر٢٠٠١، أغلقت ملفات مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية التي فتحت قبل عقد من الزمن. في حينه، نجح الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج بوش" ووزير خارجيته "جيمس بيكر" في إخراج العرب والإسرائيليين من خنادق القتال التي تمترسوا فيها٤٠ عاما. ونقلاهما بقوة الدبلوماسية إلى العاصمة الإسبانية "مدريد". وألزماهما الجلوس وجها لولجها خلف طاولة المفاوضات، للبحث في مبادرة أمريكية جديدة، أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في ٦ آذار١٩٩١. نصت على؛ صنع السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط، وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي على أساس قرارات الأمم المتحدة ٢٤٢و٣٣٨، والأرض مقابل السلام، وضمان الأمن والاعتراف العربي بإسرائيل، وضمان الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني وترك للمفاوضين تحديدها(١).
وعلى امتداد العقد الماضي، عقد المفاوضون العرب والإسرائيليون مئات الجولات من المفاوضات العلنية والسرية. وبذلت جهود إقليمية ودولية مضنية، شارك فيها شخصيات دولية على أعلى المستويات وعدد واسع من رؤساء ووزراء في حكومات الدول المعنية بصنع الأمن والاستقرار في منطقة وعدد من مراكز الأبحاث ومؤسسات الدراسات الإقليمية والدولية أسفرت عن الشرق الأوسط. واعدت دراسات وأبحاث ومشاريع كثيرة، شارك في إعدادها مئات من الباحثة والخبراء نتائج هامة ومذهلة. وأحدث انقلابا شاملا في أوضاع أهل المنطقة وعلاقات بعضهم ببعض وبالآخرين. وإذا كان الثنائي بوش ـ بيكر لم يستطيعا متابعة مبادرتهما، ولم يتمكنا، من قطف ثمارها، فتاريخ النزاع العربي الإسرائيلي سجل لهما دورهما في إيصال المنطقة إلى المرحلة التي تعيشها الآن.
وعملية تاريخية بهذا الحجم من التأثير تستحق، ولا شك، أن يقوم البحاثة والمفكرون العرب ومن ضمنهم الفلسطينيون، أفرادا ومؤسسات، بمراجعة مسيرتها بصورة موضوعية ومعمقة. والتوقف أمام نتائجها وآفاقها المستقبلية، واستخلاص عبرها ودروسها المستفادة. وأظنهم يخطئون إذا تصرفوا تجاه عملية السلام وأسسها وأهدافها كما تتصرف الفراشات اتجاه الشرنقة التي تخرج منها وتنساها ولا تعود إليها.
وعند الشروع في رصد حصاد عملية السلام، عربيا وإسرائيليا، في مدى عشر سنوات، فكرت بأفضل السبل لإعطاء هذا الانقلاب التاريخي الشامل وصنّاعه حقهم. وفي سياق حل هذه العملية الصعبة آثرت تقسيم البحث إلى قسم رئيسيين: الأول، يتناول الآثار السلبية والإيجابية للمشاركة في العملية على أوضاع إسرائيل الداخلية، وأوضاع الأطراف العربية التي شاركت فيها "فلسطين، والأردن، وسوريا ولبنان". بدءا من مؤتمر للسلام الذي عقد في مدريد أواخر تشرين الأول/ أكتوبر من العام١٩٩١، مرورا باتفاق أوسلو على المسار الفلسطيني، واتفاق وادي عربة على المسار الأردني، وحتى انفجار "انتفاضة القدس والاستقلال" أواخر عام ٢٠٠١. وآثرت اعتماد الانتفاضة الجارية منذ اكثر من عام، بداية للقسم الثاني. باعتبارها، من وجهة نظري، انفجار في عملية السلام ذاتها. ويمكن اعتبارها محطة فاصلة في حياتها، ليس فقط على المسار الفلسطيني وحده، بل وعلى المسارات العربية الأخرى أيضا. خاصة أن إفرازات ونتائج هذا الانفجار الكبير تعدت الأوضاع الداخلية الفلسطينية وأثرت بصيغة وأخرى في أوضاع عدد من الدول العربية وعلاقتها بإسرائيل.
وقبل الغوص في بحث حصاد عملية السلام في عقد من الزمن لا بد تأكيد نقطتين أساسيتين:
١) إن ما يرصد الآن من نتائج واستخلاصات يندرج تحت خانة نتائج وانعكاسات أولية قيد التثبيت النهائي. وهذه النتائج قابلة للاتساع أو الضمور وللزيادة أو النقصان في الشهور والسنوات القادمة. فالمفاوضات على المسارين السوري واللبناني متوقفة، وأظن أنها لن تستأنف في عهد حكومة الليكود بزعامة شارون، ويستحيل توصلها إلى نتائج ملموسة إذا استأنفت في عهده. ويمكن الجزم أيضا، أن طريق المفاوضات على المسار الفلسطيني لا تزال طويلة، وقد تستمر بضع سنوات إضافية، هذا إذا سارت بصوره طبيعية ولم تظهر مفاجآت من نوع فوز الليكود في انتخابات الكنيست في العام ٢٠٠٣. ولم يحاول أي من الأطراف المشاركة فيها، وبخاصة الطرف الإسرائيلي تعطيلها أو تأخير مسيرتها لأسبابه الخاصة. علما بأن الشرق الأوسط مشهور بالمفاجآت، ومعروف بأن أوضاعه متحركة وغير مستقرة وسريعة التقلبات. وإذا كانت مفاوضات الفلسطينيين والإسرائيليين حول قضايا المرحلة الانتقالية استغرقت عشر سنوات، ولم تنفذ القيادة الإسرائيلية جميع استحقاقاتها التي اتفق عليها، يصبح باستطاعة المرء تقدير الفترة الزمنية التي قد تستغرقها مفاوضات الحل النهائي، الأعقد والأصعب، وتقدير الفترة الزمنية اللازمة لتطبيق ما قد يتفق عليه.
٢) بينت تجربة السنوات العشرة الماضية، أن مصير ومستقبل عملية السلام في الشرق الأوسط، ليسا مرهونين بنوايا أطراف النزاع فقط، بل وأيضا بما يقوم به الراعي الأمريكي. وبمدى نجاحه في التوفيق بين مواقف أطراف النزاع المتعارضة والمتناقضة، وبقدرته على إقناعهم، أو إلزامهم، بتصوراته للحل الواقعي الممكن. وهناك أيضا قوى محلية وإقليمية متحفظة، وأخرى متضررة من العملية تعارضها جملة وتفصيلا لا يجوز الاستهانة بقدرتها على التعطيل(٢). لاسيما وأن بعضها، وبخاصة الأحزاب اليمينية في إسرائيل، لها وزنها داخل مجتمعاتها، وتصر على مواصلة مقاومة عملية صنع سلام حقيقي وعادل ودائم. وحركتها نشيطة وتبذل قصارى جهدها لتعطيل العملية وتأخيرها وتخريبها إذا أمكن.
ولتسهيل البحث وإعطاء كل مرحلة حقها، اعتمدت تصنيف حصاد عملية السلام إلى نوعين؛ الأول، نتائج وإفرازات عامة شملت جميع الأطراف التي شاركت فيها. والثاني، نتائج خاصة بكل طرف.
نتائج وآثار عامة شملت جميع الأطراف
قبل انعقاد مؤتمر مدريد للسلام أواخر تشرين الأول/ أكتوبر١٩٩١، اختلف أطراف النظام الرسمي العربي حول وظيفة المؤتمر وأهدافه، وحول تقدير أبعاد ونتائج المشاركة فيه(٣). وذهب معظمهم لأسباب تكتيكية، لا تتعدى حدود تحاشي الظهور بمظهر الرافض للسلام، وتجنب غضب الإدارة الأمريكية صاحبة المبادرة. وعدم الدخول في صدام مع الدول الكبرى الراغبة في صنع استقرار أوضاع منطقة الشرق الأوسط لحماية مصالحها الحيوية فيها. وطرحت، في حينه، في الساحتين العربية والفلسطينية أسئلة متعددة منها: هل ستتمكن عملية السلام من شق طريقها وسط جبال الحقد والكراهية التي تراكمت بين الشعبين العربي والإسرائيلي في نصف قرن من الصراع ؟ وهل ستنجح في التوصل إلى نتائج سلمية ملموسة؟ وهل يمكن للمفاوضات مع اليمين الإسرائيلي بزعامة "شامير" أن تستمر ؟ أم أن مصير هذه العملية سيكون كمصير المحاولات الأمريكية والدولية الكثيرة التي سبقتها ؟
قبل مؤتمر مدريد، وقبل التوصل إلى المعاهدة الأردنية الإسرائيلية في وادي عربة(٤)، والى اتفاق أوسلو في العام ١٩٩٣ بين الفلسطينيين والإسرائيليين وما تلاه من اتفاقات، وقيام السلطة الفلسطينية وتحرير أجزاء غالية من ارض الضفة وقطاع غزة..الخ كان لهذه الأسئلة وسوها ما يبررها، أما الآن فيفترض أن لا تكون مطروحة على الإطلاق. وأرى ان الاستمرار في طرحها من قبل "قوى الرفض"، بعد ١٠ سنوات، يدخل في باب المناكفة. فالمفاوضات تواصلت وخلقت حقائق جديدة على الأرض كان بعضها قبل انطلاق عملية السلام ضربا من الخيال. بعضها جاء في صالح العرب وبعضها الآخر يحمل في طياته مخاطر على مستقبل بعضهم.
ومما لا شك فيه، أن استمرار عملية السلام وتواصل المفاوضات عقدا كاملا وتوصلها إلى اتفاقات كثيرة رئيسية وفرعية، مكّن هذه العملية من مراكمة قوة دفع ذاتية، لم تتمكن أي من المحاولات الأمريكية أو الدولية السابقة مراكمتها. فكل المبادرات التي سبقت مؤتمر مدريد لم تعمر سوى شهور قليلة. وبعضها عمر أياما معدودة، باستثناء مفاوضات كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية. صحيح أن قوة الدفع الذاتية المكتسبة لم تبلغ مستوى يمكّن العملية، بالاعتماد على الذات فقط، من الوصول إلى جميع الأهداف النهائية الكبرى التي حددها مهندسها بيكر، إلا أن من الخطأ تجاهل قيمة التطور الذي وقع على مواقف وأهداف الأطراف التي شاركت فيها، وتجاهل أثر ذلك على المفاوضات اللاحقة. فالجانب الإسرائيلي، مثلا، ذهب إلى مدريد في عهد الليكود وفي ذهنه تحاشي التصادم مع الإدارة الأمريكية، وتسريع هجرة مليون مهاجر يهودي من الاتحاد السوفيتي وتأمين الإمكانات المادية واللوجستية اللازمة لاستيعابهم. والعمل على تعطيل وتخريب العملية من داخلها وإدامة المفاوضات عشر سنوات دون نتيجة، كما قال شامير رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بعد هزيمته في انتخابات عام ١٩٩ في مواجهة رابين. لكن هذا الموقف تبخر، واضطرت إسرائيل إلى الاستمرار في العملية. وتحولت عند حزب العمل الإسرائيلي إلى استراتيجية متكاملة، يشتق منها سياساته الخارجية والداخلية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويتصرف على أساس أنها وسيلته الرئيسية إلى الحفاظ على هوية إسرائيل كدولة يهودية، وطريقه الرئيسي إلى تطبيع العلاقات مع الدول العربية، والشيء ذاته ينطبق على الأطراف العربية المشاركة فيها.
وبصرف النظر عن موقف المؤيدين والمعارضين، من الجانبين، لعملية السلام التي عاشتها شعوب المنطقة على امتداد العقد الماضي، فالوقائع التاريخية تؤكد ان هذه العملية قلبت أوضاع المنطقة رأسا على عقب. وأحدثت تغييرات كثيرة ومتنوعة، طالت كافة مناحي حياة الطرفين الإسرائيلي والعربي، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإذا كان يتعذر الآن استقراء جميع النتائج النهائية التي ستتركها في المستقبل على أوضاع دول المنطقة وشعوبها، ويصعب تقدير كل المتغيرات التي ستحدثها في حياتهم وعلاقاته، فليس عسيرا على كل من تابع إفراتها رؤية التفاعلات السياسية والفكرية والاجتماعية الأولية التي حركتها عند جميع الأطراف التي شاركت فيها. وعدم القدرة الآن على تثبيت النتائج والآثار النهائية الإيجابية والسلبية، لا يعني تأجيل عملية الرصد والتقييم حتى نهاية المبارزة، خاصة ان الشوط الأول الأساسي انتهى وحدد الوجه العامة للشوط النهائي. وتم تثبيت عدد من النقاط الرئيسية لصالح هذا الفريق او ذاك. وإذا كان ما يرصد الآن من نتائج يندرج تحت خانة قيد التثبيت النهائي، فالصحيح أيضا أن بعضها تحول إلى واقع، وبعضها أصبح حركة مادية ملموسة دخلت حياة وشعوب ودول المنطقة وباتت تتحكم في علاقاتها الداخلية والخارجية.
وتجمع مختلف القوى والحركات والاتجاهات السياسية العربية والإسرائيلية، على أن انطلاق عملية السلام في العام ١٩٩١، وتواصل المفاوضات عقدا كاملا من الزمن برعاية أمريكية، وضع منطقة الشرق الأوسط، شعوبا وحكومات، على أبواب مرحلة جديدة تختلف نوعيا عن كل المراحل التي مرت بها بعد "النكبة" وقيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨. واعتقد ان "مؤتمر مدريد للسلام" كان بمثابة نقطة تحول فاصلة بين حقبة قديمة عاشتها شعوب المنطقة وأخرى جديدة لا زالت في طور التشكل والتكوين. ومسار حركة التاريخ يؤكد أن انتقال الشعوب من حقبة تاريخية إلى أخرى نوعية جديدة، يستوجب المرور في مرحلة أو مراحل انتقالية، يتخللها جذب وصراع قد يطول وقد يقصر، بين الماضي القديم فكرا وأدوات، وبين الجديد القادم بفكرة والقادر على خلق أدواته وكل المستلزمات الضرورية لفرض الذات.
وتجارب التاريخ تؤكد أنه عندما يكون هناك نزاع كبير، كالنزاع العربي الإسرائيلي، يجري العمل على حله، يكون هناك دائما مستفيدون ومتضررون. وكلما اقترب المتنازعون من الحلول أسرع المتضررون نحو التوحد، ورص الصفوف، كل في ساحته، والتلاقي لوضع الخطط المشتركة وتقسيم الأدوار والواجبات فيما بينهم لتعطيل الحلول الضارة بمصالحهم. ولعل ما قام به المتطرفون البيض في جنوب أفريقيا بعد الاتفاق على إنهاء التمييز العنصري، وما قام به الجيش الفرنسي السري على أرض الجزائر بعد اتفاقية "ايفيان" الأولى والثانية، وما قام به المستوطنون والمتطرفون الإسرائيليون والفلسطينيون في عشر سنوات من عمر عملية السلام شواهد على ذلك يفترض أن تكون لا تزال حية في الأذهان.
وبغض النظر عن تقييم المؤيدين والمعارضين لعملية السلام، فوقائع الحياة أكدت ان هذه العملية فرضت على الطرفين الانقلاب على مفاهيمهم وقناعتهم التي آمنوا بها سنوات طويلة. وأغلقت إلى إشعار آخر ملفات الحروب بين إسرائيل والدول العربية المحيطة بها. وطوت ملفات حالة اللاحرب واللاسلم، التي عاشتها المنطقة قبل مؤتمر مدريد. وأرغمت إسرائيل والدول العربية، وبخاصة م ت ف والأردن وسوريا ولبنان على تغيير استراتيجياتها الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، التي اعتمدها بعد حرب حزيران ١٩٦٧(٥).
وجميعهم تجاوزوا حالة التردد والتحفظ التي طغت على مواقفهم في العامين الأولين من المفاوضات. وأصبحت استمرارية المشاركة في عملية البحث عن صنع السلام في المنطقة، ركنا أساسيا في سياساتهم وعلاقاتهم الداخلية والإقليمية والدولية. واضطر الجميع إلى فتح ملفات جديدة لعلاقات جديدة حدها الأدنى تجميد التفكير في حل خلافاتهم بالوسائل العسكرية، وقبول العيش ضمن حدود آمنة معترف بها. أما حدها الأقصى فقد يصل إلى تطبيع كامل للعلاقات وسيادة نظم ومفاهيم وأشكال جديدة من التفاهم والتعاون والتعايش المشترك بين إسرائيل وجيرانها لفترة زمنية طويلة. ويستطيع كل من يدقق في مسار عملية السلام ملاحظة أن دخول م ت ف على خط المفاوضات مباشرة، وتشكيل السلطة الفلسطينية أعطى عملية السلام قوة دفع إضافية هائلة أمنت استمرارها على المسار الفلسطيني سنوات طويلة.
وخلال عقد من المفاوضات فقط، أصبحت توجهات التعايش والسلام جزءا أساسيا من مكونات السياسة الداخلية والخارجية لكل الأطراف الأساسية المشاركة فيها. عبأت خلاله قيادة الطرفين العربي والإسرائيلي شعوبها بهذه التوجهات، ونشروا بصيغة وأخرى أشكال متنوعة من ثقافة السلام. وخطت الأطراف أمام العالم أجمع، خطوات متفاوتة باتجاه بعضها البعض وقدمت لبعضها البعض مشاريع وأفكار كثيرة تتعلق بناء السلام يصعب على اي منهم التراجع عنها. وأكدت وقائع الحياة ان إسرائيل، والأردن وسوريا ولبنان والفلسطينيين باتوا أسرى لعملية السلام، مقيدين بسلاسلها التي قدموها بعضهم لبعض. وأن الاستمرار فيها اصبح الخيار الوحيد عند الأردنيين والفلسطينيين، وأظنه صار كذلك عند السوريين واللبنانيين. وجميعهم محاطون بأسوار دولية شائكة ثبت أن ليس سهلا على أي منهم تجاوزها. ويعرفون أن فك القيود الذاتية والدولية يتم فقط عند التوصل إلى نتائج واتفاقات سلام نهائية، طال الزمن أم قصر. فالفشل ممنوع والانسحاب من العملية مكلف جدا ومرفوض دوليا. وبينت مسيرة عشر سنوات من المفاوضات ان أساليب الإعاقة والعرقلة والتعطيل التي استخدمتها القوى المعارضة لعملية السلام، لم تنجح في تحقيق غاياتها في تدمير العملية، ولم ينجحوا في دفع أصحاب العملية المحليين والإقليميين والدوليين بالتخلي عنها. وأظن ان أساليبهم لتحقيق هذا الهدف غير مجدية في المرحلة اللاحقة، وتفرض على أصحابها إعادة النظر فيها.
وتبين الأبحاث والدراسات الموضوعية، ان المفاوضات والاتفاقات التي تمت بين الطرفين في عشر سنوات، أحدثت هزة فكرية سياسية قوية في المجتمع الإسرائيلي والفلسطيني والأردني والسوري واللبناني. وخلقت مادة حيوية جديدة للصراع داخل هذه المجتمعات لم يحسم حتى الآن، وأظنه سوف يتواصل على مدى العقد الثاني من عمر عملية السلام.
ومع تولي الاتجاهات الواقعية في الجانبين "العربي والإسرائيلي" دفة القيادة وتحركها على طريق التسوية السياسية، تحركت التيارات والاتجاهات الدينية والقومية الأصولية الإسرائيلية والعربية. واستنفرت طاقاتها الذاتية، وعمل كل في مساحته الخاصة من ميدان الصراع، على توحيد صفوفه في مواجهة عملية السلام، ومواجهة الاتجاهات الواقعية التي اعتمدها وسيلة لتحقيق الأهداف الوطنية. ووضعت قوى الرفض نصب عينها عرقلة حركة عملية السلام وإفشالها والإطاحة بها إذا أمكن. والصراعات والتقلبات السياسية الحادة التي شهدها الحقل السياسي الإسرائيلي والفلسطيني في العقد الأخير شاهد على ذلك. ومؤشر إلى إن المواقف من عملية السلام وما انبثق أو سوف ينبثق عنها من اتفاقات، كانت وستبقى لفترة زمنية طويلة عنصر فرز واستقطاب داخل المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، وقاعدة أساسية لبناء التحالفات الحزبية بين أطراف النظام السياسي في إسرائيل وفلسطين والدول المجاورة لهما.
وما لا شك فيه، ان عملية السلام أسهمت بفعالية في تنمية اتجاهات الفكر السياسي الواقعي في إسرائيل وعند الجانب الفلسطيني والعربي. وطالما هي مستمرة وتحقق تقدما، ولو محدودا، تجاه هدفها الرئيسي، فإنها تعزز مواقف ومواقع هذه التيارات اكثر فأكثر في المجتمعين الإسرائيلي والعربي. وعكس ذلك صحيح تماما، والنتيجة الأكيدة في حال تعثرها لفترات زمنية طويلة، أو فشلها في تحقيق كل أو أقسام رئيسية من أهدافها، هي إضعاف مميت للاتجاهات الواقعية، وتعزيز أكيد للتطرف والتعصب بكل أشكاله الديني والقومي في المنطقة. وتسهل الطريق أمام "تيار الرفض" تولي دفة القيادة والسيطرة على الشارع لسنوات، وزج شعوب المنطقة في صراعات دموية طائفية ودينية وعرقية يصعب التكهن بنتائجها الآن.
من بداية انطلاقتها اصطدمت عملية السلام بوجود خمس شعوب في أربع كيانات متصارعة، "فلسطينيون وسوريون وأردنيون ولبنانيون وإسرائيليون، على الوجود والحدود. وبعد أقل من عشر سنوات أقرت الأغلبية في إسرائيل، وجميع الدول الكبرى المقررة في رسم السياسة الدولية بأن وجود الكيان الخامس للشعب الفلسطيني ضرورة لا غنى عنها لصنع الأمن والسلام واستقرار أوضاع الشرق الأوسط. وبات الصراع يدور ليس حول مبدأ قيام دولة فلسطينية بل حول حدودها وطبيعة علاقاته مع جيرانها وبخاصة إسرائيل. وأظن ان لا تسرع في القول ان إقرار إسرائيل بقيام الدولة الفلسطينية يفسح في المجال على المدى المتوسط والبعيد، نحو إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. وتصاعد الحديث في مرحلة من مراحل المفاوضات حول كونفدرالية ثلاثية؛ أردنية، فلسطينية، إسرائيلية، وثنائية أردنية ـ فلسطينية ليس من صنع الخيال، بل أن مقومات انبعاث هذه الأفكار في المدى المتوسط موجودة. وتقدم عملية السلام والتوصل إلى اتفاقات سلام حقيقي وعادل على المسار الفلسطيني كفيل بإعادة إحيائها، ويخلق أرضية خصبة لنموها وظهورها في الحقل السياسي الشرق أوسطي.
وإن إقفال ملفات الحروب، وإنهاء وضع اللاحرب واللاسلم في المنطقة سيؤدي بشكل مباشر إلى تراجع قضايا الصراع القومي والوطني ضد العدو الخارجي ممثلا بإسرائيل عند العرب، والعرب عند إسرائيل. وتراجع هذا الصراع يصب حتما في صالح نمو الصراع الاجتماعي والطبقي داخل الكيانات الخمس بأشكال ومستويات متفاوتة داخل كل كيان. ولا يمكن لأي باحث موضوعي تجاهل كيف لعبت حالة الحرب بين العرب وإسرائيل في عسكرة المجتمع الإسرائيلي، وفي طمس نضال الشعوب العربية من أجل الديمقراطية وانتزاع حقوقها المدنية المهضومة وتحسين مستوى حياتها اليومية(٦).
وبينت المفاوضات السابقة للجميع أن طريق قطار السلام الذي انطلق من مدريد في٣٠/١٠/٩١ طويلة وشائكة ومتعرجة، وحمولته ثقيلة جدا ومتنوعة، وبعضها سريع العطب وقابل للاشتعال، وبعضها الآخر قابل للانفجار. وإذا كان مهندس عملية السلام "بيكر" نجح في إقناع الطرف الفلسطيني بتأجيل بحث قضايا اللاجئين والقدس والاستيطان وتنفيذ القرار ٢٤٢و٣٣٨ إلى مفاوضات المرحلة النهائية، فالمفاوضات حول هذه القضايا الجوهرية في كامب ديفيد في تموز ٢٠٠٠ وطابا مطلع العام ٢٠٠١، بينت أنها شائكة ومعقدة، وقادرة على إبطاء وتجميد عملية السلام وتهديد مسيرتها. وإذا كان من العسير التنبؤ الآن بصيغ وأشكال حل هذه القضايا الكبرى، فالمفاوضات في عقدها الأول، وفي عهد الحزبين الكبيرين في إسرائيل بينت أن الوصول إلى سلام حقيقي، شامل وعادل ودائم أمر بعيد المنال، ويحتاج إلى مفاهيم جديدة غير التي تحكمت في المواقف الإسرائيلية حتى الآن.
الى ذلك، من الطبيعي تماما أن يقع تباين داخل المجتمعات العربية والفلسطينية والإسرائيلية، وفي صفوف الخبراء والباحثين في قراءة التطورات الدولية، وفي تقدير انعكاساتها على أوضاع المنطقة، ومدى تأثيرها على نزاعاتها العميقة المتنوعة والمتشعبة. ومن البديهي أن لا يحصل إجماع في المستقبل حول الحلول الجزئية والنهائية التي يمكن التوصل إليها. وإذا كان بعض العرب والفلسطينيين اعتبروا المشاركة العربية في عملية السلام تمت وفق شروط مجحفة، فالاتفاقات المتوقع التوصل إليها فيها خروج عن المألوف، وانقلاب على ثقافة ومفاهيم عمرها عشرات السنين. ولا أحد يستطيع الجزم بأن هذا الطريق سوف يعيد للفلسطينيين والسوريين واللبنانيين كامل حقوقهم المغتصبة كما يتصوروها.
نتائج عملية السلام على الجانب الإسرائيلي
بينت نتائج انتخابات الكنيست ورئاسة الوزراء في إسرائيل، التي تمت في العقد الأخير، انقسام المجتمع الإسرائيلي على نفسه حول الموقف من عملية السلام ونتائجها المباشرة واللاحقة. وحسب التصويت على برامج الأحزاب والمرشحين، ظهر أن ما يقارب نصف المجتمع الإسرائيلي يرى أن النتيجة النهائية لهذه العملية سوف تكون إلحاق خسائر استراتيجية بإسرائيل تفوق الأرباح التي قد تجنيها منها، وذات النسبة تقريبا ترى عكس ذلك تماما. والواضح أن عملية السلام نقلت المجتمع الإسرائيلي إلى حال من عدم الاستقرار الحزبي والسياسي(٧). وان الانقسام وعدم الاستقرار في المجتمع الإسرائيلي مرشحان للتواصل لسنوات طويلة قادمة. وإذا كنا لسنا بصدد تقييم أي من الاتجاهين في إسرائيل ومنطلقات كل منهما، فالثابت أن تطورا محدودا وبطيئا قد وقع داخل المجتمع الإسرائيلي الصالح الفكر السياسي الواقعي. وأي تقييم موضوعي للمشاركة الإسرائيلية في عملية السلام يؤكد أن إسرائيل جنت وحصدت ثمن مشاركتها مقدما، وبعض ما جنته ثمين:
١) كرست عملية السلام وما انبثق عنها من اتفاقات، استراتيجية إسرائيل القائمة على الاستفراد بالأطراف العربية والوصول إلى حلول ثنائية مع كل طرف على انفراد. وفرضت الصيغة التفاوضية التي أرادتها بما في ذلك حرمان رعاة المفاوضات والأمم المتحدة ودول العالم المحبة للسلام من أي دور مباشر فيها. وقسمت الحل مع الفلسطينيين إلى مرحلتين انتقالية ونهائية، أخذت في الأولى معظم مطالبها الأمنية والسياسية، ودفعت استحقاقاتها على دفعات متباعدة وبالتقسيط، وبقي في ذمتها استحقاقات معلقة. وانتزعت إسرائيل مقدما اعتراف فلسطيني ـ عربي بحقها في الوجود. وأوجد قوة فلسطينية تلتزم الحفاظ على أمنها وأمن مواطنيها بما في ذلك المستوطنين الذين ينادون ويعملون صباح مساء ضد تنفيذ الاتفاقات وينكرون على الفلسطينيين حقوقهم التي اعترف بها العالم(٨).
٢) على مدى سنوات طويلة دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على تشجيع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل. وبعد قبول إسرائيل المشاركة في العملية انتقل الدور الأمريكي من مستوى تشجيع الهجرة إلى مستوى الضغط على دول العالم وبخاصة الاتحاد السوفيتي (سابقا)، وروسيا لاحقا، لتسهيل هجرة اليهود الروس إلى إسرائيل. والكل يعرف ان إسرائيل لم توافق على مشاركة الاتحاد السوفيتي (سابقا) في رعاية عملية السلام، إلا بعد ان وافق على تسهيل هجرة اليهود بدفعات كبيرة ووافق على نظام الرحلات وفتح خطوط النقل المباشر الذي طلبته إسرائيل. ونقلت إسرائيل بمساعدة أمريكية خلال عملية السلام قرابة مليون مهاجر روسي واثيوبي. وحصلت على ضمانات قروض من الولايات المتحدة الأمريكية لاستيعاب المهاجرين الجدد، ونالت مساعدات سخية ثمن كل اتفاق وقعته مع الأردنيين والفلسطينيين.
٣) لا شك في أن مشاركة جميع الدول العربية في عملية السلام، ما عدا ليبيا والعراق والسودان، يعتبر مكسبا لإسرائيل، حيث تم قبولها رسميا كدولة من دول المنطقة. وعبر المشاركة جلست لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بصورة رسمية وعلنية مع الأطراف العربية مجتمعين. وتفاوضت معهم حول الصلح وتطبيع العلاقات بمختلف أشكالها وأنواعها. ومع تقدم المفاوضات وتوصلها إلى اتفاقات، تمكنت إسرائيل من إقامة شكلا من الصلح والتطبيع مع عدد كبير من الدول العربية. وأقامت علاقات دبلوماسية مع عدد آخر وفتحت سفارات، وتبادلت التعاون في مجالات عديدة. وكل ذلك تم قبل أن يستعيد الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون حقوقهم. ولا يقلل من قيمة هذا الإنجاز إغلاق معظم الدول العربية سفاراتها في إسرائيل. فالمبدأ تحقق والإغلاق مؤقت.
٤) قبل افتتاح مؤتمر مدريد للسلام في العام ١٩٩١، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا ألغت بموجبه قرارا سابقا لها يدين الحركة الصهيونية، ويصفها بالعنصرية. وإذا كانت الأسباب والدوافع الحقيقية التي دفعت بإدارة الرئيس بوش لاستصدار ذلك القرار غير واضحة تماما، فإن توقيته قبل افتتاح هذا المؤتمر يؤكد أنه كان بمثابة تقدمة وهدية قدمها الإدارة الأمريكية لإسرائيل تشجيعا لها على المشاركة في عملية السلام. ومنذ ذلك التاريخ تولت الولايات المتحدة التصدي لكل محاولات اتهام إسرائيل بممارسة التمييز العنصري، وانسحبت من مؤتمر حقوق الإنسان الذي عقد في "دربان" في جنوب إفريقيا لمنع صدور يدين إسرائيل.
٥) خلال مراحل عملية السلام حصلت إسرائيل بتشجيع أمريكي وأوربي وصمت عربي على اعتراف عديد من الدول الآسيوية والإفريقية. كان ضمنها الباكستان الصين والهند وأعادت دول المنظومة الاشتراكية "سابقا"، ودول أخرى علاقاتها الدبلوماسية معها. ولم يكن سرا على أحد أن إسرائيل جعلت من ممارسة الولايات المتحدة الأمريكية دورا على هذا الصعيد شرطا مسبقا لمشاركتها في عملية السلام. واستجابت الولايات المتحدة الأمريكية لطلبها وعملت على تحقيقه بحماس شديد. إلى ذلك، حصلت إسرائيل على شهادة براءة إلى حد ما من تهمة ممارسة الإرهاب ضد الفلسطينيين والعرب الآخرين وذلك بإبدائها استعدادا للانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها في العام ١٩٦٧. وخلال حياة عملية السلام لم يكن سهلا على الفلسطينيين إقناع العالم بأنهم لا يزالون تحت الاحتلال، وإسرائيل دولة تمارس القمع والإرهاب والتمييز العنصري ضدهم.
٦) حصلت إسرائيل في مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطينيين التي تمت في كامب ديفيد وطابا على تنازلات فلسطينية تتعلق بالاستيطان والقدس واللاجئين. فقد وافق المفاوضون الفلسطينيون، في إطار تبادل الأراضي، على تجميع المستوطنين في ثلاثة كتل استيطانية تقوم على قرابة ٣% من مساحة الضفة الغربية. ووافقوا على منح اليهود جزء من حائط البراق "المبكى"، وضم حارة اليهود في القدس القيمة لإسرائيل، وإلحاق المستوطنات المقامة على ارض القدس الشرقية بالسيادة الإسرائيلية(٩). صحيح ان اتفاقا نهائيا حول هذه القضايا لم يتم، وان التنازلات كان لها ما يقابلها، لكن إسرائيل تعرفت على الحد الأدنى والأقصى للمطالب الفلسطينية، وما طرح في المفاوضات السابقة يصعب التنصل منه في المفاوضات اللاحقة.
٧) في إطار معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية أمنت إسرائيل حدودها الشرقية مع الأردن بعد ان ظلت هذه الحدود مصدر قلق وإزعاج على مدى اكثر من أربعة عقود. وتعهد الأردن بمنع استخدام أراضيه منطلقا لأي عمل عدواني ضد إسرائيل، ووفرت إسرائيل على نفسها مبالغ مالية كبيرة كانت تنفقها على تأمين هذه الحدود الطويلة. إلى ذلك طبّعت إسرائيل علاقتها مع الأردن وأقامت علاقات تجارية واقتصادية مفيدة للطرفين. ودخل المواطنون الإسرائيليون المدن الأردنية لأول مرة لأغراض اقتصادية وسياحية. وأظن ان تراجع العلاقات الأردنية الإسرائيلية في العام الأخير لا يقلل من قيمة هذا المكسب الاستراتيجي.
٨) في ظل المناخ الذي خلقته عملية السلام انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، ولم تلتزم بدفع ثمن احتلالها للجنوب اللبناني وتعويض اللبنانيين عن استغلالها للأرض والمياه اللبنانية. ولم تلتزم أيضا بتعويض لبنان عن الدمار الذي ألحقه احتلالها بالقرى والمدن اللبنانية التي ظلت تحت الاحتلال اكثر من عشرين سنة، وحروبها الكبيرة والصغيرة التي شنتها على الأراضي اللبنانية وبلغت في العام ١٩٨٢ العاصمة اللبنانية بيروت. وفصلت بصيغة وأخرى بين المسارين السوري واللبناني. صحيح ان الطرفين اللبناني والإسرائيلي لم يوقعا اتفاقات نهائية، لكن الصحيح أيضا أن إسرائيل ارتاحت من تكاليف ومتاعب سياسية وأمنية كبيرة كانت تدفعها مقابل احتلالها جنوب لبنان.
نتائج سلبية جنتها إسرائيل من عملية السلام
على مدى قرن كامل من الزمن ظلت الصهيونية العالمية تنكر وجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني وتنكر أن له أرضا اسمها فلسطين. وظلت متمسكة بمقولات ومعتقدات تاريخية قديمة، وعبأت يهود العالم بأن أرض فلسطين هي أرض الميعاد التي منحها الرب لشعبه المختار..الخ وعلى هدي هذه المعتقدات ناضلت ونجحت في إقامة دولة إسرائيل. وهجّرت مئات الألوف من الفلسطينيين "الاغيار" من ديارهم وأراضيهم عام ٤٧-٤٨. واستقدمت مئات الألوف من اليهود العرب ومن يهود الأمم الأخرى ووطنتهم في فلسطين، وخلقت للعالم مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ولنفسها مشكلة الأمن والخوف من العرب المحيطين بها. ولاحقا خاضت إسرائيل حروبا متنوعة ناجحة ضد الفلسطينيين والعرب، واحتلت كل فلسطين ومعها أراض عربية أخرى مصرية وسورية ولبنانية..إلى آخر قصة الصراع الصهيوني العربي .
أعتقد أنني لا أتسرع إذا قلت أن دخول إسرائيل عملية السلام وتوصلها إلى سلسلة اتفاقات مع الفلسطينيين والأردنيين، وضعت شعب إسرائيل أمام الحقيقة الفلسطينية التي ظلت قيادته وقيادة الحركة الصهيونية تخفيها عنه فترة نصف قرن. وفضحت كذبة الحركة الصهيونية "ارض بلا شعب لشعب بلا أرض" أمام عشرات الألوف من النساء والأطفال والشباب في إسرائيل. ونسف فكرة ارض الميعاد بمفهومها العبري. وبدأ المفكرون اليهود التخلي عن أحلامهم في بناء إسرائيل الكبرى. وبدءوا العيش في الواقع وتكييف الذات ضمن الممكن والمقبول دوليا. وبينت نتائج الانتخابات الإسرائيلية أن تطورا محدودا قد طرأ على الفكر السياسي في إسرائيل باتجاه النزول من عالم الأحلام والأوهام إلى أرض الواقع. إلا أن الصراع الذي يعيشه المجتمع الإسرائيلي يبين أن هذا التطور المحدود لازال غير مستقر وأنه قابل للزيادة والانتكاس أيضا.
ويدرك الاستراتيجيون الإسرائيليون ان الوصول إلى سلام شامل دائم مع العرب يضعف الفكرة الصهيونية الأساسية التي قامت عليها إسرائيل، وينعش الأصول القومية لفئات واسعة من اليهود، وبخاصة ذوي الأصول الفلسطينية والعربية. وفي زمن عملية السلام انتعشت أوضاع العرب في إسرائيل، ولم يعودوا قلقين على وجودهم في أرضهم. وإذا كانت معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية أنهت فكرة ترحيل الفلسطينيين من إسرائيل والضفة الغربية إلى الأردن فاتفاق سلام نهائي بين م ت ف وإسرائيل ينسف نهائيا فكرة الترانسفير ويزيد من ويعاظم المشكلة الديمغرافية التي تعانيها إسرائيل، ويفتح آفاق حقيقية لمطالبة العرب في إسرائيل بحكم ذاتي داخل الدولة اليهودية. حيث سيصل عددهم بعد أقل من عشرين سنة، إلى ما يقارب ثلاثة ملايين عربي يحملون الجنسية الإسرائيلية.
وبجانب ذلك، أحدثت المشاركة الإسرائيلية في عملية السلام شرخا حادا داخل المجتمع الإسرائيلي، وأضافت لقضايا الصراع القديمة بين اليمين واليسار قضية مركزية جديدة. وتعرف القيادات الإسرائيلية يمينها ويسارها أن إسرائيل سوف تضطر آجلا أو عاجلا الى دفع ثمن مكاسبها من عملية السلام. وأن الوصول إلى سلام عادل أو تسوية شاملة في المنطقة سيفرض على إسرائيل الانسحاب من الضفة وقطاع غزة والجولان السوري وبقايا الأراضي المحتلة في جنوب لبنان. وستجد نفسها مضطرة للعيش ضمن حدود معروفة ومعترف بها دوليا. بما يعني التخلي عن فكرة إسرائيل الكبرى، وعن العقلية التوسعية التي تحكمت في السياسة الإسرائيلية منذ قيامها وحتى الآن. والتخلي عن الاستيطان في الضفة وقطاع غزة والجولان. والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وفي إقامة دولته المستقلة فوق الأراضي الفلسطينية التي احتله. ولعل هذا الإدراك هو الذي يدفع اليمين الإسرائيلي إلى شن حرب قوية ضد المفاوضات وضد عملية السلام وضد السلام الحقيقي مع العرب. وتحويل المفاوضات الى ساحة للمناورة وقتل الوقت. ولا شك أن عملية السلام زودت قوى السلام في إسرائيل بأسلحة فعالة استخدمتها في مواجهة مواقف المتطرفين..الخ الا ان المعركة لم تحسم حتى الآن لصالح قوى السلام. وسيواجه اليسار في إسرائيل مشاكل ومتاعب ليست بسيطة مع المستوطنين ومع المعارضة اليمينية في حال تقدم المفاوضات وعندما تحين ساعة دفع الاستحقاقات. صحيح انها ضريبة مكلفة من وجهة نظر معظم الإسرائيليين، إلا أن الصحيح أيضا أن بديلها مكلف أكثر بأضعاف مضاعفة. فعدم دفعها يعني استمرار الحروب، وتواصل حالة العداء والكراهية، وتعميقها في صفوف العرب ضد الإسرائيليين.
من البداهة القول ان بقايا الفكر الصهيوني اليميني العنصري الاستعماري التوسعي، يحاول جاهدا تأخير حركة التاريخ وإعادة عقارب ساعة الزمن إلى الوراء. واستمرار هذا الفكر مؤثرا في المجتمع الإسرائيلي، ويسيطر على القرار السياسي الرسمي، سيجعل بقية طريق عملية السلام قاسية وقد تكون دموية، وطويلة ومؤلمة.. فهذا الفكر الاستعماري العنصري هو المسئول تاريخياً عن نشوء جبال من الحقد والكراهية بين الطرفين. وحقن الشعوب العربية بالعداء لإسرائيل وفجر أربع حروب كبيرة بينهم. وأخر اعتراف إسرائيل بوجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني قرابة خمسين عاماً، وهو الذي يبعث النشوة في نفوس بعض القادة الإسرائيليين كلما نجحوا في طعن الكرامة الوطنية الفلسطينية والعربية.


حصاد الجانب الفلسطيني من عملية السلام
أحدثت المشاركة الفلسطينية في عملية السلام هزة عنيفة في أوضاع النظام السياسي الفلسطيني بشقيه الشعبي والرسمي. ولا مبالغة في القول أن تلك الهزة كانت أشبه بزلزال قلب الأوضاع رأسا على عقب. وإذا كان سابقا لأوانه إصدار حكما موضوعيا نهائيا على عملية السلام، فوقائع الحياة كشفت تسلسل منطقي لأحداث وتطورات سياسية إقليمية ودولية فرضت على الفلسطينيين الانقلاب على مفاهيمهم وقناعاتهم التي آمنوا بها سنوات طويلة.
ومع إعلان قيادة منظمة التحرير موافقتها على مبادرة السلام الأمريكية وموافقتها على المشاركة في "مؤتمر مدريد للسلام" وفق الأسس التي تضمنتها تلك المبادرة، ظهر في الساحة الفلسطينية ثلاثة اتجاهات رئيسية لكل اتجاه رموزه وأطره الحزبية والجماهيرية: الأول، أيد المشاركة وأفرط في التفاؤل وبسط الأمور، وتصور أن تقاطع المصالح الدولية والإقليمية التي خلقت عملية السلام تلزم القيمين عليها متابعتها في كل مراحلها بهمة عالية، وان الوصل إلى حل عادل وشامل للنزاع العربي الإسرائيلي وجوهرة القضية الفلسطينية بات قريب المنال. والثاني، عارض العملية واعتبرها مشروعا أمريكيا إسرائيليا لتصفية منظمة التحرير وتصفية القضية الفلسطينية. وأفرط في التشاؤم وقدر أصحاب هذا الرأي أن مبادرة السلام الأمريكية لن تعمر طويلا ومصيرها لن يكون افضل من مصير المبادرات والتحركات الأمريكية والدولية التي عرفها الفلسطينيون على امتداد سنوات الصراع الطويلة. وطعنوا في شرعية قرار القيادة الفلسطينية بالمشاركة في العملية وبالذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام.
أما الاتجاه الثالث، فظهر عند أهل الأرض المحتلة؛ وافقوا مبدئيا على المشاركة في عملية السلام ورفضوا مقاطعة مؤتمر مدريد للسلام. ورفضوا من جهة أخرى تفاؤل المتفائلين، وشككوا في إمكانية تسوية النزاع خلال فترة خمس سنوات التي حددتها رسائل الدعوة للمؤتمر. وشككوا في ممارسة الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطا جدية على إسرائيل تجبرها الالتزام بقواعد العملية وتنفيذ ما يمكن التوصل إليه في مواعيده المحددة(١٠).
وجاءت وقائع الحياة وأكدت ان تقدير الناس في الأرض المحتلة كان الأكثر دقة وأكثر واقعية، وكانوا الأدرى بالاحتلال وسياساته. وأن الآخرين، معارضين ومؤيدين لعملية السلام، شطحوا بعيدا في تقديراتهم، ووضعوا أمنياتهم ورغباتهم محل التقييم الموضوعي. فالعملية، بقيت على قيد الحياة عشر سنوات حتى الآن نمت وكبرت خلالها، ومن جهة أخرى تعثرت المفاوضات حول قضايا الحل النهائي ـ القدس واللاجئين والحدود والاستيطان والمياه ومستقبل التعاون الأمني، وتأخر تنفيذ بنود كثيرة من الاتفاقات الانتقالية التي تم التوصل إليها.
وفي سياق البحث في افرازات وانعكاسات عملية السلام على الجانب الفلسطيني، اعتقد أن على جميع المعارضين لهذه العملية الإقرار بأنها لم تكن شر مطلق، وان يروا وجهي العملية الإيجابي والسلبي. والتقييم الموضوعي لنتائج عشر سنوات من المفاوضات والاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية يؤكد ان الفلسطينيون حصدوا من العملية مكاسب استراتيجية كبيرة. وإجراء مقارنة موضوعية بين أوضاع الفلسطينيين شعبا ونظاما سياسيا وقيادة وقت انطلاق عملية السلام، في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، وأوضاعهم في نهاية السنة الأولى من القرن الجديد تؤكد أن الأرباح التي جناها الفلسطينيون من العملية تفوق خسائرهم مرات كثيرة. وخسائر إسرائيل المذكورة أعلاه تسجل أرباحا للجانب الفلسطيني، يضاف إليها:
أولا / عبر المشاركة في العملية، تكرست وحدة الشعب ووحدة القيادة ووحدة التمثيل الفلسطيني. وثبت الشعب الفلسطيني حضوره في خريطة منطقة الشرق الأوسط، وهذه أول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي يستطيع فيها الفلسطيني أن يمثل نفسه بنفسه في المحافل والمؤتمرات الدولية المتخصصة في حل لقضيتهم. وتم ثبتت الخيار الفلسطيني طريقا لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وانتهى ما كان يسمى بالخيار العربي. وتم نسف المقولة الصهيونية القائمة على إنكار وجود الشعب الفلسطيني. وإذا كانت الإرادة الدولية مجمعة على حل النزاع العربي الإسرائيلي وإعادة ترتيب أوضاع المنطقة من جديد، فبالإمكان القول ان الشعب الفلسطيني حجز مكانه في الترتيبات الجديدة وقطع الطريق على كل محاولة لشطبه واستثنائه، ولم يضيع الفرصة التاريخية كما كان يحصل سابقا.
ثانيا/عبر عملية السلام حرر الفلسطينيون في عشر سنوات أجزاء هامة من الأرض، لم يستطيعوا تحريرها عبر كفاحهم المسلح الذي دام أكثر من ربع قرن. ولم تفلح الجيوش العربية في تحريرها في أربع حروب كبيرة خاضتها ضد إسرائيل ١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧،١٩٧٣. وزال نير الاحتلال الإسرائيلي المباشر وقهره اليومي، جزئيا، عن ظهر معظم الشعب الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة. وتم تحرير أعدادا كبيرة من الأسرى في السجون الإسرائيلية. وأنهت المشاركة في عملية السلام على المسار الفلسطيني ومعها المعاهدة الأردنية الإسرائيلية أفكارا كانت تنادى بها بعض الأحزاب اليمينية الإسرائيلية المتطرفة من نوع الترانسفير للفلسطينيين للأردن وتحويله وطنا بديلا لهم.
وعبر المفاوضات وافق المفاوضون الإسرائيليون في عهد حكومة باراك على قيام دولة فلسطينية مستقلة فوق ٩٧% من أراضي الضفة وقطاع غزة، التي احتلت في العام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس..الخ من الأفكار التي طرحها الرئيس كلينتون او التي طرحها الوفد الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد وطابا(١١). وإذا كان فوز شارون في الانتخابات الأخيرة قد ألغى هذه الأفكار، فالأمر المؤكد ان الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي سيعودان إليها لاحقا.
ثالثا/ يفترض ان لا يكون هناك خلاف فلسطيني حول ان عبور القيادة الفلسطينية ومعها الغالبية الساحقة من كوادر فصائل م. ت. ف المعارضة والمؤيدة لعملية السلام، المدنية والعسكرية، إلى غزة وأريحا أولا، وبقية محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة ثانيا، إنجاز استراتيجي، أسفر عن انتقال مركز ثقل الحركة الوطنية الفلسطينية ومركز القرار الفلسطيني من خارج فلسطين إلى داخلها. وتحرر القرار الوطني الفلسطيني من الوصاية والاحتواء، وانتقل رسميا وعمليا من العواصم العربية للمدن الفلسطينية. وتم حل معضلة انفصال القيادة عن أرضها وشعبها، وتم تصحيح وضعية الهرم الفلسطيني الذي ظل مقلوبا على رأسه منذ تشكيل م ت ف عام ١٩٦٤، حيث كان الخارج هو المقرر في الشأن الوطني.
رابعا/عبر عملية السلام نجحت القيادة الفلسطينية في عرض قضية شعبها على العالم وبينت عدالتها. واستخدمت الوفود لغة العصر التي يفهمها عالم اليوم، وأظهرت الوجه الحضاري للشعب الفلسطيني وقدرته على التعامل مع الواقع الدولي الجديد ومتطلباته. ولم يستجد المفاوضون الفلسطينيون حلولا، لكنهم تمسكوا بقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بقضيتهم، ١٩٤،٢٤٢، و٣٣٨، وبينوا للعالم أن استمرار غياب الحل العادل لقضيتهم يضر بمصالح شعوب المنطقة وكل الشعوب المحبة لصنع السلام فيها.
ونجح المفاوضون الفلسطينيون في نقل رسالة شعبهم إلى الرأي العام العالمي وكل القوى المؤيدة للسلام. وبالمشاركة تمكن الشعب الفلسطيني من توسيع وترسيخ جبهة أصدقائه وكسب عديد القوى المحايدة، وحيّد بعض القوى المنحازة الى إسرائيل والتي كانت معادية او شبه معادية لحقوقه المشروعة. وتكرست الهوية والأهداف الوطنية الفلسطينية بقوة عربيا ودوليا. وخلال تقدم عملية السلام ترسخت قناعة قوى دولية كثيرة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بإمكانية حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي عبر المفاوضات، ورمت بثقلها في بحث جدي عن حل نهائي لهذا النزاع، ونالت القضية الفلسطينية أولوية في المعالجة. واقتنعت جميع القوى الدولية المعنية باستقرار أوضاع الشرق الأوسط أن لا أمن ولا استقرار في الشرق الأوسط دون حل القضية الفلسطينية. وان استمرار التهرب من معالجتها يؤجج التطرف في كل أنحاء المنطقة، ويلحق بمصالحها المدى المباشر والبعيد خسائر استراتيجية(١٢).
خامسا/ قبل انطلاق عملية السلام من مدريد عام١٩٩١ لم تستطع التوجهات الفلسطينية نحو "إقامة السلطة الوطنية على أي جزء من الأرض يتم تحريره" شق طريقها للحياة. وبعد حرب ١٩٨٢، وترحيل قيادة وكوادر م ت ف من بيروت تراجعت الفكرة وانضمت للأحلام والأوهام الفلسطينية، وكاد أصحابها ينسوها. ومع الإعلان عن اتفاق أوسلو عادت الروح إليها. وبعد دخول قيادة م ت ف غزة والضفة تم بناء أول سلطة فلسطينية في تاريخ الشعب الفلسطيني على أجزاء من الأرض الفلسطينية. وتولت تنظيم حياة مجتمع مدني يضم ما يقارب ٣ ملايين إنسان(١٣). وفي مرحلة لاحقة جرت انتخابات برلمانية محدودة في الضفة والقطاع. ولا شك في أن انتخاب المجلس التشريعي وابراز دور السلطة الوطنية وتطويره كإطار قيادي مركزي عزز النضال الوطني العام، وخدم هدف بناء الدولة المستقلة على الأرض الفلسطينية. وببناء كافة مؤسسات السلطة، المدنية والعسكرية قوام العاملين فيها يفوق ١٢٠ ألف موظف، تم وضع اللبنات الأساسية لعبور منظمة التحرير مرحلة التحول من حالة الثورة لحالة الدولة. خاصة وان المجلس التشريعي وموظفو السلطة راكموا خبرات في كافة مجالات عمل ومهام الدولة. وترحيب الشارع الفلسطيني بتشكيل السلطة، وتعامل العالم معها باعتبارها القيادة الرسمية للشعب الفلسطيني مكاسب هامة لها قيمة عملية على طريق بناء الدولة المستقلة، رغم الملاحظات التي يمكن تسجيلها على عمل هذه المؤسسات.
وإذا كان ضروري تعريف الكيان الفلسطيني الوليد وتسميته باسمه الحقيقي؛ فهو الآن، حكم ذاتي في صيغة "دويلة فلسطينية" على جزء هام من الأرض. ناقص السيادة، محدود الصلاحيات. لكنه يملك مقومات الحياة وقابل للنمو والتطور، إذا أجاد أهله استغلال التطورات الدولية المؤيدة لحريتهم واستقلالهم وقيام دولة فلسطينية.
ونعت المعارضة الفلسطينية هذا الكيان الفلسطيني بأبشع النعوت من نوع؛ كيان أوسلو، دويلة مسخ وهزيلة ناقصة السيادة، أو تابعة اقتصادياً وأمنياً لإسرائيل..الخ لا يغير الواقع الجديد، ولا يلغي إمكانية تحوله إلى دولة مستقلة ذات سيادة. ولا شك في أن التقييم الموضوعي لقيام السلطة الوطنية يفرض اعتباره تطورا إيجابيا يخدم تصحيح وتطوير مسار الحركة الفلسطينية باتجاه تحقيق أهدافها الإستراتيجية. وتجارب التاريخ تؤكد ان الحكم الذاتي كان ممرا إجباريا لمعظم الشعوب التي خضعت للاستعمار وضمنها بلدان عربية عديدة.
سادسا/ يسجل لعملية السلام بأنها سرّعت وقوع تحولات نوعية في الفكر السياسي الفلسطيني. وعززت المواقف والتوجهات الواقعية الكامنة في الشارع الفلسطيني، وأضعفت الاتجاهات المتطرفة. وعبر مسير المفاوضات الطويلة انتشرت منطلقات ومفاهيم الواقعية السياسية، ولم تعد مقصورة ومحصورة في تفكير وسلوك نخبة قليلة من المتنورين والمثقفين أو المفكرين الفلسطينيين، بل أصبحت بمثابة السمة الغالبة والسائدة في الفكر السياسي للجمهور الفلسطيني العريض. واظهر الأغلبية قدرة على التجرد من العواطف، والابتعاد عن النزعات الإرادوية في اللحظات المصيرية الحاسمة، والتمييز بين المطلوب والممكن، بين الحق التاريخي وبين الممكن في اللحظة الزمنية المعاشة. وتحديد المواقف بناء على حسابات دقيقة لموازين القوى القائمة والمرئية، بعيدا عن كل أشكال المبالغة أو التبسيط.
وخلال مرحلة عملية السلام برز شعور فلسطيني قوي في الداخل والخارج بالاعتزاز بالوطنية الفلسطينية، أجبر حركة حماس على التخلص نسبيا من هويتها الأممية الإسلامية، والتحرر جزئيا من ارتباطها بحركة الإخوان المسلمين العربية. وانضمت للنظام السياسي الفلسطيني العام وأثبتت وجودها الفاعل في النضال ضد الاحتلال. وعجلت عملية السلام في عزل أطراف النظام السياسي الفلسطيني المرتبطة بالأنظمة العربية "منظمة الصاعقة المرتبطة بسوريا، الجبهة العربية الموالية للعراق، و"فتح الانتفاضة" المرتبطة بالسوريين والليبيين والإيرانيين" وأضعف دورها الوطني، وأفقدها تأثيرها المحدود أصلا في القرار الفلسطيني.
وضغطت عملية السلام باتجاه تطوير البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير والإقرار بشعار دولتين للشعبين والاعتراف بقرار مجلس الأمن ٢٤٢(١٤). ويسجل لعدد من أطراف النظام السياسي الفلسطيني أنهم أجادوا استثمار عملية السلام، ووظفوا تفاعلاتها الداخلية والخارجية لصالح تعزيز مكانة م ت ف. وأجادوا استثمار التطورات الدولية التي وقعت في العقد الأخير لصالح الاقتراب من الحقوق. وأحدثت العملية إبان مسارها تبدلا نوعيا في موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني. بعض أطرافه "فتح وحماس والجهاد الإسلامي" نما حجمه وثقله الوطني. وتقلص وزن أطراف أخرى "جبهة شعبية، جبهة ديمقراطية، حزب فدا، جبهة نضال(١٥). واختفت فصائل من ساحة العمل الفلسطيني الرئيسية مثل منظمة الصاعقة والقيادة العامة وفتح الانتفاضة. وبعد قيام السلطة الوطنية انتقلت بعض الفصائل من وضعيتها كحركات ثورية إلى وضعية الأحزاب الحاكمة. وتشكلت قاعدة اجتماعية لقيام "حزب السلطة" يضم جمهور حركة فتح والأغلبية الساحقة من الموظفين والمنتفعين من السلطة وعائلاتهم(١٦).
افرازات سلبية قذفتها عملية السلام على الوضع الفلسطيني
لا شك في أن الاحتلال وموازين القوى الدولية والإقليمية ليست بريئة تماما من المعضلات والمشكلات الذاتية والموضوعية التي واجهها ويواجهها النظام السياسي الفلسطيني، إلا أن تحويل "الصهيونية والإمبريالية" إلى مشجب تحمّل عليه القوى الفلسطينية كل أخطائها وتقصيراتها، يدفع بأزمة النظام السياسي الفلسطيني إلى ذروته، وقد يؤدي إلى المزيد من الانفجارات والتشرذمات داخل هذا النظام. وفي سياق معالجة هذه الأزمة لا بد من مراجعة جريئة "تعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله". تعترف المعارضة بأخطائها وتوضح حدود مسئوليتها عن الأزمة، وتعترف أطراف السلطة التي تحملت مسئولية المشاركة في عملية السلام وما نتج عنها. وفي سياق هذه المراجعة لا يستطيع اشد المتحمسين لعملية السلام إخفاء الافرازات السلبية التي قذفتها هذه العملية على الفلسطينيين وابرزها:
١) بعد صراع مع الذات ومع الإدارة الأمريكية حول شروط المشاركة الفلسطينية في عملية السلام وافقت قيادة المنظمة في الخارج، على مضض، على شروط المشاركة المجحفة التي تضمنتها رسالة الدعوة الأمريكية السوفيتية. أصعبها وأكثرها ضررا كان قبول التفاوض حول حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على مرحلتين "انتقالية ونهائية"(١٧). صحيح ان الخيار الآخر كان يعني وقوفها عكس تيار دولي إقليمي جارف يعرضها لخطر التصفية، لاسيما وأنها خرجت من حرب الخليج مطاردة دوليا وعربيا ومصنفة ضمن القوى التي آزرت النظام العراقي في احتلال الكويت..الخ إلا أن وقائع حياة عملية السلام بعد اتفاق أوسلو بينت ان تأجيل بحث موضوع الاستيطان والقدس واللاجئين عزز موقع الطرف الإسرائيلي في المفاوضات. ومكنه من المماطلة والتسويف والتلاعب في مواعيد المراحل وفي تنفيذ ما وقع من اتفاقات. وتمكن الجانب الإسرائيلي في عهد عملية السلام من خلق وقائع جديدة على أرض الضفة والقدس والقطاع عبر الاستيطان وضاعفه. واضطر المفاوض الفلسطيني في مرحلة متقدمة من المفاوضات الدخول في بحث مسالة تأجير إسرائيل أراضي لسنوات طويلة وإجراء تبادل في الأرض لحل مشكلة الاستيطان(١٨).
٢) بعد إبلاغ وزير الخارجية الأمريكية بيكر بالموافقة المبدئية على المشاركة في مؤتمر السلام بشقية الثنائي والمتعدد الأطراف، ارتفعت وتيرة الخلاف بين أطراف النظام السياسي الفلسطيني في الخارج، بلغ حد التشكيك في شرعية قيادة م ت ف. وانقسم النظام السياسي في الداخل والخارج على نفسه انقساما عميقا، اختلف عن كل الانقسامات التي سبقته. وكان لهذا لانقسام السياسي ما يبررة، بمقدار ما كان ولوجود معارضة وطنية قوية ضرورات وطنية. فالمسائل المطروحة على بساط البحث كانت ولا تزال تمس المصير الوطني برمته. والمشاركة الفلسطينية حسب رسالة الدعوة كانت ناقصة، حيث تقرر أن تكون في إطار وفد أردني فلسطيني مشترك، وأن لا يضم الوفد المفاوض أي ممثل عن الخارج والقدس. وأعلن جناح من النظام السياسي الفلسطيني رفضه لمؤتمر السلام، وظهر تعبير "القوى المعارضة لفريق مدريد". ورغم أن المشاركة في عملية السلام تمت بقرار من المجلس الوطني الفلسطيني، وبعده المجلس المركزي واللجنة التنفيذية(١٩)، إلا أن المعارضة أعلنت الحرب ضد مؤتمر السلام وضد القيادة الفلسطينية. ورفضت الأخذ بمبدأ تولي الأغلبية دفة القيادة واحتفاظ المعارضة بمواقفها، وأعلنت انسحابها من الأطر القيادية التنفيذية للمنظمة، وشكلت إطارا خاصا بها جمعها كلها خارج أطر منظمة التحرير. ومع تقدم عملية السلام تعمق انقسام النظام السياسي الفلسطيني أكثر فاكثر، وترك بصمات سلبية على المفاوضات والوضع الوطني العام.
٣) مع تشكيل السلطة الوطنية الأولى في أيار١٩٩٤ وعبورها الوطن وتوليها عددا محدودا من المجالات في غزة وأريحا، دخلت علاقة السلطة مع المنظمة حيزها الرسمي والعملي الملموس. وترعرعت في ظل أجواء مأزومة داخليا وخارجيا. ولم يمضي وقت طويل حتى سلبت السلطة، عمليا، منظمة التحرير معظم مهامها وشلت حركتها اليومية وحلت محلها دون أن تملأ كل الحيز الجماهيري والخارجي الموجود للمنظمة. وأعطت نفسها منذ اليوم لتشكيلها حق تجاوز اللجنة التنفيذية مرجعيتها الأساسية. وعانت كل مؤسسات المنظمة الرسمية التشريعية والتنفيذية "مجلس وطني، مجلس مركزي، لجنة تنفيذية" من تآكل داخلي ومن تغييب واقعي لدورها، وصارت شبه محالة على التقاعد. وبغض النظر عن النوايا، فالخلط بين مهام الوزارة والوزراء وبين مهام اللجنة التنفيذية ولجنة المفاوضات، كهيئات وأفراد أبقى العديد من المهام الوطنية الكبرى مهملة، ولم تجد من يهتم بها ويتابعها. وتآكلت علاقات م ت ف بقوى حركة التحرر العربية، ولم تتم متابعة قضايا الفلسطينيين في الخارج كما تستحق.
صحيح أنه منذ تشكيل السلطة الفلسطينية وحتى الآن لم يصدر تصريح رسمي أو شخصي من أي مسئول فلسطيني يمس وجود المنظمة أو ينتقص من دورها، إلا أن "الأعمال ليست بالنوايا". فالانقسام السياسي التنظيمي استفحل وتعمق وتحول الى نوع من الصراع التناحري بين الأطراف المكونة للمنظمة والسلطة. وندرة اجتماعات هيئات قيادية المنظمة التشريعية التنفيذية أفقدها حضورها الشعبي والرسمي وعطل دورها القيادي. وإنصافا للحقيقة لا تستطيع قيادة النظام السياسي الفلسطيني القديم تحميل عملية السلام والسلطة الوطنية وحدهما المسئولية الكاملة عن زرع جميع الأمراض البنيوية المزمنة في جسد المنظمة وعن الأزمة العريقة التي ما زالت تعانيها حتى الآن. فجميع الفصائل المكونة للمنظمة ساهمت بنسب متفاوتة في بنائها على أسس غير ديمقراطية، وعن وشل عمل مؤسساتها بدء من المجلس الوطني مرورا بالمجلس المركزي واللجنة التنفيذية، وانتهاء بأدنى لجنة فرعية من لجان المجلس الوطني. وكانت راضية عن تلك الأوضاع ومتعايشة معها ومستفيدة منها.
٤) بعد الموافقة الفلسطينية على المشاركة في عملية السلام انقسم النظام السياسي العربي الرسمي والشعبي حول مبدأ المشاركة وأسسها. وتوترت علاقة منظمة التحرير بعدد من الحكومات والأحزاب العربية. وبعد "طبخ" اتفاق أوسلو وتوقيعه زادت حدة الخلافات بين منظمة التحرير وعديد القوى العربية، وفقدت القضية الفلسطينية عمقها العربي. ونجحت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في تعميق عزلة منظمة التحرير عن محيطها، واستفردتا بها في المفاوضات. وظهر تيار في الساحة الفلسطينية دعا إلى التخلي عن العمق العربي واعتماد الثنائية الفلسطينية الإسرائيلية سبيلا لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وبعد توقيع أوسلو وتقدم العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية تعززت مكانة هذا التيار في إطار النظام الرسمي الفلسطيني وعمل على توسيع التعاون الاقتصادي والأمني قبل تسوية قضايا الحل النهائي.
إلى ذلك، ساهمت عملية السلام في تسهيل الطريق أمام الفلسطينيين في إسرائيل في تحسين أوضاعهم السياسية والاقتصادية وعمقت انتمائهم القومي. لكن أسس هذه العملية ومجرياتها خلقت انطباعا عاما في صفوفهم ان قيادة الشعب الفلسطيني ممثلة بقيادة م ت ف تخلت عن تبني حقوقهم التاريخية، واضعف فرص نضالهم من اجل انتزاع هذه الحقوق.
٥) بعد المشاركة في عملية السلام وتوقيع عدد من الاتفاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين أهملت القوى الفلسطينية مهمة العمل داخل المجتمع الإسرائيلي وتعزيز علاقاتها مع قوى السلام في إسرائيل. واعتقدت قوى السلام في الطرفان ان طريق السلام سالكة، وان العملية بقوة الدفع لخارجية وبما راكمته قادرة على تجاوز جميع العقبات والعراقيل التي تقف في طريقها. الى ذلك، جاءت وقائع عشر سنوات من حياة العملية وأكدت أن درجة تطور الفكر السياسي في المجتمع الإسرائيلي لم تصل إلى مستوى تحقيق مصالحة تاريخية حقيقية بين الشعبين. وان الوصول إلى سلام شامل يحتاج إلى جهد متواصل من جميع قوى السلام. فالقوى الإسرائيلية المتطرفة صعدت للسلطة في انتخابات ديمقراطية، وأغلبية الإسرائيليين يرفضون التقدم تجاه حل عادل شامل لقضية القدس يقبل به الفلسطينيون. وحق العودة للفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم في عام ٤٧-٤٨ مرفوض بالمطلق ليس فقط من قوى اليمين بل من كل الأحزاب اليمينية واليسارية الإسرائيلية. أما تعويضهم عن أراضيهم وممتلكاتهم التي سلبت منهم فالواضح أنها قضية شائكة ومعقدة، والتفاوض حولها سوف يستغرق فترة طويلة. ولا أظن أن تبدلا نوعيا سيقع في مواقف وقناعات الشارع الإسرائيلي في غضون السنوات القليلة القادمة من هذا الموضوع. وهذا يعني بقاء فلسطينيي الشتات "نصف الشعب" من الآن ولسنوات طويلة في أماكن إقامتهم الحالية، وبقاء قضاياهم وكل القضية الفلسطينية معلقة بدون حلول. فقضية اللاجئين هي جوهر القضية الفلسطينية وبدون حلها لا حل للصراع الفلسطيني الإسرائيليين،
اشكالات موضوعية خلقتها عملية السلام
وبجانب هذه الاشكالات الذاتية واجه الفكر السياسي الفلسطيني بعد أوسلو وتشكيل السلطة الوطنية، ولا يزال يواجه، عددا من المعضلات الموضوعية المعقدة. معالجة بعضها لا يتوقف على رغبات الفلسطينيين وحدهما وأهمها. (١) نشوء تناقض حقيقي بين قانونية التزام منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية بالاتفاقات التي توصلت لها مع الحكومة الإسرائيلية، وبين شرعية استمرار المنظمة كمؤسسة وكإطار وطني ملتزم أمام الشعب بقيادة النضال الوطني وتنظيم أشكال النضال المناسبة ضد الاحتلال حتى العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة. فالاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية تلزم م ت ف والسلطة الوطنية بوقف حملات التعبئة العدائية ضد إسرائيل، وبوقف العنف بكل أنواعه ضد قوات الاحتلال. والحفاظ على أمن إسرائيل والإسرائيليين، بما في ذلك المستوطنات والمستوطنين المقيمين على الأراضي الفلسطينية وبمعاقبة كل الأفراد والجماعات الذين يمارسونه. في وقت لم تقدم هذه الاتفاقات حتى الآن حلولا مرضية للشعب الفلسطيني ولم تعالج قضاياه الأساسية ـ اللاجئين، القدس، الحدود، النازحين، المستوطنين والمستوطنات،...الخ. ناهيك عن عدم توقف الاحتلال عن أعماله الإرهابية والقمعية التي يمارسها يوميا ضد الفلسطينيين. الى ذلك، على المفكرين الفلسطينيين معالجة معضلات تقييد علاقة السلطة الفلسطينية مع إسرائيل بعدد من الاتفاقات، ومحاولا اسرائيل التدخل في شئون السلطة، وتأثير الدول المانحة وبخاصة الأمريكي في صياغة القرار الفلسطيني. (٢) عدم القدرة على التوفيق بين متطلبات نهوض السلطة الوطنية بمهمة بناء مؤسساتها المدنية والاقتصادية والعسكرية الأمنية في غزة والضفة الغربية، مع متطلبات الحفاظ على وحدة مؤسسات م ت ف ودورها كإطار وطني قيادي لكل الشعب يضم قوى متعددة متعارضة ومتناقضة في مواقفها من القضايا الجوهرية، ومن ضمنها اتفاق إعلان المبادئ الذي مكّن المنظمة من تشكيل السلطة. فمواقف القوى المشكلة للنظام السياسي تتراوح بين من يشارك في السلطة وراض عن تشكيلتها، ومن لا يزال داخل المنظمة وخارج السلطة وغير راض عن تشكيلها وعن التزاماتها مع الإسرائيليين. وهناك من هو خارج المنظمة وخارج السلطة ويعارض الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية ويعمل بكل السبل على الإطاحة بها(٢٠)، ويتمنى الفشل للسلطة ويسعى لتفشيلها حيث استطاع ذلك سبيلا. (٣) صحيح أن مرحلة الكفاح المسلح قد انتهت، إلا أن مسار المفاوضات وتلاعب إسرائيل بالاتفاقات، وحالة السلطة لم تدفع الشعب في الداخل والخارج الى اعتماد السلطة الوطنية كبديل او كوريث كامل للمنظمة قادر على قيادة المرحلة، ويمكن الاعتماد عليه في تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى والأساسية. خاصة وان مسيرة المفاوضات متعثرة والاتفاقات لم تعالج قضايا الصراع الكبرى. وهذه المعادلة تنعش ليس فقط القوى والأفكار المتطرفة، بل تبعث الحياة من جديد في الأفكار والدوافع التي وقفت خلف تأسيس م ت ف. وقد تدفع، يوما ما، قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، وبخاصة اللاجئين، الى إدارة الظهر للمنظمة التي نعرفها اذا لم تؤخذ مصالحهم بعين الاعتبار، ولم تعالج الحلول السياسية قضاياهم بصورة مرضية، ولم يجدوا من يدافع عن حقوقهم في بلدان الشتات. وقد يتوجهون للبحث ولو "بعد زمن "عن صيغة بديلة يعبرون فيها عن أنفسهم وعن تطلعاتهم، ويتحركون من خلالها للدفاع عن مصالحهم واستعادة حقوقه المغتصبة. وأعتقد ان استمرار تعثر المفاوضات، واستمرار حزب الليكود في قمة السلطة، يسّرع خطاهم في هذا الاتجاه، ويبعدهم أكثر فأكثر عن النظام السياسي الحالي.
(٤) تمشيا مع روح عملية السلام والتزاما بالاتفاقات شطب المجلس الوطني في دورة غزة "ربيع ١٩٩٦" بنود الميثاق المتعارضة مع الاتفاقات(٢١)، وتلك التي كانت تتحدث عن الكفاح المسلح أسلوبا للتحرير، وبقيت المنظمة للان بدون ميثاق. في حينه لم يحظى شطب تلك البنود بإجماع فصائل وقوى المنظمة أو من هو خارجها، ولم يستفتى الشعب حول الموضوع. صحيح أن ميثاق المنظمة هرم وشاخ قبل الإلغاء، وكان بحاجة لتطوير منذ زمن طويل، إلا أن بقاء المنظمة دون ميثاق يجعلها أشبه بباخرة تبحر في بحر هائج دون بوصلة تحدد لها تجاه حركتها. ويخطئ من يعتقد أن التسريع في تمويت المنظمة يمنح الحياة للسلطة ويسرّع في تحولها لبديل مقبول. فالمنظمة كانت ولا تزال وطن اللاجئين عبره يعبرون عن تطلعاتهم الوطنية. وانتفاء مبرر وجود المنظمة رهن بقيام الدولة المستقلة وحل مشكلة اللاجئين، وليس قيام السلطة الوطنية فقط.


انتفاضة "القدس والاستقلال" الابن الشرعي لأزمة عملية السلام
أثر الانتفاضة على النظام السياسي الفلسطيني وعلاقاته العربية
بعد التوصل إلى اتفاق أوسلو، وقبل الإعلان عنه في أيلول /سبتمبر١٩٩٣، انقسم النظام السياسي العربي، بين مؤيد ومعارض للاتفاق. ونشأ صراع فلسطيني داخلي ووقع انشقاق في منظمة التحرير. وظلت سلبيات الصراع حول "أوسلو" قائمة، في مجالات عدة، حتى فشل مفاوضات الحل النهائي في قمة كامب ديفيد أواخر تموز/يوليو عام ٢٠٠٠، وانفجار الانتفاضة الأقصى أواخر أيلول/ سبتمبر٢٠٠٠. وتأكد العرب، شعوبا وحكومات، خطأ بعض التقديرات المتعلقة باستسلام الفلسطينيين. وظهر لهم أن موقف القيادة الفلسطينية في مفاوضات المرحلة الانتقالية، يختلف عن موقفها في مفاوضات الحل النهائي، وخصوصا بشأن حل قضايا الأرض والقدس واللاجئين. ولاحظوا أن تساهل المفاوض الفلسطيني في الأولى قابله تشدد في الثانية(٢٢). وظهر للجميع أن أنصار الثنائية الفلسطينية الإسرائيلية أقلية ضئيلة في الشارع الفلسطيني وفي الإطار القيادي المقررة. وأن بروز دورهم في مرحلة ما لا يعني ضعف التيار المؤمن بالتضامن العربي وبقومية الصراع ضد إسرائيل والاستعمار الأجنبي.
ومع تصاعد حركة الانتفاضة في الضفة وقطاع غزة، شاهد العرب والعالم فاشية سلوك جيش الاحتلال والمستوطنين. وتبددت الصورة الزائفة حول انتهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، التي نجح الإعلام الأمريكي الإسرائيلي في تكوينها في عواصم العالم في تسع سنين من المفاوضات والاتفاقات التي تمت بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وأدركت غالبية شعوب العالم وجميع القوى الدولية ان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يزال مستمرا. واهتز النظام السياسي العربي بشقيه الشعبي والرسمي، لمناظر المواجهات غير المتكافئة. وخلقت بداية صحوة عربية من مرحلة السبات العميق الذي عاشه على مدى عقد من الزمن. واجتاحت المظاهرات العارمة شوارع العواصم العربية من المحيط إلى الخليج، واستنكرت جرائم الاحتلال وتدنيس شارون ساحة المسجد الأقصى. وكانت حركتها القوية بمثابة رسالة احتجاج شعبية شديدة اللهجة على استمرار تمزق النظام الرسمي العربي. ودعوة من الشعوب العربية لأنظمتها لإحياء التضامن العربي وإغلاق جميع الطرق أمام استفراد إسرائيل والاستعمار القديم والجديد بالشعب الفلسطيني وبأي من الدول العربية. وطالبت الشعوب العربية حكوماتها دعم الانتفاضة في مواجهة الهجمة الصهيونية المدعومة أمريكيا وتمكين أهلها استرداد حقوقه المغتصبة. وتحركت حكومات الدول العربية وعقدت القمة العربية مرتين خلال عام واحد من عمر الانتفاضة، واستعادت القضية الفلسطينية عمقها القومي، وعادت لموقعها الطبيعي كقضية إقليمية دولية متفجرة.
وبعد إعلان الزعماء العرب مساندة الانتفاضة في كل المجالات، وتمسكهم بالرؤيا الفلسطينية لتسوية قضايا الحل النهائي والانسحاب إلى حدود ١٩٦٧ والقدس واللاجئين، وتبنيهم طلب الفلسطينيين توفير الحماية دولية، استبشر الناس في الضفة والقطاع خيرا. وبعد قرار الزعماء دعم صمودهم بأكثر من مليار دولار وإغلاق بعض السفارات ومكاتب التمثيل العربية في تل أبيب زاد تفاؤلهم، ولام كثير من أهل الانتفاضة أنفسهم على قنوطهم السابق من الموقف الرسمي العربي. وبينت قرارات قمتي القاهرة وعمان ان تراجع النظام السياسي الرسمي العربي وضمنه النظام الفلسطيني، في العقد الأخير من القرن الماضي، لم يصل درجة الاستسلام والرضوخ للمطالب الإسرائيلية، وقبول تسوية مذلة للقضية الفلسطينية وسلام معيب للعرب(٢٣) وتأكد الفلسطينيون داخل الأرض وخارجها أن قضيتهم لا تزال حية في ذهن الشعوب العربية وأنظمتها. ولمسوا أنها لم تفقد موقعها المميز الذي احتلته في الفكر السياسي العربي باعتبارها قضية العرب المركزية. وانتعش أنصار تنسيق الموقف الفلسطيني مع مواقف الدول العربية الأخرى. ولام بعضهم نفسه على شعارهم "يا وحدنا"، الذي رفعوه إبان حصار إسرائيل مدينة بيروت عام ١٩٨٢، وكرروه في الأيام الأولى للانتفاضة. واستمد ناس الانتفاضة من الموقف العربي قوة وعزيمة جديدتين،
ورغم خضوع الفلسطينيون بشرا وارض وشجر وممتلكات، لكل أشكال القتل والتنكيل والعقوبات الجماعية، على امتداد عام الانتفاضة، لا يزال معظمهم ؛ فقراء وأغنياء، عمال وأرباب عمل، حزبيين ومستقلين، مقتنعين بان "الانتفاضة والمقاومة" هي الخيار الوحيد الباقي أمامهم لانتزاع حريتهم واستقلالهم وطرد الاحتلال من أرضهم وإقامة دولتهم المستقلة في الضفة وقطاع غزة. وان عملية السلام لم تحقق لهم أهدافهم. ومقتنعون انهم قطفوا، في زمن الانتفاضة، ثمارا كثيرة ثمينة، وبعضها الآخر لم ينضج بعد وقطفه مؤجل. أكبر هذه الثمار الثمينة، هي استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي أصابها صدع كبير في العقد الأخير من القرن العشرين. وزال خطر انقسام الشعب بين داخل وخارج، الذي صعد بعد توقيع اتفاق أوسلو في العام ١٩٩٣. وتأكد أهل الانتفاضة والفلسطينيون في الخارج خطأ موقف قوى المعارضة وتأكد اللاجئون والنازحون في الخارج والداخل من ان عملية السلام لم تقف على رجليها على حسابهم كما روجت المعارضة الفلسطينية. وان اتفاق أوسلو وجميع اتفاقات وتفاهمات السلام التي تمت في المرحلة الانتقالية لم تبدد حقوقهم. وقيود أوسلو" لم تمنع قيادة السلطة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية من المشاركة في الانتفاضة منذ اليوم لانطلاقتها، ودخلت في مواجهة مكشوفة مع القيادتين الإسرائيلية والأمريكية دفاعا عن الحقوق الوطنية.
وفي زمن الانتفاضة تراجعت نغمة لاجئين ومواطنين، عائدين ومقيمين..الخ وكانت هذه النغمة الانقسامية أخذت مجدها بعد تشكيل السلطة الوطنية في العام ١٩٩٤، وبعد دخول قيادة منظمة التحرير إلى الضفة وقطاع غزة وإسنادها معظم الوظائف الأمنية والإدارية الحساسة للكوادر العائدة معها.. صحيح ان اللاجئين والنازحين وأغلبية الفلسطينيين فقدوا ثقتهم بقدرة عملية السلام الجارية وحدها على استرداد جميع حقوقهم التاريخية. ومقتنعون بعبثية استمرار المفاوضات، خاصة بعد تلاعب القيادة الإسرائيلية بالاتفاقات واستهتارها بتواريخ تنفيذ التزاماتها، إلا ان آمالهم انتعشت في زمن الانتفاضة. واقتنعوا ان وحقوقهم لم تندثر وظلت محفوظة في ذهن هذه القيادة وفي جميع المحافل الدولية. ولمسوا تصدر قضيتهم الأحداث بعد غياب نصف قرن وأصبحت نقطة مركزية في المفاوضات والتحركات الإقليمية والدولية، وتسببت مع مشكلة القدس بأزمة المفاوضات وتوتر العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية.
إلى ذلك، وحّدت الانتفاضة قوى الحركة الوطنية الفلسطينية، سلطة ومعارضة، وصهرت طبقات الشعب الفلسطيني وفئاته في الضفة وقطاع غزة في بوتقة واحدة ضد الاحتلال. وبينت وقائع الصراع لمن يريد ان يرى الحقيقة، أن الانتفاضة الحالية لم تحدث تغييرا نوعيا في موازين القوى الشارع الفلسطيني او في إطار النظام السياسي الرسمي والشعبي. او داخل الفصائل. ولم تفرز قيادات وطنية مستقلة جديدة من خارج قوى النظام السياسي الفلسطيني المعروفة كما حصل في الانتفاضة الأولى، حيث قدمت للشعب والعالم صفا من الشخصيات الوطنية "من الداخل". ولم تحدث هذه الانتفاضة حتى الآن تغيرا نوعيا في نظم ولوائح القوى الوطنية والإسلامية. ولم تضعف مواقع قادة او هيئات قيادة داخل الأحزاب القوى الحزبية الفلسطينية لحساب صعود دماء جديدة.
وفي زمن الانتفاضة أظهر الفلسطينيون في إسرائيل وحدتهم كأقلية قومية تخضع للاضطهاد والتمييز. وبرهنوا بالملموس انهم جزء حيوي من الجسد الفلسطيني الذي إذا اشتكى عضو منه تداعت لنجدته بقية الأعضاء. وصنعوا أنبل وأهم ظاهرة عرفها الصراع العربي الإسرائيلي منذ نكبة العام ١٩٤٨. وسقطت فرضية أسرلة العرب في إسرائيل التي بنت عليها القيادات الإسرائيلية أوهام الحفاظ على وحدتها. ويدرك البحاثة الإستراتيجيين الإسرائيليين إن تحرك الفلسطينيين في إسرائيل تم على خلفية قومية بالأساس.
لقد غيرت القيادة الإسرائيلية في زمن الانتفاضة أسلوب تعاملها مع العرب في إسرائيل، بأمل إرهابهم وفصلهم عن قضايا أهلهم خارج إسرائيل، وإضعاف وزنهم في مرحلة المفاوضات والتسوية السياسية. وهذا التغيير يستوجب تغيير فلسطيني مضاد يشرك العرب في إسرائيل بصيغة وأخرى في رسم التوجهات الوطنية الفلسطينية العامة، دون تعريضهم لمزيد من القمع والإرهاب. خصوصا وان مفاوضات الحل النهائي تعني جميع أبناء الشعب الفلسطيني أينما كانوا. وإذا كانت طبيعة الحلول الاستراتيجية التي تفكر بها القيادة الإسرائيلية لمعضلة الوجود العربي الكثيف في إسرائيل غير واضحة للآن، فهبتهم الشعبية في إطار الانتفاضة بينت ان الانتماء القومي في صفوف مليون وربع فلسطيني حملة الهوية الإسرائيلية بلغ مرحلة نوعية جديدة لا يمكن تجاهلها. ونبهت أركان النظام السياسي في إسرائيل إلى هذا الخطر الاستراتيجي على هوية الدولة العبرية. وإذا كان تجريد العرب في إسرائيل من انتمائهم القومي، وقلعهم من أرضهم وإبعادهم إلى الضفة وقطاع غزة أو الدول العربية، أمورا غير واردة في القرن الحادي والعشرين، فستجد إسرائيل نفسها بعد اقل من عقدين أمام خيار التخلي عن يهودية الدولة والإقرار بان إسرائيل دولة ثنائية القومية ومنح العرب نوعا من الحكم الذاتي.
أثر الانتفاضة على النظام السياسي الإسرائيلي
تبين تصريحات الرسميين الإسرائيليين مدنيين وعسكريين، وبيانات الحكومة وما تتناقله الصحافة ووكالات الأنباء من إسرائيل، أن الانتفاضة فرضت نفسها على المجتمع الإسرائيلي وتركت آثارا مباشرة في كل مناحي حياته اليومية. ولا خلاف بين أنصار السلام في إسرائيل، وأنصاره في الحقلين الإقليمي والدولي على أن فوز شارون زعيم اليمين يوم ٧ شباط ٢٠٠٠ برئاسة الوزراء، كان بمثابة انقلاب سلمي في إسرائيل لعبت الانتفاضة وتعثر عملية السلام دورا محوريا في وقوعه. وهذا الانقلاب عكس تمرد أغلبية المجتمع الإسرائيلي على الوفاق الدولي وعلى القوى الإقليمية والدولية الراغبة في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي بالطرق السلمية، وصنع الأمن والاستقرار في هذه المنطقة المضطربة من العالم.
ويجمع أنصار السلام على ان نجاح هذا الانقلاب السياسي الجديد عمق مأزق عملية السلام على مساراتها الثلاث الفلسطيني والسوري واللبناني، وأطال أزمة المفاوضات على المسار الفلسطيني وزاد في تعقيدها. وبإمكان المؤرخين للصراع العربي الإسرائيلي اعتماد الانتفاضة وفوز شارون في الانتخابات، دون تردد، حدا فاصلا بين نهاية مرحلة من العلاقات الفلسطينية العربية ـ الإسرائيلية كانت أهدافها واضحة وطريقها معروفة، وبين بداية مرحلة جديدة شديدة التعقيد يصعب التكهن بأحداثها وتقدير جميع نتائجها النهائية. لاسيما وان المرحلة الجديدة بدأت بتهييج المشاعر الوطنية والقومية والدينية في عموم أرجاء الشرق الوسط. وتبخرت أوليات الثقة المتبادلة التي بنيت في السنوات الأخيرة بين وإسرائيل وأطراف في النظام الرسمي العربي، وحل محلها شك كبير بالنوايا. وتعمق الشرخ الذي ظل قائما بين الشعوب العربية والشعب الإسرائيلي. وظهر في إسرائيل من أدان رهان القيادة الإسرائيلية في عهد حزب العمل على إمكانية صنع السلام مع العرب وتسوية النزاع مع الفلسطينيين.
وفي زمن الانتفاضة، زادت نسبة الإسرائيليين المطالبين بحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي "الجيوسياسي" المتعلق بالأرض والحدود والمستوطنات والدولة الفلسطينية على قاعدة التعجيل بالفصل بين الشعبين وقيام دولتين لشعبين لهما حدودا دولية معروفة(٢٤).
وبصرف النظر عن رأي أطراف النظام السياسي الإسرائيلي في الانتفاضة فقد احتلت من اليوم الأول لانطلاقها موقعا بارزا في الفكر العسكري ـ الأمني الإسرائيلي. وأحدثت هزة سياسية قوية في النظام السياسي وغيرت خريطة تحالفاته السياسية والحزبية. وساهمت في عامها الأول في ميل المجتمع الإسرائيلي نحو مواقف قوى اليمين، وضعفت قوى اليسار وتقلصت الفروقات بين حزب العمل والجناح المعتدل في تيار اليمين. ووجد حزب العمل في ائتلافه مع حزب الليكود في حكومة اتحاد وطني باب نجاة مؤقت. ولا تزال تفاعلات الانتفاضة مستمرة تضغط على المجتمع الإسرائيلي وعلاقته الداخلية.
ويمكن التكهن بان هدوء الصراع بين الحزبين الكبيرين "العمل وليكود" حول عملية السلام وقضايا المفاوضات لن يعمر طويلا، وائتلافهما في إطار حكومة اتحاد وطني لن يدوم في زمن الانتفاضة أكثر من بضع شهور. ويمكن للجانب الفلسطيني المساهمة في تعجيل فك هذا التحالف إذا احسن إدارة الصراع وطرح مبادرات سياسية تحاكي خلافات الطرفين، وعكس ذلك صحيح أيضا. فوقف العمليات العسكرية ضد المدنيين في إسرائيل مثلا وتهدئة الوضع الأمني والوصول إلى طاولة المفاوضات يضع شارون في زاوية ضيقة. فموافقته على وقف الاستيطان يفجر علاقته مع الأحزاب اليمينية التي تؤمن بالاستيطان. ورفضه الالتزام بوقف الاستيطان يفجر علاقته بشريكه الرئيسي حزب العمل، ويوتر علاقته بالإدارة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي التي تتبنى وقف الاستيطان بكل أشكاله حسب تقرير "ميتشيل".
إلى ذلك، زرعت الانتفاضة حالة من القلق والاضطراب في صفوف نسبة واسعة من الإسرائيليين. وتقلص عدد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل. وألحقت الانتفاضة بالاقتصاد الإسرائيلي خسائر لا يستهان بها، وتضررت مصالح فئات واسعة من المجتمع. وتحطم فرع السياحة في وقت توقع ناسه ازدهارا قويا في نهاية الألفية السابقة وبداية الألفية الجديدة، وألغى مستثمرون أجانب ومستثمرون محليون مشاريع استثمارية كبيرة في هذا الفرع. وأصيبت فروع البناء والصناعة والتجارة والزراعة بأضرار واسعة، نجمت عن نقص في العمالة الفلسطينية الرخيصة وتدني التصدير إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية. وإذا كان ضجر أصحاب رؤوس الأموال وأرباب العمل في إسرائيل من الخسارة لا يزال خافتا، فاستمرار الأوضاع على ما هي عليه فترة أطول يدفع بهم إلى التعبير عن ضجرهم من الأوضاع التي وضعهم فيها باراك وتفاقمت في عهد شارون. ولن يتأخروا في اتهام رئيس الحكومة شارون ووزير دفاعه بن إليعازر "فؤاد" بالفشل في تحقيق الأمن والسلام التي وعدوا بها، وهي ذات التهم التي وجهت لباراك في أواخر حكمه ولم يصوتوا له بسببها.
وأكدت الانتفاضة للعالم أن لا سلام مع الاستيطان، وبينت لأغلبية الإسرائيليين أن تعايش المستوطنين مع الفلسطينيين المحيطين بالمستوطنات أمر مستحيل. وبينت دور الاستيطان في تفجير الصراع وإدامته. وزعزعت ثقة المستوطنين بمشروعهم وتحولت حياة بعضهم إلى جحيم وزاد عدد الشقق الخالية في معظم المستوطنات وتدنت أسعار البيوت فيها وبخاصة المستوطنات المعزولة والقريبة من المدن والقرى الفلسطينية، وتلك التي صنفها اسحق رابين تحت بند مستوطنات سياسية. وعززت الانتفاضة أطروحة حزب العمل حول الاستيطان. وظهر للإسرائيليين أن مجاراة مطالب المستوطنين الأمنية وتوجهاتهم التوسعية في الأرض الفلسطينية مكلف أمنيا وسياسيا وماليا. ويلحق أضرارا فادحة بسمعة إسرائيل وعلاقاتها الإقليمية والدولية وبالاقتصاد الإسرائيلي. ويزج الإسرائيليين في صراعات دموية بداياتها معروفة ونهاياتها مجهولة. وزادت قناعة أنصار صنع الأمن والاستقرار في المنطقة بان الاستيطان عقبة كأداء في طريق السلام يمكنها تدمير بذوره.
وخلال عام من عمرها، مست الانتفاضة بعض مرتكزات الأمن في إسرائيل. وإذا كان بناء أمن استراتيجي قوي للدول والحفاظ عليه يتحققان بمقدار ما تنجح الدولة في توسيع شبكة المصالح الأمنية المشتركة مع التجمعات والدول المحيطة بها وإقامة علاقات سلام ثابتة مع جيرانها، فالأمن الخارجي الإسرائيلي صارا بعيدا المنال في زمن الانتفاضة.
والواضح أن القيادة الإسرائيلية فوجئت بسرعة التحول في مواقف رجال الأمن والشرطة الفلسطينية، وانخراطهم السريع في الدفاع عن أهلهم وعن شرف السلاح الذي حملوه. وبعد عام من عمر الانتفاضة أدرك قادة الأذرع الأمنية الإسرائيلية ان عهد اعتماد إسرائيل على أجهزة الأمن الفلسطينية في ضبط الأمن في المناطق الفلسطينية وفقا للمفهوم الإسرائيلي قد انتهى. وبات قادة الجيش الإسرائيلي يعتبرونها قوات اقرب إلى المعادية، وتحولت في كثير من الأحيان إلى هدف لإطلاق النار. ولم يعد بإمكان الطرفين الحديث عن العودة إلى تعاون وتنسيق أمني بصيغته القديمة، بعد ان أطلق رجال الأمن من الطرفين النار على بعضهما البعض، وسقط عدد كبيرة من القتلى والجرحى. فسقوطهم اسقط أسس الترتيبات الأمنية المشتركة المعروفة التي نظمت علاقاتهما بعد اتفاق أوسلو.
وكشفت "هبة العرب" في إسرائيل للرأي العام العالمي عيوب أساسية في تكوين دولة إسرائيل الديمقراطي، وفي مجال حماية حقوق الإنسان. ومع سفك إسرائيل دماء ١٣ مواطن عربي من حملة الهوية الإسرائيلية فتح جرح الفلسطينيين القديم في الجليل والمثلث والنقب(٢٥). وظهر للجميع ان تجاهل علاجه منذ العام ١٩٤٨ كان خطئا إسرائيليا استراتيجيا كبيرا يستدعي التصحيح. وإذا كان ليس واضحا الآن طبيعة العلاج التي يفكر بها الإستراتيجيين الإسرائيليون لهذا الجرح العميق، فالمؤكد ان هبة العرب في إسرائيل لنجدة انتفاضة إخوانهم والدفاع عن مقدساتهم فتحت جبهة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي. لا تستطيع القيادة الإسرائيلية، ولا القيادة الفلسطينية وحكومات الدول العربية تجاهلها في السنوات المقبلة.
وفي مرحلة الانتفاضة يستطيع الإنسان العادي رؤية بدأ مرحلة انحسار علاقات السلام العربية ـ الإسرائيلية وتدهورها بتسارع كبير واندفاع الصراع في منحى ديني خطير لا حل له. وبجانب قرارات القمتين العربيتين سحبت مصر والأردن سفيريهما من تل أبيب، وأغلقت الدول العربية الأخرى مكاتبها التمثيلية. وتدهورت علاقة إسرائيل مع مصر اكبر بلد عربي وشريكها الرئيسي في عملية السلام وتكاد تصل درجة القطيعة. وخلال فترة الانتفاضة ارتفعت درجة التوتر في العلاقات السورية اللبنانية ـ الإسرائيلية إسرائيل اكثر من أي وقت مضى. وأعاد النظام الرسمي العربي الحياة لمكتب المقاطعة العربية التابع لجامعة الدول العربية. ومما لا شك فيه ان استمرار شارون في سياسته المعادية لعملية السلام ومواصلة تنكيل أجهزة الأمن الإسرائيلية بالفلسطينيين تدفع بالعلاقات العربية الإسرائيلية عامة والأردنية المصرية على وجه الخصوص إلى مزيد من التدهور والتعقيد.
إلى ذلك، أعادت الانتفاضة لذهن الرأي العام العالمي صورة إسرائيل المعتدية على العرب والفلسطينيين. وأظهرت بوضوح عدم احترام إسرائيل للاتفاقات وكل ما تتعهد به، ولا تعير السلم العالمي أي اهتمام يذكر. ولم تتردد معظم الدول الأوروبية والإسلامية والأفريقية المهتمة بقضايا منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة تلك التي ساندت عملية السلام ورعتها ومولتها في تحميل الحكومة الإسرائيلية مسئولية رئيسية عن تدهور أوضاع المنطقة. وتطالبها بالالتزام بالاتفاقات الموقعة مع الجانب الفلسطيني وتنفيذ ما استحق منها وإنهاء سياسة الإغلاق وفك الحصار المضروب حول الشعب الفلسطيني والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وإن تمترس القيادة الإسرائيلية خلف المتاريس الأيدلوجية والسياسية والعسكرية وتمسكها بفكر المحتل وعنجهيته وإصرارها على كسر شوكة الفلسطينيين وإخضاعهم بالقوة يجعل ما وقع من اشتباكات سياسية وعسكرية بين الطرفين كاف تماما لتكوين خميرة نوعية لاشتباكات لاحقة، اكبر واخطر واعنف، حتى لو هدأت المواجهات فترة من الزمن. واستمرار إسرائيل باعتماد خيار الحل العسكري للانتفاضة يزج المنطقة في صراعات دموية جديدة لا طائل منها وينذر بانفجار الأوضاع بصورة اعنف.
وإذا كان أهل الانتفاضة يجمعون على ان لا عودة بالأوضاع والعلاقات إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة، فدعاة السلام في إسرائيل وكثير من أركان المؤسسة الأمنية والعسكرية باتوا مقتنعين بهذه المقولة. ويجاهرون بشكوكهم في قدرة الحلول الأمنية ـ العسكرية على إخماد الانتفاضة. وبات أنصار السلام والواقعيون الإسرائيليون يؤمنون ان الإصرار على الحل العسكري للانتفاضة والتأخر والتلكؤ في البحث عن حل سياسي يؤجج نيرانها. وقد يحرق كل الأوراق والاتفاقات التي تمت بين السلطتين ويدمر علاقات السلام التي نشأت بين الشعبين. ويجرف معه الجهود الدولية والإقليمية الكبيرة التي بذلت على مدى عشر سنوات ويعيد أوضاع المنطقة إلى حالة الحرب والكراهية والعداء التي كانت سائدة قبل اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣، وقبل انطلاق عملية السلام من مدريد في العام ١٩٩١.
هل ضاعت فرصة صنع السلام في المنطقة
بعد عشر سنوات من النشاط السلمي الواسع"١٩٩١ـ٢٠٠١"، بينت وقائع الحياة ان ما استخلص حول آفاق عملية السلام غير ثابت وغير دقيق. وان جميع اللقاءات والمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، العلنية والسرية، والاتفاقات الكثيرة التي توصل إليها الطرفان لم تبني أخلاقية واضحة ومبادئ ثابتة لعلاقة سلمية دائمة ومتطورة بينهما. وان النشاط الدولي والإقليمي الهائل الذي بذل من اجل السلام لم يبن سياجا متينا يحمي الاتفاقات وعلاقات السلام من عدوانية القوى المتطرفة. ولم ينجح في إرساء الأسس اللازمة لبقاء خيار السلام خيارا ووحيدا لمعالجة الصراع. وظهر الإسرائيليون أمام الفلسطينيون قبل وبعد مفاوضات كامب ديفيد الثلاثية وطابا، انهم غير ناضجين لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على أسس عادلة. وبالمقابل ظهرت القيادة الفلسطينية أمام الإسرائيليين وأمام الإدارة الأمريكية أنها غير ناضجة لسلام واقعي، خصوصا عندما تمسكت بالقرار١٩٤، الخاص بحقوق اللاجئين. وتمسكت بحقهم في العودة إلى أرضهم التي صار اسمها إسرائيل.
وأيا تكن خلفيات انتخاب شعب إسرائيل شارون في شباط ٢٠٠١، رئيسا لوزراء بأغلبية كبيرة، فانتخابه غيّر قواعد اللعبة السياسية الأمنية التي حكمت علاقة الفلسطينيين بالإسرائيليين منذ اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣. ووجوده في قمة الهرم السياسي كاف تماما لإبقاء عملية السلام في حال مزرية طيلة فترة حكمه. وهو لم ولا يخفي عدائه لاتفاق اوسلو ولجميع الاتفاقات التي تلته، وله مفهومه الخاص للسلام ينسف الأسس التي بنيت عليها عملية السلام. ويسعى جاهدا إلى تحقيق أحلام المتطرفين الذين انتخبوه. وبدأ عهده بالإصرار على تغيير قواعد المفاوضات من جانب واحد، ويطرح حلولا مرحلية طويلة الأمد بدلا من الالتزام بمواصلة المفاوضات حول قضايا الحل النهائي من حيث انتهت في عهد من سبقوه.
لا شك في ان تبخر فكر السلام في الشارعين الفلسطيني والإسرائيلي وانفجار الصراع الدموي بينهما من جديد، غير قواعد اللعبة السياسية ووضع منطقة الشرق الأوسط على أبواب مرحلة لا تزال في طور التشكل والتكوين، تشبه إلى حد كبير المراحل التي سبقت اتفاق أوسلو ومؤتمر مدريد. والتدقيق في حال عملية السلام على المسارين السوري واللبناني في زمن الانتفاضة وزمن شارون وقبلهما، يبين ان هذين المسارين سبقا المسار الفلسطيني واستقرا في قلب مرحلة الجمود منذ فشل اللقاء الذي جمع الرئيس كلينتون بالرئيس المرحوم حافظ الأسد في جنيف في آذار عام ٢٠٠٠. ويفترض ان لا يكون خلاف بين أنصار صنع السلام في المنطقة على أن عملية السلام على هذين المسارين تزودت في مرحلة، الانتفاضة ـ شارون، بمزيد من مقومات التعقيد والجمود. وبات في حكم المؤكد أن العلاقات السورية اللبنانية ـ الإسرائيلية مرشحة لمزيد من التدهور في عهد شارون. وليس عاقلا من يتصور ان القيادة السورية الجديدة مستعدة لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل من نقطة الصفر كما يطالب شارون، أو الموافقة إعادة فتح ملف الترتيبات الأمنية بعد إغلاقه في عهد الرئيس المرحوم الرئيس حافظ الأسد. ولا يمكنها قبول إعادة البحث في مسألتي المستوطنات والانسحاب من الأراضي السورية المحتلة، بعد موافقة الحكومات الإسرائيلية السابقة، بحضور "كلينتون" الشاهد العدول في نظر الإسرائيليين، على إزالة جميع المستوطنات والعودة إلى خطوط الرابع من حزيران ١٩٦٧. وتمحور الخلاف فقط حول بضع مئات من الأمتار على شاطئ بحيرة طبريا الشمالي الشرقي فقط. ومن غير المعقول أيضا ان توافق القيادة السورية الجديدة على أن يكون الانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان مختلف عن الذي نفذه في جنوب لبنان. أو قبول الدخول في بحث الحلول المرحلية الطويلة التي يدعو إليها شارون، خاصة انه يصر على ان تبدأ أولا بتطبيع العلاقات وعمل ترتيبات ميدانية تضمن أمن إسرائيل.
وبصرف النظر عن الدوافع والأسباب التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من جنوب لبنان بعد قرابة عشرين عاما من احتلاله، فالتزامها بتنفيذ القرار ٤٢٥ يؤكد ان قرارات الشرعية الدولية لا تموت بتقادم الزمن عليها. ومن التزم ونفذ القرار ٤٢٥ الخاص بجنوب لبنان لا يستطيع الاستمرار في التهرب في تنفيذ القرارين ٢٤٢، و٣٣٨ المتعلقين بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية والسورية التي احتلت في العام ١٩٦٧. وبديهي القول إن الحكومة اللبنانية لن تقبل هي الأخرى بقاء مزارع شبعا وأجزاء أخرى من الأراضي اللبنانية محتلة إلى الأبد، وبقاء مواطنيين لبنانيين معتقلين في السجون الإسرائيلية. ولن تتفاعل مع رغبات شارون بوقف نشاط المقاومة اللبنانية مقابل وعد بعدم تدمير البنية التحتية للمجتمع المدني اللبناني.
وإذا كانت هذه هي مقدمات المرحلة الجديدة، الانتقالية، التي دخلتها المنطقة بعامة، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي خاصة فبالإمكان تخيل مجريات الأحداث في الشهور القادمة وتخيل بعض نتائجها المحتملة على عملية السلام الراكدة في غرفة الإنعاش الدولية. لاسيما وان الطبيب الأمريكي "الجديد"، "إدارة بوش"، الذي يتولى الإشراف على حالتها أعلن انه لا يملك العلاج اللازم لشفائها، ومنح نفسه إجازة طويلة. وخفّض وتيرة تدخله المباشر لحل أزمتها المعقدة، وترك أهل المنطقة يتدبرون أمرها فيما بينهم. ويطالبهم بخفض وتيرة العنف والوصول إلى تفاهم ما، وهو يعرف انهم سئموا من العملية السلام وبعضهم يسعى لوأدها والخلاص منها، وان ما وقع بين الطرفين في العام الأخير يحول دون أي تفاهم بينهما.
في ظل هذه الصورة الواقعية القاتمة يمكن القول بثقة ان استئناف المفاوضات على أي من المسارين السوري ـ اللبناني الموحد والمسار الفلسطيني، يحتاج في عهد شارون، إلى معجزة في زمن ولى فيه وقوع المعجزات. خاصة ان شارون يضع شروطا تعجيزية على استئنافها وتعهد أمام جمهوره وشركاؤه في الحكم من أحزاب اليمين برفض اعتماد أية مواقف أو تفاهمات أو اتفاقات لم يصادق عليها الكنيست. ويوظف كل الإمكانات لمسح المربعات والخطوط الزرقاء والصفراء والحمراء التي رسمها المفاوضون الفلسطينيون والسوريون والإسرائيليون على الخرائط في المفاوضات السابقة.
ويجمع المراقبون على ان تعطل عملية السلام على مساراتها الثلاث، الفلسطيني والسوري واللبناني، وما راكمه صراع عام من الانتفاضة على ارض الضفة وقطاع غزة، فتح باب الصراع العربي الإسرائيلي على احتمالات عدة جميعها ليست في صالح استمرار عملية السلام العربية الإسرائيلية. وأقوى هذه الاحتمالات احتدام الصراع واهتزاز استقرار اتفاقات السلام الفلسطينية العربية ـ الإسرائيلية. وينتظرون تطورات نوعية كبيرة تقود إلى: توسع نطاق الصراع وتمدده إلى خارج حدود فلسطين التاريخية، أو انهيار الموقف الفلسطيني واستسلامه تحت ضربات شروط شارون. او تراجع شارون عن شروطه واقتناعه بخطأ اعتقاده ان العرب يتنازلون اكثر كلما حشروا واضطهدوا اكثر..ومراجعة تاريخ شارون السياسي وأسلوبه في تنفيذ قناعته إبان إشغاله مناصب رسمية، يؤكد انه مخلص لمبادئه العنصرية المتطرفة. وإذا كان شارون لم يتورع عن خديعة حكومته وشعبه اكثر من مرة وكذب على مناحيم بيغن رئيس الوزراء في قضية مصيرية إبان حرب ١٩٨٢(٢٦)، فهذا دليل كاف للعرب عامة وبخاصة الفلسطينيين ان لا ينخدعوا بأقواله طيلة فترة حكمه، وان يحضروا أوضاعهم لمواجهة أسوأ الاحتمالات.




الهوامش والمراجع
١) راجع نص المبادرة في كتاب "قصة اتفاق أوسلو ـ طبخة أوسلو"ـ ممدوح نوفل ـ الأهلية للنشر والتوزيع / عمان ١٩٩٥.
٢) قبل الذهاب الى مؤتمر مدريد انقسم النظام السياسي الفلسطيني على نفسه وتشكلت "جبهة الرفض" ضمت الى صفوفها قوى رئيسية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية وحركة حماس ومنظمة الصاعقة الموالية لسوريا. وبعد توقيع اتفاق أوسلو ظهر في الساحة الإسرائيلية قوى وازنه عارضت الاتفاق. وعارضته ايران وسوريا ولبنان وقوى شعبية عربية كثيرة. وعملت جميع قوى المعارضة كل من موقعه على "إسقاط اتفاق أوسلو. وفي إسرائيل اغتال أعداء أوسلو اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي. ولا تزال قوى المعارضة تعمل الفلسطينية والإسرائيلية تضغط باتجاه إفشال عملية السلام، وتدمير الاتفاقات التي انبثقت عنه
٣) راجع كتاب "الانقلاب" ـ ممدوح نوفل ـ دار الشروق عمان ١٩٩٦.
٤) بعد التوصل الى اتفاق أوسلو على المسار الفلسطيني وقع الطرفان الأردني والإسرائيلي معاهدة سلام في وادي عربة، وعرف الاتفاق باسم المكان.
٥) بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ اعتمد العرب استراتيجية "ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة". وبعد مؤتمر مدريد للسلام غير العرب هذه الاستراتيجية واعتمدوا استراتيجية جديدة تقوم على استرداد الحقوق الفلسطينية والعربية عبر المفاوضات.
٦) في ظل حالة الحرب التي عاشتها الدول العربية المحيطة بفلسطيني كانت الأحكام العرفية سيدة الموقف. وبعد توقيع اتفاقات السلام انتعشت الديمقراطية بنسبة وأخرى في هذه الدول، ومنحت حرية نسبية للعمل الحزبي والصحافة المحلية.
٧) خلال عشر سنوات من عمر عملية السلام ذهب الإسرائيليون الى صناديق الاقتراع أكثر من ضعف عدد المرات المقرة رسميا في القانون. وتعاقب على رئاسة الوزراء ستة رؤساء وزارات هم شامير ورابين وبيريز ونتنياهو وباراك وشارون.
٨) نصت رسائل الدعوة الى مؤتمر مدريد والمؤتمر المتعدد الأطراف على هذا الحق، وشارك غالبية الدول العربية في هذين الإطارين على هذا الأساس. وفي اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقات انتقالية فرعية تعهدت قيادة منظمة التحرير بحفظ الأمن في المناطق التي نقلت إليها، وضمنها حفظ أمن المستوطنات والمستوطنين لحين انتهاء مفاوضات الحل النهائي.
٩) راجع روايات أعضاء الوفد الفلسطيني الى مفاوضات كامب ديفيد وطابا ـ كتاب "الانتفاضة ـ انفجار عملية السلام"، ينشر على حلقات في عدد من الصحف العربية وسيصدر قريبا عن دار "الأهلية للطباعة والنشر والتوزيع" عمان.
١٠) لمعرفة مزيد من التفاصيل حول مواقف الاتجاهات الثلاث في إطار المؤسسات الفلسطينية وخارجها راجع كتاب الانقلاب، مصدر مذكور أعلاه.
١١) راجع نص ورقة "أفكار الرئيس كلينتون"، ومجريات مفاوضات كامب ديفيد وطابا في كتاب "الانتفاضة ـ انفجار عملية السلام" ـ مصدر مذكور أعلاه.
١٢) ومؤخرا دخلت "فلسطين" قاموس السياسة الدولية عندما تحدث الرئيس الأمريكي بوش أمام دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة عن "تعايش بين دولتا إسرائيل وفلسطين".
١٣) عدد سكان الضفة وقطاع غزة الخاضعين لسلطة السلطة الفلسطينية يزيد على ثلاثة ملايين انسان، يضلف لهم قرابة مليون يعيشون في أسرائيل ـ راجع منشورات مركز الإحصاء الفلسطيني ـ رام الله.
١٤) للإطلاع على تسلسل تطور الموقف الفلسطيني، راجع قرارات المجلس الوطني الفلسطيني قبل وبعد الدورة العشرون التي عقدت في الجزائر في العام ١٩٨٨ـ منشورات المجلس الوطني الفلسطيني.
١٥) راجع نتائج استطلاعات الرأي التي تنشرها المراكز الفلسطينية تباعا.
١٦) يبلغ عدد الموظفين في أجهزة السلطة الفلسطينية المدنية والعسكرية والأمنية والمتفرغين في الأحزاب المشاركة فيها أكثر من ١٦٠ألف. اي ان قرابة مليون مواطن فلسطيني يعتمدون في حياتهم اليومية بشكل رئيسي على السلطة الفلسطينية.
١٧) راجع حدود وشروط كل مرحلة في نص رسالة الدعوة الى مؤتمر مدريد كتاب "طبخة اوسلو" مصدر ورد ذكره.
١٨) راجع مجريات محادثات طابا وكامب ديفيد الفلسطينية الإسرائيلية ـ كتاب "الانتفاضة انفجار عملية السلام" ت مصدر ورد ذكره .
١٩) راجع نص القرار في قرارات الدورة العشرين للمجلس الوطني الفلسطيني ـ وثائق المجلس الوطني.
٢٠) تمثلت العارضة من خارج السلطة وخارج منظمة التحرير بحركة حماس، وحركة "فتح الانتفاضة"، وحركة الجهاد الإسلامي. ولا تزال هذه القوى خارج هذين الإطارين تعارض عملية السلام والاتفاقات جملا وتفصيلا.
٢١) راجع قرارات دورة المجلس الوطني التي عقدت في قطاع غزة بعد دخول السلطة الوطنية. وكانت ثاني دورة تعقد على الأرض الفلسطينية بعد الدورة الأولى التي عقدت في القدس في العام ١٩٦٥.
٢٢) شارك في تلك المفاوضات كل من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي باراك ورئيس منظمة التحرير ياسر عرفات. واستمرت أكثر من أسبوعين متواصلين. وكان المناقشات حامية بلغت قول عرفات للرئيس كلينتون: موافقتي على طلبك مشاركة إسرائيل في السيادة على الحرم القدسي الشريف والتنازل تعني ان تسير في جنازتي خلال فترة قصيرة. راجع كتاب الانتفاضة ـ انفجار عملية السلام"، مصدر ورد ذكره سابقا.
٢٣) راجع قرارات قمتي القاهرة وعمان اللتين عقدتا في زمن الانتفاضة.
٢٤) قبل الانتفاضة كان حزب الليكود والأحزاب اليمينية الأخرى ترفض من حيث المبدأ فكرة الفصل انطلاقا من قناعة تقوم على اعتبار "الضفة الغربية جزء من ارض الميعاد التي وهبها الرب لبني إسرائيل". بعد الانتفاضة غير غالبية هذه القوى مواقفهم وبات أركان في حزب ليكود وضمنهم رئيس الدولة موشي كتساب يطالبون بالفصل بين الشعبين ولكل طبعا مفهومه الجغرافي لهذا الفصل.
٢٥) هيجت زيارة شارون ساحات الحرم القدسي الشريف حالة التوتر التي كان يعيشها الفلسطينيون في إسرائيل نتيجة حالة التمييز والقهر التي يعيشوها في إسرائيل. وبعد بضع ايام من الزيارة تحركوا في مظاهرات سلمية عارمة أطلقوا عليها "هبة العرب في إسرائيل" من اجل الأقصى ورفع الظلم. في حينه استخدمت قوات الشرطة وحرس الحدود الذخائر الحية وقتلت ١٣، وشكلت لجنة تحقيق بالحادث لا تزال هذه اللجنة تواصل تحقيقها مع الجهات المعنية.
٢٦) راجع كتاب " الحرب المضللة" ـ زئيف شيف وايهود يعاري ـ ترجمة دار الجليل عمان ١٩٨٥.

ممدوح نوفل

http://www.mnofal.ps/articles/?nb=144&lg=ar
+ نوشته شده در چهارشنبه هفدهم فروردین 1384ساعت 3:13 بعد از ظهر توسط حمید |

بقلم: محمد صلاح العطار
2004/3/3

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=540

المقدمــة

لا شك ان اطلاق الاحكام ذات الطبيعة السياسية، ضمن التصنيفات المعهودة من قبيل يمين ويسار، رغم مصداقيتها في وصف المواقف ومن ضمنها مواقف الاكاديمية الصهيونية، قد لا تفي بالغرض المطلوب والمرغوب في آن معاً، في التطرق لنتاجات الفكر المتبلور بمنطلقاته النظرية وفرضياته وميادين تطبيقاته المختلفة، ضمن تداخلاته في المجالات العديدة، وايضاً من خلال الرؤية التي يبشر بها ويروج لها، ومع ذلك فان الاكاديمية الصهيونية بنزعتها الاقصائية التي تصر على افراغ المنتج الفكري من أي محتوى قيمي وتسعى جاهدة للابتعاد به عن جدلية ارتباط الفكر بالموقف، فهذه النزعة ورغم ما تدعيه من الموضوعية الاكاديمية، وكما هو الحال مع مركز القدس الاسرائيلي للشؤون العامة، وقعت أسيرة للانغلاق المحكم والتعصب الشوفيني الأعمى ووضعت نفسها في موقع العداء السافر للشعب الفلسطيني وتطلعاته وامانيه الوطنية وحقوقه المشروعة، وفي ذات الوقت تدفعها انغلاقيتها الى ممارسة التغييب الاقصائي للمثقفين اليهود في داخل اسرائيل وفي العالم عبر الصاقها الاتهام بالعداء للصهيونية بالمثقفين الاوروبيين واصوات معينة بالتحديد من اليسار الامريكي، في محاولة واضحة لتصدير الازمة، التي تعصف بالبنية الفكرية اليهودية وبما تحمله من تجليات وتداعيات على مجمل الحياة الثقافية في اسرائيل .

في مجمل القضايا التي تثيرها الاكاديمية الصهيونية، وبغض النظر عن أي موضوع تطرقه بالمتضمن الذي تحتويه في سيرورتها من الافتراض مروراً بالمنطلق، تتمترس خلف الرؤية الأحادية المجزوءة محكومة بالانغلاقية الشديدة للخصوصية المدعاة، والتي بدورها انتجت جدلية الزيف التاريخي بكل ما تحويه من تعاكسية الاستخلاصات والنتائج . وعلى ذلك فان التقنيات المستخدمة في الاطروحات على اختلافها وبآلياتها المتنوعة سخرت ووظفت لقلب الحقائق رأساً على عقب، فالسرد التاريخي الاجتراري بالتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين ضمن افتراضات رواية الحدث وتسخير المنطلقات وانتزاع الاقتباسات من خارج السياق، حتماً يقود الى الرفض وعدم الاقرار بقرارات الشرعية الدولية وارادة المجتمع الدولي وبالتالي ترويج الاطروحات التي تنادي بحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الاراضي الفلسطينية والدول المضيفة وإعفاء اسرائيل من المسؤولية وما يترتب عليها من التزامات أخلاقية وعملية .

ان المعضلة الاساس للسلام المنشود في الشرق الاوسط، تكمن في طبيعة وجوهر الصراع العربي – الاسرائيلي والذي وان كان على تشابه مع النزاعات الاقليمية الاخرى في أرجاء عديدة من العالم، الاّ انه ينفرد ويمتاز عنها بكونه مختلفاً وليس على ذات النمط، وعلى العكس تماماً من المقاربة التي تطرحها الاكاديمية الصهيونية بالزج القسري للمثال القبرصي بالاشارة الى عناصر مشتركة تتضمن الزعم باحتواء البيئة القبرصية ايضاً للاحقاد القديمة والتحريض الديني والحروب والارهاب احتلال اراض ومطالب لاجئين وايضاً المستوطنات والمستوطنين، هذه المقاربة التي وظفت في الترويج للانفصال الاسرائيلي احادي الجانب المرتكز على جدار الفصل العنصري، لا ترتكز على أي منطق فالمشكلة القبرصية بتعقيداتها وبالتطورات التي آلت اليها، لا تحمل أي تشابه مع القضية الفلسطينية بأي وجه من الوجوه ولا حتى في السياق التاريخي العام، وحتى في الحالة الاقرب، الجنوب افريقية، فان اسرائيل بارتكازها على ايدلوجيا الحلم الصهيوني وأرض اسرائيل الكاملة، اكثر عدائية وبطشاً من جنوب افريقيا العنصرية (الابرتهايد)، فهي زيادة على العدوانية والغطرسة والصلف، قامت في مرحلتها الاولى باقتلاع الشعب الفلسطيني من ارضه وتهجير وتشريد غالبيته العظمى الى بلدان اللجوء والشتات، وفي مرحلتها الثانية بعد حرب حزيران 1967، مارست ابشع مظاهر الاستعمار الكولينيالي – الاستيطاني على الاراضي الفلسطينية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وفي مرحلتها الثالثة، بعد التوقيع على اعلان المبادىء في ايلول 1993، عمدت الى اجهاض اتفاقات اوسلو عبر المماطلة والتهرب المتواصل من تنفيذ الاتفاقات المبرمة برعاية دولية وسعت لاجتثاث السلطة الوطنية الفلسطينية والضم الفعلي لمجموع الاراضي الريفية الفلسطينية خارج التجمعات السكنية، وتغذية ورعاية الاستيطان الاستعماري – الكولينيالي في الاراضي الفلسطينية .

خلال العقد الاخير، شهدت الساحة الاسرائيلية انعطافات متلاحقة نحو اليمين وبنتيجتها تجذرت وتنامت النزعات العدوانية في المجتمع الاسرائيلي وطال التهميش المستمر قوى السلام، وهذا مرده بالاساس لتقاعس حكومة ائتلاف اليسار بزعامة اسحق رابين واعاقتها التوقيع على اتفاق الخليل والتردد في انجاز تنفيذ الاتفاقات المرحلية والتهيئة لمفاوضات الحل النهائي . حيث آثرت حكومة يسار الوسط مردودات الاجماع الوطني تماشياً مع مقولة، ان الحسم في القضايا المصيرية يحتاج لتأييد وتعاضد ومساندة قوى اليمين الاسرائيلي، ولم تكن حكومة ايهود باراك العمالية بأفضل حال من حكومة اسحق رابين "اليسارية"، بل انها ونتيجة للنهج الذي اتبعته قادت المجتمع الاسرائيلي نحو انعطافته الكبرى باتجاه اليمين وجسدت التحاق حزب العمل بمواقع اليمين عبر المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية برئاسة اريئيل شارون .

ليس من قبيل المبالغة القول بان السلام المنشود في الشرق الاوسط بات مستحيلاً ومتعذراً وغير قابل للتحقيق، ذلك لان اطروحة اريئيل شارون في مؤتمر هرتسيليا الاقتصادي بفك الارتباط والانفصال احادي الجانب، جسدت الترجمة الفعلية للمفهوم الاريكشاروني للتسوية الذي يرتكز على السيطرة الاسرائيلية على السفوح الغربية لسلسلة الجبال باتجاه خط الرابع من حزيران 1967، وكذلك السيطرة على السفوح الشرقية المطلة على الاغوار وعلى طول الشريط المحاذي لنهر الاردن .

1- منطلقات نظرية فيما يحلو لمركز القدس الاسرائيلي للشؤون العامة، ومن باب التعريف بنفسه بلغة احصائية، التنوية بمشاركة 300 باحث في برامج الدراسات البحثية التحليلية ومن ضمنهم 80 من طاقمه البحثي وبنتاج يتجاوز 700 من الاعمال، فان المركز الذي اسسه الدكتور دانيال اليعازار ويترأسه الدكتور دوري جولد، سفير اسرائيل السابق لدى الامم المتحدة وعبر الاطروحات العديدة الصادرة عنه، بتناولها للقضية الفلسطينية سواء بربطها بقضايا الصراع العربي – الاسرائيلي او بجدلية التأثير الترابطي ما بين الاجندة الداخلية الاسرائيلية والاوضاع في الاراضي الفلسطينية، يتمترس خلف ذات المنطلقات ويسوق ذات المسوغات ويصل لذات الاستخلاصات والنتائج التي تنبري الاكاديمية الصهيونية في الترويج لها .

* التناظر التاريخي والسلام الديمقراطي في اطروحته المعنونة "اخفاق الادراك والخداع الذاتي": المسعى الاسرائيلي للسلام في سياق الارتباط بالحالات التاريخية" . وكما في عمله البحثي المعنون "العهد المنقوض للسلام الديمقراطي: اسرائيل والسلطة الفلسطينية . يلجأ الكاتب الاسرائيلي جوئيل فيشمان الى استخدام آلية التعزيز الالحاحي الممنهج في بلورة منطلقاته الفكرية وصياغة المفاهيم النظرية، ومن ثم تسخيرها في اظهار الفكرة المنتجة بكل تجلياتها واسقاطاتها القسرية والجبرية وبالرؤية التي تتبناها وتروج لرسالتها المبتغاة .

ينطلق جوئيل فيشمان من نقطة البداية بتفحص السجل التاريخي الحافل بالامثلة العديدة لاخفاق الادراك والخداع الذاتي، في معرض تقييمه لتجربة القيادة الاسرائيلية في مرحلتين تاريخيتين، حرب اكتوبر 1973 والتوقيع على اعلان المبادىء واتفاقات اوسلو وحتى نهاية مرحلة رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود باراك (1)، وضمن ذات المنطلقات يرى جوئيل فيشمان بأن، رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اسحق رابين قد وقع اسيراً للاخفاق الادراكي والخداع الذاتي، باعتقاده ان التوقيع على اعلان المبادىء واتفاقات اوسلو ليس الاّ مجرد مخاطرة محدودة ومحسوبة من أجل السلام، وذلك ضمن الجدلية التالية:-

- التركيز المبالغ فيه حول قوة اسرائيل الاقتصادية بالمقارنة مع جيرانها، وما يتطلبه ذلك من الخوض بامكانيات الاولويات الاقتصادية على الاجندة الاسرائيلية . - اعتبار كلاً من ايران والعراق اكبر اعداء اسرائيل واغفال الخطر الفلسطيني باعتباره خطراً تكتيكياً وان انهيار اتفاقيات اوسلو سيأتي على اسرائيل بمخاطر في الحد الأدنى. - الاعتماد على الدعم الامريكي في التعويض عن مخاطر السلام من خلال الركون لزيادة المساعدة الامريكية .

وعند التعرض لمرحلة ايهود باراك يذهب جوئيل فيشمان الى حد القول: ان حكومة باراك دخلت في تجربة الفشل الادراكي الكبير والخداع الذاتي الذي جلب نتائج ضارة وسلبية، وجوهر هذا الفشل السياسي ترافق مع رفض الحكومة التعاطي مع العديد من التحذيرات والمؤشرات الدالة على عدم فعالية سياستها، وجوهر هذا الرفض يكمن في تخلي حكومة باراك عن ورقتها البيضاء التي وثقت الخروقات الفلسطينية (2) .

في معرض تجييره للمنطلقات والافتراضات النظرية للتناظر التاريخي يستحضر جوئيل فيشمان النموذج الالماني النازي ليناظره ويماثله ويحاكيه مع النموذج الفلسطيني ضمن اسقاط اعتباطي لا تراعي فيه النزعة الاكاديمية المدعاة أبسط بديهيات المنطق السليم وضمن مقولة طنانة بكل ما تحويه من التهويل "ان دارس تاريخ القرن العشرين سوف يجد الكتاب الذي استعارت منه السلطة الفلسطينية صفحة او اثنتين . وكذلك "ان النموذج الالماني باستخدامه للدعاية كأداة لتعبئة المجتمع بمجموعة في التحضير للحروب، يمكن توضيحه اكثر من خلال التحريض الممنهج على كراهية اليهود واسرائيل الذي وجد تعبيره في النظام التعليمي الفلسطيني ووسائل الاعلام الفلسطينية واستخدام الاطفال الفلسطينيين في المواجهات العنيفة، هذه بمجموعها ليست احداث عشوائية بل جزءاً من البرنامج" .

في التمهيد للاستخلاص الاستنتاجي لاطروحة التناظر التاريخي يعلن جوئيل فيشمان ان الافتراضات الاساسية التي قامت عليها عملية السلام الاسرائيلية قد اثبتت عدم نجاعتها وهي:- - ان منظمة التحرير الفلسطينية ليست عدائية ومن الممكن ان تكون شريكاً محتملاً . - امكانية الحفاظ على الأمن بدون استخدام القوة الرادعة . - امكانية وقف الارهاب بازالة اسبابه . - ان النزاع بين الفلسطينيين والاسرائيليين يمكن انهائه من خلال المفاوضات . وعلى ذلك فان الاستخلاص الاستناجي يتضمن:- - ان صانعي السلام الاسرائيليين قد مكنوا العدو الفلسطيني من تأسيسس قاعدة قريبة من المراكز السكانية الاسرائيلية . - يتوجب فحص الاقتراحات التي شكلت الاساس للمبادرة الدبلوماسية التي عرفت بعملية اوسلو . - ان الاذى الكبير الذي يلحق بالأمن الاسرائيلي مرده سيرورة الاخطاء التي ابتدأت منذ التوقيع على اعلان المبادىء . - ان اسرائيل الآن تواجه المحطة الاكثر حرجاً وصعوبة في تاريخها ويتوجب على رئيس الوزراء اريئيل شارون حماية دولة اسرائيل من الآثار التراكمية لسنوات في الدبلوماسية الخاطئة من الاساس .

لا تختلف كثيراً اطروحة العهد المنقوض للسلام الديمقراطي: اسرائيل والسلطة الفلسطينية بخطوطها العامة ومنطلقاتها الاساسية عن ما تقدم به جوئيل فيشمان بمعالجته لنظرية التناظر التاريخي، الاّ أنه انتقل من الاستنتاج بعدم جدوى عملية السلام الى تصنيف السلطة الوطنية الفلسطينية بالكيان الفاشل الذي يتوجب ولمصلحة الجميع ان لا يكون اهلاً للترشح لمرتبة دولة (3) . وبذات الصدد تتمحور اطروحة السلام الديمقراطي حول دحض مقولة الباحث الامريكي مارتين كرامر التي تضمنتها دراسته المعنونة "ابراج عاجية فوق الرمال" مشيراً الى الاستثناء الفلسطيني كنموذج سائد في الدوائر الامريكية، معتقدا بان الفلسطينيين مجتمع مدني ناشط في داخل وخارج فلسطين بمؤسسات تمثيلية واتحادات وجميعات وقيادتهم تخضع للمسائلة وتسمح لهم بادارة شؤونهم، وانهم اثبتوا بان العرب قادرون على الحفاظ على الديمقراطية (4) .

في دحض مدنية المجتمع الفلسطيني ونشاطيته وتمتعه بمؤسسات تمثيلية وخضوع قيادته للمسائلة لا يلجأ فقط جوئيل فشمان للاسطوانة المشروخة والقائلة بان السلطة الوطنية الفلسطينية قد اصبحت نظاماً تسلطياً دفع بشعبه في اتون الحرب والكوارث، بل يستنجد بالجدول الثلاثي لتقسيم الدول الذي نادى به روبرت كوبير، مستشار رئيس الوزراء البريطاني اتوني بلير لشؤون السياسة الخارجية، الذي ورد في مقالته المعنونة "الامبريالية الليبرالية الجديدة"، والذي يجدّول فيها الدول في خانات ما بعد الامبريالية والعصرية الحدثية ودول ما قبل العصرية، وطبقاً للجدول فان السلطة الفلسطينية التي تشكل خطراً على الجيران وتحكم من قبل جماعات الجريمة المنظمة وغير المنظمة تندرج في خانة الدول الفاشلة، حالها حال الصومال وافغانستان، وعلى ذلك فلمصلحة كافة المهتمين بشؤون السلطة الفلسطينية ان يدرجوها تحت أي شكل، المتلقية للمنح وربما المحمية او أي تصنيف آخر، وهي بعد ان فقدت شرعيتها فهي لن تكون اهلاً للترشح لمرتبة الدولة.

مفهوم السلام الديمقراطي المزعوم، بتنكره لقرارات الشرعية الدولية وارادة المجتمع الدولي والاتفاقيات المبرمة برعاية دولية، يقود الى استخلاصات متناقضة ومتعاكسة، ففي الوقت الذي ينكر فيه على المجتمع الفلسطيني أهم مقوماته بكونه مجتمعاً مدنياً ناشطاً ويضع السلطة في مصاف الدول الفاشلة، يعتبر ان اسرائيل دولة ديمقراطية في حالة حرب وتعاني من عدم الاستقرار والتضخم وانخفاض الصادرات وازدياد في العجز التجاري وضياع الاستثمارات القادمة من الخارج وارتفاع البطالة وانخفاض عوائد الضرائب والدين الناتج عن التكلفة المباشرة لانهيار الأمن . ولكن ما يثير الاستهجان والرثاء ما تقدمه عصارة الاستخلاص بالقول: من خلال هذا المنظور فان قضايا مثل الكيمياء الشخصية وتقنيات التفاوض والهدنة وحتى التسوية المفروضة كلها تصبح ثانوية .

نظرية اللعبة لم يكن الدكتور ياكير بليسنير، استاذ الاقتصاد في الجامعة العبرية وعضو لجنة التوجيه لمركز القدس الاسرائيلي للشؤون العامة، في اطروحته المعنونة "النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين: تحليل منطقي"، أول من اخضع نظرية اللعبة، التي استخدمت لسنوات عديدة في الاقتصاد جنباً الى جنب مع نظرية التعاقد والاتفاق المسحوبة عليها ونظرية احتكار القلة، في الحكم على جدية موقف الرئيس ياسر عرفات تجاه قضايا النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي وقضايا السلام في الشرق الاوسط، فقد سبقه في هذا المضمار طاقم متخصص في جهاز الامن العام الاسرائيلي، قام ببلورة وصياغة وثيقة معنونة "ياسر عرفات: دخر ام عبء"، بناء على تكليف من رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ايهود باراك (5) . ونظرية اللعبة كما هو مفترض من الوصف الذي وصفت به، تتطلب الالتزام بقواعد اللعبة ومراعاة طريقة اللعب ضمن القوانين الخاصة بها لاحراز عدد النقاط الضرورية للفوز، ذلك ان تتابعية اللعبة بذات المفاهيم ونماذج التفكير المحددة تقود عبر طريق طويلة باتجاه التحليلات الممنهجة، وبناء على ذلك فان استخدام مبادىء نظرية اللعبة على النزاع الراهن يبدأ بتحديد الخيارات المتاحة لكل طرف وما يسعى لكسبه بالارتكاز على الخيار المتاح وما يريد ان يحقق تبعاً لذلك .

في ارساء البناء الافتراضي يضع ياكير بليسنير المدماك الأول باختيار الرئيس ياسر عرفات الالتزام بعملية السلام، ويطرح التساؤل، هل اتخذ قراراً بالتوصل الى سلام مع اسرائيل؟ وينوه بان الجواب سلبي، ويشيد المدماك الثاني عبر المقولة، اذا رغب أو لم يرغب بالسلام فان الاستراتيجية الذكية المتاحة له هي الالتزام، وفي المدماك الثالث نشهد ارتقاء في المفهوم الاحادي المعبر عنه بالقول، اذا رغب في السلام فان التزامه سوف يشجع هؤلاء الاسرائيليون الراغبون في السلام بالدفع بتقديم تنازلات بعيدة المدى من اجل الوصول الى اتفاقية نهائية، ويقدم ياكير بليسنير تدعيماً لمدماكه بمادة تبريرية من خلال مقولته سوف يقومون بذلك لان التزام عرفات سوف يقنعهم بجديته، ولذلك فانه لم يعد يشكل خطراً أمنياً، وبذلك يتم التسهيل لتقديم تنازلات أخرى، على كل حال فان الأمر لا يقف عند تشييد المداميك الثلاثة بل يتخطى ذلك الى وضع السقف لهذا البناء الافتراضي من خلال الجزم، اذا لم يرغب في السلام، سيكون عاقلاً ليلتزم، وبهذه الطريقة بامكانه الحصول على اقصى ما يمكن تحصيله بدون اراقة الدماء، وايضاً يضيف الى السقف مادة تدعيمية اخرى لتبرير اقواله، والجمهور الاسرائيلي سوف يفسر هذا الالتزام كمؤشر بان ياسر عرفات جدي تجاه السلام (6) .

عند التطرق للاحتمالات التي تفسر موقف الرئيس ياسر عرفات من اتفاقيات اوسلو ومجمل عملية السلام، تتجلى احادية المفاهيم التي اريد لها ان تتبلور وتصاغ على مقاس واحد وباتجاه واحد وبالضرورة لمحاسبة ياسر عرفات لوحده، وتندرج هذه الاحتمالات بالتالية:-

- ياسر عرفات ليس عقلانياً . - حتى مع رغبة عرفات بالسلام واستعداده للالتزام فانه أسير الضغط الداخلي الفلسطيني . - يرغب بالسلام ولكنه غير مستعد لدفع ثمن للسلام يتطلبه الالتزام . - يريد ادامة الصراع ويعتقد بان اسرائيل ضعيفة وستنهار .

ويضيف ياكير بليسنير الاحتمالية الخامسة والقائلة، بان ياسر عرفات يحاول تحصيل اتفاقية نهائية أفضل من التي يمكن تحصيلها بدون العنف، ولكن سرعان ما يقوم بدحض هذه الاحتمالية من خلال القول، بالرجوع الى مجريات كامب ديفيد فان هذه الامكانية ليست واردة حيث عرض على ياسر عرفات في مباحثات كامب ديفيد الحد الاقصى الذي يمكن تقديمه . وبذات الصدد فان التبرير يتلخص في ان المطالب الفلسطينية في مباحثات كامب ديفيد تشدد على السيادة على الحرم القدسي وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهذا سيقود الى تنازل اسرائيل عن حقها بالوجود والتعرض لخطر الانقسام المدمر في نسيجها الاجتماعي وهذا يعني انتهاء اسرائيل كدولة يهودية .

في ختام اطروحته يتسائل ياكير بليسنير، ماذا يتوجب على اسرائيل ان تفعل؟ ويستدرك، واذا كان الاحتمال الثالث هو الصحيح بان عرفات لا يرغب في دفع ثمن سياسي يتوجبه التزامه بالقسم المنوط به من الصفقة، وهنا يصل الى الاستنتاج بعينه الذي سبقه اليه الطاقم المتخصص في جهاز الأمن العام الاسرائيلي، من خلال القول، بان اسرائيل تحتاج ان تفرض على ياسر عرفات ثمناً عالياً جداً بحيث يدرك بان الثمن السياسي الداخلي اقل شأناً بالمقارنة .

2- الموقف من عملية السلام والتسوية التاريخية تتمحور الاطروحات البحثية، المختصة بقضايا الصراع العربي – الاسرائيلي، الصادرة عن مركز القدس الاسرائيلي للشؤون العامة، حول الموقف من الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، بنتيجة حرب حزيران 1967، والربط الجدلي ما بين تنفيذ وتطبيق الاتفاقيات المرحلية ومتطلبات التفاوض على قضايا الوضع النهائي على قاعدة عدم الاقرار والرفض الكامل لقرارات الشرعية الدولية باعتبارها غير ذات صلة، سواء برفض كل قرار على حدة او برفضها جميعاً من حيث كونها سلة واحدة جملة وتفصيلاً، ومن ضمنها قراري الاساس للجمعية العامة 181 لعام 1947 والقرار 194 لعام 1948، والذي بقوة الأول قامت دولة اسرائيل وبالاقرار بالثاني قبلت عضويتها بالامم المتحدة، وكذلك قراري مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 و338 لعام 1973، بدعوتها للانسحاب الاسرائيلي من الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، وعلى ذلك فان الرفض الكلي لقرارات الشرعية الدولية وارادة المجتمع الدولي يتجلى في نفي صفة الاحتلال الاسرائيلي عن الضفة الغربية وقطاع غزة وعدم الاعتراف بخط الرابع من حزيران وتسويغ ضم القدس العربية، من خلال الاصرار على مقولة أن الاراضي الفلسطينية لم تكن تخضع لسلطة سيادية شرعية، باعتبار ان الدولة الفلسطينية لم ترى النور ولم يتم تطبيق الشق المختص بالدولة العربية في قرار الجمعية العامة 181، وان الادارتين المصرية والاردنية لم تكونا سوى قوتي احتلال لاجزاء من فلسطين الانتدابية، ومن ثم ترويج الاطروحات البحثية للحل الانتقالي طويل الأمد وعدم شرعية قيام دولة فلسطينية مستقلة والاغفال الكامل لحق العودة لتندرج جميعها تحت يافطة حق اسرائيل بالوجود والحفاظ على هويتها ونسيجها الاجتماعي.

* الاحتلال والحدود الدفاعية في تناوله لموضوعه الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية عقب حرب حزيران 1967 باطروحته المعنونة "الحدود الدفاعية لاسرائيل"، يعمد دوري جولد، رئيس مركز القدس للشؤون العامة، السفير السابق لاسرائيل لدى الامم المتحدة، لتثبيت نقطة ارتكاز رئيسه لنفي صفة الاحتلال عن الاجتياح العسكري الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية في صبيحة الخامس من حزيران 1967، وبالمقابل التأسيس لمصطلح مناطق موضع نزاع، باستهلال تمهيدي، دخلت اسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة في حرب الايام الستة 1967، (7) لينتقل الى القول، قاوم الخبراء القانونيون الاسرائيليون الجهود الهادفة لتعريف الضفة الغربية وقطاع غزة بالمحتلتين، او كونهما تقعان تحت المعاهدات الدولية الرئيسة التي تختص بالاحتلال العسكري . ويورد الجدلية التالية لتدعيم نفي صفة الاحتلال:-

- بحكم الامر الواقع لا تنطبق اتفاقية جنيف الرابعة بما يتعلق بالاراضي المحتلة على الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث ان الاتفاقية بنيت على افتراض وجود قوة سيادية طردت وانها كانت شرعية، قبل العام 1967 قامت الاردن باحتلال الضفة الغربية ومصر احتلت قطاع غزة، والوجود الاردني والمصري في هذه المناطق كانت نتيجة لغزوهما غير الشرعي في العام 1948، وفقط اعترفت كلاً من بريطانيا والباكستان بضم الاردن للضفة الغربية في العام 1950 . بعد أن فرغ الدكتور دوري جولد من تثبيت نقطة الارتكاز لنفي صفة الاحتلال من خلال تدعيمها بجدلية أغفلت بجزئيتها المطروحة بالتركيز على وضعية الادارتين الاردنية والمصرية في الاراضي الفلسطينية، حقيقة ان قوة القرار 181 ليست مقصورة على اسرائيل وانها ايضاً منوطة بحكومة عموم فلسطين ومن ثم انتقلت لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي هي بصفتها الاعتبارية والتمثيلية مؤهلة لتجسيد حق تأسيس الدولة الفلسطينية استناداً الى قوة القرار 181 ومؤهلة للعضوية الكاملة في هيئة الامم المتحدة، انتقل الى تطوير مفهوم نفي صفة الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية بالانتقال به من الرفض المطلق للتعامل مع احكام القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقيات المبرمة الى القبول لاجزاء محددة تخدم النقلة الجديدة المتمثلة بالتفريق الواضح ما بين تسليم الصلاحيات المدنية للسلطة الوطنية الفلسطينية والسيطرة الاسرائيلية على الاراضي الريفية خارج المناطق السكانية الفلسطينية وعلى ذلك يورد النقاط التالية:-

- منذ العام 1994 أصبح 98% من السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الولاية القانونية الفلسطينية . وقامت اسرائيل بنقل السلطات في 240 من الميادين المختلفة وكذلك مسؤولية الأمن والنظام العام، بينما السلطات الباقية تتعلق بالامن الخارجي الاسرائيلي وأمن المواطنين الإسرائيليين . - ان هذه السلطات المتبقية قد استخدمت بكثرة في الاشهر الماضية كرد على تصعيد العنف والهجمات المسلحة التي فرضت على اسرائيل . - ان المادة السادسة من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أن القوة المحتلة تلتزم فقط بحدودها الى المدى الذي تمارس فيه وظائف الحكومة في مثل هكذا مناطق . - بالاعتماد على احكام اتفاقية هيغ (لاهاي) 1907 فان المنطقة تعتبر محتلة عندما تقع تحت السيطرة الفعلية للمحتل . - وبالاعتماد على المعاهدات الدولية الرئيسة التي تتعامل مع موضوعة الاحتلال العسكري فان نقل السلطات من قبل اسرائيل الى السلطة الفلسطينية تماشياً مع اتفاقيات اوسلو قد جعل من الصعوبة تصنيف الضفة الغربية وقطاع غزة بالمحتلتين. تبدو النبرة التقريرية تحصيل حاصل في الاطروحة المعنونة "الحدود الدفاعية لاسرائيل" للعمل البحثي" من مناطق محتلة الى مناطق موضع نزاع"، ليس فقط بالتتابع الزمني لاصدار الاطروحتين بل لما تضمنته من ارساء لقواعد الجدل الترابطي الذي شكل اسفل البناء الهرمي لاطروحة الحدود الدفاعية لاسرائيل (8) . وبما ان الدكتور دوري جولد مولع بالاستهلالات التمهيدية، فان هذه التقنية تجد طريقها ايضاً بمقولة تغلب عليها الصبغة التقريرية التي تشوبها لمسة يقينية بتأكيدها القائل، منذ حرب الأيام السته في حزيران 1967 الى وقتنا الحاضر، فان حاجة اسرائيل لحدود دفاعية ضمن أية تسوية سلمية مستقبلية، تعتبر أحد العوامل المسلم بها في السياسة الخارجية لها . ويرى ان قرار مجلس الأمن الدولي 242، قد هيأ المسرح لهذا المطلب بالاعتماد على الصيغة اللغوية التي تتطلب من اسرائيل بشكل محدد الانسحاب فقط "من مناطق" وليس من كافة المناطق الى حدود آمنة ومعترف بها، ويعتبر ان حق اسرائيل في حدود آمنة ومعترف بها انبثق من الظروف المحددة لحرب حزيران 1967 والتي دخلت فيها اسرائيل في حرب واضحة للدفاع عن النفس، وعلى ذلك يورد الأسباب التي جعلت من بحث اسرائيل عن حدود آمنة اكثر ملحاحيه بالتالية:-

- النصر الامريكي على العراق في العام 2003 والذي بنتيجة تحسن الوضع العسكري على الجبهة الشرقية لاسرائيل وبذلك دفع الى السطح التوقعات حول المتطلبات الاسرائيلية الاقليمية في التسوية السياسية . - استئناف الخيار الدبلوماسي الاسرائيلي – الفلسطيني من خلال خارطة الطريق التي ترعاها اللجنة الرباعية، والذي من المتوقع ان يثير نقاشات دبلوماسية حول موقعة الدولة الفلسطينية حتى بحدودها المؤقتة . - قيام اسرائيل ببناء سور عازل في الضفة الغربية على طول خط مختلف عن حدود 1967، الأمر الذي اثار التحفظات الامريكية على المسار والذي ارتكز على القلق أن يصبح المسار حدوداً سياسية نهائية . - بالرغم من احباط التهديد العراقي على المديين القصير والمتوسط، فان التهديد الفلسطيني برز في السنوات الثلاث الماضية الى الحد الذي يتقدم الى السياق الرئيس لطلب اسرائيل بحدود دفاعية . - مع اقتراب اسرائيل من تطبيق خارطة الطريق، سيكون من الضرورة الوصول الى تفاهمات اسرائيلية – امريكية جديدة حول الحدود الدفاعية .

في معرض طرح استخلاصاته يتكأ الدكتور دوري جولد على مقولة شاؤول موفاز رئيس الاركان الاسرائيلي ابان المداولات التي رافقت محادثات كامب ديفد بقوله، ان مقترحات كلينتون التجسيدية بما تحويه من ترتيبات أمنية لا تتلائم مع المصالح الاسرائيلية واذا تم قبولها فانها سوف تشكل تهديداً لأمن دولة اسرائيل ليصل الى الاستنتاج بان التنازلات العميقة التي قدمتها حكومة باراك والتي احتوتها خطة كلينتون اعتبرت كارثة لاسرائيل ويطرح التصور التالي:-

- قبل ان تشرع اسرائيل في تطبيق خطة الطريق سيكون من الملائم ان تصل الى تفاهمات جديدة مع الولايات المتحدة حول الاتجاه المستقبلي لعملية السلام . - في المدى المنظور ان بناء اسرائيل للجدار العازل يتوجب الاّ يصبح قضية اشكالية في العلاقات الامريكية الاسرائيلية . - ان السياج عبارة عن حاجز عسكري ولاسرائيل الحق باتباع تصورها الخاص حول تأمين احتياجاتها الامنية والتي يجب ان تحترم . - سوف تستمر اسرائيل بالاحتفاظ بالمستوطنات وتقوم باجراء العمليات العسكرية في كلا جانبي الجدار . - ان الجدار العازل سيتحول الى حدود سياسية دائمة اذا فشل الفلسطينيون في الدخول بمفاوضات مع اسرائيل . - ليس بالضرورة ان يصبح الجدار حدوداً نهائية اذا اتفق الفرقاء على حدود أخرى . - تفصيلات مكونات الحدود الدفاعية يجب ان توضع من قبل الادارة الامريكية والحكومة الاسرائيلية قبل ان تبدأ المرحلة الثانية من خارطة الطريق .

* المرحلية والاستراتيجية والدولة ثنائية القومية لا ضير في ان ينبري ثلة من الاكاديميين الاسرائيليين لتسويغ وترويج الرواية الرسمية الاسرائيلية لانهيار محادثات كامب ديفيد في تموز 2000، ومن الطبيعي ان يرى اصحاب النزعة الاكاديمية المحافظة الموغلة في تعصبها وانغلاقها في الرئيس ياسر عرفات سبباً لما يدعونه من التسبب في اغلاق بوابة الأمل وضياع الفرص السانحة، ولكن من غير الطبيعي والموضوعي ولا يمت للاكاديمية بصلة، ما يقوم به اصحاب النزعة عبر اطروحاتهم بتشويه للحقائق المتعمد والاصرار على تجاهل أبسط قوانين وقواعد النهج العلمي الموضوعي والمسلمات البديهية لتطور المجتمعات وسيرورة التاريخ في حركته الدائمة الى الامام .

في التعامل مع القضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي الاسرائيلي، يلجأ أصحاب النزعة الاكاديمية الصهيونية الى تعمية وتمويه المفاهيم وتجييرها لتبرير تضاضدية وتعاكسيه الاطروحات التي تفترض القبول الفلسطيني بانهاء النزاع واسقاط المطالبات الفلسطينية بتجسيد حق العودة واسترجاع كافة الممتلكات الفلسطينية العامة والخاصة في اسرائيل .

يشير الباحث جوناثان هاليفي في اطروحته المعنونة "محاولة لفهم انهيار المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية"، الى الفجوة السياسية التي لم تجسر بين السلطة الوطنية الفلسطينية واسرائيل والتي ظهرت في محادثات كامب ديفيد في تموز 2000، بانها كانت أولاً واخيراً نتيجة للتباين الواضح بين ادراك الزعامة لجوهر النزاع والهدف النهائي للمفاوضات ويستعرض جوناثان هاليفي وجهة النظر الاسرائيلية ضمن ذات التوليفة بتجاهلها للحقائق الراسخة للقضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي – الاسرائيلي، باعتبارها ان جوهر القضية نزاع بين كيانيين سياسيين هما الآن في طور التحضير للوصول لتسوية تاريخية والتي ستقود الى تعايش سلمي حقيقي بين دولتين مستقلتين (9).

في تحديد مفهوم التسوية التاريخية يطرح جوناثان هاليفي النقاط التالية:- - التسوية التاريخية في الادراك الاسرائيلي تستند الى الانتهاء التبادلي لحلم ارض اسرائيل الكاملة والحلم الفلسطيني بكامل التراب الفلسطيني . - هدف المفاوضات للحل الدائم الوصول الى صيغة تجسر الخلافات بالتساوي بين الطرفين، وكمثال اعتراف اسرائيل بالدولة الفلسطينية والتسوية، القدس في مقابل التنازل الفلسطيني في موضوع حق العودة . - الهدف النهائي للعملية بكاملها انهاء النزاع واسقاط المطالبات الفلسطينية اللاحقة وتحديداً عودة اللاجئين الفلسطينيين لاسرائيل واسترجاع الممتلكات الفلسطينية العامة والخاصة في اسرائيل .

في معرض طرحه لاستخلاصاته ينوه جوناثان هاليفي الى اصرار منظمة التحرير الفلسطينية على الالتزام بموقفها المبدئي غير المساوم بخصوص النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني حتى في ذروة المفاوضات والترتيبات المرحلية، وأن السياسة الفلسطينية المتبعة ترتكز على البرنامج الوطني المرحلي الذي يوظف كرافعة للنهج التاريخي الاستراتيجي بهدف تدمير المؤسسة الصهيونية واجهاض المشروع الصهيوني وبناء على هذا الاستخلاص يطرح الاستنتاجات التالية:_

- ان اقامة دولة فلسطينية سوف لن يكون نهاية المطاف للطروحات الوطنية الفلسطينية ولن يجبر الفلسطينيين على اغلاق بوابات الحل التاريخي . - ان التدفق الفلسطيني لاراضي الدولة الفلسطينية سيقود الى تمركز قوة بشرية متجددة وراديكالية . - ان التطلعات الفلسطينية باحياء الجبهة المناهضة لاسرائيل سوف يقود الى استقدام اللاعبين الاقليميين الى اراضي الدولة الفلسطينية مثل ايران وحزب الله .

لا شك ان الاصرار على الصاق الاتهام بالعداء للصهيونية بالمثقفين الاوروبيين واصوات معينة بالتحديد من اليسار الامريكي يمثل محاولة واضحة لتصدير الأزمة التي تعصف بالبنية الفكرية اليهودية وبما تحمله من تجليات وتداعيات على مجمل الحياة الثقافية في اسرائيل وعلى ذلك فان الاطروحة المشتركة للباحثين دوري جولد وجيف هيلمريخ والمعنونة "الاجابة على الاعداء الجدد للصهيونية: حقوق الشعب اليهودي في دولة ذات سيادة بوطنه التاريخي" قد اغفلت عن سابق قصد ذكر أي من رموز النزعة الاكاديمية الانسانية في اسرائيل، فيما يعرف بالمدرسة ما بعد الحداثية بحركاتها المختلفة والتي أهمها ما بعد الصهيونية، مثل توم سيجيف وبراخ كيميرلنغ (10) .

يستعرض دوري جولد وجيف هيلمريخ افكار الحركة المابعد صهيونية بالاشارة الى دعوتها الاحلالية والتي تطرح تصفية اسرائيل وغالباً ما تكون مترافقة مع قيام دولة ثنائية القومية فلسطينية – يهودية في مكانها، وينوها الى الطرح ما بعد الصهيوني والقائل بعدم وجود حقوق يهودية بالسيادة في اسرائيل وأن القومية اليهودية ليست عادلة بطبيعتها، وفي معرض انتقاد الحركة المابعد حداثية يثير النقاط التالية:-

- عدم ادراك النتائج القانونية والسياسية للتعبير القومي الاسرائيلي كدولة يهودية بما يمت بصلة لمواطنيها غير اليهود ومساواتهم بكافة مواطنيها . - تجاهل الظروف التاريخية المحددة والمخاطر التي قادت الى ظهور الحاجة لتعريف اسرائيل باليهودية . في معرض الاجابة على ما يحلو للباحثين جولد - هيلمريخ اطلاق لقب الاعداء الجدد للصهيونية ترتكز الاطروحة على محورين (11)، في المحور الأول تسحتضر الشروط الاربعة التي حددها القانون الدولي للمجموعات السياسية للاعتراف بها كدول هي المقرونة بالشعب والارض والحكومة والقدرة على الدخول بعلاقات مع الدول الأخرى . ولا يجد جولد - هيلمريخ بداً من الاستعانة بشهادة المندوب الامريكي في مجلس الأمن بأن اسرائيل قد أوفت بهذه الاشتراطات، للتغطية على الاستحضار المنزوع من سياقة، حيث ان المغالطة واضحة وضوح الشمس وقيام اسرائيل لم يكن بسبب الاشتراطات المذكورة بل بقوة القرار 181 وقبول عضويتها بالامم المتحدة ارتكز على الاقرار والتعهد من قبل ممثل حكومة اسرائيل امام اللجنة السياسية الخاصة بتطبيق قراري الجمعية العام 181 لعام 1947 و194 لعام 1948 (12) .

وفي المحور الثاني تسند الاجابة على ما تدعيه من فرصة سانحة ظهرت منذ العام 1517 من خلال بسط السيادة العثمانية على المشرق العربي، وتحديداً بخسارة تركيا للحرب العالمية الأولى وقيامها بالتنازل عن السيادة على المشرق العربي في اتفاقية سيفرز 1918، وحدوث الفراغ السيادي الذي قد افسح المجال للمطلب التاريخي للشعب اليهودي ولتدعيم هذا الاستناد التاريخي بالزيف الذي يحتويه فان الاطروحة تطرح المفارقة التالية:-

- توافد اللاجئين اليهود من اسبانيا عام 1492م الى الامبراطورية العثمانية ادى الى توسيع متزايد للوجود اليهودي في صفد والخليل وطبريا، حيث قام السلطان سليمان بمنح مستشاره اليهودي البرتغالي دون جوزيف ناسي اقطاعيات لاعادة توطين اليهود.

- خلال اعادة احياء الوجود اليهودي في ارض اسرائيل، كان الانطباع الغالب للرحالة الغربيين في القرن التاسع عشر بوجود القليل من السكان العرب وبالاعتماد على تحليلاتهم فان فلسطين كانت مسكونة بمجموعات سكانية مرتحله من الجزيرة العربية، والى حد ما كانت فلسطين ملاذاً مؤقتا، واضافة الى ذلك فان العثمانيين قد اسكنوا تجمعات سكانية مسلمة كحاجز ضد الهجمات البدوية، وكذلك قام الحاكم المصري ابراهيم باشا باحضار المستعمرين المصريين، ومن الجدير بالذكر بان اللقب مصري والمستعمل من قبل عشيرة في نابلس يعني مصري الأصل .

ان هذه المفارقة بما تحويه من الزيف تحاول رسم صورة للاسقاط القسري والجبري وهي والحال هذه لا يمكن الاّ ان تفهم في سياق الاستخلاص الاستنتاجي لاطروحة الاجابة على الاعداء الجدد للصهيونية والذي يقول: بغض النظر عن كون الهجوم الجديد على اسرائيل نتاجاً للعلمانية الراديكالية او دوائر فكرية معينة للذين لا يمتلكون الفهم للتاريخ اليهودي، او انها منبثقة من النزعة الماكرة المعادية للسامية والتي ولدت من جديد فانها بمجملها صناعة يد الجهل التام المتوثب على خصوصية جذور اسرائيل .

وعلى ذلك يتضح بما لا يدع مجالاً للشك النوازع اللاعلمية واللامنطقية واللاموضوعية للاكاديمية الصهيونية التي ومن باب الوفاء لانغلاقها وايغالها في التعصب الشوفيني وفي سعيها المحموم لتشويه الحقائق وتجاهل قوانين تطور المجتمعات وسيرورة التاريخ لا تكتفي بمناصبة الشعب الفلسطيني العداء بل تنقل معركتها ضد القوى والتيارات السلامية في اسرائيل وفي اوساط الجاليات اليهودية في العالم .

* الاعلان احادي الجانب للدولة الفلسطينية وحق العودة ينطلق الباحث طال بيكير في اطروحته المعنونة "الاعتراف الدولي بالاعلان احادي الجانب للدولة الفلسطينية: المأزق القانوني والسياسي"، من مقولة ان القانون الدولي يستوجب الايفاء باربعة معايير منفصلة للاعتراف بالكيانية السياسية كدولة مستقلة ذات سيادة (13) وهي التالية:-

- يتوجب على الكيانية ان تمارس سيطرة حكومية فعالة ومستقلة . - يتوجب على الكيانية امتلاك أرض محددة تمارس عليها السيطرة . - يتوجب على الكيانية امتلاك القدرة على التعاطي الحر بالعلاقات الخارجية . - يتوجب ان يكون تحكم فعال ومستقل على المجموعة السكانية .

هذا الاقتباس للمعايير المدرجة في معاهدة مونيفيديو حول حقوق وواجبات الدول توج سلسلة من الاشارات والاستشهادات والاقتباسات التي طالت هانس كيلسن، جايمس كوفورد . ولوتير باخت، ربما لتبرير الاثقال المقصود بتحميل الاطروحة اكثر مما تحتمل (14)، وفي معرض استعراضه للمعيار الأول، حول ممارسة السيطرة الفاعلة، ينوه طال بيكير الى عدم ممارسة السلطة الوطنية الفلسطينية لعملها كحكومة مستقلة بحكم طبيعتها كجسم للحكم الذاتي مؤقت ومحدود الصلاحيات وعلى ذلك يطرح الجدلية التالية:-

- ان السيطرة الحكومية الفاعلة للسلطة الوطنية الفلسطينية لا توجد حتى في المناطق السيادية الفلسطينية في ذات التصنيف (أ)، وغياب الدرجة المطلوبة للسيطرة تتجلى اكثر في المناطق الريفية ب،ج . - ان الرموز الاولية للحكومة الفاعلة ذات السيادة، مثل الأمن الخارجي والسيطرة على المجال الجوي ومسؤولية الأمن على كافة المعابر الحدودية والمطارات لم تنقل الى الكيان الفلسطيني وبقيت تحت الولاية القانونية الكاملة لاسرائيل . - لم يتم نقل أي نوع من الصلاحيات للسلطة الوطنية الفلسطينية في القدس خلال المرحلة الانتقالية حيث ان موضوع القدس احتفظ به لمفاوضات الوضع الدائم وفي ضوء غياب أية سلطة فلسطينية على القدس والممارسة الفعلية للسيادة الاسرائيلية والولاية القانونية على كافة اجزاء المدنية فان الاعلان الفلسطيني للدولة والذي يفهم منه الاحتواء على اجزاء من القدس ضمن اراضي الدولة الفلسطينية سيكون من الناحية القانونية بلا معنى .

رغم ان الاتفاقيات المرحلية قد استنفذت صلاحيتها منذ 4 آيار 1999 وتجاوزت 13 أيلول 2000 الموعد الذي حدد لاتفاقية الوضع الدائم، الاّ ان طال بيكر يحاجج ويطرح جدلية اخرى تعاكسية ضمن التالية:-

- لا يوجد مؤشرات محددة في الاتفاقيات الموقعة بان الترتيبات المرحلية تنتهي بتاريخ محدد . - الاتفاقات المرحلية تقدم تاريخاً لدخولها موضع التنفيذ العملي ولكنها لا تقدم تاريخاً بانتهائها .

في تناوله لمعيار الملكية لارض محددة يلجأ طال بيكير الى ذات الأسطوانة التي استخدمت على الدوام في وسائل الاعلام الاسرائيلية وخاصة اذاعة اسرائيل ليقدم لنا مادة دعاوية من قبيل ان الفلسطينيين عوّلوا كثيراً على اللاشرعية المزعومة للانتداب البريطاني لفلسطين ورفضوا قرار الجمعية العامة للامم المتحدة 181 لعام 1947، وضمن هذا السياق يدرج التالية:-

- ان شرعية الانتداب والتي قادت الى تأسيس وطن قومي يهودي في فلسطين تم التأكيد عليها بتكرار من قبل الهيئات الدولية مثل مجلس عصبة الامم ومحكمة العدل الدولية واللجنة الخاصة للامم المتحدة حول فلسطين والتي توصلت الى استنتاج بان الفلسطينيين لم يمتلكوا أرض فلسطين الانتدابية كأمة ذات سيادة وانه لا توجد أرضية للمسائلة بصلاحية الانتداب للسبب الذي تقدمت به الدول العربية .

- ان الاعتماد الفلسطيني على القرار 181 بذات القدر لا يملك الحجة، حيث ان الدول العربية والفلسطينيين قالوا بان هذا القرار ليس ذا صلة . - من اجل التعامل مع الحقائق الجديدة التي نتجت عن ذلك والمساعي المتلاحقة لتدمير دولة اسرائيل، فان الامم المتحدة قد تخلت عن المقترحات التي تضمنها القرار 181 مستبدلة اياه بقراري مجلس الأمن 242 و 338 اللذان اصبحا الاساس المقبول لعملية السلام .

في هذه الجدلية التي يطرحها طال بيكر تتضح المغالطات الكبيرة والتي هي نتاج للتوجه الدعاوي واستغلال لذات الاسطوانة المملة، وهذه المغالطات تندرج بالتالية:- - ان اللجنة الخاصة للامم المتحدة حول فلسطين قد رفضت كلا الحلين المتطرفين، وبأخذها لهذا الاجراء فان اللجنة على ادراك كامل بان العرب واليهود تقدموا بمطالب قصوى لحقوق ومصالح في فلسطين، العرب لكونهم ولقرون هم السكان الأصليون والمتوالدون فيها، واليهود لارتباطهم التاريخي في البلاد والوعود الدولية التي قطعت لهم لاحترام حقوقهم فيها (15) . وللحقيقة فان اللجنة الخاصة للامم المتحدة حول فلسطين كانت تفضل الحل القائم على دولة ثنائية القومية في فلسطين، ولكنها فضلت عليه التقسيم مع الاتحاد الاقتصادي وذلك للمتطلبات التي لم تكن ناضجة ومهيأة آنذاك وتحديداً التساوي في التركيبة السكانية والتي كانت بواقع 1.200.000 عربي مقابل 600.000 يهودي .

- اثبت حقائق الصراع العربي – الاسرائيلي وما آلت اليه القضية الفلسطينية وفي ظل الظروف بالغة التعقيد للنزاع الفلسطيني – الاسرائيلي ان القرار 181 ما زال يمتلك القوة الدافعة مع قرارات الشرعية الدولية سلة واحدة للوصول الى سلام عادل وشامل للقضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي الاسرائيلي . - ان الشرعية الدولية كل لا يتجزأ، ولم يسبق للامم المتحدة وهيئاتها ان اتخذت قراراً بالتخلي والاستبدال سواء القرار 181 لعام 1947 او للقرار 194 لعام 1948 وما زالت الجمعية العامة للامم المتحدة تؤكد على ضرورة تنفيذ كافة قراراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية .

حظي المعيار الثالث بنصيبه من المقولات التي لا تخفي اعتمادها على الاتفاقيات المرحلية لتحاجج بان مسألة العلاقات الخارجية قد وضعت جانباً لمفاوضت الوضع الدائم، وكذلك الحال مع المعيار الرابع والقول بان السلطة الوطنية لا تمارس صلاحيات مهمة على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، واضافة الى ذلك فان طال بيكير يلجأ الى الرواية الرسمية الاسرائيلية لانهيار مباحثات كامب ديفيد ليحاسب السلوك الفلسطيني بالقاء المسؤولية على العناد الفلسطيني الذي تسبب بتعطيل التوصل الى اتفاقية الوضع الدائم، وعلى ذلك يدرج الجدلية التالية:-

- سيكون من الظلم السماح للجانب الفلسطيني ان يعتمد على غياب اتفاق الوضع النهائي من اجل تبرير الاعلان احادي الجانب للدولة الفلسطينية . - من الجانب القانوني والسياسي يتوجب منع الفلسطينيين من استخدام نتيجة انتهاء محادثات كامب ديفد بدون التوصل لاتفاق كتبرير للافعال احادية الجانب والتي تشكل خرقاً للالتزامات الفلسطينية الحالية . - ان الاعتراف بالدولة الفلسطينية المعلنة احادية الجانب يبعث برسائل واضحة الى كافة المجموعات العرقية المطالبة بالاستقلال الذي تحقق فيه اهدافها بدون الحاجة الى مفاوضات حقيقية .

لعّل القاسم المشترك بين اطروحتي الدكتورة روث لا بيدوث الأوجة القانونية لقضية اللاجئين الفلسطينيين "واطروحة الباحث سكوت لاسينسكلي "كيفية مساعدة اللاجئين الفلسطينيين في الوقت الراهن"، عدم الاعتراف بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194 لعام 1948 والرفض الكامل لحق العودة للاجئين الفلسطينيين جملة وتفصيلاً، الاّ ان الاطروحتين على درجة من الاختلاف الذي أملته ظروف المعالجة، فالدكتورة لا يبدوث حاولت باطروحتها "الأوجه القانونية" بتركيز واضح ليس فقط على عوامل نزع الشرعية عن القرار 194 بل بناء استخلاصات تحصيل حاصل بشكل مطلق بنفي وجود حق للاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم التي هجروا وشردوا منها بنتيجة حرب 1948 وقيام دولة اسرائيل . على الجانب الأخر فان اطروحة سكوت لا سينسكلي انطلقت من الحالة الراهنة لعملية السلام للتبشير بآلية المبادرة المرتكزة على الحافز والتي تقتضي حل قضية اللاجئين على اراضي الدولة الفلسطينية والدول المضيفة للاجئين باعتبار أن اسرائيل ليست سبب المشكلة وليست طرفاً في قضية اللاجئين الفلسطينيين لا من قريب ولا من بعيد .

في التمهيد انطلقت روث لابيدوث من المنطلق الاساس ان النزاع الراهن ذو طبيعة سياسية ويتوجب التعامل معه من منظور قانوني للاسباب الثلاثة التالية:- - بعض القضايا المعينة ذات طبيعة قانونية . - استناد الفرقاء في دعواهم على حجج قانونية . - التسويات التي يتم التوصل اليها سوف تصاغ بمفردات قانونية وسيتم تضمينها في نص قانوني .

في الحديث عن بداية مشكلة اللاجئين استخلاص مكثف للسرد التاريخي الاجتراري والذي نجده في اكثر من موضع في النتاجات الاكاديمية أو الاعلامية والسياسية على حد سواء من خلال الادعاء القائل، خلال فترة عامي 47-1948 هرب وغادر العديد من العرب أو ابعدوا، وفي نفس الوقت فرّ اليهود من الدول العربية، وبينما تم استيعاب اليهود في الدول التي لجأوا اليها، فان اللاجئين العرب وبقصد منعوا من الاستيعاب في معظم الدول العربية، ما عدا الاردن، من اجل منع أي امكانية للتوصل الى تسوية مع اسرائيل (16) .

ومن خلال تناول تعريف من هو اللاجيء، تنتزع روث لا يبدوث من سلسلة اتفاقيات الامم المتحدة التعريف التالي:- أي شخص في خوف من الملاحقة لاسباب عرقية او دينية او قومية أو لانتمائه لاحدى المجموعات الاجتماعية او لمناصرته لرأي سياسي أو لوجوده خارج بلد جنسيته، وعدم تمكنه مدعاة لهذا الخوف وغير راغب في ترك حماية تلك الدولة او الذي لا يملك جنسية ويتواجد خارج البلد السابق لسكنه الطبيعي وغير قادر ويمتلكه الخوف ولا يرغب بالعودة الى ..

وفي معرض تبيان عناصر هذه التعريف المنتزع الذي لا يمت لموضوع اللاجئين الفلسطينيين بصلة، تدرج لابيدوث الجدلية التالية:- - في هذا التعريف لا يوجد ذكر لتتابع النسل بشمولية الاحفاد . - بالاعتماد على هذا التعريف فان عدد الفلسطينيين المؤهلين لوضعية اللاجئين سيكون اقل من نصف مليون . ان المغزى من انتزاع التعريف من سلسلة اتفاقيات الامم المتحدة والتعامل معه باعتباره الانموذج المسلم به، يتضح من المقولة التي اسبقتها روث لا يبدوث لتعريف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا" من خلال القول، لم يتم تعريف اللاجئين الفلسطينيين باي وثيقة رسمية ووكالة الغوث تبنت تعريفاً مطاطا، وفي ذلك محاولة مسبقة لنسف تعريف وكالة الغوث . تعريف وكالة الغوث ... اللاجيء الفلسطيني هو الشخص الذي كان سكنه الطبيعي فلسطين لمد سنتين كحد أدنى قبل النزاع 1948 والذي هو كنتيجة لهذا النزاع فقد بيته ووسيلة عيشه ولجأ الى احدى البلدان التي تقوم بها الوكالة بتقديم الاغاثة . واللاجئون حسب هذا التعريف والنسل المباشر لمثل هؤلاء اللاجئين لهم الحق بتلقي المساعدة من الوكالة اذا تم تسجيلهم بوكالة الغوث ويسكنون في منطقة عمليات الوكالة .

تدرج لا بيدوف مآخذها بالنقاط التالية:- - ان هذا التعريف واسع جداً ومن خلاله يتزايد عدد اللاجئين باستمرار . - يلائم عمل وكالة الغوث من اجل تحديد المؤهل لتلقي المساعدة ولكنه بصعوبة يلائم الغايات الأخرى . ان المأخذ الرئيس والذي لم تدرجه لابيدوث يكمن في المسؤولية الاساسية لوكالة الغوث والمناطة بها من القرار 194 لعام 1948 في عملية تجسيد حق العودة للاجئين الفلسطينيين بالتعاون مع الهيئات والوكالات المتخصصة للامم المتحدة (17) .

بمعرض تناول حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة تقتبس روث لابيدوث النص التالي من الاعلان العالمي للحقوق المدنية والسياسية "لا أحد سوف يحرم تعسفيا من الحق بدخول بلده"، مع ان هذا الاقتباس من وثيقة أقرت في العام 1966 ولا تمت لموضوع اللاجئين الفلسطينيين بصلة الا ان لابيدوث تفصح عن السبب في لجوئها للاقتباس بالقول، ان مقارنة مختلف النصوص والنظر في النقاشات التي جرت قبل اقرار هذه النصوص التي قادت الى الاستخلاص بان حق العودة فقط محصوراً بمواطني الدولة. وبذلك وبكل جلاء فان لابيدوث تشير الى اللاجئين الفلسطينيين ليسوا مواطنين بالدولة، وتضيف: وحتى ان حق المواطنين بالعودة ليس من طبيعة مطلقة، ولكن يمكن ان يكون محدداً بشرط ان تكون اسباب الحرمان او التحديد ليست جرمية .

ان مفهوم الدولة عند لابيدوث، ولا ريب مفهوماً غيريا ضمن سياق الخطاب الذي تناولته ومن خلال التساؤل الذي طرحته من الذي يتمتع بالعودة؟ او ما نوع العلاقة التي يتوجب ان توجد بين الدولة والشخص الذي يرغب بالعودة ؟ ان هذا المفهوم الغيري يتحدث ليس عن دولة قامت بقوة قرار التقسيم 181 لعام 1947، واشترط قبول عضويتها بالامم المتحدة باقرارها تطبيق قراري الجمعية العامة 181 لعام 1947 والقرار 194 لعام 1948، وعلى ذلك فان الدولة التي تحدثت عنها لابيدوث ضمن مفهومها الغيري هي دولة اسرائيل التي ارتبطت شرعيتها بوجود دولة فلسطينية الى جانبها وبعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وممتلكاتهم ضمن الحدود التي رسمها القرار 181، وما لم يتحقق ذلك فان شرعية دولة اسرائيل تبقى موضع التساؤل .

لا يقف المفهوم الغيري التغييبي عند حد التعامل مع نص الاعلان العالمي للحقوق المدنية والسياسية بل يتعداه الى القرار 194 لعام 1948 وتحديداً مع الفقرة الاولى من البند الحادي عشر بادعاء الدكتورة روث لابيدوت بأن التفسير للنص لا يحمل صيغة الأمر وان الفقرة لا تعترف بأي حق ولكنها توصي بان اللاجئين يتوجب السماح لهم بالعودة، ان هذه محاولة واضحة للتلاعب اللغوي اولاً باقحام التفسير والتغاطي عن النص، وثانياً بالاقتراح بان الفقرة لا تعترف بحق، وثالثاً بالحديث عن التوصية . ان النص واضح ولا يحتاج الا ان يؤخذ كنص .. تقرر وجوب السماح بالعودة، في اقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة الى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات، عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة الى ديارهم وعن كل مفقود او مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب، وفقاً لمباديء القانون الدولي والانصاف، ان يعوض عن ذلك الفقدان او الضرر من قبل الحكومات او السلطات المسؤولة . روث لابيدوث اغفلت الفقرة الثانية من البند الحادي عشر .

وتصدر تعليماتها الى لجنة التوفيق بتسهيل اعادة اللاجئين، وتوطينهم من جديد، واعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك دفع التعويضات وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الامم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة المناسبة في منظمة الامم المتحدة .

ان الاستنتاج الذي خلصت به روث لابيدوث في تطرقها للقرار 194 بأن ميثاق الامم المتحدة لا يؤهل الجمعية العامة بان تتبنى قرارات ملزمة باستثناء امور الميزانية وبما يتعلق بنظامها الداخلي ولوائحها وقوانيها . وهذا الاستنتاج مغالطة كبيرة حيث ان الجمعية العامة هي أساس المنظمة الدولية وهي بدورتها السنوية تطرح على البساط كافة القضايا المتعلقة بالامن والسلم العالميين . في التطرق لحرب الخامس من حزيران 1967 وما آلت اليها من نتائج، تشير لابيدوث الى200,000 فلسطيني من النازحين الذين تركوا منازلهم وانتقلوا الى مكان آخر في نفس الدولة، وهذه الاشارة الى الاردن باعتبار ان الضفة الغربية كانت تحت الادارة الاردنية، وفي معرض تناولها لقرار مجلس الأمن 237 بتاريخ 14 حزيران 1967 للاقتباس المجزوء للبند الأول بالشكل التالي، الذي دعا حكومة اسرائيل "لتسهيل عودة هؤلاء سكان المناطق التي وقعت فيها العمليات العسكرية والذين فروا منها منذ اندلاع المعارك، مستعيضة عن القراءة التامة .

1. يدعو حكومة اسرائيل الى تأمين سلامة وخير وأمن سكان المناطق التي جرت فيها عمليات عسكرية، وتسهيل عودة اولئك الذين فروا من هذه المناطق منذ نشوب القتال. وكما ادعت لابيدوث بان القرار 194 لعام 1948 بالفقرة الاولى من البند الحادي عشر، لا تعترف باي حق ولكنها توصي بان اللاجئين يتوجب السماح لهم بالعودة، فانها تسحب نسخة طبق الأصل للبند الاول من قرار مجلس الأمن 237 لعام 1967 لتقول: ان القرار لا يتحدث عن حق للعودة وكبقية قرارات مجلس الأمن فانه ذات طبيعة توصوية .

في معرض التعامل مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 لعام 1967، نوهت روث لابيدوث بان القرار يعتبر على غاية من الأهمية لعملية السلام العربية – الاسرائيلية واشارت الى البند (ب) من الجزء الثاني بتأكيد الحاجة من اجل التوصل لتسوية عادلة لمشكلة اللاجئين وطرقت الجدلية التالية:-

- ان المجلس لم يتقدم بحل محدد، ولم يحصر البند على اللاجئين العرب وذلك ربما بسبب حق التعويض للاجئين اليهود من البلدان العربية الذين يستحقون تسوية عادلة. - لا يوجد أي سند قانوني للدعوى العربية بان القرار 242 يتضمن الحل الذي أوصى به قرار الجمعية العامة 194 لعام 1948 . لا ريب بان جدلية لابيدوث لا تنتمي الى الجدل باي حال من الاحوال ليس فقط للمغالطات التي تنضوي عليها بل للاسقاطات التي حملتها، فالقرار اعرب عن قلق مجلس الأمن للوضع الخطير في الشرق الاوسط واكد على عدم جواز الاستيلاء على الاراضي بالقوة والحاجة الى العمل من اجل سلام عادل ودائم، وفي البند الأول بشقيه تقدم بالحل: أ‌- انسحاب القوات المسلحة الاسرائيلية من الاراضي التي احتلتها في النزاع الأخير . ب‌- انهاء جميع ادعاءات او حالات الحرب واحترام واعتراف بسيادة ووحدة اراضي كل دولة في المنطقة، واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنه ومعترف بها، حرة من التهديد بالقوة او باستعمالها .

وفي البند الثالث ... بطلب من الامين العام تعيين ممثل خاص ليتوجه الى الشرق الاوسط كي يجري اتصالات بالدول المعنية ويستمر فيها بغية ايجاد اتفاق، ومساعدة الجهود لتحقيق تسوية سلمية ومقبولة وفقاً لاحكام هذا القرار ومبادئه . مهما يكن من أمر مغالطات واسقاطات لابيدوث، فان الفقرة "ب" من البند الثاني للقرار 242 بنيت بالاساس على الخطاب المجسد في البند الحادي عشر للقرار194 لعام 1948 الذي خص به اللاجئون الفلسطينيون دون سواهم، والسند في الدعوى العربية يتلخص في أن الشرعية الدولية كل لا تتجزأ ولا تتقادم مع الزمن، وهي تجد قوتها في مجموع قرارات الشرعية الدولية وارادة المجتمع الدولي.

في اطروحته "كيفية مساعدة اللاجئين الفلسطينيين في الوقت الراهن"، ينطلق سكوت لا سينسكلي من الحالة الراهنة لعملية السلام في مأزقها المستعصي للتبشير بآلية المبادرة المرتكزة على الحافز لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال الاستعانة بمنظومة معلوماتية ترتكز على التالية:- - منذ التوقيع على اتفاقات اوسلو في العام 1993، قامت المجموعة الدولية بضخ ما يناهز الخمسة بلايين دولار في الاراضي الفلسطينية، جاعلة الفلسطينيين في اعلى مستويات تلقي الافراد من مساعدات التطوير . - جهود الاعانة التي واكبت اتفاقات اوسلو كان القصد منها بالأصل اعطاء ثمرة السلام للفلسطينيين من اجل ارساء دعم شعبي متزايد للمفاوضات . - مع تعطل عملية السلام، فان الدعم توجه بشكل متزايد للبرامج الطارئة

وبناء على هذه المنظومة المعلوماتية فان سكوت لاسينسكلي يبلور المنطلق القائل بان الدعم الذي واكب اتفاقات اوسلو لم يتوجه الى قضية اللاجئين لكون القضية موضوعاً لاتفاقية الوضع النهائي (18) وعلى ذلك يطرح الجدلية التالية:- - ان الدول المانحة ستكون على قدر من العقلانية بان لا تكرر اخطاء العقد الماضي وتتجاهل الوضع الصعب للاجئين الفلسطينيين . - ان وضع آلية انفراج لاوضاع اللاجئين الفلسطينيين ستؤدي الى حل النزاع وسوف تسهم على المدى البعيد بالوصول الى السلام وتحقيق الاستقرار، بدلاً من الاستراتيجية الراهنة القائمة على زيادة دعم الطواريء وانعاش السلطة الفلسطينية المحطمة التي يقودها ياسر عرفات .

في التبرير لاقتراح آلية المبادرة المرتكزة على الحافز يعتقد سكوت لاسينسكلي بأن القوى المؤثرة من الخارج باستطاعتها تقديم وترسيخ القناعة بان الأثر الخالص لخلق ظروف ايجابية على الارض يسهم في الحل المحتمل للنزاع، بدلاً من انتظار الاسرائيليين والفلسطينيين للاتفاق على تسوية نهائية والذي قد يستغرق جيلاً آخر، وعلى ذلك فانه يرى بان العمل لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين سيكون النقطة الاساس الملائمة للانطلاق منها، وبناءً عليه فان سكوت لاسينسكلي يضع على كاهل الولايات المتحدة اطلاق مبادرة دولية تتضمن العناصر التالية:-

- دعم اعادة التأهيل والتوطين في الضفة الغربية وقطاع غزة . - تقديم سلة حوافز لحق السكن والاقامة في الدول غير المضيفة ومن ضمنها الدول الغربية . ان الافتراضات التي وضعها سكوت لاسينسكلي لآلية المبادرة المرتكزة على الحافز لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين في الاراضي الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة وفي الدول المضيفة، قد انطلقت من النقطة الخطأ باغفالها وتغييبها لقرار الجمعية العامة 194 لعام 1948، وهي لذلك بالضرورة انتهت الى المغالطات والاسقاطات بكافة اشكالها والوانها، ان ما تقترحه المبادرة بعناصرها وآليتها، ما هو الاّ قفزة في الهواء وهروب الى الأمام وبالنتيجة تصدير للمسؤولية بالقائها على كاهل الآخرين عبر التنصل والادعاء بأن اسرائيل ليست السبب في مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وليست طرفاً، والاطروحة جعلت من الفلسطينيين والعرب السبب في المشكلة في نفس الوقت الذي وضعت فيه على كاهل الولايات المتحدة مسؤولية حل المشكلة .

3- اشتراطات السلام المستحيل فيما ترتكز الاكاديمية الصهيونية على الافتراضات والمنطلقات التعاكسية في التنظير لمواقفها النمطية باحكامها الاستباقية ضمن قوالب محددة تجاه الشعب الفلسطيني ووجوده على أرض وطنه وتطلعاته وأمانيه، فانها وبما يخص المسيرة السلمية وعبر المشاريع المطروحة لا تعبر استنتاجاتها واستخلاصاتها والرؤية التي تبشر بها، الاّ عن تجليات النظرة الأحادية ووضع الاشتراطات والاصرار على الاملاءات.

النظرة الأحادية للاكاديمية الصهيونية ترى ان خارطة الطريق تخدم خطة عمل الامم المتحدة التي هدفها الانتقاص من دور المفاوضات وفرض حلول محددة مسبقاً للنزاع الفلسطيني – الاسرائيلي، وأن نموذج اتفاق جنيف لا يمكن تبنيه من أي مهتم بأمن ومستقبل الدولة اليهودية، وذات النظرة التي تروج لجدار الفصل العنصري والانفصال احادي الجانب عبر مقولة، ان الاتفاقيات ومن ضمنها اتفاقات اوسلو سريعة الزوال ولكن البناء المادي للجدار له تأثير فوري ومحسوس .

* خارطة الطريق في تعريفها لخارطة الطريق تعمد آني بايفسكي الاستاذ المساعد للقانون في جامعة كولومبيا في نيويورك لاستحضار رمز تاريخي بما يحويه من الدلالات في سعي لتوضيح الفكرة المتوخاه، فخارطة الطريق هي حصان طروادة المستوحى من الامم المتحدة الذي دخل العمق الاسرائيلي والفارس الامريكي يمسك بزمامه . ففي اطروحتها "الامم المتحدة والهجوم على شرعية اسرائيل: متضمنات خارطة الطريق" . لا تعدم الدكتورة آني بايفسكي، الوسيلة لابراز موقفها من الامم المتحدة من خلال اقرانها بخارطة الطريق محتفظة للهيئة الدولية بسجل حافل من السلبية والذي تستخدمه كخزان كبير تخرج منه قصاصاتها الاتهامية لتشير الى موضوعة أو تنوه الى اخرى . وفي جميع الحالات فان الأمم المتحدة في موقع الاتهام والتجريم (19) .

في معرض تناولها للعلاقة بين اسرائيل والامم المتحدة فان الدكتورة بايفسكي تحمل الهيئة الدولية مسؤولية التدمير الحاصل لحقوق الانسان ضمن ما تطرحه من جدلية في المقولة التالية، مع الآخذ بالاعتبار خاصية انتساب خارطة الطريق، فان حقوق الانسان قد تكون العملة السياسية الاكثر قيمة في الوقت الراهن، ولهذا السبب بالضبط تحاول الدول المجرمة وكذلك واللاعبون السياسيون الاستيلاء عليها، والامم المتحدة باعتبارها الحارس المؤتمن على حقوق الانسان قد مهدت الارض لهذا التدمير، وهي الجسم القائم حاليا على معارضة اللاسامية قد استخدمت في السابق كعربة عالمية رئيسة ضد السامية، انها لا سامية الى الحد الذي يتواصل فيه في اورقة الامم المتحدة اتخاذ الاجراءات الكبيرة التي تتطلب الكثير من الجهد لأضفاء صبغة الشيطان الشرير على اسرائيل وبالتالي تدمير الدولة اليهودية .

لا يقف اتهام الهيئة الدولية عند هذا الحد بل ينتقل الى حلقة اخرى في ذات السلسلة التي تترابط حلقاتها بالاقتران بخارطة الطريق حيث تشير آني بايفسكي الى ممارسات واهداف مزعومة للامم المتحدة بقولها، وباختصار ان الامم المتحدة هي الأم لخارطة الطريق وتقوم بالتهيئة والتغذية للعداء للسامية حيث يتم انكار الضحايا اليهود بشكل روتيني ويستبدلون بالضحية الفلسطيني الذي يدعى بانه يعيش تحت الاضطهاد العنصري الاسرائيلي بنموذجية النازي، ان هدف الامم المتحدة الانتفاض من دور المفاوضات والتدخل لمصلحة الضحية الفلسطيني على ارضية ان الاحتلال الاسرائيلي يشكل الجذر المسبب للنزاع وذلك من أجل فرض حلول محددة مسبقاً على مرتكب الجرم الاسرائيلي وهذه هي خطة الطريق التي تخدم الآن خطة العمل هذه .

تمثل نظرة اني بايفسكي الى دور الولايات المتحدة المدخل الصحيح لفهم الموقف الذي عبرت عنه تجاه الهيئة الدولية، فهذا الرفض المطلق للدور المناط بالامم المتحدة يقابله عدم الرضى من التوجهية الاممية للسياسية الخارجية الامريكية وضمن هذا السياق تضع آني بايفسكي المنطلق الاشكالي للدور الامريكي بالتنويه بان التبني الامريكي لخارطة الطريق يمثل تحركاً زلزالياً في موقف الولايات المتحدة وهي تطرح الجدلية التالية:-

- ان سياسة الامم المتحدة المتبعة لمدة طويلة اعتمدت على الدفع بحلول مفروضة وليس حلولاً تفاوضية يمكن هضمها بالكامل، ان التغيير قد حصل في الفترة من خريف عام 2001 وحتى نهاية عام 2002 . - اشكالية الموقف الامريكي تنبع بالاساس من انتهاج الولايات المتحدة لدور قيادي ومباشر في الشرق الاوسط، كما هو الحال في العراق، في الوقت الذي تتخلى فيه للجنة الرباعية واجندة الامم المتحدة عن الدور الريادي الاساس المتحكم في سياق النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي . - توافق المصلحة الامريكية في دور اللجنة الرباعية مع اضفاء صبغة توجهية الامم المتحدة على السياسة الخارجية الامريكية .

وانسحاباً على هذه الجدلية فان آني بايفسكي تحاسب الموقف الامريكي في الامم المتحدة بالاشارة الى الفترة الممتدة ما بين 12 آذار وحتى 19 نيسان 2002 باعتبار ان الولايات المتحدة سمحت أو انها دفعت بفعالية اقرار اربعة قرارات لمجلس الأمن الدولي تتعلق بالنزاع الفلسطيني – الاسرائيلي، وتشير ايضاً الى فشل الولايات المتحدة في 24 ايلول 2002 بنقض قرار آخر لمجلس الأمن . وعلى ذلك فانها تخلص الى الاستنتاج بان المسؤولين الامريكيين قاموا بالتضحية باسرائيل من اجل الحصول على قرار يمهد الطريق لاستصدار قرار من مجلس الأمن حول العراق . في معرض قرائتها لخارطة الطريق تنطلق آني بايفسكي من توجيه التحذير بقولها ان كل المؤشرات المحيطة بولادة خارطة الطريق يتوجب ان توقظ في الاسرائيليين الشعور الدفاعي .

وتدرج المأخذ التالية: - تعارض خارطة الطريق مع كلمة الرئيس جورج بوش بتاريخ 24 حزيران 2002 . - الانتقال من النبضة الى التوازي ومن ضرورة وقف الارهاب الفلسطيني اولاً الى تنفيذ الواجبات بالتوازي - تمييع مبادىء التنفيذ المرتكز على السيرورة من خلال اللجوء الى وضع جدول واهداف محددة بتواريخ ومن خلال تصميم عملية المراقبة والتي نظريا قد تدفع العملية الى الامام بغض النظر عن الالتزام . - لا تصر خارطة الطريق على الزامية وجود قيادة فلسطينية جديدة . - تهميش تفاصيل متطلبات محاربة الارهاب واحتوائها على الاحتمال الواعد بقبول شرعنة السلاح غير القانوني . - توفر خارطة الطريق التساوي الاخلاقي بين التحريض الفلسطيني وما يدعي بالاسرائيلي . - الانتقال من الدعم الامريكي المشروط الى الالتزام الثابت باقامة دولة فلسطينية مستقلة كجزء من سلسلة خطوات متفق عليها .

ورغم هذه القائمة الطويلة من المأخذ فان الدكتوة آني بايفسكي تتحدث عن الألغام الماثلة في خارطة الطريق وفي مقدمتها موقف الامم المتحدة الذي يرى في التحفظات الاسرائيلية الاربعة عشر لا وضع لها وانها غير ملزمة باية طريقة كانت ولا يوجد للامم المتحدة ادنى علم بضمانات امريكية تتعلق بهكذا تحفظات، وتشير آني بايفسكي الى تشديد الجانب الاسرائيلي بان خارطة الطريق ليست وثيقة قانونية وان بنودها كما تواريخها غير واقعية وتدعي باقرار كافة الاطراف بان لا محاولة جرت لضمان التواصل بين خارطة الطريق وما قبل اتفاق اوسلو أو ما بعده من اتفاقات مرحلية قانونية. ان ما تثيره آني بايفسكي في النقاط الثلاث آنفة الذكر بما يتعلق بالطعن بالوضع القانوني والتواصل لا يعتمد على أساس حيث ان كلا العنصرين ماثلان فيما تضمنته الوثيقة في مقدمتها وكما في الفقرة الثالثة ... ستؤدي التسوية التي سيتم التفاوض عليها بين الطرفين الى انبثاق دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية، قادرة على البقاء، تعيش جنباً الى جنب بسلام وأمن مع اسرائيل وجيرانها الآخرين وسوف تحل التسوية النزاع الاسرائيلي الفلسطيني وتنهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967، بناء على الاسس المرجعية لمؤتمر قمة مدريد، ومبدأ الارض مقابل السلام وقرارات الامم المتحدة 242 و 338 و 1397، والاتفاقات التي تم التوصل اليها سابقاً بين الطرفين، ومبادرة ولي العهد السعودي الامير عبد الله، التي تبنتها قمة الجامعة العربية في بيروت، الداعية الى قبول اسرائيل كجار يعيش بسلام وأمن، ضمن تسوية شاملة . ان هذه المبادرة عنصر جوهري في الجهود الدولية للتشجيع على سلام شامل على جميع المسارات، بما في ذلك المساران السوري – الاسرائيلي واللبناني – الاسرائيلي .. (20)

في الاشارة الى اللغم الرابع بالسخرية من أي ارتباطات عاطفية متلاشية وخاصة عند الحديث عن توافق خارطة الطريق لخصائص السيادة التي ستتطابق مع الدولة الفلسطينية في المرحلة الانتقالية، ومع وضوح النص المتعلق بالتطابق في نص البندين الاخيرين من المرحلة الاخيرة وتحديداً التواصل الجغرافي والدور الدولي المعزز في المراقبة والاعتراف بالدولة الفلسطينية والعضوية في الامم المتحدة . وكما في اللغم الثالث ففي تناولها للغم الرابع فان الدكتورة بايفسكي تشير الى اقامة الدولة الفلسطينية عبر عملية تفاوض اسرائيلي فلسطيني وتغفل ان النص المشار اليه في نهاية المرحلة الثانية اقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات حدود مؤقتة عبر عملية تفاوض اسرائيلي – فلسطيني، يطلقها المؤتمر الدولي، وكجزء من هذه العملية، تطبيق الاتفاقات السابقة لتعزيز اقصى حد من التواصل الجغرافي، بما في ذلك اجراءات اضافية بشأن المستوطنات مع اقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة .

وكذلك فان الدكتورة بايفسكي تضع اسقاطاتها على ألسنة المسؤولين الاسرائيليين الذين تصفهم بانهم يضعون ثقتهم لتفادي النتائج المفروضة في الكلمات الموجودة في آخر المرحلة الثانية، وكذلك كلمات المرحلة الثالثة، ونحن قد بينا النص المشار اليه في الشق الأول في المقولة ولا ضير لو اننا احتكمنا لنص البند الأول من المرحلة الثالثة .. المؤتمر الدولي الثاني تعقده المجموعة الرباعية، بالتشاور مع الطرفين، مطلع عام 2004 للمصادقة على اتفاق يتم التوصل اليه حول الدولة الفلسطينية المستقلة ذات الحدود المؤقتة والاطلاق الفعلي لعملية تحظى بدعم فعال متواصل، وعملياتي من قبل المجموعة الرباعية، تؤدي الى حل دائم لقضايا الوضع النهائي عام 2005، بما في ذلك الحدود، والقدس، واللاجئون، والمستوطنات، ودعم التقدم نحو تسوية شرق اوسطية شاملة بين اسرائيل ولبنان، واسرائيل وسورية، والتي ستتم باسرع وقت ممكن.

بالاعتماد على ذلك كله فان اشارة آني بايفسكي لموقف الامم المتحدة القاضي بان المصادقة الاسرائيلية ليست مطلوبة لتأسيس الدولة الفلسطينية، على غاية من الوضوح والجلاء .

* وثيقة اتفاق جنيف في تناوله لوثيقة اتفاق جنيف باطروحته المعنونة اتفاقية جنيف: تقييم استراتيجي ينطلق ياكوف أميدرور، عميد احتياط، الرئيس السابق لقسم البحث والتقييم في الجيش الاسرائيلي، من فرضية ان نموذج اتفاقية جنيف لا يمكن تبنيه من أي اسرائيلي مهتم بأمن ومستقبل الدولة اليهودية (21)، ومن هذه الفرضية يبلور منطلقات اطروحته المعنونة "اتفاقية جنيف: تقييم استراتيجي "ليطرح الجدلية التالية:-

- الوفد الاسرائيلي التفاوضي ذاتي التعيين الذي يزعم التحدث باسم غالبية الاسرائيليين توصل لاتفاق مع وفد فلسطيني، وهذا الاتفاق الغي تقريباً كافة الترتيبات الامنية التي سعت الحكومات الاسرائيلية السابقة لترتيبها في الضفة الغربية وقطاع وغزة . - مهندسو اتفاق جنيف من الجانب الاسرائيلي لم يتعلموا شيئاُ من تجربة انهيار اتفاقات اوسلو، فاتفاق جنيف ترك اسرائيل بلا شبكة أمان في حال خرق الاتفاقية من الجانب الفلسطيني . - وافق مهندسو اتفاقية جنيف على طرد اكثر من 100.00 يهودي اسرائيلي من المناطق . - باسم الشعب اليهودي تنازل فريق جنيف الاسرائيلي عن السيادة على جبل الهيكل، الموقع الاكثر قداسة في التاريخ اليهودي، مما يشكل تأثيراً كبيراً على المفترضات المستقبلية طويلة الأمد لتخلي الحركة الصهيونية عن القدس . - بالاعتماد على اتفاقية جنيف، فان الاسرائيليين يعترفون للمرة الاولى بالحق الفلسطيني بالعودة الى اسرائيل ما قبل 1967، وفي المقابل فان الفلسطينيين وافقوا على ان ليس كل الفلسطينيين سيعودون الى اسرائيل .

في التعرض للتنازلات الاسرائيلية يلجأ ياكوف اميدور الى ادراج ما يتحدث عنه من تنازلات في خانات ثلاث: أولها بما يتعلق بالقدس، وثانيها بما يخص الضفة الغربية وقطاع غزة وختامها الترتيبات الأمنية . يعتقد العميد إحتياط ياكوف اميدرور بان الاسرائيليين قد اتخذوا خطوة لم تقدم عليها أي حكومة اسرائيلية من قبل، فقد نقلوا السيادة على جبل الهيكل في القدس الى الفلسطينيين، وبذلك يتم تأسيس الصهيونية بدون صهيون مما يعتبر تنازلاً ايدلوجيا ينسحب على القيم الفردية، وفي تبيان اثر التنازل الايدلوجي يرى أميدور بان اتفاق جنيف يتيح للفلسطينيين نصرهم النهائي في الموضوعة الاساسية لجوهر الصراع، والتي اثاروها منذ بداية الهجرة اليهودية بالتساؤل عن طبيعة عودة اليهود لما يفترض بانه وطن تاريخي أو انهم حضروا كمحتلين اجانب، ولا يفوت ياكوف اميدور التنويه الى ا